Insurance Tariff in Iraq: a preliminary approach

تعريفة التأمين: مقاربة أولية

 

منعم الخفاجي

 

 

نشر هذا المقال في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2018/06/17/%d9%85%d9%86%d8%b9%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%81%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b1%d8%a8%d8%a9-%d8%a3/

 

 

كتب لي الزميل والصديق مصباح كمال بتاريخ 5 أيار 2018 الرسالة التالية:

 

هل بإمكانك أن تؤكد لي بأن سوق التأمين العراقي، قبل وبعد التأميم، كان يستخدم تعريفة لتأمين الحريق، مستمدة من تعريفة لجنة مكاتب الحريق في لندن Fire Offices Committee (FOC)؟  تعرف بأن لجنة مكاتب الحريق كانت تضم عدداً من شركات التأمين البريطانية، وكانت هذه الشركات تلتزم بالتعريفة الصادرة من المكتب للاكتتاب بخطر الحريق.  استمر العمل بالتعريفة لغاية 1985 رغم أن المكتب تخلى طوعياً عن التعرفة سنة 1971 واقتصر دوره على تصنيف الأخطار ومنع الخسارة.

 

سأكون شاكراً لو تقدمت بأية معلومات أخرى عن موضوع التعريفات في سوق التأمين العراقي.

 

لم اطلع سابقاً على مقالات منشورة عن التعريفات[1] في العراق، والمعلومات التالية هي من بين ما تبقى من ذاكرتي عنها.  وقد اتفقنا، مصباح وأنا، على إعداد جوابي له كتعليق قصير من باب تعميم الفائدة.  أنتهز هذه الفرصة لأشكره على مساعدته.  آمل أن يجد المهتم بتاريخ التأمين في العراق بعض الفائدة من المعلومات أدناه.  وبالتأكيد فإن الموضوع لا يقتصر على الجانب التاريخي بل يمتد إلى تأثير التعريفات على بنية سوق التأمين، وهو ما آمل أن يقوم به زملاؤنا من الاقتصاديين والمهتمين بالعمل التأميني.

 

قبل تأميم الشركات سنة 1964

 

منذ خمسينيات القرن الماضي كانت التعريفات التالية تطبق من قبل شركات التأمين العراقية ووكالات التأمين العربية والأجنبية التي كانت تزاول العمل التأميني آنذاك في العراق:

 

1- تعريفة التأمين من الحريق

2- تعريفة التأمين البحري/بضائع

3- تعريفة التأمين على السيارات

4- تعريفة التأمين على الحياة

5- تعريفة التأمين الهندسي

 

التعريفات الثلاث الأولى نظمت من قبل هيئات التأمين البريطانية تحت مسمى “جمعية التأمين العراقية”، وهي من حيث الشكل متطابقة مع تلك التعريفات المطبقة في بريطانيا وويلز، حيث تضمنت تعليمات عامة وشروط ونصوص لوثائق التأمين وملاحق مختلفة وانواع التغطيات المتوفرة.  ولكنها تختلف من حيث المضمون بحيث تتطابق مع الأوضاع وأنواع الأخطار والمهن التي تزاول في العراق.  وتختلف نصوص الوثائق التي نصت عليها عن تلك المطبقة في بريطانيا.  على سبيل المثال، وثيقة التامين من الحريق المطبقة في الدول العربية ومنها العراق، وكذلك الاسعار والشروط الخاصة أيضاً تختلف عن ما هو مطبق في بريطانيا.[2]  وكان الإشراف على تطبيق هذه التعليمات من قبل جمعية التأمين العراقية، وكانت التعديلات التي تطرأ على هذه التعريفات تنظم وتطبع في بريطانيا وتوزع على الشركات والوكالات العاملة في العراق من قبل هذه الجمعية وتصبح جزءاً من هذه التعريفات وتعّلم بـ Revised sheet reissued 7\8\1962 للدلالة على إعادة الإصدار والتعديل , وأسعار التأمين والشروط الخاصة بكل خطر فهي أيضاً تختلف عن ما هو مطبق في بريطانيا ودول اخرى.

 

اما تعرفة التأمين الهندسي فمعروف انها كانت قد نُظمت من قبل شركة ميونخ لإعادة التأمين Munich Re

 

بعد التأميم سنة 1964

 

بعد تأميم شركات التأمين وما تبعه من عمليات دمج شركات التأمين واحتكار العمل التأميني الذي اقتصرت مزاولته من قبل ثلاث شركات حكومية هي:

 

– شركة التأمين الوطنية متخصصة بالتأمينات العامة.

– الشركة العراقية للتأمين على الحياة متخصصة بتأمينات الحياة.

– شركة إعادة التأمين العراقية متخصصة بأعمال إعادة التأمين.

 

استمر تطبيق نفس هذه التعريفات بشكل دقيق وبإشراف المؤسسة العامة للتأمين عن طريق لجان فنية متخصصة لكل نوع من انواع التأمين، فعلى سبيل المثال لجنة التأمين من الحريق كنت رئيسها، لجنة التأمين البحري، لجنة التأمين على الحوادث برئاسة المرحوم يوسف باريتو ولجنة تأمين السيارات.

 

كانت مهمة هذه اللجان تحديد اسعار خاصة للأخطار الكبيرة وتلك التي لم تُسعر بموجب التعريفات.

 

ومن الجدير بالذكر في نهاية الستينيات من القرن الماضي دأبت شركة التأمين الوطنية على استقدام خبراء اوربيين بمختلف انواع التأمين ومن ضمنهم خبير من الشركة السويسرية لإعادة التأمين(Swiss Re) .  وقد وضع هذا الخبير تعريفة لتأمين الحوادث الشخصية وتعريفة لتأمين النقد اثناء النقل.

 

استمرت هذه الوضعية، اي الالتزام بتطبيق التعريفات بشكل دقيق لغاية 2003.  وبعد سقوط النظام استمر تطبيق هذه التعريفات ولكن دون رقابة فتحولت هذه التعريفات تدريجياً الى مراجع وارشادات يستعين بها من قبل بعض المكتتبين في شركات التأمين.

 

وفي السنوات القليلة الماضية وضعت بعض التعريفات المقتضبة البائسة ضمن شروط تأمين المجمعات التأمينية المختلفة التي اثبتت فشلها عمليا بسبب قلة الخبرة ودخول قيادات بائسة عن طريق المحاصصة اللعينة لا علاقة لها بالعمل التأميني المتخصص مما ادى إلى تدهور العمل التأميني في العراق.[3]

 

وظائف التعريفات

 

لا شك ان لتطبيق التعريفات فوائد مهمة ودور ايجابي على تنفيذ آلية التأمين ومنها:

 

  • الحد من المنافسة السلبية التي تعتمد الأسعار لإن تحديد أسعار الحد الأدنى لأخطار التأمين لن تكون دقيقة، وبالأخص في أسواق التأمين الناشئة وشركات التأمين المؤسسة حديثاً، كما هو الحال في أسعار تامين السلع المادية. لأن الأولى، كما هو معروف، تعتمد الاحصائيات والخبرة السابقة ولا تخلو من اجتهاد لواقع المستقبل، بينما الأخيرة تكون مكونات احتساب كلفتها معروفة وأكثر وضوحاً من مكونات احتساب أسعار التأمين.

 

  • توحيد نصوص وثائق التأمين وتوحيد التغطيات والملاحق والتظهيرات بحيث تكون متطابقة مع متطلبات العمل التأميني ونظرياته.

 

3- كمرجع موثوق لمعرفة الشروط الضرورية وكيفية تطبيقها وكدليل للأسعار يستعان به حتى من قبل الشركات غير الملتزمة بالتعريفة.

 

بناءاً على ما تقدم فإني أوصي بضرورة تطبيق التعريفات في أسواق التأمين الحديثة، ومنها العراق، على أن تكون تعريفات متكاملة تلبي حاجات السوق وتكون شبيهة من حيث المضمون لتلك التي كانت منظمة من قبل هيئات التأمين البريطانية والتي طبقت في سوق التأمين العراقية، ولا زالت نصوصها متوفرة يمكن الاستعانة بها كدليل ومرجع.

 

إن الأسواق المتطورة لا تعتمد على التعريفات كأسلوب عمل لأن الشركات في هذه الأسواق تمتلك من الخبرة والمعرفة ما يكفي لإدارة أعمالها بشكل احترافي سليم.

 

منعم الخفاجي

مسقط – 27 حزيران/يونيو 2018

[1] التعريفات جمع، مفردها تعريفة وقد عرّفها الأستاذ بهاء بهيج شكري كما يلي:

 

“يشير هذا المصطلح إلى نظام متبع في التأمين البري على الممتلكات والتأمين على الحياة.  حيث تكون الأسعار التي يحتسب قسط التأمين على أساسها محددة بطرق إحصائية، كي تتناسب مع طبيعة الخطر ودرجة احتماله ودرجة تعرضه.  فتحفظ هذه الأسعار في كتيب، ويفترض أن تلتزم بها شركات التأمين العاملة في سوق تأمين معين.  ومع ذلك، فهناك بعض المؤمنين لا يلتزمون بتعريفة محددة، لذلك جرى تصنيف شركات التأمين إلى شركات تلتزم بالتعريفة (Tariff Companies) وشركات لا تلتزم بتعريفة (Non-tariff Companies).  وتعتبر هيئة اللويدز من جملة هيئات التأمين التي لا تلتزم بتعريفة محددة.”

 

بهاء بهيج شكري، المعجم الوسيط في مصطلحات وشروط التأمين، 2ج، الجزء الثاني (عمّان، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2016)، ص 689.

[2] راجع: منعم الخفاجي، مدخل لدراسة التأمين (بيروت: منتدى المعارف، 2018)، الفصل السادس عشر، ص181، وثيقة التأمين النموذجية ووثيقة التأمين من الحريق العربية: دراسة مقارنة.

[3] منعم الخفاجي، “التحديات التي يواجهها قطاع التأمين العراقي،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/01/Munaem-Al-Khafagi-Chalanges-of-Insurance-Sector-in-Iraq.pdf

Advertisements

Mutual Insurance, 1550-2015: From Guild Welfare and Friendly Societies to Contemporary Micro-Insurers

مراجعة كتاب

ماركو ه. د. ليوين*: التأمين التبادلي: 1550-2015: من رفاهة النقابات وجمعيات الأخوة إلى شركات التأمين المتناهية الصغر المعاصرة

 

مراجعة: تيموثي غيناني**

 

Marco H. D. Van Leeuwen, Mutual Insurance, 1550-2015: From Guild Welfare and Friendly Societies to Contemporary Micro-Insurers. Basingstoke, UK: Palgrave Macmillan, 2016. xiii + 321 pp. $120 (cloth), ISBN: 978-1-137-53109-4.

 

Reviewed for EH.Net by Timothy Guinnane, Department of Economics, Yale University.

 

Published by EH.Net (May 2018)

https://eh.net/book_reviews/mutual-insurance-1550-2015-from-guild-welfare-and-friendly-societies-to-contemporary-micro-insurers/

 

 

ترجمة: مصباح كمال***

 

نشرت هذه الترجمة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2018/06/14/%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%83%d9%88-%d9%87-%d8%af-%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a8%d8%a7%d8%af%d9%84%d9%8a-1550-2015-%d9%85%d9%86/

 

تقديم

تعلمنا في المدرسة شيئاً عن الأصناف الحرفية في تاريخ العراق، وكذلك تاريخ بلدان عربية أخرى.  وهناك كتابات منشورة في الشبكة العنكبوتية، عن الموضوع، لكن الملاحظ أن هذه الأصناف/النقابات لم تكن تقدم خدمات “تأمينية” لأعضائها – كما هو الحال في المجتمعات الغربية، وكما يتبين من قراءة هذه الترجمة.

يرد في كتاب عن تاريخ التأمين في مصر أنها عرفت “جمعيات الأخوة منذ آلاف السنين وكوّن قدماء المصريين جمعيات لمواجهة تكاليف دفن الموتى، وتدل الوثائق التاريخية على أنه منذ أكثر من 4500 عام قبل الميلاد قام المصريون القدماء بتأسيس جمعيات تأمينية تقوم بدفع مبالغ معينة لأعضائها عند الوفاة، كما عرف اليونان والرومان جمعيات مماثلة تؤدي نفس الغرض تقريبا، ففي عهد الإمبراطورية الرومانية تكونت أيضاً جمعيات تمنح للورثة مبالغ معينة من النقود عند وفاة أي عضو من أعضائها.”[1]

أتمنى على كل من يهتم بموضوع الأصناف والجمعيات التبادلية تنويرنا بشأن وجود أو غياب أشكال أولية للتأمين في ممارساتها.

مصباح كمال

14 حزيران 2018

 

يبدو أن دولة الرفاه الاجتماعي، على الرغم من تعرضها للهجوم من مختلف الجهات، سمة دائمة في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة.  فمعظم مواطني البلدان الغنية لا يعاني (من كامل العبء المالي على الأقل) للمرض، أو الحوادث، أو الشيخوخة، أو البطالة.  وتختلف طريقة ضمان المجتمعات لهذه الأحداث بشكل كبير.  لنأخذ مثلاً على ذلك، فقد قامت بعض البلدان بتحويل الرعاية الطبية بفعالية إلى وظيفة تقوم بها الدولة، في حين يعتمد البعض الآخر على مزيج من الرعاية الطبية التي تقدمها الدولة مباشرة وتلك التي تقدمها الكيانات الخاصة مثل شركات التأمين.

 

يتطلب أي فهم معقول لدولة الرفاهية الاجتماعية اليوم بعض الفهم التاريخي لكيفية تطور هذه الأنظمة.  إن الاقتصاديين ليسوا الوحيدين في النظر إلى الانتقال إلى أنظمة بيروقراطية مركزية على أنها نتيجة لـ “خلق” دولة الرفاهية.  إن هذا النهج يخلط التغييرات في الأساليب، والتكلفة، والنطاق، والتغطية مع الأصول الفعلية لتوفير الرعاية الاجتماعية.  (للحصول على مثل جيد حديث يتجنب هذا الخلط إلى حد كبير، راجع كتاب Peter Lindert, Growing Public: Social Spending and Economic Growth since the Eighteenth Century, Cambridge University Press, 2004).).

 

إن مشاريع التأمين الاجتماعي اليوم قد أزاحت إلى حد كبير أشكال الدعم السابقة التي تنظمها وتمولها المجتمعات المحلية، أو الهيئات الدينية، أو الكيانات الخاصة الأخرى.  طلاب التاريخ الإنكليزي، على سبيل المثل، ضليعين في معرفة تعقيدات قانون الفقراء Poor Law، القديم والجديد منه على حد سواء.  لقد اختلفت أنظمة إغاثة الفقراء عن نظيرتها الإنجليزية في نواحي عديدة، التي عادة ما كانت تعتمد بشكل أقل على الضرائب واعتماد أكثر على الإحسان.  (للحصول على نظرة عامة جيدة، انظر Peter Solar, “Poor Relief and English Economic Development before the Industrial Revolution,” Economic History Review, 1995)

 

إن التعرف على أنظمة إغاثة الفقراء القديمة مسألة مهمة لأنه عندما قام “التأمين الاجتماعي” فإن البرامج الجديدة كانت مبنية في الغالب على أو تعكس نقاط الضعف السابقة في نظام الإغاثة.  على سبيل المثل، يعود تاريخ الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا في شكلها الراهن إلى عام 1948.  ولم تكن الرعاية الطبية التي تمولها الدولة على أي حال جديدة فقانون الفقراء في القرن التاسع عشر وفّر الرعاية الطبية لأكبر عدد من السكان، بما في ذلك غير الخاضعين في الجوهر لتخفيف الفقر.  وتعكس السمات الأخرى لدولة الرفاهية عدم قدرة النظم القديمة على التعامل مع بعض العواقب الجديدة للحياة الصناعية.  اعتمدت أنظمة إغاثة الفقراء على الضرائب المحلية أو الموارد المحلية الأخرى.  فالضرائب المحلية على المرافق الخطرة مثل المصانع أو المناجم لم تكن تعكس الضغط الذي يمكن أن تحدثه كارثة وحيدة على موارد الصندوق المحلي.  ويرجع التأمين ضد الحوادث في أماكن العمل الألمانية (1884) في جزء منه إلى حالات مشهورة بسوء آثارها حيث كانت الحوادث تخلّف وراءها المزيد من الأرامل والأيتام أكثر مما يمكن أن تتعامل بها الموارد المحلية.

 

إن أدبيات التاريخ الاقتصادي تعطي مكاناً محترماً لأنظمة الإغاثة التي تعتمد على فرض الضرائب الصريحة أو النظم الخيرية المؤسسية مثل الكنائس والمؤسسات الأخرى.  لكننا وعلى أي حال نعلم أن الناس وجدوا طرقاً أخرى لتأمين أنفسهم ضد المصائب.  وقد كانت بعض الآليات غير رسمية إلى حدّ التساؤل عن الفرق بين التأمين التبادلي غير الرسمي وبين جار كريم.  وقد جعلت بعض المنظمات وظيفة التأمين جزءاً محدداً، كان صغيراً في العادة، من أنشطتها.

 

لقد كانت المكونات الفردية لهذا العالم المفقود موضع اهتمام أكاديمي، ولكن لم يبذل جهد يذكر لوضع كل ذلك معاً ورسم خطوط التطور التاريخي.  لذلك فإن جهود ماركو فان ليوين مهمة وهي موضع ترحيب.  وهو يستعرض عالم التأمين التبادلي (كما يسميه) في هولندا بجميع أشكاله من 1550 إلى الوقت الحاضر، مشددًا على كل من وظائف التأمين الفردي والطريقة التي تفاعلت بها مع بعضها البعض والنمو المستمر لدولة الرفاهية.

 

إن النقابات جزء مهم من هذه القصة.  في الكثير من المناطق الحضرية في هولندا (وكانت هولندا حضرية للغاية)، كانت النقابات تسيطر على القدرة على إنتاج وتوزيع مجموعة واسعة من السلع والخدمات.  ويكرّس فان ليوين اهتماماً كبيراً للتأمين الذي كانت تقوم به النقابات ذلك لأنه خلال هذه الفترة الطويلة، ما يقرب من قرنين ونصف القرن، حاولت النقابات باستمرار (ولكن ليس بشكل شامل) العثور على طرق لتأمين أعضائها دون أن تتعرض للعجز المالي.  فقد ضَمِنوا للأعضاء العمل وريع الاحتكار، لكن بعض تلك الريوع المستحقة للأعضاء كانت بمثابة تأمين ضمني أو صريح.  ويوثّق فان ليوين مجموعة من المشاريع، بما في ذلك دفع التكاليف الطبية، ودعم الأرامل والأيتام، وتكاليف الدفن.  كانت بعض النقابات تملك صناديق تأمين صريحة استمرت لفترة وجيزة بعد إلغاء النقابات في عام 1820.

 

كان للهولنديين جمعيات أخوة.  كانت هذه المنظمات الطوعية توفر لأعضائها فضاءاً للتفاعل الاجتماعي sociability وشعوراً بقيمة المكانة المحلية.  كما أنها تقوم بالتأمين على أعضائها (وفي بعض الحالات الباقين على الحياة من أسر الأعضاء) ضد المرض، وكذلك التأمين على مصاريف الدفن.  وكانت وظائف التأمين ثمرة لهذا التفاعل.  فعندما يكون أحد الأعضاء مريضاً، يقوم زملاءه بزيارته، وعندما يتوفى أحد الأعضاء، يقومون بواجبات دفن لائق له.

 

 

اشتهرت جمعيات الأخوة الإنجليزية بإهمالها للمبادئ الاكتوارية في أواخر القرن التاسع عشر، حيث كانت تفرض رسوماً أعلى [على تأمين أعضائها] من أي وقت مضى، وهو ما حال دون تشجيع الأفراد الأصغر سناً والأكثر صحة [للانتماء لها] في محاولة لتغطية التكاليف المتزايدة لفوائد أعضائها الأكبر سناً.  (للتعرف على مناقشة سليمة من الناحية الاقتصادية لهذه القضية لجمعيات الأخوة في السياق الكندي، انظر George Emery, A Young Man’s Benefit: The Independent Order of Odd Fellows And Sickness Insurance in the United States and Canada, 1860-1929, Montreal and Kingston: McGill-Queen’s University Press, 1999)..

 

ومع ازدياد عدد المسنين والمرضى من الأعضاء، كان الحل الوحيد الواضح هو زيادة الرسوم بشكل أكبر، مما أدى إلى تفاقم المشكلة.  لعبت دوامة حالات الوفاة الناشئة من سوء الانتقاء adverse-selection دوراً ما في قانون معاشات الشيخوخة في المملكة المتحدة لعام 1908 (Old Age Pensions Act of 1908).  يوثق فان ليوين مشاكل مماثلة في جمعيات الأخوة الهولندية، لكنه يلاحظ (كما فعل البعض بالنسبة لإنجلترا) أن انخفاض معدلات الوفيات قد أعطى متنفساً مؤقتاً للمنظمات التي تجاهلت الاكتواريين.

 

لقد نشأت النقابات العمالية لزيادة القدرة التفاوضية لأعضائها في أسواق العمل، ولكنها كانت تقدم أيضاً منافع التأمين لهم.  يلاحظ فان ليوين أن النقابة تتمتع ببعض المزايا كمؤمِن؛ فالالتزام الذي يجذب شخص ما إلى التنظيم النقابي العمالي قد يدفعه إلى الامتناع عن إساءة استغلال المنافع والإبلاغ عن زملائه الأعضاء الذين فعلوا ذلك.  ومن ناحية أخرى، قد يؤدي اشتراط التأمين إلى تثبيط العضوية وبالتالي إحباط مهمة الاتحاد الأساسية.  ولعل الميزة الأكبر هي حجم النقابة، ونطاقها الجغرافي، والبنية التحتية البيروقراطية، التي وفّرت الكثير من الشروط للتأمين منخفض التكلفة.

 

قدمت النقابات وجمعيات الأخوة والنقابات العمالية التأمين كأحد منافع العضوية في تنظيم كان هدفه الأساسي شيء آخر.  يوثق فان ليوين أيضاً التاريخ الطويل لمشاريع التأمين “البحتة” التي تم تنظيمها على أساس تبادلي، أو في وقت لاحق في القرن التاسع عشر، بهدف الربح.  وكان العديد منها تقوم بدفع تكاليف الدفن، مجنبة أسرة المؤمَّن عليه هذا العبء (الذي عادةً ما كان مرتبطاً مع ضغوط مالية أخرى، مثل فقدان الأجور)، وتجنب الدفن المذلّ للفقير.  إن تأمين الدفن بسيط نسبيا؛ فحالات الوفاة يمكن إدراكها، وتكاليف الدفن هي نفقات ثابتة تتكبدها الأسرة لمرة واحدة.  يمكن لشركات التأمين التي تستفيد من جداول الحياة، التي صارت متاحة من أوائل القرن التاسع عشر، تسعير هذه التغطية لتحقق التعادل [بين الأقساط المكتسبة والتعويضات المسددة] (لشركة تأمين تبادلية)، أو لاحقاً في القرن التاسع عشر، لتحقيق الربح.  لم تُسعّر جميع شركات التأمين تغطيتها بشكل مناسب، وبالتالي فإنها تعرّضت للفشل.

 

إن شركات التأمين اليوم هي من بين الشركات الأكثر خضوعاً للنظم الرقابية.  وتعكس هذه النظم، من الناحية النظرية، الحاجة إلى ضمان قيام الشركات بدفع الفوائد الموعودة.  تشير الأمثلة التي ذكرها فان ليوين إلى اهتمام مختلف للدولة: فالناس الذين يعتمدون على وعود شركات التأمين التبادلية الركيكة [غير القادرة على تسديد التعويضات] سيتجهون إلى نظام إغاثة الفقراء.  في بعض الحالات، دعمت الحكومات مشاريع التأمين على أمل أن يقلل التأمين من الاعتماد على إغاثة الفقراء.

 

إن الكتاب يدور بشكل كامل حول هولندا، مع عدد قليل من المباحث القريبة منها وهذه تقتصر على بريطانيا.  إن هذا التركيز على بلد واحد أمر مفهوم، نظراً لنطاق الكتاب.  لكننا نعلم أن هولندا اختلفت في مناحي مهمة عن المجتمعات الأخرى؛ فهي تضم عدداً قليلاً نسبياً من سكان الحضر يتحدثون بلهجة ألمانية غريبة، وقد يبدو بأنها المكان المثالي لازدهار التأمين التبادلي.  يثير كتاب فان ليوين مجموعة من الأسئلة المقارنة، وأحد فضائل هذا الكتاب هو أنه يدعو ضمناً إلى إجراء بحوث مماثلة في مجتمعات أخرى.

 

يحقق فان ليوين توازنًا بارعاً بين الاهتمام بالتحليل واحترام الأدلة.  إن مقدم التأمين يواجه مشاكل الانتقاء المعاكس adverse selection (قد لا يجتذب برنامج التأمين إلّا الأفراد الذين تكون مصالحهم التأمينية ذات طبيعة خطرة نسبياً، وبالتالي مكلفة)؛ وإن التأمين قد يحفز المؤمن عليه على تحمل المزيد من الخطر (الخطر المعنوي moral hazard)؛ وبالنسبة لبعض أنواع التأمين، قد يضطر مقدم الخدمة التأمينية إلى تعويض العديد من المطالبات دفعة واحدة.  إن هذا الخطر المترابط قد تواجهه شركة تأمين على الحياة، على سبيل المثل، إذا تسببت الأوبئة في حدوث طفرات في الوفيات بين المؤمن عليهم.  إن فان ليوين يأخذ هذه المشاكل في الحسبان عند مناقشة نقاط القوة والضعف في مشاريع التأمين المختلفة.

 

في بعض الأحيان، يولي الاقتصاديون الذين ينظرون إلى المؤسسات التاريخية اهتماماً أكبر لنماذجهم models أكثر من الاهتمام بالأدلة، ويرون في أي ذكر لقاعدة أو ممارسة مؤشرات تدل على تقدير لدقائق تصميم الآلية.  إن فان ليوين أكثر حذراً.  فهو يلاحظ، على سبيل المثل، أن مشاريع التأمين على [تكاليف] الدفن كانت تفرض عادة شرط انقضاء فترة بين الوقت الذي انضم فيه فرد ما للمشروع، وبدأ سريان تسديد التعويض، وذلك لتثبيط انتهازية أولئك الذين يقتربون من بوابة الموت [ويلجؤون للتأمين].  وهو يمتنع عن الادعاءات المتعلقة بمقدمي التأمين الذين يقدمون عقداً مثالياً، ويشدد على الطرق المتخصصة والغامضة في الغالب التي تعامل بها المؤمنون مع عدم التوافق بين الأصول والخصوم.

 

الفصل الأخير المهم يتعلق بالفترة 1965-2015، عندما حققت دولة الرفاهية الهولندية شكلها الحالي.  وتتعلق بعض جوانب هذه المناقشة بجهود الإصلاح (أقرأ: “تحديد تكلفة”) دولة الرفاهية، وهناك بعض المناقشات المتعلقة باستمرار بقاء مشاريع التأمين التبادلي.  انه، وبحكمة، لا يذهب بعيداً في إعلاء شأن التأمين التبادلي في هولندا الحديثة.  ويبدو أن فان ليوين متصالح مع حقيقة أن التنظيم البيروقراطي، وسلطة الدولة في فرض الضرائب، والعلوم الاكتوارية قد وضعت نهاية للتأمين التبادلي الأقل رسمية التي تقوم بها جمعيات الأخوة وما شابهها، على الأقل في البلدان الغنية.

 

يتمثل أحد الاهتمامات الثابتة لدى فان ليوين بالتفاعل بين التأمين الخاص ونظام الإغاثة.  على سبيل المثل، عرف الهولنديون الفقراء أن أراملهم وأيتامهم قد يحصلون على مساعدة متواضعة من الإغاثة المحلية، وأن قانون الفقراء لن يدعم من يبقى على الحياة [من أفراد الأسرة] ممن يمتلكون أصولاً أو تدفقات نقدية من صندوق التأمين.  ومن ثم، فإن الضريبة الضمنية لنظام الإعانات تحدُّ من جاذبية مشاريع التأمين الخاصة وتزيد من تكلفتها؛ ولم تكن هناك فائدة كبيرة من دفع الأقساط لتأمين أرملة المرء إذا لم تتجاوز المنافع، بمقدار كبير، ما يمكن أن يوفره نظام الإغاثة.  نحن معتادون على التفكير بدولة الرفاهية الحديثة على أنها طاردة للمبادرة الخاصة، لكن أنظمة إغاثة الفقراء السابقة وفّرت للتأمين الخاص [شركات التأمين الخاصة] فرصة الاطلاع على تعقيداتها.

 

يورد فان ليوين تقارير دقيقة، ولو أنها، بصراحة، حدسية، عن عدد الأشخاص الذين يشملهم كل نوع من أنواع التأمين.  توفر هذه الأرقام تحذيراً لأي شخص يحاول أن يستخلص من مزاعمه حول الفردوس القائم (نيرفانا) في بحر الشمال.  لقد كان تأمين تكاليف الدفن أكثر أنواع التأمين شيوعًا.  لكن النقابات في الفترة بين عامي 1800 و1810، غطت بهذه الطريقة في أحسن الأحوال 7% من الهولنديين.  ارتفعت التغطية بموجب مشاريع تأمين الدفن كافة إلى أكثر من 50% بحلول عام 1890، لكن هذا الرقم يقزّم أرقام الأنواع الأخرى من التأمين.  شمل التأمين على تكاليف الرعاية الطبية نحو %16 من السكان في ذلك العام؛ والتأمين ضد فقدان الدخل بسبب المرض 9%.  أما تأمين الشيخوخة أو التأمين على الترمل فإنه شمل في أحسن الأحوال 1% من الهولنديين.

 

هناك الكثير مما يمكن الإعجاب به في مقاربة فان ليوين المفتوحة والصريحة لموضوعه.  فهو يقاوم إغراء الوقوع في حب المؤسسات التي يدرسها، مدركاً، على سبيل المثل، أن النقابات تدين بنجاحها (النسبي) كمقدمي خدمات تأمين إلى قدرتها على تقييد الدخول إلى صفوفها.  كما أن النقابات تستطيع أيضاً استغلال العمال غير الأعضاء الذين دعمت أجورهم المنخفضة نسبياً جميع أنشطة النقابة، بما في ذلك التأمين.  (لا يشير إلى أنه من خلال السماح للأرامل بتشغيل متاجر أزواجهم المتوفون، في تحد للقاعدة المعتادة على عدم السماح للأنثى أن تكون رئيساً (مُعلّم)، فإن النقابات قدّمت شكلاً سخياً من أشكال التأمين على الأرملة).  وبالمثل، فإن ليوين يقارب التفسير التاريخي السابق بحذر مناسب.  يرفض المؤرخون اليساريون في بعض الأحيان منظمات المجتمع المدني، والخدمات التي تقدمها، باعتبارها تهديداً لتضامن الطبقة العاملة.  وهذا يخلط ما فعلته منظمات المجتمع المدني بالفعل مع ما يريده المؤرخون اليوم.  في حين ينظر آخرون إلى أن نصف رغيف هو أسوأ من لا شيء، وينقلون الانطباع الكاذب بأن المشاريع المبكرة لم تقدم خدمات ذات قيمة لأعضائها لمجرد أنهم لم يقدموا الخدمات التي توفرها دولة الرفاهية اليوم.  إن حس فان ليوين التاريخي حفظه من الوقوع في هذه الفخاخ.

 

إن كتاب التأمين التبادلي يوفر رواية واضحة الرؤية سهلة القراءة وشاملة لموضوع مهمل.  وسيجذب اهتمام أي شخص معني بالمنظمات التبادلية أو التأمين، ويجب أن يقرأه أي شخص يدرس دولة الرفاهية اليوم أو في الماضي.

 

 

(*) ماركو ه. د. ليوين

زميل باحث فخري، المعهد العالمي للتاريخ الاجتماعي، أستاذ علم الاجتماع التاريخي، جامعة أوتريخت.

 

للتعرف على مؤلفاته، أفتح هذا الرابط:

https://socialhistory.org/en/staff/marco-hd-van-leeuwen

 

(**) تيموثي غيناني

تيموثي دبليو، غيناني، أستاذ كرسي فيليب غولدن بارتليت للتاريخ الاقتصادي، قسم الاقتصاد، جامعة ييل.

 

(***) مصباح كمال

كاتب في قضايا التأمين.

[1] الاتحاد المصري للتأمين، صناعة التأمين في مصر عبر قرن ونصف (القاهرة: الاتحاد، 2014)، ص 191.

لم يذكر مؤلفو هذا الكتاب المهم، إذ لا يوجد ما يشبهه في توثيق صناعة التأمين في بلدان عربية أخرى، مصدر المعلومات عن جمعيات التأمين في مصر الفرعونية.

 

بالنسبة لليونان والرومان يمكن الرجوع إلى:

C F Trenerry, The Origin and Early History of Insurance (London: P S King & Sons Ltd, 1926), pp 171-180.

 

هناك ملاحظة في هذا الكتاب، ص 179-180، بشأن جمعية/نقابة لدفن الموتى في مصر القديمة قبل 4,500 سنة.

Rating of Iraqi Insurance Companies

مصباح كمال:* التصنيف الائتماني لشركات التأمين العراقية

 

 

كان السيد مصطفى الهاشمي، جريدة الصباح، قد أرسل لي بتاريخ 23 أيار 2018 الرسالة التالية:

 

هل تعتقدون ان شركات التأمين / الحكومية والأهلية/ بحاجة الى الحصول على التصنيف الائتماني من مؤسسات التصنيف العالمية؟

 

وما دور حصولها على التصنيف في الارتقاء بواقع التأمين واعادة التأمين الدولي؟

 

تحياتي

مصطفى الهاشمي

23 أيار 2018

 

وقد أجبت على أسئلته من خلال هذه الورقة القصيرة التي استفاد منها في تقريره المنشور في جريدة الصباح يوم 28 أيار 2018.  وهذا هو رابط التقرير: تصنيف شركات التأمين يعزز مكانتها في السوق

 

 

إن التصنيف الائتماني لشركات التأمين العراقية موضوع جديد في قطاع التأمين العراقي، وقد كانت شركات التأمين الحكومية سبّاقة في هذا المجال إذ باشرت سنة 2016 بالاتصال بواحدة من شركات التصنيف الدولية (أمريكية) ولها مكتب في دبي تأسس سنة 2012، هي شركة أي إم بيست (A. M. Best).  وهي من أعرق الشركات في هذا المجال إذ بدأت بتصنيف شركات التأمين الأمريكية سنة 1899، وتعاظم دورها بعد الزلزال الذي ضرب مدينة سان فرانسيسكو.  كانت الخسائر المادية والبشرية لهذه الكارثة كبيرة بحيث أنها أدت إلى إفلاس 12 شركة تأمين أمريكية وشركتين أوروبيتين.

 

عندما شرعت شركات التأمين الحكومية بالحصول عل تصنيف ائتماني لها من شركة متخصصة أثنينا على هذا المشروع، خاصة وأن العراق متأخر عن الدول العربية في هذا المجال.  وقتها كتبت بأن حصول هذه الشركات على درجة تصنيف جيدة سيعزز من مكانتها في سوق التأمين العراقي، وفي ذات الوقت يقوّي من قيمتها ومن مركزها التفاوضي مع شركات إعادة التأمين الدولية.  وذكرنا بأن هذا التحرك سيدفع شركات التأمين الخاصة نحو التفكير بالحصول على تصنيف لها أيضاً، ذلك لأن التصنيف الجيد هو أحد أدوات التسويق وكسب العملاء.  كما أن درجة التصنيف الجيدة تبعث على اطمئنان المؤمن لهم الحاليين على المكانة المالية لشركات التأمين وقدرتها على تسديد المطالبات بالتعويض، وتشجع طالبي التأمين المرتقبين لإجراء تأميناتهم معها.

 

هناك من يشكك بأهمية التصنيف الائتماني، خاصة في أعقاب الانهيار المالي العظيم سنة 2008 الذي طال المصارف وشركات التأمين ومؤسسات مالية أخرى في العديد من دول العالم والتي فشلت شركات التصنيف بالكشف عنها مبكراً وتعرضت إلى نقد من قبل دوائر مختلفة.  ومع ذلك فإن شركات التصنيف لم تفقد مصداقيتها بالكامل لأنها صارت تتخذ مواقف أكثر صرامة في تقدير المخاطر التي تنتظم عمليات شركات التأمين، ولأن التصنيف صار من لوازم العمل في الأسواق المتقدمة وحتى في بعض أسواق التأمين العربية (على سبيل المثل، مصر، البحرين، دولة الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية).  فالتصنيف العالي يحمل معه رسالة مطمئنة لجمهور المؤمن لهم تؤكد الملاءة المالية والائتمانية لشركة التأمين.  لذلك، فإن بعض شركات التأمين تلجأ إلى الحصول على درجة تصنيف من شركتين متخصصتين ليس من باب المباهاة ولكن لاختلاف درجة التصنيف بينهما والمعايير المستخدمة في تقدير التصنيف، وتأثير ذلك على موقف المؤمن لهم.  فمن المعروف أن تخفيض درجة تصنيف شركة التأمين يؤثر على قدراتها في الحصول على أعمال جديدة أو الاحتفاظ بالأعمال التي اكتتبت بها.  وهذا هو الحال في أسواق التأمين المتقدمة.

 

وكما تعرف فإن التصنيف الائتماني للبلد يُؤخذ بنظر الاعتبار عند تصنيف شركات التأمين، إضافة إلى عوامل أخرى كأهلية الإدارة، والبيانات المالية للشركات وغيرها من معايير التصنيف التي تتبعها شركات التصنيف.  وقد حصّل العراق على أول تصنيف ائتماني في تاريخه سنة 2015، وكان التصنيف بدرجة “بي” صادرة من وكالة التصنيف الأمريكية ستاندرد أند بورز Standard & Poor’s (S&P).  وقد نظر البعض لدرجة التصنيف هذا بعين الرضا رغم أن ما يقرب من ثلث مساحة العراق كان خاضعاً لداعش.  وقد عكس هذا التصنيف واقع أن مواقع إنتاج النفط لم تكن تحت سيطرة داعش، واستمرار جهود الحكومة على ضبط ميزانية الدولة، وعدم توقف الدولة عن سداد ديونها.

 

إن التصنيف الائتماني لشركات التأمين لن يؤثر على زيادة الطلب على التأمين ذلك لأن الأغلبية الساحقة من مشتري الحماية التأمينية في العراق لا تعير أهمية لموضوع التصنيف، وأزعم أنه غائب في عملية اتخاذ قرار شراء التأمين.  وقد يتغير هذا الواقع بفعل التطورات البطيئة في ثقافة التأمين والاستثمار الشخصي والمؤسسي ودخول كيانات أجنبية إلى سوق الأوراق المالية والمصارف.  شركات النفط الأجنبية العاملة في العراق تعرف أن شركات التأمين العراقية التي تتعامل معها لا تمتلك تصنيفاً ائتمانياً ولكنها تسأل وتستقصي عن درجة تصنيف معيدي تأمين شركات التأمين العراقية.  مثل هذا الموقف يمكن أن ينتشر من باب عدوى التقليد، أو تصاعد مستوى الحذاقة والحنكة لدى طالبي التأمين من الدوائر والشركات العراقية – أي إدخال المفاهيم الحديثة في عملية اتخاذ القرارات التي تترتب عليها آثار مالية.

 

وفيما يخص إعادة التأمين الدولي فإن شركات إعادة التأمين الدولية تفضل أن تتعامل مع الشركات المسندة التي تتمتع بدرجة جيدة من التصنيف، أي شركات لا يمكن أن تتعرض للانهيار والإفلاس بسهولة إذ أن شركة التصنيف تقوم بوظيفة تقدير الملاءة المالية لشركات التأمين (قدرتها على تسديد التعويض).

 

وليس معروفاً إن كانت جميع شركات التأمين العراقية تطلب معرفة درجة تصنيف شركات التأمين التي توفر الحماية الإعادية لها، ولكني أفترض أن وسطاء التأمين الدوليين لشركات التأمين العراقية تقوم بوظيفة التأكد من درجة التصنيف المقبولة لشركة إعادة التأمين.

 

إن توجه شركات التأمين الحكومية والخاصة صوب الحصول على تصنيف ائتماني أمرٌ يستحق الدعم إذ أن من أحد الآثار المتوقعة له هو تنبيه هذه الشركات لمواقع الضعف لديها والعمل على التخلص منها، وهذا ما يساعد الشركات الجيدة على رفع مستواها.  وفي ظني أن شركات التأمين الصغيرة في العراق لا تتمتع بموارد مالية كافية للإنفاق على شراء التصنيف، وبالتالي فإنها ستظل بدون تصنيف وتخسر موقعها في سوق التأمين العراقي.

 

مصباح كمال

23 أيار 2018

كنت يوماً أعمل في شركة التأمين الوطنية

كنت يوماً أعمل في شركة التأمين الوطنية

 

سحر الحمداني

 

يتصف العمل في قطاع التأمين عموماً وشركة التأمين الوطنية خصوصاً بنكهة خاصة عن العمل في دوائر الدولة الأخرى لما فيه من أنواع تأمين مختلفة وأنماط عمل متنوعة من اكتتاب إلى تعويضات وإعادة تأمين وعلاقات عامة وغيرها.  والنشاط التأميني في تطور دائم يتخذ صفة إدخال تغطيات جديدة والتعامل مع قضايا تأمينية ذات طابع إشكالي.  وهو بذلك يخلق تحدياً لنا نحن العاملين في هذا المجال.

 

نظام التعيين في الشركة

 

اتبعت الشركة قبل نظام التعيين المركزي أسلوباً معيناً لاختيار الموظفين عن طريق الإعلان عن الوظائف ومن ثم إجراء اختبار لهم في تخصصهم الجامعي، وبعد اجتياز الاختبار تتم مقابلة للمرشح من قبل لجنة من إدارات الشركة.  لقد كان تعييني في 31/12/1977 بالشركة صدفه ولم يخطر لي العمل في التأمين حيث بالرغم من كوني خريجة الإدارة والاقتصاد لكننا لم ندرس شيئاً عن التأمين نحن خريجي قسم الإحصاء وهذا اعتبره تقصيراً من الشركة والدولة أيضاً لما للتأمين من أهمية في الاقتصاد الوطني.

 

أخبرتني صديقتي انها تقدمت للعمل في شركة التأمين الوطنية وفقاً لإعلان وظائف وطلبت مني التقديم وفعلاً تقدمت للشركة، وفي نفس الوقت كنت قد بدأت دراسة اللغة الانكليزية في المعهد البريطاني.  تم إجراء اختبار في الإحصاء وكان عددنا عشرين متقدماً على أربع وظائف شاغرة، واختير الناجحون لإجراء مقابلة من قبل لجنة من إدارات الشركة وحتى تم اختبار لغتي الانكليزية بقراءة مقطع من كتاب.  وقد قررت الشركة في حينها تعيين ثمانية بدلاً من أربع وكنت المحظوظة في المركز الرابع.  وعندما علمت صديقة لي بأني سأعمل في شركة التأمين الوطنية أكدت انني محظوظة لأعمل في مكان تعمل فيه السيدة بثينة حمدي.[1]  وعندما قابلت السيدة بثينة أدركت معنى هذا الكلام.

 

إدارة الأستاذ عبد الباقي رضا

 

ثم بتُّ أسمع عن الأستاذ عبد الباقي رضا ومهارته الإدارية الناجحة وشخصيته القوية ومفاوضاته مع المعيدين.  وكان لقائي الأول مع السيدة بربارة إلياس، حيث أبلغتني بأنني سأعمل في قسم الإنتاج والعلاقات، فقلت لها لا أرى علاقة بين دراستي وهذا القسم فقالت تكلمي مع الأستاذ عبد الباقي.  ففعلت.  وكان رده أنك لا تفهمين بالعمل.  وكم كان رأيه صحيحاً، ولا عجب فهو المدير العام الذي جمع بين مهابة الموظفين له ومحبتهم واحترامهم، وله الدور الكبير في توجيههم وتعزيز مكانة الشركة داخل العراق وخارجه.

 

كانت بعض المراسلات التي نعدها في قسم الإنتاج والعلاقات توجه إلى المدير العام، وأذكر أني لم أراعي وضع النقاط على التاء المربوطة فعاد الكتاب منقطاً بالأخضر من قبل الأستاذ عبد الباقي.  ومنذ ذلك الحين وأنا أعطي التاء المربوطة حقها من النقاط.  بعد ثلاثة أشهر من تعييني غادرنا الأستاذ عبد الباقي[2] ليكون مستشاراً في وزارة المالية في خطوة غير صحيحة من قبل المسؤولين في الدولة، تلك القرارات التي أودت بالعراق تدريجياً إلى الهاوية.

 

كلما أرى صور الدعوات الحالية لمسؤولي هذا الزمان أتذكر الحفل البسيط الذي أقامته الشركة في وداع الأستاذ عبد الباقي، وكنت أتولى التقديم.  وهنا التقيت الست سهير حسين جميل،[3] حيث وقفت بجانبي ونبهتني على وضع مناديل المائدة على حافة الصحن.  وبقيت تنبيهها في ذاكرتي كلما أقمت دعوة في منزلي.

 

إدارة الأستاذ بديع السيفي

 

تولى الأستاذ بديع السيفي، مؤلف كتاب التأمين علما وعملا، الذي قرأناه وتعلمنا منه، إدارة الشركة منتقلاً من الشركة العراقية للتأمين على الحياة.  قام بإدارة الشركة لبضعة أشهر.  أذكر في تلك الفترة عقد ندوة الشركة السنوية في الموصل.  كان الأستاذ بديع بسيطاً في علاقاته مع الموظفين وكان يهتم لسماع آراءهم، وقد حصل ذلك عند اختيار المواد الدعائية للشركة حيث استأنس بآراء بعض الموظفات في اختيار ألوان اغطية الطاولة التي تنوي الشركة تهيئتها لتوزيعها على المواطنين.

 

إدارة الأستاذ موفق حسن رضا

 

تولى الأستاذ موفق حسن رضا إدارة الشركة قادماً من مكتب شركة إعادة التأمين العراقية في لندن وامتدت إدارته من 1979 لغاية 1993.  ومما يفتخر به أن الهدف الأساسي للإدارات المتعاقبة أنصبَّ على تطوير أعمال الشركة وتعزيز مكانتها في الاقتصاد العراقي.

 

ففي زمن الأستاذ عبد الباقي ولنظرته المستقبلية لتوسع أعمال الشركة تمَّ شراء قطعة أرض لإنشاء بناية حديثة قرب عمارة الأمان، وبدأ البناء واكتمل في زمن الأستاذ موفق حسن رضا وتم تهيئتها بشكل قاعات متجاورة، وتم طلي مكاتبنا باللون الازرق بدلاً من اللون الرصاصي، وتم تصميم لوحات موحدة لفروع ومكاتب الشركة باللون الازرق صممتها الفنانة التشكيلية غادة عبد الرزاق حبيب.[4]  كان قسمنا الفني مجاوراً لقسم التخطيط بإدارة الدكتور سليم الوردي.

 

تطور عمل الشركة بشكل كبير واستجابت للتطورات الاقتصادية بدراسة إدخال تغطيات حسب الحاجة.  وأذكر أن أوليات دراسة مترو بغداد والتغطيات المطلوبة كانت مهيأة في القسم الفني إلا أن اندلاع الحرب مع إيران ألغى المشروع.  وساهمت الشركة بشخص الأستاذ موفق في تأسيس الصندوق العربي لتأمين أخطار الحرب[5] أثناء الحرب العراقية الإيرانية للحصول على أفضل الأسعار لأخطار الحرب.

 

كانت الشركة تعاني من زخم العمل في بداية كل سنة في إصدار وثائق التأمين الإلزامي من حوادث السيارات[6] فتم دراسة الموضوع بالتعاون مع وزارة النفط، وتمت إضافة أقساط التأمين الإلزامي على البنزين، وبها أصبحت كل السيارات مؤمنة اتوماتيكياً ولا يضيع حق مصاب لإغفال تأمين السيارة.  يؤسفني أنى لا أتذكر كل الانجازات ولكن الشركة كانت في تطور مستمر وأي موضوع يستجد تشكل لجنة لدراسته وتقديم توصيات بشأنه.  عندما يحب العاملون عملهم والمكان الذي يعملون فيه يقدمون كل جهدهم لتطويره، وهذا ما كان يحصل في الشركة حسب قناعتي.  وهنا اتذكر مسلسل السيد سلفرج[7] Mr Selfridge والمتجر الذي يحمل اسمه في لندن وكيف ساهم العاملات/العاملون بتطويره وكان صاحب المتجر السيد سلفرج سعيداً بهم.

 

بعد سعي حثيث انتقلت للعمل في القسم الفني وهو خزان الأفكار، كما يسميه الأستاذ موفق، لأن هناك فرصة للاطلاع على معاملات متنوعة غير تقليدية، فهنا تتم مناقشة شروط الوثيقة، وهنا تتم دراسة مطالبة بتعويض غير واضح، وهنا يتم إدخال تحديثات وثائق التأمين التي تحدث عالمياً، وهنا نطّلع على المطبوعات التي تنشر من قبل الشركات العالمية والاونكتاد، وهنا نتعرف على البواخر التي تعرَّضت للخسارة العامة ولكل منها قصة.  كان التعاون سائداً في ذلك الزمان.  هناك نقاشات في تعويضات متنوعة وفي الأمور التأمينية الأخرى.  وكنا نشعر بسعادة لإنجاز عملنا بدقة فالحرص على الدقة وسمعة الشركة خاصة مع الخبراء الدوليين كما في الخسارة العامة في تعويضات التأمين البحري.  كنا فريقاً متجانساً بإدارة المرحومة سهير حسين جميل، هشام بابان، أحلام البحراني، مايكل سامي، شهاب العنبكي، شروق عدنان، وبري فاتح، وبديعة جاسم، وسميرة عبد الكريم.  وكنا ندقق لآخر دقيقة من الدوام الرسمي التلكسات مع الآنسة هناء التي ترسل التلكسات.  وهنا أود أن أذكر أن كاتبات الطابعة كنَّ في بعض الأحيان يصححن الكتب التي نحررها بفضل طول تجربتهنَّ في قراءة الكتب والتركيز في العمل.

 

إدارة الأستاذ فؤاد عبد الله عزيز

 

استلم ابن الشركة التي نشأ فيها السيد فؤاد عبد الله عزيز إدارة الشركة بعد مغادرة الأستاذ موفق لها، وكان ودوداً مع الجميع، وكان له تصوراته في تطوير الشركة وفعلاً ألفَّ لجنة تطوير الإجراءات في الشركة حيث كنا ندرس إجراءات العمل في الأقسام التي تعاني من البطء في أداء مهمات العمل وخاصة التعويضات لتحسين الخدمة المقدمة.  كان قسم تعويضات الحريق أول قسم تمت دراسة الإجراءات فيه.  بعد الدراسة المستفيضة كنا نقدم مقترحاتنا لاختصار هذه الإجراءات لما يخدم تسريع العمل والاستجابة لمطالب حملة وثائق التأمين.

 

لم اعتقد أنى سأغادر الشركة بشكل مبكر فقد كنت مسكونة بالتأمين ودائماً أفكر بالملفات التي أدرسها حتى وأنا أعد العشاء للعائلة لدرجة أن ابنتي الصغيرة كانت تقول لي عندما أكبر سأعمل في التأمين لكن الحصار اللعين الذي جاء نتيجة دخول الكويت، وهو القرار الذي قصم ظهر العراق وكسر حلقة المواطنة داخل الكثيرين، جعل الحياة لا تطاق وأصبح التنقل للوصول للشركة مشكلة كبيرة فاضطررت إلى تقديم طلب على التقاعد بعد خمسة عشرة سنة، وأركز على رعاية الاطفال.  وهنا أذكر أن السيد فؤاد لم يوافق على طلبي للتقاعد لمدة ستة أشهر وبعد إصراري غادرت الشركة في تشرين الثاني 1993 وأنا أبكي.

 

إدارة الأستاذ محمد حسين جعفر

 

غادر السيد فؤاد الشركة في عام 1999، على ما اعتقد، وخلَّفه ابن الشركة المرحوم محمد حسين جعفر، واعتقد أن اختياره تمَّ بالانتخاب من قبل الموظفين.  كنا نلتقي معه عائلياً حيث أنه عمل في القسم القانوني ابتداءً وكان زوجي، أسعد سعد برهان الدين يعمل معه، ثم أصبح مديراً للقسم القانوني.  في عام 2000 عرض عليَّ العودة إلى الشركة وفعلاً عدت للعمل في فرع التأمين البحري حيث نُقلت ملفات الخسارة العامة إلى الفرع وكان العمل قد نشط في الفرع بعد تطبيق مذكرة الغذاء والدواء مقابل النفط.  كان له يرغب في تطوير عمل الشركة سيما قسم الحاسبة الالكترونية، وكان يطمح أن يتعلم كافة العاملين العمل على الحاسبة.  كان الموظفون ينتقدونه في تدقيق الكتب وأوامر الصرف لعدة مرات.  وهذا، حسب رأيي، يحسب له وليس عليه إذ كان يتوخى الدقة والنزاهة.[8]

 

بعد مضي بضعة أشهر أصيب ابني البالغ 14 سنة بمرض خطير فتركت العمل نهائياً في الشركة.  وهنا أشير إلى أن جو العمل لم يكن مثلما كان في الثمانينيات بسبب تطبيق نظام الحوافز للموظفين على أساس نقاط أداء الموظف، وهنا منشأ الاعتراضات ولماذا فلان نقاطه أكثر.  لقد أثرَّ الحصار كثيراً على نفسية الموظفين لأنهم جربوا ضيق المعيشة وصعوبة توفير الطعام لعوائلهم.  لقد كان الحصار قاسياً جداً.  لا أنسى موقف الزملاء والاصدقاء ووقوفهم معي في محنة مرض ابني حيث حضروا معي في المستشفى وانتظروا ساعات العملية الطويلة.  الحمد لله على لطفه بي الذي منحني القوة في تخطي مراحل العلاج القاسية وتكللها بشفائه.

 

بعد الاحتلال بفترة نُقل ابو أسيل (محمد حسين جعفر) إلى دائرة عقارات الدولة ولم يحب العمل فيها، حسب ما كان يبلغنا به، فأحال نفسه على التقاعد، وبعدها بفترة قليلة صُعقنا بمقتل هذا الانسان النزيه والنظيف اليد واللسان والبار بوالدته إلى آخر يوم في حياتها فخسرنا صديقاً عزيزاً.

 

المرأة في الشركة

 

احتلت المرأة مكانة متميزة في الشركة فالست بثينة حمدي كانت مديرة قسم الحسابات ويبدو أنها كانت معروفة على نطاق خارج الشركة بكفاءتها وحسن خلقها.  فالمرأة الكفوءة تتقدم لتتبوأ الإدارة.  السيدة سهير حسين جميل، كانت مديرة القسم الفني، واتذكر أن الاستاذ موفق حسن رضا كلفها بإدارة القسم وهي غير راغبة وتؤكد انها قانونية وليس لها تجربة في الأمور الفنية ولكنها اثبتت جدارتها في هذا القسم.  وبالرغم من شدتها إلا انها كانت تحب موظفيها وتعطيهم حقهم وتمتدحهم دون ان يعلموا.  وكانت تقضي الربع ساعة الأخيرة من الدوام معنا في القاعة ونتحدث بشتى الامور.  وقد عملت لنا دعوة في منزلها، وكان من أجمل البيوت التي دخلتها تصميما وتأثيثا حيث كانت مولعة بالأشياء القديمة.  السيدة هدى الصفواني كانت مديرة الطيران معروفة بابتسامتها اللطيفة.  أدارت القسم بنجاح لسنين طويلة وكانت علاقتها بموظفيها نموذجاً جميلاً حيث كانت تدعوهم إلى منزلها كل أسبوع حسب ما سمعت.

 

خصوصيات أخرى للعمل في الشركة

 

أعود إلى خصوصية العمل في الشركة فقد كانت توفر الفرصة للمنتسب الجديد والقديم للتعلم المستمر من خلال الدورات التي تقيمها داخل الشركة أو بالتعاون مع جهات اخرى كمعهد تطوير اللغة الانكليزية وشركات إعادة التأمين كالسويسرية وميونيخ ري.  وما ان باشرنا العمل في الشركة نظمت لنا دورة ابتدائية في التأمين تعرفنا فيها على أنواع التأمين والمواضيع ذات العلاقة وفيها تعرفنا على قواعد السلوك الوظيفي حيث كان الدكتور سليم الوردي محاضراً علينا ومن المعتاد أن يسألنا ويسمع لكل آرائنا ومن ثم نتوصل إلى تعريف كامل.  وما زالت عبارة “عملي هو سندي” التي ذكرها الأستاذ بديع السيفي ملتصقة بذاكرتي وحسبي أنى طبقتها في حياتي الوظيفية.  ومن ثم اشتركنا في دورات متقدمة في التأمين.

 

في الشركة مكتبة زاخرة بالكتب التأمينية والنشرات التأمينية ورسائل الدراسات العليا، وكم كان جميلاً زيارة المكتبة واقتناء الكتب من العزيزتين سعاد البيطار ورابحة الشونة حيث كانتا تقدمان لنا كل ما يساهم بتطوير معلوماتنا، وإذا تقدمنا من خلال القسم بطلب شراء كتاب حديث نجد الكتاب موجوداً بعد فترة قليلة.

 

كانت الشركة تعقد ندوات تأمينية سنوية في محافظات العراق ويشارك بها جهات عديدة وتناقش فيها مواضيع متنوعة لها علاقة بالتأمين كما تساهم في نشر الوعي التأميني.  كما كانت الشركة تستقدم الخبراء من شركات الإعادة الأجنبية لعقد ندوات قصيرة بخصوص وثيقة معينة أو موضوع معين.  وشجعت الشركة الموظفين على تعلم اللغة الانكليزية، فبعد ان باشرت عملي أخذت الشركة على عاتقها تسديد اقساط تعلم اللغة الإنكليزية في المعهد البريطاني.  وكانت تشجع الموظفين على إكمال دراساتهم في الدبلوم العالي للتأمين في جامعة بغداد.  والأجيال التي سبقتنا أتيح لها دراسة كورسات معهد التأمين القانوني في لندن حيث كان هناك مركز امتحاني ألغي لاحقاً.  قد تكون الحرب سبب إلغاء المركز، لعن الله من أشعلها.

 

في سنة 1982 افتتح مركز التدريب المالي والمحاسبي الذي تولى عقد الدورات التدريبية ومنها التأمينية وكانت أول دورة لمدة ستة أشهر وافتتحت من قبل الأستاذ موفق حسن رضا حيث وعد المتفوق الأول بترشيحه لإيفاد إلى شركة إعادة التأمين السويسرية.  وكنت المحظوظة التي رشحت لهذا الإيفاد.  واتذكر أن وزارة المالية طلبت مرشحاً آخر وقد يكون السبب وراء ذلك هو عدم انتمائي لحزب البعث إلا أن إصرار الأستاذ موفق جعلني أكون المرشحة الوحيدة.

 

ذهبت الى سويسرا واستمتعت بالمواد التي درسناها وكورس التدريب على القيادة Action Centred Leadership الذي كان بإدارة المحاضر الإنجليز أريك جيلفز Eric Jelfs.  وكان المحاضرون يتعاملون معنا بكل احترام وخصوصاً لكوننا عراقيين ويعرفون مدراءنا العامين ويذكرون الأستاذ عبد الباقي رضا والأستاذ موفق حسن رضا لإدارتهما المهنية العالية.

 

أودّ ان أضيف أن السيدة آمال محمود شكري كانت ضمن دورة المرأة في التأمين هذه الإنسانة الراقية التي تعمل بصمت وهدوء حيث انضمت الى شركة التامين الوطنية في أواخر ثمانينات القرن المنصرم عندما سمح لشركة التأمين الوطنية ممارسة التأمين على الحياة، فأسست فرع التأمين على الحياة وقامت بإدارته بكل مهنية.  وهي أصلا خريجة بريطانيا وكانت قد درست كورسات معهد التأمين القانوني في رياضيات التامين على الحياة.  تركت الشركة في أواخر التسعينيات إلى الاْردن حيث طلبتها احدى شركات التامين في الاْردن، وما زالت تعمل لحد الان.  وقد طلبت منها أكثر من مرة كتابة ذكرياتها عن التأمين حيث انها تجمع تجربتين: التأمين على الحياة والتأمينات العامة.

 

روابط الإخاء

 

كنت محظوظة فعلا بالعمل في شركة التأمين الوطنية حيث ربطتني اخوة جميلة اعتز بها واستمرت بعد مغادرتي لها.  فأول مدير عملت معه كان المرحوم أمين الزهاوي، نِعْمَ الاخ النصوح والمرشد سواء في العمل او السلوك الشخصي.  وكانت علاقته طيبة مع الجميع وقد أحال نفسه إلى التقاعد مبكرا، وبقينا نزوره مع عائلته، وبقيت غصة موته المفاجئ بعد انتهاء العدوان على العراق سنة 1991 حيث لم نستطع الوقوف مع عائلته لصعوبة التنقل وعدم توفر بنزين للسيارات حيث كنا نعاني كثيرا للوصول إلى الشركة.  وكنت محظوظة بأخوة دكتور سليم الوردي حيث كنا نزوره دائما ونقضي وقتا ممتعا مع العزيزة الطيبة أم زيد وزيد وليلى.  وكم تذوقنا النارنج والريحان من حديقتهم وبقينا إلى ما بعد الاحتلال حيث أصبح التزاور صعباً ومن ثم تركنا العراق إلى غير رجعه ولكن بقينا على اتصال دائم وفي اخر مكالمة أخبرني بخطبة العزيزة ليلى وكان سعيدا، وفوجئنا بعد أشهر بوفاته.

وجدت في أحلام البحراني في الشركة، وانا البنت الوحيدة بين أربع صبيان، نعم الاخت المُحبة الصادقة والتي لم تبخل يوما بنصيحة أو مساعدة أو التمنيات الطيبة لنا أو تقديم المعلومة.  لقد حظيت بالكثير من الصداقات الحقيقية وكان عملنا في القسم الفني وتعاوننا ذكرى جميلة لا تنسى.  وما زلت اتصل بالبعض واتلقى التحيات من الاعزاء حليم عبد الفتاح في قسم الأفراد وآمنة المنقيب.  لا أنسى أختي التي التقيتها في قسم الإنتاج والعلاقات عفيفة دارا، الإنسانة الطيبة؛ كم قضينا أياماً حلوة وأياماً حزينة، فبكيت لأجلها وسعدت أحياناً وهي كذلك، وتفتقدني وافتقدها.

 

كانت الصداقة حقيقية بين مدراء الأقسام أيضاً وبما يخدم العمل في الشركة وتطويره، واذكر هنا أنى كنت احاول الانتقال من قسم الإنتاج والعلاقات إلى أحد الاقسام الفنية لتعلم التأمين وكان السيد فؤاد عبد الله يختار الكادر لفرع التأمين الزراعي المزمع تأسيسه فطلبت إليه ضمي إلى هذا الفرع فرد بهدوء لا أستطيع أن اطعن صديقي أمين الزهاوي لأنه كان يعرف تمسكه بي، لكن فكرة تعلم التأمين كانت مسيطرة علي إلى أن تم نقلي إلى القسم الفني.  وعملت ابتداء بإدارة الدكتور هشام بابان الذي كان عائداً من انكلترا بعد حصوله على الدكتوراه في القانون وقد استفدت كثيراً من لغته الانكليزية ومطالعاته والكتب التي يعدها حيث كنت اقرأها.  وقد غادرنا السيد هشام إلى البحرين حيث كانت هناك شركة مشتركة مع البحرين ليكون مديراً عاماً لها.  وعملت مع السيد مايكل سامي صاحب الخلق والطيبة والأناقة.

 

العمل في الشركة الأهلية للتأمين

 

في عام 2004 طلب السيد مايكل من إحدى صديقاتي في الشركة الاتصال بي وكنت في حينها قد اعتزلت كل شيء ونسيت التأمين ولم أرغب بالاتصال إلا أن إلحاح عائلتي دفعني إلى زيارته في مقر الشركة الأهلية للتأمين حيث فاتحني بالعمل في الشركة وقلت في حينها أنى نسيت التأمين نتيجة الظرف الصعب الذي مررت به.  فأكد أنه سيساعدني.  وفعلا عدت إلى التأمين مرة اخرى، وحال جلوسي على المكتب بدأت أتذكر، ولو أن عملي هنا اختلف عن عملي السابق، فكنت أعد جداول للإعادة وكذلك ملفات التأمين على الحياة.  وبقيت سنة في هذه الشركة.  وهنا اذكر السيد متي هرمز الذي لم يبخل علي في المساعدة حيث كان دقيقاً جداً.  مدير الشركة، السيد محمد الكبيسي، كان كريما معي إلى حد كبير.  كان موقع الشركة قريباً إلى حد ما لمسكن اهلي مما سهّل علي إدامة الاتصال بهم.

 

كان الأمريكان يجتمعون في مقر الشركة لدراسة وضع التأمين في العراق وتوصلوا إلى تقسيم الشركات العامة إلى شركات متخصصة.  وقتها نُشرت مقالة في جريدة المدى كانت ضد هذا التقسيم للسيد مصباح كمال[9] اعقبتها، حسب ما أتذكر، مقالة للسيد فؤاد عبد الله.  قد تكون المقالتان عرقلت وألغت فكرة التقسيم أو لأن التامين لا يدر أموالا إذا تم تخصيصها كالمعامل الانتاجية.

 

حال انتقال الشركة الأهلية للتأمين إلى شارع السعدون وتدهور الوضع الأمني دون استمراري بالعمل حتى بعد أن تكرم علي السيد محمد الكبيسي باقتصار دوامي على ثلاثة ايام بالأسبوع.  لم أستطع الاستمرار.  وهكذا تركت الشركة بعد سنة، وهي تجربة اعتز بها واعادتني إلى الحياة.  وهنا أقدم تقديري للسيد محمد الكبيسي والعزيز مايكل سامي والسيد متي أينما كان.

 

كل التقدير والاحترام لإدارات الشركة التي عملت تحت توجيهاتها والرحمة للأخوة والأخوات الذين غادروا إلى دار الحق.

 

اعتذر من كل الأصدقاء الذين التقيتهم بالتأمين ولم أذكر اسماؤهم وكانت صحبتنا حلوة ولهم كل التقدير والتمنيات الطيبة.

 

كان العمل الوظيفي عموما ممتعاً بالرغم من أنه لم يخلو من المنغصات ويبقى مع ذلك ذكرى طيبة.  أتمنى أن تحظى شركة التأمين الوطنية بإدارات كفؤة همهما الأول تطويرها وتعزيز مكانتها في الاقتصاد العراقي.

 

أود أن أذكر هنا حدثاً في الشركة ارتبط بزيارة وزير المالية لشركة التأمين الوطنية في صباح أحد الأيام في الثامنة تماماً حيث سحبت دفاتر التوقيع وبسبب ذلك لم يتسن لعدد كبير منا توقيع حضورنا، ومن ثم تقرر توجيه عقوبة للجميع حتى مدراء الأقسام.  وبقينا نترقب الأمر الإداري طوال اليوم والألم يعتصرنا لأن ملفنا سيتضمن عقوبة ونحن نسعى بجد للحصول على كتب الشكر والتقدير.  في نهاية الدوام صدر الأمر الإداري فتلقيناه بلهفة فلم نجد اسماءنا ضمن الأمر مع اننا لم نوقع الحضور، فاستفسرنا من القسم الإداري فيما إذا كان هناك ملحق للأمر فنفوا ذلك واكتشفوا أن صفحة القسم الفني قد التصقت بصفحة أخرى ولهذا لم نجد اسماءنا.  كم كانت سعادتنا كبيرة فقد بقيت ملفاتنا بدون عقوبة.  وبعد فترة رفعت العقوبة عن المدراء لأنها كانت قاسية فذهبت مع الدكتورة سلوى زكو لشراء الخبز والخضرة لتوزيع خبز العباس بمناسبة رفع العقوبة عن أحد الزملاء حيث كانت قد نذرت ووفينا النذر.  كم كانت الحياة جميلة ومليئة بالطيبة.

 

العمل التأميني في كندا

 

بقي التأمين في تفكيري عندما وصلت إلى كندا لكني في هذه المرة غامرت ودرست الاستثمار في الصناديق التبادلية mutual funds والتأمين على الحياة، فكنت أقابل الزبائن واعرض عليهم خططاً للاستثمار.  فهنا عندما يولد الطفل ممكن البدء بخطة توفير له/لها حيث يتم استثمار مبلغ شهري معين حسب دخل العائلة ليتراكم ويساعد الطفل في دراسته بالجامعة بدل الاقتراض من الحكومة.  وهنا يقوم الموظف بعد بدء العمل بسنة ببدء خطة للتقاعد إضافة إلى التقاعد الكندي لكي يعيش حياة مرفهة بعد التقاعد حيث ان التقاعد الكندي لا يكفي لحياة معقولة.  وحتى التأمين على الحياة يتخذ أشكالاً عديدة وهو استثمار أيضاً ويضمن عدم ترك العائلة في حاجة عند وفاة رب العائلة.  وهناك طبعاً تأمين عند حصول حادث يمنع الشخص عن العمل، وهناك تأمين ضد الأمراض الصعبة.  تركت العمل لمساعدة العائلة، وعندما فكرت بالعودة للعمل اكتشفت أن إجازتي للعمل بهذا المضمار قد انتهت لأني توقفت فترة من ممارسته.

 

آذار-نيسان 2018

 

* مسؤولة شعبة الخسارة العامة في التأمين البحري سابقاً، شركة التأمين الوطنية، بغداد

 

[1] كانت السيدة بثينة حمدي مديرة الحسابات في الإدارة العامة لشركة التأمين الوطنية لسنوات عديدة، وكانت تحظى باحترام متميز من مديرها العام ومن المدراء والموظفين.  كانت صارمة في تطبيق القواعد المحاسبية.

 

[2] كان الأستاذ عبد الباقي رضا المدي العام لشركة التأمين الوطنية في الفترة من 1966 لغاية 1978.

[3] أنظر: سحر الحمداني، “في ذكرى السيدة سهير حسين جميل،” مرصد التأمين العراقي.

https://iraqinsurance.wordpress.com/2012/11/02/remembering-suhair-hussein-jameel/

 

[4] خريجة دار التراث الشعبي، قسم الرسم، بغداد، 1974- 1975.  انتقلت إلى لندن وأقامت فيها سنة 1990.  قتلت في منزلها في لندن في ظروف غامضة في أيلول 2010 لم تستطع الشرطة البريطانية الكشف عن قاتليها أو الدافع وراء القتل.

 

[5] بدأت اجتماعات تأسيس الصندوق في بغداد في آب 1979 وتتوجت بالاتفاق النهائي بين شركات التأمين وإعادة التأمين العربية بعد اجتماعات دبي في تموز 1980.  وكان للدكتور مصطفى رجب دور مهم في تأسيس الصندوق إلا أن هذا الدور لم ينل ما يستحقه من اهتمام وتوثيق.

 

[6] كان ذلك بموجب قانون التأمين الالزامي من حوادث السيارات رقم (52) لسنة 1980.  وحسب آخر تعديل سنة 2016، أضيفت المادة التالية للقانون:

 

المادة – 4 – أولا: يستوفى قسط التأمين الإلزامي على المركبات بنسبة (0.003) ثلاثة بالألف من مجموع مبالغ المبيعات الفعلية لشركة توزيع المنتجات النفطية من البنزين وزيت الغاز عدا المجهز إلى وزارة الكهرباء وتودع المبالغ لدى الشركة لحين توزيعها.

 

ثانيا: توزع المبالغ المتحققة لدى شركة توزيع المنتجات النفطية بعد استقطاع حصتها البالغة نصف بالمائة من هذه الزيادة بواقع (50%) إلى شركة التأمين الوطنية و (50%) إلى الموازنة العامة للدولة وتسدد بأقساط ربع سنوية.

 

[7] مسلسل سلفرج الإنكليزي (10 حلقات عن حياة هاري غوردن سلفرج، مؤسس المتجر الذي يحمل اسمه، في الفترة 1908-1928) يوضح علاقة العاملين وصاحب المتجر المبنية على حب العمل والتطور وهي التي جعلت هذا المتجر يحتل مكانة متميزة في بريطانيا.

[8] لتقييم شخصيته وعمله أنظر: أسعد سعد برهان الدين وسحر الحمداني، “في ذكر المرحوم محمد حسين جعفر، مدير عام شركة التأمين الوطنية،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2017/04/11/remembering-muhammad-hussain-jafar-1946-2001/

 

[9] تصدى السيد مصباح غازي عسكر كمال بمقالة تفصيلية احتلت نصف صفحة في جريدة المدى لتقسيم شركة التأمين الوطنية المقترح من قبل شركة أمريكية وأسعدني غض النظر عن هذا الموضوع.

Ministry of Finance Adviser and Insurance

مستشار وزارة المالية والتأمين

 

 

مصباح كمال

 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2018/05/04/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%85%d8%b3%d8%aa%d8%b4%d8%a7%d8%b1-%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3/

 

 

التصريحات الرسمية حول قطاع التأمين: غياب العمل المنظم والمتواصل

 

يطلع علينا بين الحين والآخر بعض المسؤولين والمستشارين الرسميين بأفكار وتصريحات من خلال وسائل الإعلام حول واقع التأمين في العراق وتطوره، ثم يعمُّ السكوت خاصة وأن ما لديهم من أوراق أولية أو بحثية في التأمين أو ما له علاقة بالتأمين لا تجد طريقها إلى النشر، ولهذا لم تصبح موضوعاً للمناقشة.  وهم، على أي حال، غير معنيين باستشارة الغير.  نسمع عن استشارة هذا وذاك بين الحين والآخر، من داخل قطاع التأمين أو خارجه، لكن الاستشارة لا تجري بشكل منظم ومتواصل، ولا ندري إن كانت مثل هذه الاجتماعات الاستشارية تتم اعتماداً على أوراق مكتوبة أو تنتهي بكتابة محضر رسمي لوقائع الاجتماع.  ويلاحظ على هذا الوضع، وقد اقتصدنا في عرضه، أن الأطراف التي تستشير لا تنسق فيما بينها، وقد يكون هذا ناشئاً من ادعاء طرف دون غيره بأنه الأدرى بالشأن التأميني بدل أن تتظافر الجهود.

 

وقد اختبرنا شيئاً من غياب العمل المتواصل والتشتت، على سبيل المثل، مع مفردات التأمين في البرنامج الحكومي[1]، وما كنا نسمع به من قيام هيئة المستشارين التابع لمكتب رئيس الوزراء بدراسة قطاع التأمين واقتراح الحلول لتطويره، ومن خلال ما نقل مؤخراً عن محافظ البنك المركزي من أفكار على هامش مؤتمر التأمين العراقي، وقد قمنا بعرض أفكاره من موقف نقدي.[2]

 

في ذات الفترة التي تحدث فيها المحافظ، أثناء انعقاد مؤتمر التأمين العراقي في 3 آذار 2018 في بغداد، نَقلَت بعض البوابات الإلكترونية تصريحات لمستشار وزارة المالية د. كمال البصري.[3]  ننقل هنا ما أدلى به من تصريحات ومن ثم نعلق عليها باختصار:

 

“أعلن مستشار وزارة المالية كمال البصري، الأربعاء، عن قرب انجاز ورقة خاصة بالتأمين، داعيا إلى أن يكون عام 2018 عاما للتأمين العراقي.

 

وقال البصري في تصريح اوردته صحيفة “الصباح” الرسمية واطلعت عليه “عواجل برس”، إن “هناك مساعي للاجتماع مع ممثلي شركات التأمين في العراق قريباً لإنجاز ورقة خاصة بالتأمين تتضمن تقديم كل ما يلزم للنهوض بواقع التأمين بغية اعتمادها بما يدعم انجاح عمل شركات التأمين”.

 

دعا البصري إلى أن “يكون عام 2018 عاما للتأمين العراقي”، معربا عن أمله بعقد الاجتماع خلال هذا [ال]شهر آذار الحالي.

 

وانطلقت في الثالث من الشهر الحالي اعمال مؤتمر ومعرض التأمين العراقي[4] لمناقشة آليات اسهام شركات التأمين العراقية في العملية الاقتصادية ودورها في تغطية الاخطار التأمينية للمشاريع التي تتطلبها المرحلة الراهنة.”

 

الأفكار الأساسية في تصريحات مستشار وزارة المالية

 

هناك فكرتان أساسيتان في هذه التصريحات.

 

  • انجاز ورقة خاصة بالتأمين

إن طبيعة هذه الورقة غير معروفة (ربما هي رصد لواقع قطاع التأمين منذ 2003 أو منذ تأسيس أول شركة تأمين خاصة عام 2000).  القول بقرب إنجازها موضع شك إذ أنه ما زالت هناك “مساعي للاجتماع مع ممثلي شركات التأمين في العراق قريباً لإنجاز ورقة خاصة بالتأمين تتضمن تقديم كل ما يلزم للنهوض بواقع التأمين بغية اعتمادها بما يدعم انجاح عمل شركات التأمين.”  ولكن يبدو أن الهدف من هذه الورقة المرجوة هو تقديمها كبرنامج عمل “بغية اعتمادها” لإنجاح عمل شركات التأمين – أي خطوط عامة تعرض للمناقشة.

 

ترى هل أن مصير هذه المساعي لعقد اجتماع مع ممثلي شركات التأمين ستنتهي “فوق الرفوف العالية”؟  نقول هذا لأن مستشار وزارة المالية كان يؤمل نفسه “بعقد الاجتماع خلال هذا [ال]شهر آذار الحالي.”  لكن آذار قد مرَّ وبات نيسان قريباً من الانتهاء!

 

  • إعلان عام 2018 عاماً للتأمين العراقي

دعا د. كمال البصري إلى أن “يكون عام 2018 عاما للتأمين العراقي.”  لا ندري على أي أرضية يقف ليعلن هذه الدعوة.  هل هي الورقة التي يطمح لإنجازها ويحقق بها النقلة النوعية لقطاع التأمين في التنظيم والأداء والتشريع؟  أم هو التغيير السياسي المرتقب بعد انتخابات أيار 2018؟  أم هو ازدياد عدد الوحدات المعروضة للتأمين بفضل بعض العقود والوعود في مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار العراق في شباط 2018، والمؤمل التوقيع عليها خلال 2018؟  أو غيرها من الفرص الحاضرة في ذهنه والبعيدة عن تصوراتنا؟

 

نسوق هذه الأسئلة للمقارنة السريعة مع ما يجري في دول أخرى.  في المملكة العربية السعودية، ستبدأ النساء بقيادة السيارة في حزيران 2018، وهذا سيشكل مصدراً مهماً جديداً للطلب على الحماية التأمينية (وعلى الخدمات المرتبطة بالسيارات).  في مصر، تمَّ إطلاق “شهادة أمان المصريين” التي تجمع بين التأمين على الحياة والادخار.[5]  وفي تركيا، هناك مشروع لجعل التأمين على المصاعد إلزامياً.  وفي أسواق التأمين الغربية يزداد الطلب على تأمين الأخطار السِبرانية والسيارات ذاتية القيادة ووسائل التعامل مع كوارث الطبيعة …الخ.

 

مقابل ذلك، ماذا شهدنا في قطاع التأمين العراقي؟  كان هناك مؤتمر التأمين العراقي الذي انعقد بفضل جهود المهندسة سهاد الفرطوسي، تعمل مديرة تنفيذية لدى TEDxBaghdad، وكان يجمع بين مؤتمر محدود النطاق ومعرضاً لبعض شركات التأمين.  لم يقترن المؤتمر بتوزيع أوراق بحثية، ولم تعرض توصيات من المؤتمر (صيغت التوصيات خارج المؤتمر بعد انتهائه).  ماذا بعد؟  تعيين رئيس بالوكالة لديوان التأمين من خارج قطاع التأمين؛ تعيين مدير عام بالوكالة لشركة إعادة التأمين العراقية؛ غض النظر عن مشروع دمج شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية.

 

هل كانت هناك دراسات تأمينية مهمة بأقلام عراقية خلال السنتين الماضيتين، مثلاً؟  حسب علمنا، ونرجو أن نكون مخطئين، لم ينشر سوى القليل جداً ومنها دراسة واحدة وكتاب للسيد منعم الخفاجي[6]، وأفكار حول تأمين المحلات التجارية من خطر الحريق للسيد عبد الحسن الزيادي[7].  إذا كانت معلوماتنا صحيحة فإن هذا الوضع يدلّ على هشاشةٍ وبؤسٍ في الإنتاج الفكري التأميني.  كيف يمكن تحقيق التحول النوعي لقطاع التأمين وهو فقير في الفكر، ويعاني من ندرة الكوادر من أصحاب الثقافة التأمينية الرفيعة وحتى الضعف في اللغة.

 

نأمل من الدكتور البصري أن يفصح عن نظرته لو أتيحت له فرصة الاطلاع على تساؤلاتنا، ولو أنه كان من الأحرى أن يعرض بعضاً من تصوراته بشأن جعل 2018 عاماً للتأمين كي لا نضيع في العموميات.

 

نأمل أن لا يكون إعلانه عن عام 2018 نفخاً في الرماد.

 

هل ما زال هناك أمل لتحسين قطاع التأمين؟

 

شغل د. كمال البصري مناصب عديدة في العراق بعد 2003 ومنها: مستشار وزارة التجارة، ووكيل وزارة المالية، ومستشار اقتصادي في هيئة المستشارين لرئيس الوزراء.  ويعمل الآن مستشاراً لوزارة المالية.  ويبدو أن موقعه يشمل الاستشارة في شؤون التأمين، وهو ما نستشفه من تصريحاته.  وهو ليس ببعيد عن الشأن التأميني إذ أن له دراستين أنجزهما عندما كان يعمل في بريطانيا:

 

  • نموذج استجابة العملاء لشركة التأمين: حالة التأمين على المراجل (الغلاّيات).
  • نمذجة مطالبات التأمين ضد البطالة والرهن العقاري: دراسة حالة لجمعية هاليفاكس للبناء.[8]

 

وأذكر أنه قدّم محاضرة في لندن بصفته رئيس المعهد العراقي للإصلاح الاقتصادي، نظمتها رابطة الأكاديميين العراقيين في المملكة المتحدة، أشار فيها، من بين أمور أخرى، إلى ضعف تواجد شركات التأمين، أو غياب هذه الشركات في العراق (يؤسفني أن لا أتذكر التفاصيل).

 

لذلك، يمكن الزعم بأن الدكتور البصري ربما يكون متميزاً عن غيره لأن التأمين كان يشغل في وقتٍ ما حيزاً من اهتمامه العلمي عندما كان يعمل في بريطانيا، وربما استمر اهتمامه بالتأمين بعد ذلك.  ونتوقع منه أن يوظف خبرته الميدانية والأكاديمية في قطاع المال والمصارف ونشاطات اقتصادية أخرى لتقديم مساهمة غنية لوضع لبنات رفع مستوى أداء شركات التأمين ودورها في الاقتصاد الوطني.

 

نأمل بدورنا أن تتحول تصريحاته أو ورقته التي يعمل على إنجازها بمساهمة من ممثلي شركات التأمين (نفترض أن تشمل شركات التأمين العامة والخاصة بما فيها شركة إعادة التأمين العراقية) إلى برنامج يضم، على سبيل المثل وليس الحصر: توصيفاً لبنية سوق التأمين العراقي، المعوقات (وهي عديدة) التي تجابهها شركات التأمين، سياسة التدريب المهني والدفع باتجاه حرفنة التأمين professionalisation، التنازع بين القوانين القائمة المنظمة للنشاط التأميني، توطين التأمين (تحريم التأمين خارج العراق إلا في حالات خاصة)،وشروط التأمين والتعويض في عقود الدولة، إعادة النظر بالهيئة التي تقوم بوظيفة الرقابة والإشراف، إعادة النظر بالحدود الدنيا لرأسمال الشركات، إلزامية التأمين على أخطار معينة، إشاعة ثقافة التأمين … الخ.

 

ومن رأينا أن ورقة واحدة لا يمكن لها أن تغطي القضايا العقدية لقطاع التأمين.  لذلك يفضل أن يقوم المستشار، والمتعاونين معه، بوضع أوراق تتناول مختلف القضايا التي تعرقل تطور القطاع، وتضع جدولاً زمنياً لإنجازها، وتحدد الأطراف التي تتولى متابعتها وإقناع الدوائر المعنية لإحداث التغيير المطلوب في الأحكام القانونية السائدة المتعلقة بالتأمين.

 

28 نيسان 2018

[1] مصباح كمال، “التأمين في المنهاج الحكومي: قراءة أولية،” الثقافة الجديدة، العدد 370، تشرين الثاني 2014، ص 51-63.

نشرت أيضاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2014/12/Misbah-Kamal-Insurance-in-the-Government-Programme-for-TJ-IEN.pdf

 

[2] أنظر: مصباح كمال، “محافظ البنك المركزي العراقي وقطاع التأمين،” موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2018/03/13/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%81%d8%b8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d9%83-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%b2%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82/

 

[3] أنظر: عواجل برس: المالية تعتزم اعداد ورقة خاصة بالتأمين وكذلك الاقتصاد نيوز: http://ar.iraqnow.news/TopArticles/118511

 

[4] لمن فاته التعرّف على هذا المؤتمر يمكن الرجوع إلى مقالتي “هوامش نقدية على مؤتمر التأمين العراقي وتوصياته،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2018/03/19/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%87%d9%88%d8%a7%d9%85%d8%b4-%d9%86%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d8%a4%d8%aa%d9%85%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85/

[5] مصباح كمال، “التأمين على الحياة والادخار: شهادات الأمان في مصر،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2018/04/26/life-insurance-saving-a-new-policy-in-egypt/

 

[6] منعم الخفاجي، “التحديات التي يواجهها قطاع التأمين في العراق،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2017/01/24/%d9%85%d9%86%d8%b9%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%81%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d9%8a%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87%d9%87%d8%a7-%d9%82%d8%b7/

منعم الخفاجي، مدخل لدراسة التأمين (بيروت: منتدى المعارف، 2018).  وهو كتاب مدرسي جيد مكتوب بلغة سهلة، يعرض مبادئ التأمين الأساسية وفروع مختلفة للتأمين.

 

[7] عبد الحسن عبيد عزوز الزيادي، “أفكار حول أسباب حرائق المحلات التجارية وضرورة معالجتها،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2018/04/09/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d8%b9%d8%a8%d9%8a%d8%af-%d8%b9%d8%b2%d9%88%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%8a%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%81%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d8%ad%d9%88%d9%84/

[8] كما وردت في البوابة الخاصة به https://kamalfield.net/about/ وهي تضم سيرته العلمية والوظيفية منذ تخرجه من جامعة البصرة عام 1976.

Life Insurance & Saving: a new policy in Egypt

التأمين على الحياة والادخار: شهادات الأمان في مصر

 

 

إعداد

مصباح كمال

 

 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2018/04/23/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%af%d8%ae%d8%a7/

 

 

تقديم

 

حصّلت مؤخراً على بعض المعلومات عن نمط “جديد” من التأمينات الشخصية للفئات المهمشة في المجتمع تجمع بين التأمين والادخار بدأت شركة مصر لتأمينات الحياة بالتعاون مع أربعة بنوك مصرية بتسويقها[1]، وأطلقت عليها اسم “شهادة أمان المصريين”.

 

ومما جاء في هذه المعلومات أن بيع شهادة الأمان يمكن أن يساهم في نمو قطاع التأمين المصري بنسبة تتراوح بين 4% و5%.  ويتوقع الدكتور عادل منير، الأمين العام للاتحاد الآفروأسيوى للتأمين وإعادة التأمين، مقرها في القاهرة، أن تقوم البنوك في مصر ببيع حوالي 12 مليون شهادة أمان خلال الأشهر الـ 18 المقبلة، والتي قد تصل قيمتها إلى 600 مليون جنيه مصري (34 مليون دولار أمريكي).[2]

 

هدفي من وراء نقل هذه المعلومات هو حث إدارات شركات التأمين العراقية دراسة هذا النمط من التأمين، والتفكير بمدى ملائمته للعراق وإن اقتضى الأمر التعاون مع شركة مصر لتأمينات الحياة للاستفادة من تجربتها وخاصة ما له علاقة بالتعاون بين شركات التأمين والمصارف.

 

شهادة أمان المصريين

 

أنقل أدناه بعض المعلومات الصحفية عن شهادة الأمان المصرية.[3]

 

ما هي شهادة أمان؟

هي تغطية تأمينية في صورة شهادة ادخارية للفئات المهشمة، وتم إصدارها بعد مطالبة الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة توفير تغطية تأمينية لهذه الفئات والمتمثلة في العمالة الحرة.

 

ما هي البنوك المشاركة في هذه الشهادة؟

بنك مصر وبنك القاهرة والبنك الزراعي، والبنك الأهلي بالتعاون مع شركة مصر لتأمينات الحياة.

 

ما هو سعر الشهادة؟

شهادة أمان مقسمة لشرائح تبدأ من 500 جنيه كأقل سعر للشهادة وتصل إلى 2500 جنيه أعلى سعر لها.

 

ما هو مدة الشهادة

الشهادة مدتها ثلاث سنوات ويتم استرداد المبلغ بالفوائد بعدها.

 

ما قيمة الفوائد؟

الشهادة الادخارية ستكون مدتها 3 سنوات بقيمة 500 جنيه ومضاعفاتها، حتى 2500 جنيه، ويتم استرداد المبلغ بالفوائد بعد ثلاث سنوات، بفائدة 16% سنويا ويمكن استردادها في أي وقت.

 

ما حالات صرف التعويضات والمعاش لصاحب الشهادة؟

توفر الشهادة تعويض قدره 10 آلاف جنيه في حالة الوفاة الطبيعية، و50 ألفا للوفاة نتيجة حادث وتصل إلى 250 ألف جنيه كحد أقصى، إذا اختار صاحب الشهادة شراء الحد الأقصى لها 5 شهادات بقيمة 2500 جنيه.

 

تعتبر الميزة في الشهادة الادخارية أنها توفر معاشا لأسرة المتوفى، إذا طلب صاحب الشهادة هذ ما يتيح تقديم دخل شهري للأسر التي قد لا تملك عائلا، وفى هذه الشهادات يختار الشخص المدة كالتالي:

 

5 سنوات بقيمة 200 جنيه معاش شهري في حالة شراء شهادة ب 500 جنيه.

10 سنوات بقيمة 120 جنيه شهريا في حالة شراء شهادة ب 500 جنيه.

1000 جنيه لمدة خمس سنوات في حالة شراء الحد الأقصى للشهادات 2500 جنيه.

600 جنيه لمدة عشر سنوات في حالة شراء الحد الأقصى للشهادات 2500 جنيه.

 

كيف تصرف قيمة الشهادة؟

يتم صرف أرباح الشهادة البالغة قيمتها 16% أربع مرات في العام المرة الواحدة كل ثلاث شهور.

كم عدد الشهادات التي أصدرت حتى الآن؟

 

قال طارق فايد، رئيس مجلس إدارة بنك القاهرة بحسب تصريحات صحفية سابقة، إن مصرفه أصدر شهادة “أمان المصريين ” للتأمين على العمالة المؤقتة والموسمية والشرائح ذات الدخل المحدود، بحصيلة إجمالية تساوى نحو 10 ملايين جنيه، منذ بدء طرحها في 4 مارس 2018، وحتى الآن.

 

وتم إصدار 7500 ألف شهادة أمان، مؤكدًا أن حالة الإقبال متزايدة على شراء الشهادة ببنك القاهرة مع زيادة الوعي التدريجي بالشهادة.

 

كما قال يحيى أبو الفتوح نائب رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري في تصريحات صحفية سابقة، إن مصرفه أصدر شهادة “أمان المصريين” للتأمين على العمالة المؤقتة والموسمية والشرائح ذات الدخل المحدود، تقدر بنحو 12 ألف شهادة وحصيلة إجمالية تساوى 20 مليون جنيه، وذلك خلال أسبوعين فقط.

 

في حين قال السيد قصير رئيس مجلس إدارة البنك الزراعي في تصريحات صحفية سابقة إن البنك أصدر 10.5 ألف شهادة “أمان المصريين” للتأمين على العمالة المؤقتة والموسمية والشرائح ذات الدخل المحدود، بحصيلة إجمالية تساوى 12.6 مليون جنيه حتى الآن، منذ بدء طرح الشهادة، لافتًا إلى أنها تشهد إقبالًا متزايدًا على مدار الأيام الماضية.

 

ما شروط إصدار الشهادة؟

إصدار الشهادة يتم بكل سهولة، ودون أن تطلب من صاحبه أي إقرارات صحية أو كشوف طبية، فهو خدمة تأمينية تهدف لتقديم تغطية دون استثناءات، ويتم صرفها فورا للمتقدم، ولا يوجد بها شرط تأجيل الحصول على التعويض مثلما يوجد في بقية الوثائق، ويشترط المشاركون بها أن يكون ففي سن من 19 حتى 59 عاما.

 

ونشر موقع مصراوي الإلكتروني استمارة شراء شهادة “أمان المصريين.[4]  كما نشر تفاصي إضافية في مقالة بعنوان 10″ معلومات يجب أن تعرفها قبل شراء شهادة “أمان المصريين.”[5]  ومما جاء في هذه المقالة أن الشهادة تستهدف في الأساس

 

“توفير حماية تأمينية للعمالة الموسمية والمؤقتة، والعمال الذين ليس لهم دخل ثابت، والمرأة المعيلة، بما يضمن استقرار أسرهم في حالة الوفاة.

 

والشهادة متاحة أمام جميع المصريين، وليس العمالة اليومية فقط، بشرط أن يكون المواطن في الفئة العمرية بين 18 و59 سنة.

 

وتبلغ مدة الشهادة 3 سنوات تجدد تلقائيا مرتين فقط، بفائدة سنوية 16% تصرف في نهاية مدة الشهادة، بعد خصم الأقساط التأمينية التي تتراوح بين 4 جنيهات و20 جنيها شهريا، بحسب قيمة الشهادات التي اشتراها العميل.

 

وتتيح الشهادة للعميل الاختيار بين الحصول على معاش شهري لمدة 5 أو 10 سنوات، أو تعويض نقدي، يستفيد منه ورثته بعد وفاته.

 

وتختلف قيمة المعاشات والتعويضات في حالة الوفاة الطبيعية عن حالة الوفاة نتيجة حادث.

ويبدأ المبلغ التأميني الذي يمكن سداده دفعة واحدة في حالة الوفاة الطبيعية 10 آلاف جنيه و50 ألف جنيه في حالة الوفاة الناتجة عن حادث، وصولا إلى 50 ألف جنيه في حالة الوفاة الطبيعية و250 ألف جنيه في حالة الوفاة الناتجة عن حادث، بحسب قيمة الشهادة.

 

بينما تبدأ قيمة المعاش الشهري، في حالة الوفاة الطبيعية من 200 جنيه حتى ألف جنيه، إذا كان المعاش لمدة 5 سنوات، ويبدأ من 120 جنيهاً حتى 600 جنيه إذا كان المعاش لمدة 10 سنوات.

ويبدأ المعاش في حالة الوفاة نتيجة حادث من ألف جنيه حتى 5 آلاف جنيه، إذا كان المعاش لمدة 5 سنوات، ويبدأ من 600 جنيه حتى ألفي جنيه، إذا كان المعاش لمدة 10 سنوات.

 

وقبل شرائك شهادة أمان المصريين هذه 10 معلومات يجب أن تعرفها عن الشهادة بحسب الشروط والقواعد التي أصدرها البنك الأهلي وحصل عليها مصراوي:

1- شراء الشهادة يكون بالبطاقة الشخصية فقط، وبدون تقديم أية مستندات أخرى.

 

2- شراء الشهادة بدون أي مصروفات بنكية.

 

3- لا يجوز الاقتراض بضمان الشهادة ولا إصدار بطاقات الائتمان بأنواعها.

 

4- تسترد الشهادة في نهاية مدتها بكامل قيمتها بالإضافة إلى العوائد المتبقية بعد خصم أقساط التأمين إن وجدت.

 

4- يمكن استرداد قيمة الشهادة في أي وقت وفقا لرغبة العميل بقيمتها الاسمية (التي اشتري بها الشهادة) فقط دون الالتزام بفترة الـ 6 شهور، وذلك في حالة شراء العميل للشهادة بنفسه.

 

5- في حالة شراء الشهادة للعميل عن طريق جهة (مثل الشركة التي يعمل بها) لا يجوز استرداد الشهادات خلال مدة 6 سنوات.

 

6- شراء الشهادة عن طريق العميل بصفته الشخصية، ولا يجوز الشراء بتوكيل أو على سبيل الهبة والتبرع وكذلك عدم إصدار شهادات مشتركة، ويجوز للأشخاص الاعتبارية (مثل الشركات والمؤسسات) دون غيرهم شراء الشهادات لصالح الأفراد.

 

7- يحصل العميل على وثيقة تأمين على الحياة تسدد أقساطها من الفائدة السنوية المقررة على الشهادات.

 

8- في حالة شراء العميل شهادات بقيمة تزيد عن 2500 جنيه، فإن الشهادات الإضافية تخرج من التغطية التأمينية ولا تجرى عليها سحوبات الجوائز، على أن يتمتع العميل بسعر العائد الخاص بهذه الشهادات الإضافية كاملا.

 

9- تسقط وثيقة التأمين في حالة قيام العميل باسترداد الشهادة أو بلوغه سن الـ60.

 

10- يحدد العميل عند طلب شراء الشهادات طريقة صرف التعويض في حالة وفاته، سواء صرفه مباشرة إلى الورثة الشرعيين، أو إلى أشخاص يحددهم بالاسم، أو صرف معاش شهري، مع تحديد اسم واحد للمستفيد منه.”

 

وثائق التأمين على الحياة في العراق: ضعف الطلب الفعّال

 

شركة التأمين العراقية (تأسست سنة 1959)، وكانت تعرف باسم الشركة العراقية للتأمين على الحياة، متخصصة بأعمال التأمين على الحياة (1988-1964)، هي الأكبر والأقوى بين الشركات العراقية في فرع التأمين على الحياة.  وحسب المعلومات المتوفرة عندي فإن أنواع وثائق التأمين المعتمدة من قبل الشركة هي:[6]

 

التأمين المؤقت على الحياة Term Assurance

وثيقة التأمين على الحياة قصير الأجل، وهي من أبسط عقود التأمين على الحياة.  تدفع هذه الوثيقة مبلغ التأمين المتفق عليه للمستفيد المُسمى في الوثيقة في حالة وفاة المؤمن عليه قبل انتهاء مدة التأمين.  وفي حالة انتهاء المدة وبقاء المؤمن عليه على قيد الحياة فإن عقد التأمين ينتهي دون قيام أي التزام على شركة التأمين.

 

وثيقة التأمين المختلط على الحياة Endowment Assurance

تعرف أيضاً باسم تأمين الوقفية، وسميت بالعربية “المختلط” لأنها تضم التأمين المؤقت Term Assurance والتأمين حال الحياة/الوقفية البحتة Pure Endowment Assurance.  بموجب وثيقة شركة التأمين العراقية فإن المؤمن عليه يستحق مبلغ التأمين في حالة بقاء المؤمن عليه على قيد الحياة حتى انتهاء مدة التأمين.  كما يستحق المستفيد مبلغ التأمين في حالة وفاة المؤمن عليه قبل انتهاء مدة التأمين.

 

التأمين المؤقت على الحياة مع رد الأقساط Term Assurance with Return of Premiums

يستحق المؤمن عليه مبلغ التأمين في حالة بقاء المؤمن عليه على قيد الحياة حتى حلول أجل التأمين (انتهاء مدة التأمين) بما يعادل القيمة النقدية المضمونة guaranteed cash value للوثيقة وتساوي مجموع أقساط التأمين التي سددها المؤمن عليه.  كما يستحق المستفيد مبلغ التأمين في حالة وفاة المؤمن عليه قبل انتهاء مدة التأمين.

 

ومما قلته بشأن الانتفاع من حماية وثائق التأمين على الحياة في العراق أنه محدود وهو “ليس متيسراً لعموم الناس فالفقراء والفئات المهمشة، وهم يعدون بالملايين في العراق، غير قادرين على شراء التأمين على الحياة لأن الدخل المتوفر لديهم بالكاد يبقيهم على قيد الحياة، ناهيكم عن الجهل بمؤسسة التأمين.  وحتى التأمين المتناهي الصغر microinsurance لا يمكن له أن ينجح بدون أن يتوفر حد أدنى من الدخل للمشاركين فيه.”

 

ترى هل بإمكان شركات التأمين، في غياب الطلب الفعال على حماية التأمين، جذب تلك الفئات ما فوق الفئات الفقيرة والمهمشة نحو الاستفادة من أغطية تأمينية رخيصة الثمن نسبياً؟  ومهما يكن الأمر، فقد آن الأوان لهذه الشركات لتكثيف دورها في إشاعة أنماط جديدة من وثائق التأمين ذات الكلفة المنخفضة.  أليس بالإمكان التعلم من التجربة المصرية؟

 

23 نيسان 2018

[1] أنظر:

http://www.meinsurancereview.com/News/View-NewsLetter-Article/id/41889/Type/MiddleEast/Egypt-Insurance-for-casual-workers-may-boost-sector-s-growth-by-4-5-

 

[2] مصدر سابق.

[3] صحيفة اليوم السابع، “س وج.. كل ما تريد معرفته عن شهادة “أمان المصريين”:

https://www.youm7.com/story/2018/3/21/%D8%B3-%D9%88%D8%AC-%D9%83%D9%84-%D9%85%D8%A7-%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%AA%D9%87-%D8%B9%D9%86-%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86/3704165

[4] للاطلاع على هذه الاستمارة وغيرها أفتح هذا الرابط:

http://www.masrawy.com/news/news_economy/details/2018/3/3/1275290

 

[5] http://www.masrawy.com/news/news_economy/details/2018/3/4/1275478/10-%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D9%8A%D8%AC%D8%A8-%D8%A3%D9%86-

 

[6] مصباح كمال، “ضحايا الاغتيالات في قطاع التأمين العراقي والتأمين على الحياة: محاولة في التعريف بهذا التأمين،” مجلة الثقافة الجديدة، العدد 394، تشرين الثاني 2017.  نشرت المقالة أيضاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/11/Misbah-Kamal-Victims-of-Assassination-in-Iraqs-Insurance-Sector-Life-Insurance-final.pdf

 

قد تكون شركات التأمين الأخرى، ومن بينها شركة التأمين الوطنية، ثاني أكبر شركة في فرع التأمين على الحياة، تمارس أشكالاً أخرى من التأمين على الحياة ليس معروفاً لدينا.

Revival of Tribal Values in Iraq-arbitration

إحياء العشائرية والتأمين: نموذج جديد للتحكيم؟

 

 

مصباح كمال

 

 

الإعلان عن التحكيم العشائري وغياب قطاع التأمين

 

نقلت وكالات الأنباء العراقية بياناً صادراً من وزارة العدل بتاريخ 28 آذار 2018 بخصوص “انطلاق مشروع التحكيم العشائري باشراف وزارة العدل وباعتماد محكمين عشائرين (عوارف) من جميع المحافظات”، وجاء فيه أنها “اقامت احتفالية حضرها وزير العدل حيدر الزاملي وعدد من الشخصيات السياسية والعشائرية.”[1]

 

ترى هل استأنست وزارة العدل برأي قطاع التأمين العراقي فيما أقدمت عليه؟  يبدو لي أنها لم تفعل وإلا لكان ممثلو القطاع حاضرين في احتفالية الوزارة.  ولكن هل لقطاع التأمين موقف من مشروع التأمين العشائري؟  لا أظن ذلك إذ لم أقرأ شيئاً صادراً من جمعية التأمين العراقية وحتى من أي من شركات التأمين العامة والخاصة بشأن الموضوع (وهو ليس بالمستغرب إذ أن قطاع التأمين، لسبب أو لآخر، ينأى بنفسه من الشأن العام.

 

سنهمل في هذه الورقة مناقشة تعارض التحكيم العشائري مع ميثاق حقوق الإنسان، ولن نناقش إقحام الدين في الموضوع من قبل لجنة العشائر في البرلمان، ومصادرتها للحق العام بالنقاش بدعوى عدم جواز الإساءة للعشائر وأعرافها وكأنها بقرات مقدسة لا يجوز المس بها، ولا الأبعاد السياسية المتعلقة بالانتخابات البرلمانية.  نترك ذلك وغيره للمحللين السياسيين.[2]  سنركز، قدر المستطاع، على البعد التأميني.

 

 

 

السير على خطى النظام الدكتاتوري

 

نظام المحاصصة في العراق ليس معنياً ببناء مؤسسات الدولة الحديثة إلا شكلياً، كالديمقراطية المعطوبة التي يتعكز عليها.  ولا يجد النظام غضاضة من إحياء النظم والقيم العشائرية بحلة عصرية كي لا يقال عنه بأنه يسير على خطى النظام الدكتاتوري.  لنقرأ بعض ما كتبه المرحوم د سليم الوردي للكشف عما قام به النظام السابق، فهو يقول إن الدولة عندما تكون في أزمة ينحسر:

 

“دور القضاء في حل المنازعات المدنية والجزائية لصالح “الفصل” العشائري. ووجد الكثير من الناس أن فض نزاعاتهم بالأسلوب العشائري أجدى من تقديم شكاواهم إلى مركز الشرطة، التي ما أسهل أن يتحوّل فيها المدّعي إلى متهم، والمتهم إلى بريء، حسب موازين التأثير المالي (الرشوة) والنفوذ العشائري للأطراف المتنازعة. وتروى في هذا المجال قصص غريبة لا يكاد يصدّقها العقل.  ونشطت في مجال الفصل العشائري مكاتب غير رسمية، لا تقل في حيوية نشاطها عن مكاتب المحامين، وظيفتها التوسط لفض المنازعات بالأسلوب العشائري.  مقابل أتعاب (عمولة) تفوق نسبتها ما يحصل عليه كبار المحامين.  وراح من يُبتلى بمنازعة مع طرف عشائري، يلوذ بهذه المكاتب، بسبب جهله بتقنيات العرف العشائري، سياقاته وقواعده ومصطلحاته.

 

لم يقتصر تشجيع السلطة للعلاقات العشائرية على دعمها مادياً ومعنوياً، بل وعلى إضعاف فاعلية بعض القوانين المدنية المصممة لتسوية النـزاعات المدنية، مما فتح الباب على مصراعيه لإحلال أسلوب الفصل العشائري بديلاً عنها.  وكنت شاهداً على مثال حي يتعلق بتطبيقات قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات، بحكم عملي في شركة التأمين الوطنية.”[3]

 

موقف معلن لأكاديميين وأطباء ضد التهديد العشائري

 

وقد تناولت بالنقاش تصاعد القيم والأعراف العشائرية بعد 2003 وتأثيرها على دور التأمين في مقالة كتبتها عقب إصدار رابطة الأكاديميين العراقيين، والجمعية الطبية العراقية-العالمية، والجمعية الطبية العراقية-بريطانيا “مذكرة إدانة لجرائم اغتيال العلماء والأطباء وأساتذة الجامعات في العراق” موجهة إلى رئيس جمهورية العراق، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب.  ومما جاء في المذكرة:

 

تتصاعد من حين لآخر ظاهرة مأساوية وكارثية تتعلق باغتيال العلماء والأطباء وأساتذة الجامعات في العراق، لأسباب متعددة، بعضها يتعلق بطبيعة الصراع الداخلي بكل أبعاده، وبعضها يعود لأجندات خارجية تهدف إلى استنزاف الكفاءات العلمية العراقية، لاسيما التركيز على علماء الفيزياء والكيمياء والمهندسين وأساتذة الجامعات في كل الاختصاصات المهمة. أما الأطباء فلهم نصيب وافر من التهديد بالقتل والاختطاف بحكم طبيعة عملهم المباشر مع كل شرائح المجتمع، فهم في خطر حقيقي مهددين من عصابات الجريمة المنتشرة بسبب ضعف القانون، ومن التهديد العشائري المتخلف الذي يريد فرض إرادته نتيجة تحميل الطبيب المسؤولية عن أي عملية جراحية لم يكتب لها النجاح بسبب اعتقاد ذوي المريض بأن الطبيب هو من تسبب في ذلك، وبالتالي مطالبته بالخضوع للقيم العشائرية ودفع التعويضات.  [التأكيد من عندي]

 

القيم العشائرية وانزياح دور التأمين

 

وقد كتبت التالي حول اغتيال الأطباء والقيم العشائرية وانزياح التأمين واقتبسه دون تعديل لأنه يصبُّ في صلب موضوعنا: [4]

 

ليس بإمكان مؤسسة التأمين التخلص من القيم العشائرية لكنها تساهم في التقليل من وقعها من خلال توفير آلية بديلة لهذه القيم متى ما انتشرت ثقافة التأمين في المجتمع.  يجب الإقرار بأن التأمين لا يوفر علاجاً لجميع العلل التي ابتلي بها العراق خاصة وأن مؤسسة التأمين العراقي ضعيفة.

 

ربما لا تشجع التجربة في زمن الدكتاتورية وزمن المحاصصة (في مجال تسوية مطالبات التعويض بموجب التأمين الإلزامي من حوادث السيارات) الاستفادة من آلية التأمين للتعويض عن الأخطاء المهنية للعاملين في المجال الطبي، لكن ذلك يجب ألّا يكون عائقاً أمام إدخال وثائق تأمين المسؤولية المهنية للأطباء قيد الاستعمال أو تأسيس صندوق تأميني من قبل النقابات المهنية.  نقول هذا لأن القيم العشائرية لا تشكل مرجعية للتعويض لدى كل شرائح المجتمع العراقي لا بل أنها مستهجنة لأنها علامة على التخلف المرفوض على مستوى الفكر.  وفي ظل الأوضاع القائمة يظل هاجس الخوف والقلق النفسي مصاحباً للعاملين في المجال الطبي فلا أقل من أن يخففوا من هذا الحال بالاعتماد على التأمين، فهو، في نظر البعض، آلية لتقليص عدم التأكد والقلق

 

إن العديد من الدراسات التأمينية تتحدث عن الدور، أو الوظيفة، أو القيمة، الاقتصادية والاجتماعية للتأمين كونه آلية حماية للتخفيف من الآثار المالية للحوادث الخارجية التي تحصل للأفراد (وأصحاب المعامل والمحلات التجارية) وهي في مجملها حوادث خارج سيطرتهم كالمرض والوفاة والكوارث الطبيعية والحوادث على أنواعها، من خلال التعويضات التي يحصلون عليها من شركة التأمين.[5]  كما تبين هذه الدراسات أن التأمين يساهم في الحفاظ على أنماط الاستهلاك ذلك لأن الفرد لا يُموّل تصليح الضرر اللاحق بأمواله أو مواجهة تبعات مسؤولياته عن الضرر الذي يسببه تجاه الغير من دخله وإنما من التعويض الذي تقدمه شركة التأمين.

 

لكن هذه الدراسات لا تشير إلى دور التأمين في التخفيف من النزاع بين الأفراد عند وقوع حادث: من المسؤول عن الضرر الناتج.  مثال، انتشار الحريق من دار تعرَّض للحريق إلى دار أو دور الجيران، أو المسؤولية عن حادث سير، أو خطأ طبي أو أي خطأ مهني آخر.

 

في المجتمعات التي يُشكّل فيها التأمين عنصراً مهماً لمواجهة آثار الأخطار التي تحيق بالناس فإن التنازع بين شخص وآخر في موضوع خاضع للتأمين لا يتحول إلى وسيلة ابتزاز أو اعتداء جسدي إذ أن عبء الآثار المالية لموضوع التأمين (الحريق، التصادم) يُحوّل على عاتق شركة التأمين.  وقد لعبت مؤسسة التأمين العراقي هذا الدور أيضاً.  على سبيل المثل، فإن احتمال انتشار الحريق من دار مؤمن عليها إلى دار مجاور يصبح موضوعاً للتعويض بموجب ملحق خاص لوثيقة التأمين من الحريق (تأمين المسؤولية القانونية تجاه الجيران).  وكذا الأمر بالنسبة لتصادم سيارتين (خاصة مع تشريع قانون التأمين الإلزامي من المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث السيارات لسنة 1964، وبعده قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات لسنة 1980).

 

لقد شكّلت هذه القوانين نقلة نوعية مهمة في تنظيم جانب صغير من العلاقات بين الناس خارج قيم النظام العشائري.  لقد كانت خطوة محمودة في حماية الناس من الآثار الاقتصادية السلبية وغيرها، التي تتركها حوادث السيارات على مسببي الحوادث وضحاياها على حد سواء.  وهي في ذلك تقوم بوظيفة اجتماعية عصرية تتجاوز الأطر التقليدية في جبر الضرر من خلال تحويل عبء الخلاف بين الضحية ومسببها إلى طرف آخر هي شركة التأمين للنظر في النزاع بينهما بدلاً من الاعتماد على الفصل العشائري.  لم تندحر القيم العشائرية ذلك لأن العادات قاهرات، كما يقول المثل، إلا ان القوانين الحديثة سجّلت بداية لتجاوزها.  ويمكن للتأمين أن يلعب نفس الدور فيما يخص أخطاء المهنة وتعويض المتضررين منها.

 

شرط التحكيم في وثائق التأمين

 

يرد في معظم وثائق التأمين العراقية شرطاً للتحكيم بمقتضى أحكام القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 وتعديلاته (الفقرة 4 من المادة 958).[6]

 

فعندما ينشأ خلاف بين المؤمن والمؤمن له حول مبلغ التعويض أو تفسير شروط التأمين قد يلجأ الطرفان إلى المحاكم لإيجاد حل.  وكإجراء سهل، أقل بيروقراطيةً، وأوفر اقتصادياً، يمكن للطرفين الاتفاق على إحالة الخلاف بينهما إلى محكم فرد يقوم بتقديم حلٍ للخلاف، وفي حالة عدم اتفاقهما على محكم فرد يقوم كل من الطرفين بتعيين محكم، ويقوم هــــذان المحكمان بتعيين محكم ثالث، المحكم الفيصل، يرأس الاجتماعات ويكون له القرار النهائي في حالة اختلاف وجهة نظر المحكمين المعينين من قبل طرفي التحكيم.

 

ترى هل أن شركات التأمين العراقية، جرياً وراء نظام التحكيم العشائري، ستتخلى عن شرط التحكيم في وثائق التأمين التي تقوم بإصدارها؟  وهل أن العارف العشائري يمتلك الإدراك التأميني الكافي للتحكيم في المنازعات التأمينية؟  وهل ستكون قرارات التحكيم العشائري ملزمة لشركة التأمين؟

 

بدلاً من تعزيز قوانين الدولة ومؤسساتها القضائية والمكانة الاجتماعية للتأمين يتفتق الذهن المحاصصي عن فكرة جديدة/قديمة لتكريس التخلف الثقافي.  إن اللجوء إلى إطلاق التحكيم العشائري دليل على فشل الدولة في تطبيق قوانينها وتجاوز على مؤسسة القضاء.

 

14 نيسان 2018

[1] السومرية نيوز:

https://www.alsumaria.tv/news/232932/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%84-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%A7%D9%86%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%83%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B4%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D9%8A-%D9%88%D8%AF%D8%AE%D9%88%D9%84%D9%87-%D8%AD%D9%8A/ar

 

[2] لمزيد من التفاصيل، أنظر: مصطفى سعدون، “مشروع للتحكيم العشائريّ يقوّض سلطة القانون في العراق،” المونيتور:

http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2018/04/iraq-tribalism-sheikhs-justice-law.html#ixzz5CbE4EmRI

[3] د. سليم الوردي مقتربات إلى المشروع السياسي العراقي، 1921-2003 (بغداد: د.ن، 2005)، ص 107.  ترد تفاصيل إضافية بشأن اللجوء إلى التسوية العشائرية لتعويضات التأمين الإلزامي من حوادث السيارات بع الهبوط الحاد في قيمة الدينار العراقي.

[4] مصباح كمال، “اغتيال الأطباء في العراق والتأمين من المسؤولية المهنية،” موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/08/Misbah-Kamal-Medical-Malpractice-and-Insurance.pdf

[5] John H. Magee, General Insurance (Chicago: Richard D. Irwin, Inc., 1945),1st Ed 1936, Chapter III: Social Value, pp 42-53.

[6] للتعرف على مضامين التحكيم في التأمين راجع: وليد جاسم القيسي، “التحكيـــــم في التأميــــــن وإعـــــــادة التأميــــن،” ومنذر عباس الأسود، “التحكيم في القانون والتأمين،” مرصد التأمين العراقي

https://iraqinsurance.wordpress.com/2013/06/

Fire Losses in Shorjah: comment on Duraid Al-Shaker

حوادث الحريق في الشورجة:

ملاحظات أولية حول أهمية الدارسة ودور التأمين في التعويض

 

 

نشر هذا التعليق أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

 

http://iraqieconomists.net/ar/2018/04/09/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d8%b9%d8%a8%d9%8a%d8%af-%d8%b9%d8%b2%d9%88%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%8a%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%81%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d8%ad%d9%88%d9%84/

 

 

  • أهمية دراسة حوادث الحريق في الشورجة

 

كتبت في ورقتي المنشورة في موقع الشبكة بعنوان “أفكار حول حرائق المحلات التجارية: تعليق على ورقة السيد عبد الحسن عبيد عزوز الزيادي”

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2018/04/Fire-Insurance-Compulsory-Comment-on-Abdul-Hassan-Al-Zayyadi-2.pdf

أنه “كان من المناسب الإشارة إلى شدة الحريق في مناطق معينة كالشورجة في بغداد والأسواق القديمة عموماً، ليس فقط لأنها واحدة من المصادر الأساسية للخسائر في فرع التأمين من الحريق بل لأنها مصدر أساس للحرائق الواسعة النطاق conflagration وتراكم الخسائر بسبب حادث واحد accumulation”

 

حسناً فعل السيد دريد الشاكر كتابة ما أسماه “تقرير عن موضوع الحرائق في منطقة الشورجة التجارية التاريخية” موجه إلى الهيئة الاستشارية لغرفة تجارة بغداد، إذ أنه أبرز مسائل مهمة تتعلق بإدارة خطر الحريق من قبل أصحاب المحلات التجارية، ودور فرق الإطفاء الحكومية والخاصة، وأسباب الحرائق، ومعوقات السيطرة عليها، ووسائل التعويض عن آثارها وغيرها من ملاحظات.  كل ذلك يستحق الدراسة المعمقة في إطار إدارة الخطر والكلفة الاقتصادية لحوادث الحريق، التي جئت على ذكرها سريعاً في ورقتي.

 

ومن المفيد للقراء الإشارة إلى تقرير صحفي قصير نشر مؤخراً في جريدة عراقية بعنوان “حرائق سوق الشورجة تتكرر والمعالجات غائبة،” طريق الشعب، العدد 170 السنة 83، الخميس 19 نيسان 2018، ص 3، سنستفيد منه فيما بعد: http://tareeqashaab.com/images/TariqPDF/2018/4/19.pdf

فهو يضم معلومات مهمة حول افتعال بعض حوادث الحريق بسبب التنافس بين التجار.

 

بودي هنا التعليق على بعض الأفكار، ذات العلاقة بالتأمين، التي أوردها السيد دريد الشاكر في تقريره.  أكتب باختصار كي لا أثقل التعليق بتفاصيل ربما لا تهم إلا المختصين بالتأمين.

 

  • مشاركة قطاع التأمين في تأمين المحلات التجارية في الشورجة

 

2-1    جاء في تقريره إلى الهيئة الاستشارية لغرفة تجارة بغداد مقترح “مشاركة قطاع التامين في تامين البضائع والسلع والمحلات تامين شامل او حسب الرغبة.”  توحي صياغة هذا المقترح أن شركات التأمين لا تشارك في تأمين محلات الشورجة ومحتوياتها من السلع.  واقع الحال هو أن هذه الشركات، ومنذ عقود عديدة، تقوم بالتأمين على هذه المحلات من خطر الحريق.  وفي الماضي كانت شركة التأمين الوطنية، وكانت الشركة الوحيدة المعنية بالتأمينات العامة، توفر الحماية التأمينية المطلوبة.  وقامت ببعض الدراسات لتحديد جغرافية منطقة الشورجة وصولاً إلى (1) تحديد الحرائق الواسعة النطاق conflagration و(2) تراكم الخسائر بسبب حادث واحد accumulation.  وقد جاءت هذه الدراسة بفضل التعاون بين الشركة وشركة إعادة التأمين التي كانت تتعامل معها لتحديد احتفاظ الشركة من أخطار سوق الشورجة التي كانت تكتتب بها ولوضع ترتيبات إعادة التأمين لكلا الطرفين.  بعد 2003 جرت محاولة جديدة لإحياء مثل هذه الدراسات من قبل نفس الشركة.  ويمكن لجمعية التأمين العراقية، وكذلك شركة إعادة التأمين العراقية، أن تلقي المزيد من الضوء على هذا الموضوع.

 

2-2    فيما يتعلق بنوع التأمين (شامل أو حسب الرغبة- كما يقول السيد دريد الشاكر) فإن شركات التأمين العراقية توفر حماية من خطر الحريق وبعض الأخطار الملحقة بها؛ أي انها توفر حماية بموجب وثيقة التأمين من الحريق التقليدية أو ما يماثلها كوثيقة التأمين من الحريق العربية الموحدة لعام 1981 الصادرة من الاتحاد العام العربي للتأمين.  (أنظر: منعم الخفاجي، وثيقة الحريق النموذجية ووثيقة الحريق العربية الموحدة: دراسة مقارنة، مكتبة التأمين العراقي، 2014.  يمكنني توفير نسخة من هذا الكتاب الإلكتروني لمن يرغب).

 

وحسب المعلومات المتوفرة عندي فإن هذه الشركات لا توفر وثيقة تأمين شاملة، أي وثيقة تأمين جميع أخطار الممتلكات All Risks Property Insurance.  إن المعلومات المتوفرة عندي لا تفيد قيام شركات التأمين العراقية بترويج وثيقة جميع الأخطار.  ربما لديها من الأسباب ما يحول دون ذلك.

 

  • تعويض خسائر الحريق ومشروع تأسيس صندوق خاص للتعويض

 

3-1    يقول السيد دريد الشاكر، “اما التعويضات اعتقد انها لا تسمن ولا تغني من جوع لان الخسائر كبيرة جدا وغير قابلة للتعويض.  الا اذا اتفق اصحاب المحلات على صندوق خاص بهم او الية تبرع معتمدة كما في كل اسواق اهلنا في السابق.”

 

من المفترض أن تُرجع التعويضات المسددة من قبل شركات التأمين المؤمن لهم (أصحاب المحلات) إلى الحالة المالية التي كانوا عليها قبل وقع حادث الحريق.  هذا الافتراض مشروط بكفاية مبلغ التأمين، أي أن يكون مبلغ التأمين مساوياً للقيمة الاستبدالية لبناية المحل (إن كانت مؤمناً عليها) ولقيمة البضائع في المحل (محتويات المحل).

 

إن كان مبلغ التأمين دون هذه القيمة فإن شركة التأمين تلجأ إلى تطبيق ما يعرف بشرط المعدل أو شرط النسبية Average Condition، وله صياغات مختلفة.  عند تطبيق هذا الشرط فإن المؤمن له لا يحصل على تعويض كامل لخسارته.  والسبب وراء تطبيق شرط النسبية، باختصار، هو ارتباط قسط التأمين بمبلغ التأمين، أي أن قسط التأمين يعكس مبلغ التأمين المصرح به من قبل المؤمن له، وعلى ضوء هذا المبلغ يتقرر حجم التعويض.  إن عدم التصريح بالقيمة الحقيقية قد يكون بدافع تقليص قسط التأمين، أو يكون بسبب سوء تقدير طالب التأمين لقيمة المبنى والمحتوى.  وهذا الأخير مما يمكن التحوط منه من خلال الكشف الميداني على المحل وتقييم الممتلكات المعروضة للتأمين من قبل خبير تقييم professional valuer.

 

إن القول بأن الخسائر الكبيرة غير قابلة للتعويض ليست صحيحة.  إن علّة وجود شركات التأمين هي التعويض عن الخسائر المادية، كبيرة كانت أو صغيرة، طالما أنها تستوفي الشروط المتعاقد عليها بين المؤمن له وشركة التأمين.

 

3-2    فيما يتعلق باتفاق “اصحاب المحلات على صندوق خاص بهم او الية تبرع معتمدة كما في كل اسواق اهلنا في السابق” للتعويض عن الخسائر التي تصيبهم فإنه اقتراح لا أراه قابلاً للتطبيق.  فهو يفترض أن القيم التقليدية في التعاضد الاجتماعي (وهنا ينصب التعاضد على المصالح التجارية التي تربط أصحاب المحلات مع بعضهم) ما زالت قائمة في العراق وهي ليست كذلك.  ربما لا نعدم وجود حالات للتعاضد لكن التقرير الصحفي الذي أشرت إليه يوحي بغير ذلك.  فقد أورد التقرير نقلاً عن أحد المواطنين ما يلي:

 

“نشب خلاف بين تاجر يمتلك محلًا كبيرًا للجملة، مع تاجر آخر. فوصل الأمر إلى التهديد بالتصفية الجسدية، وكانت بسطتي بجوار محل التاجر الذي تعرض للتهديد، والذي يملك محلًا للعطور ومستحضرات التجميل”، مضيفا انه “بعد أسبوع على الخلاف، نشب حريق في محل التاجر، أدى إلى حصول دمار كبير بسبب ما يحويه من مواد كيمياوية، ما تسبب في تضاعف الحريق، وصعوبة إطفائه من قبل آليات الدفاع المدني، التي جاءت متأخرة أصلاً.”

 

أو ما نقل في نفس التقرير الصحفي عن عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد أن “بعض حرائق الشورجة كانت مفتعلة، وهي ناتجة عن التنافس غير الشريف بين التجار، وعن رغبة بعضهم في احتكار بضاعة ما على حساب الآخر.”

 

إن تقييم المواطن ورأي مسؤول في مجلس محافظة بغداد قد لا يكون كافياً لتحديد موقف من مقترح تأسيس صندوق خاص للتعويض لكنه يؤشر إلى تدهور في القيم الاجتماعية، وانحسار للمصالح التي تجمع بين أصحاب المحلات (نموذج سيء للقطاع الخاص).

 

ليست هناك حلول سريعة وجاهزة لتجاوز مشكلات سوق الشورجة وغيرها من الأسواق في بغداد وخارجها.  رحلة الأف ميل تبدأ بخطوة واحدة، لكن هذه الخطوة ما زالت محصورة ببضعة تعليقات وتقارير صحفية متناثرة، وهو بحاجة إلى تظافر الجهود من أطراف عديدة.

 

آمل من السيد دريد الشاكر متابعة تقريره مع الهيئة الاستشارية لغرفة تجارة بغداد، مثلما آمل أن يتقدم ممارسو التأمين، والعاملون في الدفاع المدني ودوائر الإطفاء، وأمانة العاصمة، ووزارة الكهرباء وهيئات القطاع الخاص وغيرها عرض مواقفهم من ظاهرة الحرائق المتكررة.

 

شكراً للسيد دريد الشاكر لتوفيره فرصة للتحدث بشكل سريع عن هموم تجمع بيننا.

 

مصباح كمال

23 نيسان 2018

Compulsory Fire Insurance: a new development in Bahrain

إلزامية تأمين مباني العمارات السكنية من خطر الحريق:

تجربة جديدة في مملكة البحرين

 

 

نشر هذا التعليق أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

 

http://iraqieconomists.net/ar/2018/04/09/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d8%b9%d8%a8%d9%8a%d8%af-%d8%b9%d8%b2%d9%88%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%8a%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%81%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d8%ad%d9%88%d9%84/

 

 

قدمت في ورقة سابقة منشورة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين تعليقاً على بعض أفكار السيد عبد الحسن عبيد عزوز الزيادي، بهدف توسيع دائرة النقاش وربط المقترب التأميني لحوادث الحريق بالكلفة الاقتصادية لهذه الحوادث.

 

من الأفكار التي عرضها السيد الزيادي في ورقته، بعجالة، فكرة “جعل التأمين على كافة المحلات التجارية والمخازن إلزاميا وحسب طبيعة الخطر والمنطقة الجغرافية.”

 

لقد ناقشت باختصار قضية الإلزامية، وبودي هنا أن أضيف كيف تترجم الإلزامية نفسها في تطور جديد في مملكة البحرين.  فقد جاء في الأخبار أن بلدية المحافظة الشمالية في المملكة قد ألزمت مالكي العقارات بتأمين المباني السكنية متعددة الطوابق (الأبراج السكنية) من خطر الحرائق وغيرها من المخاطر؛ وأن هذا الأمر لا ينطبق على المنازل الخاصة، مثل الفيلات، أو دور الإسكان الاجتماعي الممول من الحكومة، حسب صحيفة Gulf Daily News كما وردت في:

http://www.meinsurancereview.com/News/View-NewsLetter-Article/id/42325/Type/MiddleEast/Bahrain-Start-made-to-mandatory-insurance-for-fires-and-other-risks/1/sid/255657?utm_source=News&utm_medium=Email&utm_ca

 

بفضل هذا التأمين سوف تتحرر الحكومة من تحمل تكاليف توفير مأوى مؤقت لأولئك الذين يجبرون على مغادرة منازلهم نتيجة لحريق أو تسرب غاز أو حوادث أخرى، إذ تحال هذه الحالات حالياً إلى وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، التي توفر المأوى المؤقت ونفقات المعيشة.  وهكذا تصبح شركة التأمين هي الحامل الأساس لمثل هذه التكاليف – أي نقل الأعباء المالية من الحكومة إلى شركات التأمين.

 

ويتمنى البعض أن يمتد التأمين الإلزامي ليشمل المنازل كافة، على غرار التأمين الإلزامي من المسؤولية المدنية الناشئة من حوادث السيارات.  مثل هذا التمني لن يتحقق في المستقبل المنظور لأن كلفة التأمين عالية بالنسبة للكثير من مالكي المنازل الخاصة.  لكن توسيع النطاق الجغرافي لإلزامية التأمين قد يتحقق مستقبلاً بقرار من الوزارة المعنية في البحرين.  ويمكن المحاجة أن ازدياد عدد الوحدات المؤمن عليها، أو قل إلزام مالكي المباني على مستوى الوطن للتأمين عليها من الحريق، سوف يؤدي إلى تخفيض معتبر في كلفة التأمين.

 

بالنسبة لمالكي الأبراج السكنية وغيرها من العقارات الذين يؤجرون الشقق السكنية، فإن إلزامهم بالتأمين من خطر الحريق يشكّل جزءًا من التزاماتهم تجاه المستأجر في توفير متطلبات السلامة وإدامتها.

 

هل يا ترى أن الحكومة الاتحادية في العراق أو إحدى المحافظات ستلجأ إلى إقرار مشروع للتأمين الإلزامي على مباني العمارات السكنية والتجارية والصناعية أولاً.  وهل ستعمل شركات التأمين العراقية على تبني مثل هذا المشروع وإعداد وثائق التأمين المناسبة له؟

 

مصباح كمال

19 نيسان 2018

 

On Agricultural Insurance in Iraq

فاروق يونس، كامل العضاض، مصباح كمال*: تعليقات ورسائل حول التأمين الزراعي

 

 

نشر في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

فاروق يونس، كامل العضاض، مصباح كمال*: تعليقات ورسائل حول التأمين الزراعي

 

 

تقديم

 

نشر الأستاذ فاروق يونس حواراً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بعنوان “حوار بين مزارع وخبير اقتصادي حول اهمية الادخار من اجل التنمية الاقتصادية.”[1]  وقد أصبح هذا الحوار موضوعاً للتعليقات وتبادل الرسائل ركَّزت على دور التأمين في حماية الإنتاج الزراعي.  وبغية استدراج المزيد من التعليقات استقر الرأي على تجميع ما كتب ونشر في موقع الشبكة خاصة وأن ما يكتب وينشر عن القطاع الزراعي والتأمين عليه قليل جداً.  لذلك نتمنى على المهتمين في الدوائر الزراعية والتأمينية والجمعيات الفلاحية وأصحاب المزارع المشاركة في مناقشة الموضوعات المعروضة باختصار في هذه التعليقات والرسائل.

 

هيئة التحرير

3 نيسان/أبريل 2018

 

 

مصباح كمال

شيء من تاريخ التأمين الزراعي في العراق

 

 

(1)

مرة أخرى نشهد اهتمام الزميل فاروق يونس بالنشاط التأميني، وهذه المرة في فرع التأمين الزراعي.  فهو في هذا الحوار يلوم شركات التأمين، على لسان المزارع، بتقصيرها في توفير الحماية للمشاريع الزراعية والصناعية.  ويؤكد، على لسان الخبير الاقتصادي، تقصير هذه الشركات في مجال التأمين الزراعي.

 

يضم هذا الحوار أفكاراً مهمة تستحق المناقشة من قبل أهل الاختصاص ومنها: ضعف مساهمة القطاع الزراعي في العراق في الناتج المحلي الإجمالي (بنسية لا تزيد على ٦.٥ بالمائة)، وكذلك القطاع الصناعي (بنسبة لا تزيد على ١.٥ بالمائة).  وهو ما يؤشر على تدهور القطاع الزراعي، وحرف الاقتصاد العراقي من التوجه نحو التصنيع بتمويل من إيرادات النفط.  (أنظر بهذا الشأن د. صبري زاير السعدي، “المشروع الاقتصادي الوطني في العراق: مقاربة في برنامج صندوق النقد الدولي،” المستقبل العربي، العدد 469، آذار/مارس 2018.  وهذه الدراسة تستحق دراسة متأنية في ظل التوجهات الاقتصادية التي لم تحقق نقلة نوعية في مسار الاقتصاد العراقي).

 

لكننا سنكرس تعليقنا على البعد التأميني فيما أورده الزميل فاروق عن دور شركات التأمين في حماية مشاريع القطاع الزراعي.

 

ربما يمتلك الزميل معلومات عن التأمين الزراعي في العراق ليؤكد تقصير شركات التأمين في هذا الفرع من التأمين.  ونأمل منه أن يكشف بعض هذه المعلومات.  ننتهز هذه الفرصة لتقديم عرض سريع لجوانب من تاريخ التأمين الزراعي في العراق بأمل أن يقوم الآخرون تقديم ما لديهم من معلومات وتعليقات.

 

(2)

ما لدينا من معلومات تفيد أن شركة التأمين الوطنية تكاد أن تكون الوحيدة في ممارسة التأمين الزراعي.  وقد باشرت في تطبيقه عام 1982.  وكانت محفظة التأمين الزراعي تضم وثائق التأمين التالية: تأمين المحاصيل الزراعية، تأمين المركبات الزراعية، تأمين المواشي، تأمين الدواجن وتأمين خيول التربية أو السباق.

 

لم يكن إقبال المزارعين وافلاحين وغيرهم على جميع هذه الوثائق قوياً باستثناء التأمين على المواشي.  ربما يتذكر البعض استيراد مديرية الثروة الحيوانية للأبقار الهولندية Friesian وعرضها بأسعار متهاودة على المزارعين بهدف تطوير زيادة إنتاج الحليب، ونفوق أعداد كبيرة من هذه الأبقار ولأسباب عديدة، ترتب عليه خسائر كبيرة لشركة التأمين الوطنية.  وكذلك التأمين على حقول الدواجن التي انتشرت بفضل قروض المصرف الزراعي التعاوني.  وهي الأخرى تعرضت إلى أضرار كبيرة فاقمت من خسائر فرع التأمين الزراعي في الشركة.  ولم يكن هناك طلب حقيقي للتأمين على المحاصيل الزراعية ووثائق التأمين الأخرى، رغم أن الشركة وبالتعاون مع جهات مختلفة أطلقت حملة ترويجية لهذه الوثائق.

 

واعتماداً على ذاكرة الزميل فؤاد عبد الله عزيز (يعمل الآن في البحرين)، الذي أسس فرع التأمين الزراعي في شركة التأمين الوطنية (1982)، “فقد جرت محاولة عبر مبادرة من وزارة الزراعة والاصلاح الزراعي وبالتعاون مع فرع التأمين الزراعي بتأييد من إدارة شركة التأمين الوطنية لإعداد مشروع لجعل هذا النوع من التأمين إلزامياً لما يحققه من ابعاد اجتماعية وحماية للثروة الزراعية.  وقد نجحت الوزارة في ايصال المشروع إلى المجلس الوطني، وحضرتُ مناقشات المجلس للمشروع وتبين لي ان غالبية اعضاء المجلس كانوا ضد اقراره لمبررات اهمها عدم الرغبة في إلزام المزارعين على اجراء تأمين يقع ضمن دائرة اختيارهم ورغبتهم، عليه فقد جرى التصويت على رفض المشروع.  وخرجتُ من المجلس وانا مقتنع ان المشروع لم يكن مدعوما من القيادات العليا للدولة ليحقق التأثير المطلوب على اعضاء المجلس لإقراره وبذلك خسرت هذه التجربة فرصة كبيرة في ان تتطور بالشكل الذي أصبحت عليه في البلدان المذكورة [بريطانيا، يوغوسلافيا] وبقيت أعماله محدودة لغاية الوقت الراهن.”  (فؤاد عبد الله عزيز، ثلاثة عقود في شركة التأمين الوطنية، مذكرات قيد الإعداد).

 

(3)

الكتابات العراقية المنشورة عن التأمين الزراعي شحيحة.  هناك دراسة مهمة للزميل عبد الزهرة عبد الله (يعمل الآن في الأمارات العربية المتحدة) بعنوان “نحو تأمين المحاصيل الزراعية في العراق” (مجلة رسالة التأمين، العدد 39، حزيران 1979، ص 52-59.  أشكر الزميل منعم الخفاجي على إرسال المجلة).  وقد كتبها عندما كان يعمل في شركة إعادة التأمين العراقية.  في عرضه لمشكلات التأمين الزراعي ذكر أموراً في غاية الأهمية ما زالت آثار بعضها قائمة وبعضها الآخر تمَّ تذليلها أثناء الإعداد لتأسيس فرع التأمين الزراعي في شركة التأمين من خلال التدريب المكثف مع المؤسسات التأمينية المختصة خارج العراق، والاستفادة من المعرفة العلمية للعديد من العاملين في مجال الإنتاج الزراعي في العراق.  نقتبس هنا بالكامل ما عرضه زميلنا تحت عنوان “مشكلات تأمين المحاصيل الزراعية”:

 

“1- انخفاض مستوى الوعي التأميني، وهي مشكلة عامة تقف عائقاً أمام التأمين بمختلف أنواعه، إلا أنها تزداد حدة بالنسبة للفلاحين نظراً لتدني المستوى الثقافي العام وانتشار الأمية، مما يتطلب وضع تخطيط إعلامي لخلق الوعي بأهمية التأمين وفوائده لدى الفلاحين.

 

  • صعوبة الوصول إلى المناطق الزراعية بالسهولة والسرعة والكلفة المعقولة، حيث يندر هناك وجود الطرق المعبدة ووسائط النقل اللازمة إضافة إلى بعد المناطق الزراعية عن مراكز الإدارات المحلية أو مراكز الشرطة مما يحد من إمكانية التحري الكامل عن أسباب الحوادث وظروفها التي أدت إلى تحقق أضرار مشمولة بالتأمين.

 

  • انخفاض مداخيل الفلاحين وقدرتهم المالية المحدودة التي يتعذر عليهم معها التفكير في دفع ثمن ما مقابل حصولهم على الخدمة التأمينية.

 

  • عدم توفر إحصائيات كاملة ووافية ولسنوات عديدة بحيث يمكن الاعتماد عليها عند دراسة أي مشروع للتأمين الزراعي وتقدير درجة الخطورة واحتساب قسط التأمين المناسب.

 

  • عدم توفر الخبرة الفنية في مجال التأمين الزراعي سواء أكان على مستوى القطاع الزراعي أو على مستوى قطاع التأمين.”

 

في تعليقه على الجهة التي ستقوم بتطبيق مشروع تأمين المحاصيل الزراعية، كتب الزميل عبد الزهرة عبد الله علي الآتي:

 

“نظراً للطبيعة الخاصة لتأمين المحاصيل الزراعية من حيث المخاطر التي تواجه الإنتاج الزراعي وارتفاع تكليف هذا النوع من التأمين، وصعوبة الإشراف والمتابعة إضافة إلى تباعد القرى وغيرها من الخصائص، نرى أن يكون تأمين المحاصيل الزراعية تأميناً تعاونياً تقوم به مديرية تستحدث لهذا الغرض …. تكون مرتبطة من الناحية الإدارية بمديرية التعاونيات الزراعية العامة في وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي على أن يطبق المشروع على الجمعيات التعاونية الزراعية.”  (ويضم هذا الجزء من الدراسة حججاً عديدة ومبادئ لتنظيم تطبيق المشروع خارج التأمين التجاري، وتستحق الدراسة إعادة النشر).

 

(4)

تبين تجربة التأمين الزراعي في العراق أن عدم تطورها لم يكن بسبب تقصير من جانب شركة التأمين الوطنية وقت تأسيس فرع التأمين الزراعي أو بعد ذلك، فقد تظافرت عوامل خارج الشركة لتحول دون تحقيق رواج هذا النوع من التأمين.  وقد أتى الزميل عبد الزهرة عبد الله علي على ذكر بعض هذه العوامل كما عرضنا في الاقتباس منه أعلاه.

 

وتثير هذه التجربة أيضاً قضية الوعي بالتأمين وهل أن تحقيقه لا يتطلب سوى حملة إعلانية من قبل شركات التأمين، أم يجب البحث عن أسباب أخرى تتوزع بين الاتكالية الموروثة، ومنها الدينية على نمط “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”، وضعف فكرة التدبر للمستقبل والتحوط من الطوارئ، والقدرة المالية المتوفرة والفائضة للأفراد والجماعات، بعد الانفاق على الحاجات الأساسية، وتوجيهها لأغراض الحماية من عوارض الطبيعة والحوادث.

 

(5)

ربما آن الأوان للنظر بإخراج بعض أشكال التأمين الزراعي من دائرة التأمين التجاري المحض، والتفكير بتوفير هذا التأمين من قبل هيئات تعاونية – كما اقترح الزميل عبد الزهرة منذ أزيد من أربعة عقود – أو هيئات تبادلية.

 

نأمل أن يتقدم أهل الاختصاص في القطاع الزراعي بآرائهم لتطوير القطاع والتعاون مع ممارسي التأمين في العراق لمعالجة مكامن القصور، والمساهمة في دراسة الكلفة الاقتصادية المهدرة لما يصيب الإنتاج الزراعي، بضمنه المواشي والدواجن، من آفات وحوادث طبيعية وأخرى ناشئة من سير العمل.

 

شكراً للزميل فاروق يونس لتوفيره فرصة كتابة هذا التعليق على بعض جوانب التأمين الزراعي.

 

مصباح كمال

25 آذار 2018

 

فاروق يونس

إدارة أخطار الإنتاج الزراعي

 

 

عزيزي الاستاذ مصباح كمال

 

اشكرك اولا لأنك تحاول دائما ايجاد عمل منتج للعاطلين عن العمل من امثالي من المتقاعدين والمحالين (على المعاش).

 

اخي العزيز

 

الخسائر التي يتعرض لها القطاع الزراعي في العراق على نوعين هما:

 

اولا – الخسائر الناجمة عن الظروف الطبيعية التي تصيب المنتجات الزراعية بقسميها النباتي والحيواني.

 

ثانيا – الخسائر الناجمة عن اسباب ادارية وفنية غير طبيعية.

 

لدينا دوائر زراعية وفنية متخصصة من واجبها التعاون مع المزارعين والفلاحين للتقليل من الخسائر الفنية والادارية من خلال الارشاد الزراعي (طبعا الارشاد الزراعي يعني ادخال العلم والمعرفة والتكنولوجية الحديثة والبذور المحسنة والخدمات البيطرية وطرق الري الحديثة غير التقليدية وتقديم المعلومات عن الانواء الجوية مثل تساقط الامطار وارتفاع درجات الحرارة او تعرض الحيوانات الى البرد او تعرض المزروعات الى البرد او الجفاف)، هذه وغيرها من المعلومات والخدمات ينبغي ان تقدم الى العاملين في البستنة والحقول الزراعية والإنتاج الحيواني.

 

فيما يتعلق بالتأمين الزراعي فإن هذا النوع من التأمين قائم على مبدأ التعاون، ومن هنا يتطلب تعاون شركات التأمين واجهزة الإحصاء الزراعي والمصرف التعاوني الزراعي والجمعيات الفلاحية التعاونية من اجل تحقيق اهداف التأمين الزراعي خاصة إذا ما توفرت المعلومات الإحصائية الدقيقة عن حجم المساحات المزروعة وبعض البيانات المتعلقة بالأخطار التي تصيب المنتجات الزراعية (طبعا هذه المعلومات لا يمكن توفيرها إلا من قبل كادر متدرب على كيفية اعداد هذه المعلومات بغية استخدامها في التأمين الزراعي).

 

الإنتاج الزراعي يتأثر بالظروف الطبيعية وهذه متغيرات لا يمكن السيطرة عليها وعليه ينبغي ان تتغير أسعار التأمين تبعا لتغير الظروف الطبيعية.

 

المحصول الزراعي يتعرض الى الخسارة وهو موجود امامنا على الارض وكذلك الحال في تامين الابقار والمواشي فإن قيمتها تتناقص بسبب تعرضها للأمراض.  ويجب ان تتابع شركة التأمين حركة خدمات التطعيم وتقديم الادوية البيطرية (علما بانه يتعين على الجهات المختصة تقديم الادوية البيطرية بأسعار مدعومة او بالمجان) ذلك لان الفلاح غير قادر على دفع اجور الخدمات البيطرية في كثير من الاحيان.

 

حسب معلوماتي هناك معلومات كافية للتامين على المحاصيل الاستراتيجية (الحنطة والرز والشعير والذرة الصفراء) كما ان المعلومات متاحة عن الابقار والمركبات الزراعية.

 

وعلى الجهات الحكومية المختصة (حكومات المحافظات) شق الطرق التي تربط الاقضية والنواحي بالقرى وتمهيد او تعبيد الطرق الزراعية لتتمكن الدوائر الزراعية والدوائر الخدمية الاخرى كالتأمين والمصارف من تقديم خدماتها بكل سهولة ويسر.

 

مع التقدير

 

فاروق يونس

26 آذار 2018

 

مصباح كمال

حول تعثر التأمين الزراعي في العراق

 

 

عزيزي الأستاذ فاروق يونس

 

أشكرك على ملاحظاتك المهمة عن بعض جوانب إدارة أخطار الإنتاج الزراعي والحيواني وعلاقتها بالحماية التأمينية وكلفة هذا التأمين، والوظائف المتوقعة، التي تتمناها، من الأطراف ذات العلاقة وغيرها.

 

[1]

لن أدخل أو قُل لن أستطيع مناقشة ما أوردته من ملاحظات لأن موضوعاتها تقع خارج المعرفة المتوفرة لي.  لذلك، أتمنى من المختصين والمهتمين بالتأمين الزراعي في شركة التأمين الوطنية وغيرها من الشركات (بافتراض أن بعض شركات التأمين الخاصة تقوم بتوفير أشكال محددة من التأمين الزراعي كتأمين المركبات الزراعية أو تأمين حقول الدواجن)، وكذلك الهيئات الأخرى التي أشرتَ إليها (أجهزة الإحصاء الزراعي والمصرف التعاوني الزراعي والجمعيات الفلاحية التعاونية وحكومات المحافظات) تقديم تعليقاتهم ودراستهم.

 

 

[2]

عندما أقدمت شركة التأمين الوطنية أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وبإيعاز من الحكومة آنذاك، على إدخال أشكال مختلفة من وثائق التأمين الزراعي، قامت أولاً بدراسة الموضوع مع الأطراف الزراعية والبيطرية المعنية وبعدها أوفدت ممثلاً عنها إلى بريطانيا للتدريب والاستفادة من تجربتها، ولم تستقدم شركات استشارية من خارج العراق – كما هو الآن حيث انفقت ملايين الدولارات منذ تغيير النظام في 2003 على شراء الاستشارة من الخارج في مجالات مختلفة ولكن دون أن نلمس آثارها في تطور الخدمات وتحسين حياة الناس العاديين وأساليب العمل.  أليس بإمكان شركة التأمين الوطنية معاودة التجربة السابقة والاستفادة من تجارب عربية (تونس، الجزائر، المغرب) في مجال التأمين الزراعي والدفع نحو توسيع توفير الحماية التأمينية؟

 

[3]

السؤال المهم الذي يستدعي البحث من أهل الاختصاص هو: لماذا تعثر التأمين الزراعي في العراق؟  ولماذا يظل إنتاج المحاصيل الزراعية والمواشي بدون حماية تأمينية حقيقية؟

 

أحسب أن السبب وراء التعثر يكمن خارج قطاع التأمين.  أقول هذا اعتماداً على معرفتي السابقة، وهي محدودة وقديمة فيما يخص التفاصيل، بما قامت به شركة التأمين الوطنية من جهد ريادي لإدخال التأمين الزراعي في العراق منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، والذي تعرّض، على أي حال، إلى الآثار السلبية الناجمة من حروب النظام وسنوات الحصار الدولي الظالم.

 

منذ تأسيس أول شركة تأمين خاصة سنة 2000 لم تقدم شركات التأمين الخاصة على ممارسة هذا النوع من التأمين، مثلما لم تعمل الدولة على إدخال نظام تعاوني تأميني.  (في ظل التوجهات الاقتصادية القائمة فإن التخطيط للتعاونيات أو تدخل الدولة في مجال اقتصادي يبدو غريباً وقد يستهجنه البعض من دعاة إقصاء الدولة عن المجال الاقتصادي).

 

تظل شركة التأمين الوطنية، وهي شركة تابعة للدولة، تأسست سنة 1950، حتى الآن، الوحيدة التي توفر بعض الحماية للإنتاج الزراعي والحيواني.  ولكن يا لبؤس حجم هذه الحماية!  لماذا هذا الحكم القاسي؟  لأن (إحصائية نشاط شركات التأمين العاملة بالعراق لعام 2015-2016)، الصادرة من جمعية التأمين العراقية، وهي آخر إحصائية متوفرة لدينا، تورد أقساط التأمين الزراعي خلال هذه الفترة كالآتي (أرقام بآلاف الدينار):

 

170,376 (2015) – لم تكن هناك تعويضات.

175,824 (2016) – التعويضات 21,188

 

أترك الحكم للقراء.

 

مع خالص التقدير.

 

مصباح كمال

27 آذار 2018

 

كامل العضاض

التأمين على القروض الزراعية

 

 

عزيزي وأخي مصباح

 

أشد على يديك، كالعادة، بعدما أقرأ مقالاتك وتعقيباتك على كافة القضايا الخاصة بنشاط التأمين في العراق، بكافة فروعه وتخصصاته ومشاكله في العراق، فأنا أراك ذا باع وتمرس في هذا الحقل بامتياز.

 

أود أن أشير هنا إلى بعض الملاحظات حول مشاكل ومعيقات التأمين في العراق من خلال تجربتي عند عملي خلال سنتين تقريباً في أواخر الثمانينيات كمدير عام بالوكالة للمصرف الزراعي في العراق.  كان لدي هدف اعتبرته مهماً، لوضع ضوابط لضمان استرداد قروض المصرف للفلاحين وأصحاب المزارع في العراق.  وظناً مني إن وضع شروط على المقترضين من الفلاحين والمزارعين، بتقديم شهادات تأمين على نشاطاتهم الزراعية والحيوانية، سيؤدي إلى تخفيض الفائدة على قروضهم الممنوحة.  وبعد جهود واتصالات ومحاولات للتوعية وبتشجيع متردد من شركة التأمين الوطنية، خضنا التجربة بتأييد من الوزير.  وبعد محاولات عدة، فشلت جهودنا، على الرغم من تدني القبول لشروطنا الجديدة، لاسيما وأن أصحاب طلبات القروض بدأوا يحجمون عن تقديم طلبات قروض جديدة.  وعندما ناقشنا قسما منهم، أفادوا بأنهم يضعون لدينا ضمانات حسب الشروط التي نضعها لمنحهم قروض، فلماذا تبتلونا بمشاكل إضافية؟  نحن نقبل بما يصيبنا، لأن الرزق على الله.  تريدوننا أن نتكلف ونخسر وبالنتيجة تجعلونا نتردد في طلب قروض منكم.

 

وهكذا فشل الإجراء الجديد!  فقابلت الوزير د. حكمت الحديثي وشرحت له الموضوع، فأجابني: “يابه يا تأمين يا بطيخ، أنتم من تمنحون قروض للفلاحين، خلوا أبالكم خسارة 80% منها!”  فقلت له: “دكتور إحنا نسترجع ما يزيد عن 60% منها.”  فرد بالقول: “بعد شتريد!”  ومنذ ذلك الحين أسقطنا ذلك الشرط، ولربما، كما يبدو، جربوا إعادته لاحقا، ولكنني لا أدري.

 

الخلاصة؛ هي ليس الوعي التأميني وغيابه فقط، ولكن خصوصيات ومشاكل القطاع الزراعي كبيرة من جميع الجوانب، لا مجال للإفاضة بها، فتدني الوعي التأميني في العراق عموماً ولدى المزارعين خصوصاً يتطلب وقتاً وتثقيفاً وابتداعات أخرى لينجح، خصوصا في القطاع الزراعي.

 

شكراً أخ مصباح لمساهماتك البناءة في هذا الحقل المهم، راجيا استمرارك في رفد المعرفة والتجربة التأمينيتين في العراق للنهوض المستقبلي.

 

كامل العضاض

31 آذار 2018

 

فاروق يونس

عجز الحكومة في تغطية الخسائر الزراعية، وأهمية البيانات الإحصائية

 

 

عزيزي الدكتور كامل العضاض

 

تحية طيبة

 

رسالتك لخصت المشكلة ببعديها الزراعي والتأميني:

 

الحكومة من خلال المصرف الزراعي تقدم القروض للمزارعين والفلاحين ولا تتوقع استرداد معظمها كأن الزراعة قطاع غير منتج ولا يساهم في تحقيق قيم مضافة وليس مهما أن يساهم في الناتج المحلي الاجمالي وحسب رأي الوزير آنذاك (يا ركي يا بطيخ).

 

أما من ناحية التأمين فإن أقساطه حسب رأي المزارعين تمثل خسارة صافية وشعارهم كما جاء في رسالتك (نقبل ما يصيبنا لأن الرزق على الله) فالتأمين، حسب هذا الرأي، كلفة إضافية وزيادة في الخسارة.

 

وكما تعلمون فإن الحكومة خلال الموسم السابق عجزت عن تغطية خسائر المزارعين والفلاحين وتعويضهم عن الخسائر الناجمة عن غرق محاصيلهم في بعض المناطق الزراعية بل أن الحكومة تأخرت كثيراً في دفع مستحقات المزارعين الذين قاموا بتسليم محاصيلهم الزراعية لوزارة التجارة نتيجة عجز الموازنة العامة.

 

أرى أن نقطة البداية هي توفير قاعدة معلومات وبيانات للتأمين الزراعي – بيانات عن الإنتاج وعن المخاطر والخسائر التي يتحملها المزارع وخاصة (المزارع الصغير).

 

لا أريد الإطالة لكن رسالتكم القصيرة عزيزي الدكتور كامل العضاض شجعتني على التعليق.

 

إلى متى تستمر البطالة الموسمية وإلى متى يواجه مزارعي (الركي) المنافسة غير العادلة من الركي المستورد من إيران، ومتى يحقق العراق الاكتفاء الذاتي من الثوم والبصل وعدم الاعتماد على استيراد الثوم من الصين والبصل من إيران وماء الشرب من صحراء الكويت والحليب المصنع من السعودية.

 

قال الله يصف مكة (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)[2] انقلبت الآية فقد أصبح وسط وجنوب العراق يعاني من الجفاف.

 

مع التقدير.

 

فاروق يونس

31 آذار 2018

 

مصباح كمال

التأمين على القروض الزراعية: الماضي والحاضر وتوقعات المستقبل

 

 

عزيزي د. كامل

 

لقد كنتَ متقدماً في مشروعك لوضع شروط على المقترضين من المصرف الزراعي من الفلاحين والمزارعين، بتقديم شهادات تأمين على نشاطاتهم الزراعية والحيوانية (في مجال المحاصيل الزراعية وتربية المواشي والدواجن وتربية الأحياء المائية)، لأن هذه الشهادات، حسب تعليلك، سيؤدي إلى تخفيض الفائدة على قروضهم الممنوحة.  من المؤسف أن مشروعك لم يتحقق، كما بينت في تعليقك، وبذلك خسر الفلاحون والمزارعون وأصحاب الحقول الحماية التي كان التأمين سيوفرها لهم.  آمل أن تسعفك ذاكرتك، في حال عدم توفر المستندات، للتوسع فيما حاولت أن تقوم به للاستفادة من المعطيات التي تستطيع تقديمها، وأيضاً من باب التوثيق التاريخي.

 

ويبدو أن هذا المشروع بقي مطموراً لعدة عقود ولحين صدور برنامج قرض البنك المركزي العراقي لسنة 2015.[3]  فقد جاء في المادة 5 من الشروط العامة في هذا البرنامج ما يلي:

 

“على جميع المقترضين تقديم وثيقة تأمين شاملة عن المشروع نافذة لحين تسديد آخر قسط من القرض.”

 

وقتها كتبتُ بأن هذا الشرط هو من “الشروط التي ترد في معظم القروض الممنوحة لتمويل المشاريع من قبل المؤسسات الدولية وكذلك المصارف وغيرها من الهيئات المعنية بتقديم القروض.”  وأضفتُ، من باب الحرص على مصالح شركات التأمين العراقية، أن المادة 6 من البرنامج لم تنص على “تقديم وثيقة تأمين صادرة من شركة تأمين عراقية مسجلة في العراق ومجازة من قبل ديوان التأمين.  إن النص على شراء الحماية التأمينية من شركة تأمين عراقية مسألة مهمة لضمان عدم تجاوز شركات التأمين والاستفادة من القدرات التأمينية المحلية لتحقيق شكل من أشكال التكامل بين النشاطات الاقتصادية داخل العراق.”[4]

ترى أين نحن اليوم بعد صدور هذا البرنامج؟  ليس لدي بيانات عن نتائج تطبيق هذا البرنامج، وكذلك ليس لدي بيانات عن حجم أقساط التأمين الزراعي بشكل عام وما له علاقة بتأمين القروض الزراعية سوى ما جاء في إحصائية نشاط شركات التأمين العاملة بالعراق لعام 2015-2016، الصادرة من جمعية التأمين العراقية، وهي آخر إحصائية متوفرة لدينا، وقد أشرت إليها في تعليقي السابق على ما كتبه الأستاذ فاروق يونس.  لقد كانت أقساط التأمين الزراعي خلال هذه الفترة كالآتي (الأرقام بآلاف الدينار):

 

170,376 (2015) – لم تكن هناك تعويضات.

175,824 (2016) – التعويضات 21,188

 

ونستنتج من ضآلة هذه الأرقام ليس فقط تخلف التأمين الزراعي وإنما غياب التأمين على القروض الزراعية.  ولكننا نظل جاهزين لقبول من يخطئنا بهذا الشأن.

 

ربما كان باستطاعة برنامج البنك المركزي العراقي والقائمين على إدارته الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في مجال تقديم الحوافز المالية ومنها إعانة المنتفعين من القروض من خلال تمويل جزء من أقساط التأمين subsidise crop insurance premium، ومن إرشادات البنك الدولي وهي، في ظني، ليست بعيدة عن تفكير البنك.[5]  ربما يعرف هؤلاء بأن تأمين المحاصيل الزراعية هو الواسطة المفضلة للإسناد المالي للأطراف العاملة في الإنتاج الزراعي من قبل الدولة وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية.[6]

 

ومن رأينا أن تدخل الدولة له ما يبرره بفضل الأهمية الوطنية للأمن الغذائي، النباتي والحيواني، وبسبب التغيرات المناخية التي تتطلب الاستثمار في قطاع الزراعة والبنية التحتية المرتبطة بها لمجابهة هذه التغيرات.  ترى هل أننا نحلم إذا دعونا إلى تشريع قانون للتأمين الزراعي، على غرار ما هو موجود في بعض البلدان ومنها تركيا والهند؟  ونسأل: إذا كانت الدوائر الزراعية والتمويلية قد تكلّست في تفكيرها في مجال التأمين الزراعي لماذا لا تبادر شركات التأمين العراقية منفردة، إن استطاعت، أو بالتعاضد فيما بينها، لتطوير منتجات تأمينية خاصة بالإنتاج الزراعي، وتعمل على ترويجها مع هذه الدوائر؟  هل أن القدرات الريادية، في مجال التأمين وغيره، قد اختفت في عراق ما بعد 2003؟

 

ما زلنا نأمل خيراً من الدوائر التأمينية وغيرها من الدوائر المعنية بالإنتاج الزراعي والحيواني للبحث في أسباب القصور وإيجاد الحلول الوطنية المناسبة.

 

مصباح كمال

3 نيسان 2018

 

 

 

*         فاروق يونس، خبير سابق في غرفة التجارة في بغداد.

د. كامل العضاض، مستشار إقليمي سابق في الأمم المتحدة.

مصباح كمال، كاتب في قضايا التأمين

 

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين.  يسمح بإعادة النشر بشرط الإشارة إلى المصدر.

http://iraqieconomists.net/ar/

 

[1] لقراءة هذا الحوار راجع:

http://iraqieconomists.net/ar/2018/03/25/%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%88%d9%82-%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%85%d8%b2%d8%a7%d8%b1%d8%b9-%d9%88%d8%ae%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af/

[2] مقتطف من الآية 37، سورة إبراهيم.

[3] يمكن قراءة النص الكامل للإعلان في شفق نيوز باستخدام هذا الرابط:

http://www.ara.shafaaq.com/27596

[4] راجع مصباح كمال، “برنامج البنك المركزي للقروض الصناعية والزراعية والإسكان ومكانة التأمين،” مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2015/09/7-2015-2015.html

 

[5] أنظر على سبيل المثل، البنك الدولي

World Bank, Agriculture Finance & Agriculture Insurance, http://www.worldbank.org/en/topic/financialsector/brief/agriculture-finance

 

[6] راجع بهذا الشأن:

Jennifer E. Ifft, “Does federal crop insurance lead to higher farm debt use?”, Emeraldinsight:

https://www.emeraldinsight.com/doi/full/10.1108/AFR-06-2014-0017