Fire Losses in Shorjah: comment on Duraid Al-Shaker

حوادث الحريق في الشورجة:

ملاحظات أولية حول أهمية الدارسة ودور التأمين في التعويض

 

 

نشر هذا التعليق أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

 

http://iraqieconomists.net/ar/2018/04/09/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d8%b9%d8%a8%d9%8a%d8%af-%d8%b9%d8%b2%d9%88%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%8a%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%81%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d8%ad%d9%88%d9%84/

 

 

  • أهمية دراسة حوادث الحريق في الشورجة

 

كتبت في ورقتي المنشورة في موقع الشبكة بعنوان “أفكار حول حرائق المحلات التجارية: تعليق على ورقة السيد عبد الحسن عبيد عزوز الزيادي”

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2018/04/Fire-Insurance-Compulsory-Comment-on-Abdul-Hassan-Al-Zayyadi-2.pdf

أنه “كان من المناسب الإشارة إلى شدة الحريق في مناطق معينة كالشورجة في بغداد والأسواق القديمة عموماً، ليس فقط لأنها واحدة من المصادر الأساسية للخسائر في فرع التأمين من الحريق بل لأنها مصدر أساس للحرائق الواسعة النطاق conflagration وتراكم الخسائر بسبب حادث واحد accumulation”

 

حسناً فعل السيد دريد الشاكر كتابة ما أسماه “تقرير عن موضوع الحرائق في منطقة الشورجة التجارية التاريخية” موجه إلى الهيئة الاستشارية لغرفة تجارة بغداد، إذ أنه أبرز مسائل مهمة تتعلق بإدارة خطر الحريق من قبل أصحاب المحلات التجارية، ودور فرق الإطفاء الحكومية والخاصة، وأسباب الحرائق، ومعوقات السيطرة عليها، ووسائل التعويض عن آثارها وغيرها من ملاحظات.  كل ذلك يستحق الدراسة المعمقة في إطار إدارة الخطر والكلفة الاقتصادية لحوادث الحريق، التي جئت على ذكرها سريعاً في ورقتي.

 

ومن المفيد للقراء الإشارة إلى تقرير صحفي قصير نشر مؤخراً في جريدة عراقية بعنوان “حرائق سوق الشورجة تتكرر والمعالجات غائبة،” طريق الشعب، العدد 170 السنة 83، الخميس 19 نيسان 2018، ص 3، سنستفيد منه فيما بعد: http://tareeqashaab.com/images/TariqPDF/2018/4/19.pdf

فهو يضم معلومات مهمة حول افتعال بعض حوادث الحريق بسبب التنافس بين التجار.

 

بودي هنا التعليق على بعض الأفكار، ذات العلاقة بالتأمين، التي أوردها السيد دريد الشاكر في تقريره.  أكتب باختصار كي لا أثقل التعليق بتفاصيل ربما لا تهم إلا المختصين بالتأمين.

 

  • مشاركة قطاع التأمين في تأمين المحلات التجارية في الشورجة

 

2-1    جاء في تقريره إلى الهيئة الاستشارية لغرفة تجارة بغداد مقترح “مشاركة قطاع التامين في تامين البضائع والسلع والمحلات تامين شامل او حسب الرغبة.”  توحي صياغة هذا المقترح أن شركات التأمين لا تشارك في تأمين محلات الشورجة ومحتوياتها من السلع.  واقع الحال هو أن هذه الشركات، ومنذ عقود عديدة، تقوم بالتأمين على هذه المحلات من خطر الحريق.  وفي الماضي كانت شركة التأمين الوطنية، وكانت الشركة الوحيدة المعنية بالتأمينات العامة، توفر الحماية التأمينية المطلوبة.  وقامت ببعض الدراسات لتحديد جغرافية منطقة الشورجة وصولاً إلى (1) تحديد الحرائق الواسعة النطاق conflagration و(2) تراكم الخسائر بسبب حادث واحد accumulation.  وقد جاءت هذه الدراسة بفضل التعاون بين الشركة وشركة إعادة التأمين التي كانت تتعامل معها لتحديد احتفاظ الشركة من أخطار سوق الشورجة التي كانت تكتتب بها ولوضع ترتيبات إعادة التأمين لكلا الطرفين.  بعد 2003 جرت محاولة جديدة لإحياء مثل هذه الدراسات من قبل نفس الشركة.  ويمكن لجمعية التأمين العراقية، وكذلك شركة إعادة التأمين العراقية، أن تلقي المزيد من الضوء على هذا الموضوع.

 

2-2    فيما يتعلق بنوع التأمين (شامل أو حسب الرغبة- كما يقول السيد دريد الشاكر) فإن شركات التأمين العراقية توفر حماية من خطر الحريق وبعض الأخطار الملحقة بها؛ أي انها توفر حماية بموجب وثيقة التأمين من الحريق التقليدية أو ما يماثلها كوثيقة التأمين من الحريق العربية الموحدة لعام 1981 الصادرة من الاتحاد العام العربي للتأمين.  (أنظر: منعم الخفاجي، وثيقة الحريق النموذجية ووثيقة الحريق العربية الموحدة: دراسة مقارنة، مكتبة التأمين العراقي، 2014.  يمكنني توفير نسخة من هذا الكتاب الإلكتروني لمن يرغب).

 

وحسب المعلومات المتوفرة عندي فإن هذه الشركات لا توفر وثيقة تأمين شاملة، أي وثيقة تأمين جميع أخطار الممتلكات All Risks Property Insurance.  إن المعلومات المتوفرة عندي لا تفيد قيام شركات التأمين العراقية بترويج وثيقة جميع الأخطار.  ربما لديها من الأسباب ما يحول دون ذلك.

 

  • تعويض خسائر الحريق ومشروع تأسيس صندوق خاص للتعويض

 

3-1    يقول السيد دريد الشاكر، “اما التعويضات اعتقد انها لا تسمن ولا تغني من جوع لان الخسائر كبيرة جدا وغير قابلة للتعويض.  الا اذا اتفق اصحاب المحلات على صندوق خاص بهم او الية تبرع معتمدة كما في كل اسواق اهلنا في السابق.”

 

من المفترض أن تُرجع التعويضات المسددة من قبل شركات التأمين المؤمن لهم (أصحاب المحلات) إلى الحالة المالية التي كانوا عليها قبل وقع حادث الحريق.  هذا الافتراض مشروط بكفاية مبلغ التأمين، أي أن يكون مبلغ التأمين مساوياً للقيمة الاستبدالية لبناية المحل (إن كانت مؤمناً عليها) ولقيمة البضائع في المحل (محتويات المحل).

 

إن كان مبلغ التأمين دون هذه القيمة فإن شركة التأمين تلجأ إلى تطبيق ما يعرف بشرط المعدل أو شرط النسبية Average Condition، وله صياغات مختلفة.  عند تطبيق هذا الشرط فإن المؤمن له لا يحصل على تعويض كامل لخسارته.  والسبب وراء تطبيق شرط النسبية، باختصار، هو ارتباط قسط التأمين بمبلغ التأمين، أي أن قسط التأمين يعكس مبلغ التأمين المصرح به من قبل المؤمن له، وعلى ضوء هذا المبلغ يتقرر حجم التعويض.  إن عدم التصريح بالقيمة الحقيقية قد يكون بدافع تقليص قسط التأمين، أو يكون بسبب سوء تقدير طالب التأمين لقيمة المبنى والمحتوى.  وهذا الأخير مما يمكن التحوط منه من خلال الكشف الميداني على المحل وتقييم الممتلكات المعروضة للتأمين من قبل خبير تقييم professional valuer.

 

إن القول بأن الخسائر الكبيرة غير قابلة للتعويض ليست صحيحة.  إن علّة وجود شركات التأمين هي التعويض عن الخسائر المادية، كبيرة كانت أو صغيرة، طالما أنها تستوفي الشروط المتعاقد عليها بين المؤمن له وشركة التأمين.

 

3-2    فيما يتعلق باتفاق “اصحاب المحلات على صندوق خاص بهم او الية تبرع معتمدة كما في كل اسواق اهلنا في السابق” للتعويض عن الخسائر التي تصيبهم فإنه اقتراح لا أراه قابلاً للتطبيق.  فهو يفترض أن القيم التقليدية في التعاضد الاجتماعي (وهنا ينصب التعاضد على المصالح التجارية التي تربط أصحاب المحلات مع بعضهم) ما زالت قائمة في العراق وهي ليست كذلك.  ربما لا نعدم وجود حالات للتعاضد لكن التقرير الصحفي الذي أشرت إليه يوحي بغير ذلك.  فقد أورد التقرير نقلاً عن أحد المواطنين ما يلي:

 

“نشب خلاف بين تاجر يمتلك محلًا كبيرًا للجملة، مع تاجر آخر. فوصل الأمر إلى التهديد بالتصفية الجسدية، وكانت بسطتي بجوار محل التاجر الذي تعرض للتهديد، والذي يملك محلًا للعطور ومستحضرات التجميل”، مضيفا انه “بعد أسبوع على الخلاف، نشب حريق في محل التاجر، أدى إلى حصول دمار كبير بسبب ما يحويه من مواد كيمياوية، ما تسبب في تضاعف الحريق، وصعوبة إطفائه من قبل آليات الدفاع المدني، التي جاءت متأخرة أصلاً.”

 

أو ما نقل في نفس التقرير الصحفي عن عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد أن “بعض حرائق الشورجة كانت مفتعلة، وهي ناتجة عن التنافس غير الشريف بين التجار، وعن رغبة بعضهم في احتكار بضاعة ما على حساب الآخر.”

 

إن تقييم المواطن ورأي مسؤول في مجلس محافظة بغداد قد لا يكون كافياً لتحديد موقف من مقترح تأسيس صندوق خاص للتعويض لكنه يؤشر إلى تدهور في القيم الاجتماعية، وانحسار للمصالح التي تجمع بين أصحاب المحلات (نموذج سيء للقطاع الخاص).

 

ليست هناك حلول سريعة وجاهزة لتجاوز مشكلات سوق الشورجة وغيرها من الأسواق في بغداد وخارجها.  رحلة الأف ميل تبدأ بخطوة واحدة، لكن هذه الخطوة ما زالت محصورة ببضعة تعليقات وتقارير صحفية متناثرة، وهو بحاجة إلى تظافر الجهود من أطراف عديدة.

 

آمل من السيد دريد الشاكر متابعة تقريره مع الهيئة الاستشارية لغرفة تجارة بغداد، مثلما آمل أن يتقدم ممارسو التأمين، والعاملون في الدفاع المدني ودوائر الإطفاء، وأمانة العاصمة، ووزارة الكهرباء وهيئات القطاع الخاص وغيرها عرض مواقفهم من ظاهرة الحرائق المتكررة.

 

شكراً للسيد دريد الشاكر لتوفيره فرصة للتحدث بشكل سريع عن هموم تجمع بيننا.

 

مصباح كمال

23 نيسان 2018

Advertisements

Compulsory Fire Insurance: a new development in Bahrain

إلزامية تأمين مباني العمارات السكنية من خطر الحريق:

تجربة جديدة في مملكة البحرين

 

 

نشر هذا التعليق أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

 

http://iraqieconomists.net/ar/2018/04/09/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d8%b9%d8%a8%d9%8a%d8%af-%d8%b9%d8%b2%d9%88%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%8a%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%81%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d8%ad%d9%88%d9%84/

 

 

قدمت في ورقة سابقة منشورة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين تعليقاً على بعض أفكار السيد عبد الحسن عبيد عزوز الزيادي، بهدف توسيع دائرة النقاش وربط المقترب التأميني لحوادث الحريق بالكلفة الاقتصادية لهذه الحوادث.

 

من الأفكار التي عرضها السيد الزيادي في ورقته، بعجالة، فكرة “جعل التأمين على كافة المحلات التجارية والمخازن إلزاميا وحسب طبيعة الخطر والمنطقة الجغرافية.”

 

لقد ناقشت باختصار قضية الإلزامية، وبودي هنا أن أضيف كيف تترجم الإلزامية نفسها في تطور جديد في مملكة البحرين.  فقد جاء في الأخبار أن بلدية المحافظة الشمالية في المملكة قد ألزمت مالكي العقارات بتأمين المباني السكنية متعددة الطوابق (الأبراج السكنية) من خطر الحرائق وغيرها من المخاطر؛ وأن هذا الأمر لا ينطبق على المنازل الخاصة، مثل الفيلات، أو دور الإسكان الاجتماعي الممول من الحكومة، حسب صحيفة Gulf Daily News كما وردت في:

http://www.meinsurancereview.com/News/View-NewsLetter-Article/id/42325/Type/MiddleEast/Bahrain-Start-made-to-mandatory-insurance-for-fires-and-other-risks/1/sid/255657?utm_source=News&utm_medium=Email&utm_ca

 

بفضل هذا التأمين سوف تتحرر الحكومة من تحمل تكاليف توفير مأوى مؤقت لأولئك الذين يجبرون على مغادرة منازلهم نتيجة لحريق أو تسرب غاز أو حوادث أخرى، إذ تحال هذه الحالات حالياً إلى وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، التي توفر المأوى المؤقت ونفقات المعيشة.  وهكذا تصبح شركة التأمين هي الحامل الأساس لمثل هذه التكاليف – أي نقل الأعباء المالية من الحكومة إلى شركات التأمين.

 

ويتمنى البعض أن يمتد التأمين الإلزامي ليشمل المنازل كافة، على غرار التأمين الإلزامي من المسؤولية المدنية الناشئة من حوادث السيارات.  مثل هذا التمني لن يتحقق في المستقبل المنظور لأن كلفة التأمين عالية بالنسبة للكثير من مالكي المنازل الخاصة.  لكن توسيع النطاق الجغرافي لإلزامية التأمين قد يتحقق مستقبلاً بقرار من الوزارة المعنية في البحرين.  ويمكن المحاجة أن ازدياد عدد الوحدات المؤمن عليها، أو قل إلزام مالكي المباني على مستوى الوطن للتأمين عليها من الحريق، سوف يؤدي إلى تخفيض معتبر في كلفة التأمين.

 

بالنسبة لمالكي الأبراج السكنية وغيرها من العقارات الذين يؤجرون الشقق السكنية، فإن إلزامهم بالتأمين من خطر الحريق يشكّل جزءًا من التزاماتهم تجاه المستأجر في توفير متطلبات السلامة وإدامتها.

 

هل يا ترى أن الحكومة الاتحادية في العراق أو إحدى المحافظات ستلجأ إلى إقرار مشروع للتأمين الإلزامي على مباني العمارات السكنية والتجارية والصناعية أولاً.  وهل ستعمل شركات التأمين العراقية على تبني مثل هذا المشروع وإعداد وثائق التأمين المناسبة له؟

 

مصباح كمال

19 نيسان 2018

 

On Agricultural Insurance in Iraq

فاروق يونس، كامل العضاض، مصباح كمال*: تعليقات ورسائل حول التأمين الزراعي

 

 

نشر في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

فاروق يونس، كامل العضاض، مصباح كمال*: تعليقات ورسائل حول التأمين الزراعي

 

 

تقديم

 

نشر الأستاذ فاروق يونس حواراً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بعنوان “حوار بين مزارع وخبير اقتصادي حول اهمية الادخار من اجل التنمية الاقتصادية.”[1]  وقد أصبح هذا الحوار موضوعاً للتعليقات وتبادل الرسائل ركَّزت على دور التأمين في حماية الإنتاج الزراعي.  وبغية استدراج المزيد من التعليقات استقر الرأي على تجميع ما كتب ونشر في موقع الشبكة خاصة وأن ما يكتب وينشر عن القطاع الزراعي والتأمين عليه قليل جداً.  لذلك نتمنى على المهتمين في الدوائر الزراعية والتأمينية والجمعيات الفلاحية وأصحاب المزارع المشاركة في مناقشة الموضوعات المعروضة باختصار في هذه التعليقات والرسائل.

 

هيئة التحرير

3 نيسان/أبريل 2018

 

 

مصباح كمال

شيء من تاريخ التأمين الزراعي في العراق

 

 

(1)

مرة أخرى نشهد اهتمام الزميل فاروق يونس بالنشاط التأميني، وهذه المرة في فرع التأمين الزراعي.  فهو في هذا الحوار يلوم شركات التأمين، على لسان المزارع، بتقصيرها في توفير الحماية للمشاريع الزراعية والصناعية.  ويؤكد، على لسان الخبير الاقتصادي، تقصير هذه الشركات في مجال التأمين الزراعي.

 

يضم هذا الحوار أفكاراً مهمة تستحق المناقشة من قبل أهل الاختصاص ومنها: ضعف مساهمة القطاع الزراعي في العراق في الناتج المحلي الإجمالي (بنسية لا تزيد على ٦.٥ بالمائة)، وكذلك القطاع الصناعي (بنسبة لا تزيد على ١.٥ بالمائة).  وهو ما يؤشر على تدهور القطاع الزراعي، وحرف الاقتصاد العراقي من التوجه نحو التصنيع بتمويل من إيرادات النفط.  (أنظر بهذا الشأن د. صبري زاير السعدي، “المشروع الاقتصادي الوطني في العراق: مقاربة في برنامج صندوق النقد الدولي،” المستقبل العربي، العدد 469، آذار/مارس 2018.  وهذه الدراسة تستحق دراسة متأنية في ظل التوجهات الاقتصادية التي لم تحقق نقلة نوعية في مسار الاقتصاد العراقي).

 

لكننا سنكرس تعليقنا على البعد التأميني فيما أورده الزميل فاروق عن دور شركات التأمين في حماية مشاريع القطاع الزراعي.

 

ربما يمتلك الزميل معلومات عن التأمين الزراعي في العراق ليؤكد تقصير شركات التأمين في هذا الفرع من التأمين.  ونأمل منه أن يكشف بعض هذه المعلومات.  ننتهز هذه الفرصة لتقديم عرض سريع لجوانب من تاريخ التأمين الزراعي في العراق بأمل أن يقوم الآخرون تقديم ما لديهم من معلومات وتعليقات.

 

(2)

ما لدينا من معلومات تفيد أن شركة التأمين الوطنية تكاد أن تكون الوحيدة في ممارسة التأمين الزراعي.  وقد باشرت في تطبيقه عام 1982.  وكانت محفظة التأمين الزراعي تضم وثائق التأمين التالية: تأمين المحاصيل الزراعية، تأمين المركبات الزراعية، تأمين المواشي، تأمين الدواجن وتأمين خيول التربية أو السباق.

 

لم يكن إقبال المزارعين وافلاحين وغيرهم على جميع هذه الوثائق قوياً باستثناء التأمين على المواشي.  ربما يتذكر البعض استيراد مديرية الثروة الحيوانية للأبقار الهولندية Friesian وعرضها بأسعار متهاودة على المزارعين بهدف تطوير زيادة إنتاج الحليب، ونفوق أعداد كبيرة من هذه الأبقار ولأسباب عديدة، ترتب عليه خسائر كبيرة لشركة التأمين الوطنية.  وكذلك التأمين على حقول الدواجن التي انتشرت بفضل قروض المصرف الزراعي التعاوني.  وهي الأخرى تعرضت إلى أضرار كبيرة فاقمت من خسائر فرع التأمين الزراعي في الشركة.  ولم يكن هناك طلب حقيقي للتأمين على المحاصيل الزراعية ووثائق التأمين الأخرى، رغم أن الشركة وبالتعاون مع جهات مختلفة أطلقت حملة ترويجية لهذه الوثائق.

 

واعتماداً على ذاكرة الزميل فؤاد عبد الله عزيز (يعمل الآن في البحرين)، الذي أسس فرع التأمين الزراعي في شركة التأمين الوطنية (1982)، “فقد جرت محاولة عبر مبادرة من وزارة الزراعة والاصلاح الزراعي وبالتعاون مع فرع التأمين الزراعي بتأييد من إدارة شركة التأمين الوطنية لإعداد مشروع لجعل هذا النوع من التأمين إلزامياً لما يحققه من ابعاد اجتماعية وحماية للثروة الزراعية.  وقد نجحت الوزارة في ايصال المشروع إلى المجلس الوطني، وحضرتُ مناقشات المجلس للمشروع وتبين لي ان غالبية اعضاء المجلس كانوا ضد اقراره لمبررات اهمها عدم الرغبة في إلزام المزارعين على اجراء تأمين يقع ضمن دائرة اختيارهم ورغبتهم، عليه فقد جرى التصويت على رفض المشروع.  وخرجتُ من المجلس وانا مقتنع ان المشروع لم يكن مدعوما من القيادات العليا للدولة ليحقق التأثير المطلوب على اعضاء المجلس لإقراره وبذلك خسرت هذه التجربة فرصة كبيرة في ان تتطور بالشكل الذي أصبحت عليه في البلدان المذكورة [بريطانيا، يوغوسلافيا] وبقيت أعماله محدودة لغاية الوقت الراهن.”  (فؤاد عبد الله عزيز، ثلاثة عقود في شركة التأمين الوطنية، مذكرات قيد الإعداد).

 

(3)

الكتابات العراقية المنشورة عن التأمين الزراعي شحيحة.  هناك دراسة مهمة للزميل عبد الزهرة عبد الله (يعمل الآن في الأمارات العربية المتحدة) بعنوان “نحو تأمين المحاصيل الزراعية في العراق” (مجلة رسالة التأمين، العدد 39، حزيران 1979، ص 52-59.  أشكر الزميل منعم الخفاجي على إرسال المجلة).  وقد كتبها عندما كان يعمل في شركة إعادة التأمين العراقية.  في عرضه لمشكلات التأمين الزراعي ذكر أموراً في غاية الأهمية ما زالت آثار بعضها قائمة وبعضها الآخر تمَّ تذليلها أثناء الإعداد لتأسيس فرع التأمين الزراعي في شركة التأمين من خلال التدريب المكثف مع المؤسسات التأمينية المختصة خارج العراق، والاستفادة من المعرفة العلمية للعديد من العاملين في مجال الإنتاج الزراعي في العراق.  نقتبس هنا بالكامل ما عرضه زميلنا تحت عنوان “مشكلات تأمين المحاصيل الزراعية”:

 

“1- انخفاض مستوى الوعي التأميني، وهي مشكلة عامة تقف عائقاً أمام التأمين بمختلف أنواعه، إلا أنها تزداد حدة بالنسبة للفلاحين نظراً لتدني المستوى الثقافي العام وانتشار الأمية، مما يتطلب وضع تخطيط إعلامي لخلق الوعي بأهمية التأمين وفوائده لدى الفلاحين.

 

  • صعوبة الوصول إلى المناطق الزراعية بالسهولة والسرعة والكلفة المعقولة، حيث يندر هناك وجود الطرق المعبدة ووسائط النقل اللازمة إضافة إلى بعد المناطق الزراعية عن مراكز الإدارات المحلية أو مراكز الشرطة مما يحد من إمكانية التحري الكامل عن أسباب الحوادث وظروفها التي أدت إلى تحقق أضرار مشمولة بالتأمين.

 

  • انخفاض مداخيل الفلاحين وقدرتهم المالية المحدودة التي يتعذر عليهم معها التفكير في دفع ثمن ما مقابل حصولهم على الخدمة التأمينية.

 

  • عدم توفر إحصائيات كاملة ووافية ولسنوات عديدة بحيث يمكن الاعتماد عليها عند دراسة أي مشروع للتأمين الزراعي وتقدير درجة الخطورة واحتساب قسط التأمين المناسب.

 

  • عدم توفر الخبرة الفنية في مجال التأمين الزراعي سواء أكان على مستوى القطاع الزراعي أو على مستوى قطاع التأمين.”

 

في تعليقه على الجهة التي ستقوم بتطبيق مشروع تأمين المحاصيل الزراعية، كتب الزميل عبد الزهرة عبد الله علي الآتي:

 

“نظراً للطبيعة الخاصة لتأمين المحاصيل الزراعية من حيث المخاطر التي تواجه الإنتاج الزراعي وارتفاع تكليف هذا النوع من التأمين، وصعوبة الإشراف والمتابعة إضافة إلى تباعد القرى وغيرها من الخصائص، نرى أن يكون تأمين المحاصيل الزراعية تأميناً تعاونياً تقوم به مديرية تستحدث لهذا الغرض …. تكون مرتبطة من الناحية الإدارية بمديرية التعاونيات الزراعية العامة في وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي على أن يطبق المشروع على الجمعيات التعاونية الزراعية.”  (ويضم هذا الجزء من الدراسة حججاً عديدة ومبادئ لتنظيم تطبيق المشروع خارج التأمين التجاري، وتستحق الدراسة إعادة النشر).

 

(4)

تبين تجربة التأمين الزراعي في العراق أن عدم تطورها لم يكن بسبب تقصير من جانب شركة التأمين الوطنية وقت تأسيس فرع التأمين الزراعي أو بعد ذلك، فقد تظافرت عوامل خارج الشركة لتحول دون تحقيق رواج هذا النوع من التأمين.  وقد أتى الزميل عبد الزهرة عبد الله علي على ذكر بعض هذه العوامل كما عرضنا في الاقتباس منه أعلاه.

 

وتثير هذه التجربة أيضاً قضية الوعي بالتأمين وهل أن تحقيقه لا يتطلب سوى حملة إعلانية من قبل شركات التأمين، أم يجب البحث عن أسباب أخرى تتوزع بين الاتكالية الموروثة، ومنها الدينية على نمط “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”، وضعف فكرة التدبر للمستقبل والتحوط من الطوارئ، والقدرة المالية المتوفرة والفائضة للأفراد والجماعات، بعد الانفاق على الحاجات الأساسية، وتوجيهها لأغراض الحماية من عوارض الطبيعة والحوادث.

 

(5)

ربما آن الأوان للنظر بإخراج بعض أشكال التأمين الزراعي من دائرة التأمين التجاري المحض، والتفكير بتوفير هذا التأمين من قبل هيئات تعاونية – كما اقترح الزميل عبد الزهرة منذ أزيد من أربعة عقود – أو هيئات تبادلية.

 

نأمل أن يتقدم أهل الاختصاص في القطاع الزراعي بآرائهم لتطوير القطاع والتعاون مع ممارسي التأمين في العراق لمعالجة مكامن القصور، والمساهمة في دراسة الكلفة الاقتصادية المهدرة لما يصيب الإنتاج الزراعي، بضمنه المواشي والدواجن، من آفات وحوادث طبيعية وأخرى ناشئة من سير العمل.

 

شكراً للزميل فاروق يونس لتوفيره فرصة كتابة هذا التعليق على بعض جوانب التأمين الزراعي.

 

مصباح كمال

25 آذار 2018

 

فاروق يونس

إدارة أخطار الإنتاج الزراعي

 

 

عزيزي الاستاذ مصباح كمال

 

اشكرك اولا لأنك تحاول دائما ايجاد عمل منتج للعاطلين عن العمل من امثالي من المتقاعدين والمحالين (على المعاش).

 

اخي العزيز

 

الخسائر التي يتعرض لها القطاع الزراعي في العراق على نوعين هما:

 

اولا – الخسائر الناجمة عن الظروف الطبيعية التي تصيب المنتجات الزراعية بقسميها النباتي والحيواني.

 

ثانيا – الخسائر الناجمة عن اسباب ادارية وفنية غير طبيعية.

 

لدينا دوائر زراعية وفنية متخصصة من واجبها التعاون مع المزارعين والفلاحين للتقليل من الخسائر الفنية والادارية من خلال الارشاد الزراعي (طبعا الارشاد الزراعي يعني ادخال العلم والمعرفة والتكنولوجية الحديثة والبذور المحسنة والخدمات البيطرية وطرق الري الحديثة غير التقليدية وتقديم المعلومات عن الانواء الجوية مثل تساقط الامطار وارتفاع درجات الحرارة او تعرض الحيوانات الى البرد او تعرض المزروعات الى البرد او الجفاف)، هذه وغيرها من المعلومات والخدمات ينبغي ان تقدم الى العاملين في البستنة والحقول الزراعية والإنتاج الحيواني.

 

فيما يتعلق بالتأمين الزراعي فإن هذا النوع من التأمين قائم على مبدأ التعاون، ومن هنا يتطلب تعاون شركات التأمين واجهزة الإحصاء الزراعي والمصرف التعاوني الزراعي والجمعيات الفلاحية التعاونية من اجل تحقيق اهداف التأمين الزراعي خاصة إذا ما توفرت المعلومات الإحصائية الدقيقة عن حجم المساحات المزروعة وبعض البيانات المتعلقة بالأخطار التي تصيب المنتجات الزراعية (طبعا هذه المعلومات لا يمكن توفيرها إلا من قبل كادر متدرب على كيفية اعداد هذه المعلومات بغية استخدامها في التأمين الزراعي).

 

الإنتاج الزراعي يتأثر بالظروف الطبيعية وهذه متغيرات لا يمكن السيطرة عليها وعليه ينبغي ان تتغير أسعار التأمين تبعا لتغير الظروف الطبيعية.

 

المحصول الزراعي يتعرض الى الخسارة وهو موجود امامنا على الارض وكذلك الحال في تامين الابقار والمواشي فإن قيمتها تتناقص بسبب تعرضها للأمراض.  ويجب ان تتابع شركة التأمين حركة خدمات التطعيم وتقديم الادوية البيطرية (علما بانه يتعين على الجهات المختصة تقديم الادوية البيطرية بأسعار مدعومة او بالمجان) ذلك لان الفلاح غير قادر على دفع اجور الخدمات البيطرية في كثير من الاحيان.

 

حسب معلوماتي هناك معلومات كافية للتامين على المحاصيل الاستراتيجية (الحنطة والرز والشعير والذرة الصفراء) كما ان المعلومات متاحة عن الابقار والمركبات الزراعية.

 

وعلى الجهات الحكومية المختصة (حكومات المحافظات) شق الطرق التي تربط الاقضية والنواحي بالقرى وتمهيد او تعبيد الطرق الزراعية لتتمكن الدوائر الزراعية والدوائر الخدمية الاخرى كالتأمين والمصارف من تقديم خدماتها بكل سهولة ويسر.

 

مع التقدير

 

فاروق يونس

26 آذار 2018

 

مصباح كمال

حول تعثر التأمين الزراعي في العراق

 

 

عزيزي الأستاذ فاروق يونس

 

أشكرك على ملاحظاتك المهمة عن بعض جوانب إدارة أخطار الإنتاج الزراعي والحيواني وعلاقتها بالحماية التأمينية وكلفة هذا التأمين، والوظائف المتوقعة، التي تتمناها، من الأطراف ذات العلاقة وغيرها.

 

[1]

لن أدخل أو قُل لن أستطيع مناقشة ما أوردته من ملاحظات لأن موضوعاتها تقع خارج المعرفة المتوفرة لي.  لذلك، أتمنى من المختصين والمهتمين بالتأمين الزراعي في شركة التأمين الوطنية وغيرها من الشركات (بافتراض أن بعض شركات التأمين الخاصة تقوم بتوفير أشكال محددة من التأمين الزراعي كتأمين المركبات الزراعية أو تأمين حقول الدواجن)، وكذلك الهيئات الأخرى التي أشرتَ إليها (أجهزة الإحصاء الزراعي والمصرف التعاوني الزراعي والجمعيات الفلاحية التعاونية وحكومات المحافظات) تقديم تعليقاتهم ودراستهم.

 

 

[2]

عندما أقدمت شركة التأمين الوطنية أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وبإيعاز من الحكومة آنذاك، على إدخال أشكال مختلفة من وثائق التأمين الزراعي، قامت أولاً بدراسة الموضوع مع الأطراف الزراعية والبيطرية المعنية وبعدها أوفدت ممثلاً عنها إلى بريطانيا للتدريب والاستفادة من تجربتها، ولم تستقدم شركات استشارية من خارج العراق – كما هو الآن حيث انفقت ملايين الدولارات منذ تغيير النظام في 2003 على شراء الاستشارة من الخارج في مجالات مختلفة ولكن دون أن نلمس آثارها في تطور الخدمات وتحسين حياة الناس العاديين وأساليب العمل.  أليس بإمكان شركة التأمين الوطنية معاودة التجربة السابقة والاستفادة من تجارب عربية (تونس، الجزائر، المغرب) في مجال التأمين الزراعي والدفع نحو توسيع توفير الحماية التأمينية؟

 

[3]

السؤال المهم الذي يستدعي البحث من أهل الاختصاص هو: لماذا تعثر التأمين الزراعي في العراق؟  ولماذا يظل إنتاج المحاصيل الزراعية والمواشي بدون حماية تأمينية حقيقية؟

 

أحسب أن السبب وراء التعثر يكمن خارج قطاع التأمين.  أقول هذا اعتماداً على معرفتي السابقة، وهي محدودة وقديمة فيما يخص التفاصيل، بما قامت به شركة التأمين الوطنية من جهد ريادي لإدخال التأمين الزراعي في العراق منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، والذي تعرّض، على أي حال، إلى الآثار السلبية الناجمة من حروب النظام وسنوات الحصار الدولي الظالم.

 

منذ تأسيس أول شركة تأمين خاصة سنة 2000 لم تقدم شركات التأمين الخاصة على ممارسة هذا النوع من التأمين، مثلما لم تعمل الدولة على إدخال نظام تعاوني تأميني.  (في ظل التوجهات الاقتصادية القائمة فإن التخطيط للتعاونيات أو تدخل الدولة في مجال اقتصادي يبدو غريباً وقد يستهجنه البعض من دعاة إقصاء الدولة عن المجال الاقتصادي).

 

تظل شركة التأمين الوطنية، وهي شركة تابعة للدولة، تأسست سنة 1950، حتى الآن، الوحيدة التي توفر بعض الحماية للإنتاج الزراعي والحيواني.  ولكن يا لبؤس حجم هذه الحماية!  لماذا هذا الحكم القاسي؟  لأن (إحصائية نشاط شركات التأمين العاملة بالعراق لعام 2015-2016)، الصادرة من جمعية التأمين العراقية، وهي آخر إحصائية متوفرة لدينا، تورد أقساط التأمين الزراعي خلال هذه الفترة كالآتي (أرقام بآلاف الدينار):

 

170,376 (2015) – لم تكن هناك تعويضات.

175,824 (2016) – التعويضات 21,188

 

أترك الحكم للقراء.

 

مع خالص التقدير.

 

مصباح كمال

27 آذار 2018

 

كامل العضاض

التأمين على القروض الزراعية

 

 

عزيزي وأخي مصباح

 

أشد على يديك، كالعادة، بعدما أقرأ مقالاتك وتعقيباتك على كافة القضايا الخاصة بنشاط التأمين في العراق، بكافة فروعه وتخصصاته ومشاكله في العراق، فأنا أراك ذا باع وتمرس في هذا الحقل بامتياز.

 

أود أن أشير هنا إلى بعض الملاحظات حول مشاكل ومعيقات التأمين في العراق من خلال تجربتي عند عملي خلال سنتين تقريباً في أواخر الثمانينيات كمدير عام بالوكالة للمصرف الزراعي في العراق.  كان لدي هدف اعتبرته مهماً، لوضع ضوابط لضمان استرداد قروض المصرف للفلاحين وأصحاب المزارع في العراق.  وظناً مني إن وضع شروط على المقترضين من الفلاحين والمزارعين، بتقديم شهادات تأمين على نشاطاتهم الزراعية والحيوانية، سيؤدي إلى تخفيض الفائدة على قروضهم الممنوحة.  وبعد جهود واتصالات ومحاولات للتوعية وبتشجيع متردد من شركة التأمين الوطنية، خضنا التجربة بتأييد من الوزير.  وبعد محاولات عدة، فشلت جهودنا، على الرغم من تدني القبول لشروطنا الجديدة، لاسيما وأن أصحاب طلبات القروض بدأوا يحجمون عن تقديم طلبات قروض جديدة.  وعندما ناقشنا قسما منهم، أفادوا بأنهم يضعون لدينا ضمانات حسب الشروط التي نضعها لمنحهم قروض، فلماذا تبتلونا بمشاكل إضافية؟  نحن نقبل بما يصيبنا، لأن الرزق على الله.  تريدوننا أن نتكلف ونخسر وبالنتيجة تجعلونا نتردد في طلب قروض منكم.

 

وهكذا فشل الإجراء الجديد!  فقابلت الوزير د. حكمت الحديثي وشرحت له الموضوع، فأجابني: “يابه يا تأمين يا بطيخ، أنتم من تمنحون قروض للفلاحين، خلوا أبالكم خسارة 80% منها!”  فقلت له: “دكتور إحنا نسترجع ما يزيد عن 60% منها.”  فرد بالقول: “بعد شتريد!”  ومنذ ذلك الحين أسقطنا ذلك الشرط، ولربما، كما يبدو، جربوا إعادته لاحقا، ولكنني لا أدري.

 

الخلاصة؛ هي ليس الوعي التأميني وغيابه فقط، ولكن خصوصيات ومشاكل القطاع الزراعي كبيرة من جميع الجوانب، لا مجال للإفاضة بها، فتدني الوعي التأميني في العراق عموماً ولدى المزارعين خصوصاً يتطلب وقتاً وتثقيفاً وابتداعات أخرى لينجح، خصوصا في القطاع الزراعي.

 

شكراً أخ مصباح لمساهماتك البناءة في هذا الحقل المهم، راجيا استمرارك في رفد المعرفة والتجربة التأمينيتين في العراق للنهوض المستقبلي.

 

كامل العضاض

31 آذار 2018

 

فاروق يونس

عجز الحكومة في تغطية الخسائر الزراعية، وأهمية البيانات الإحصائية

 

 

عزيزي الدكتور كامل العضاض

 

تحية طيبة

 

رسالتك لخصت المشكلة ببعديها الزراعي والتأميني:

 

الحكومة من خلال المصرف الزراعي تقدم القروض للمزارعين والفلاحين ولا تتوقع استرداد معظمها كأن الزراعة قطاع غير منتج ولا يساهم في تحقيق قيم مضافة وليس مهما أن يساهم في الناتج المحلي الاجمالي وحسب رأي الوزير آنذاك (يا ركي يا بطيخ).

 

أما من ناحية التأمين فإن أقساطه حسب رأي المزارعين تمثل خسارة صافية وشعارهم كما جاء في رسالتك (نقبل ما يصيبنا لأن الرزق على الله) فالتأمين، حسب هذا الرأي، كلفة إضافية وزيادة في الخسارة.

 

وكما تعلمون فإن الحكومة خلال الموسم السابق عجزت عن تغطية خسائر المزارعين والفلاحين وتعويضهم عن الخسائر الناجمة عن غرق محاصيلهم في بعض المناطق الزراعية بل أن الحكومة تأخرت كثيراً في دفع مستحقات المزارعين الذين قاموا بتسليم محاصيلهم الزراعية لوزارة التجارة نتيجة عجز الموازنة العامة.

 

أرى أن نقطة البداية هي توفير قاعدة معلومات وبيانات للتأمين الزراعي – بيانات عن الإنتاج وعن المخاطر والخسائر التي يتحملها المزارع وخاصة (المزارع الصغير).

 

لا أريد الإطالة لكن رسالتكم القصيرة عزيزي الدكتور كامل العضاض شجعتني على التعليق.

 

إلى متى تستمر البطالة الموسمية وإلى متى يواجه مزارعي (الركي) المنافسة غير العادلة من الركي المستورد من إيران، ومتى يحقق العراق الاكتفاء الذاتي من الثوم والبصل وعدم الاعتماد على استيراد الثوم من الصين والبصل من إيران وماء الشرب من صحراء الكويت والحليب المصنع من السعودية.

 

قال الله يصف مكة (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)[2] انقلبت الآية فقد أصبح وسط وجنوب العراق يعاني من الجفاف.

 

مع التقدير.

 

فاروق يونس

31 آذار 2018

 

مصباح كمال

التأمين على القروض الزراعية: الماضي والحاضر وتوقعات المستقبل

 

 

عزيزي د. كامل

 

لقد كنتَ متقدماً في مشروعك لوضع شروط على المقترضين من المصرف الزراعي من الفلاحين والمزارعين، بتقديم شهادات تأمين على نشاطاتهم الزراعية والحيوانية (في مجال المحاصيل الزراعية وتربية المواشي والدواجن وتربية الأحياء المائية)، لأن هذه الشهادات، حسب تعليلك، سيؤدي إلى تخفيض الفائدة على قروضهم الممنوحة.  من المؤسف أن مشروعك لم يتحقق، كما بينت في تعليقك، وبذلك خسر الفلاحون والمزارعون وأصحاب الحقول الحماية التي كان التأمين سيوفرها لهم.  آمل أن تسعفك ذاكرتك، في حال عدم توفر المستندات، للتوسع فيما حاولت أن تقوم به للاستفادة من المعطيات التي تستطيع تقديمها، وأيضاً من باب التوثيق التاريخي.

 

ويبدو أن هذا المشروع بقي مطموراً لعدة عقود ولحين صدور برنامج قرض البنك المركزي العراقي لسنة 2015.[3]  فقد جاء في المادة 5 من الشروط العامة في هذا البرنامج ما يلي:

 

“على جميع المقترضين تقديم وثيقة تأمين شاملة عن المشروع نافذة لحين تسديد آخر قسط من القرض.”

 

وقتها كتبتُ بأن هذا الشرط هو من “الشروط التي ترد في معظم القروض الممنوحة لتمويل المشاريع من قبل المؤسسات الدولية وكذلك المصارف وغيرها من الهيئات المعنية بتقديم القروض.”  وأضفتُ، من باب الحرص على مصالح شركات التأمين العراقية، أن المادة 6 من البرنامج لم تنص على “تقديم وثيقة تأمين صادرة من شركة تأمين عراقية مسجلة في العراق ومجازة من قبل ديوان التأمين.  إن النص على شراء الحماية التأمينية من شركة تأمين عراقية مسألة مهمة لضمان عدم تجاوز شركات التأمين والاستفادة من القدرات التأمينية المحلية لتحقيق شكل من أشكال التكامل بين النشاطات الاقتصادية داخل العراق.”[4]

ترى أين نحن اليوم بعد صدور هذا البرنامج؟  ليس لدي بيانات عن نتائج تطبيق هذا البرنامج، وكذلك ليس لدي بيانات عن حجم أقساط التأمين الزراعي بشكل عام وما له علاقة بتأمين القروض الزراعية سوى ما جاء في إحصائية نشاط شركات التأمين العاملة بالعراق لعام 2015-2016، الصادرة من جمعية التأمين العراقية، وهي آخر إحصائية متوفرة لدينا، وقد أشرت إليها في تعليقي السابق على ما كتبه الأستاذ فاروق يونس.  لقد كانت أقساط التأمين الزراعي خلال هذه الفترة كالآتي (الأرقام بآلاف الدينار):

 

170,376 (2015) – لم تكن هناك تعويضات.

175,824 (2016) – التعويضات 21,188

 

ونستنتج من ضآلة هذه الأرقام ليس فقط تخلف التأمين الزراعي وإنما غياب التأمين على القروض الزراعية.  ولكننا نظل جاهزين لقبول من يخطئنا بهذا الشأن.

 

ربما كان باستطاعة برنامج البنك المركزي العراقي والقائمين على إدارته الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في مجال تقديم الحوافز المالية ومنها إعانة المنتفعين من القروض من خلال تمويل جزء من أقساط التأمين subsidise crop insurance premium، ومن إرشادات البنك الدولي وهي، في ظني، ليست بعيدة عن تفكير البنك.[5]  ربما يعرف هؤلاء بأن تأمين المحاصيل الزراعية هو الواسطة المفضلة للإسناد المالي للأطراف العاملة في الإنتاج الزراعي من قبل الدولة وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية.[6]

 

ومن رأينا أن تدخل الدولة له ما يبرره بفضل الأهمية الوطنية للأمن الغذائي، النباتي والحيواني، وبسبب التغيرات المناخية التي تتطلب الاستثمار في قطاع الزراعة والبنية التحتية المرتبطة بها لمجابهة هذه التغيرات.  ترى هل أننا نحلم إذا دعونا إلى تشريع قانون للتأمين الزراعي، على غرار ما هو موجود في بعض البلدان ومنها تركيا والهند؟  ونسأل: إذا كانت الدوائر الزراعية والتمويلية قد تكلّست في تفكيرها في مجال التأمين الزراعي لماذا لا تبادر شركات التأمين العراقية منفردة، إن استطاعت، أو بالتعاضد فيما بينها، لتطوير منتجات تأمينية خاصة بالإنتاج الزراعي، وتعمل على ترويجها مع هذه الدوائر؟  هل أن القدرات الريادية، في مجال التأمين وغيره، قد اختفت في عراق ما بعد 2003؟

 

ما زلنا نأمل خيراً من الدوائر التأمينية وغيرها من الدوائر المعنية بالإنتاج الزراعي والحيواني للبحث في أسباب القصور وإيجاد الحلول الوطنية المناسبة.

 

مصباح كمال

3 نيسان 2018

 

 

 

*         فاروق يونس، خبير سابق في غرفة التجارة في بغداد.

د. كامل العضاض، مستشار إقليمي سابق في الأمم المتحدة.

مصباح كمال، كاتب في قضايا التأمين

 

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين.  يسمح بإعادة النشر بشرط الإشارة إلى المصدر.

http://iraqieconomists.net/ar/

 

[1] لقراءة هذا الحوار راجع:

http://iraqieconomists.net/ar/2018/03/25/%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%88%d9%82-%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%85%d8%b2%d8%a7%d8%b1%d8%b9-%d9%88%d8%ae%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af/

[2] مقتطف من الآية 37، سورة إبراهيم.

[3] يمكن قراءة النص الكامل للإعلان في شفق نيوز باستخدام هذا الرابط:

http://www.ara.shafaaq.com/27596

[4] راجع مصباح كمال، “برنامج البنك المركزي للقروض الصناعية والزراعية والإسكان ومكانة التأمين،” مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2015/09/7-2015-2015.html

 

[5] أنظر على سبيل المثل، البنك الدولي

World Bank, Agriculture Finance & Agriculture Insurance, http://www.worldbank.org/en/topic/financialsector/brief/agriculture-finance

 

[6] راجع بهذا الشأن:

Jennifer E. Ifft, “Does federal crop insurance lead to higher farm debt use?”, Emeraldinsight:

https://www.emeraldinsight.com/doi/full/10.1108/AFR-06-2014-0017

 

Fire In Commercial & other Enterprises: comment on Mr Abdul-Hassan Al-Zayyadi’s Paper

أفكار حول حرائق المحلات التجارية

تعليق على ورقة السيد عبد الحسن عبيد عزوز الزيادي

 

 

نشرت في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2018/04/Fire-Insurance-Compulsory-Comment-on-Abdul-Hassan-Al-Zayyadi-2.pdf

 

 

(1) المقترب التأميني الصرف لحوادث الحريق

 

نشكر السيد عبد الحسن الزيادي على ورقته حول حرائق المحلات التجارية المنشورة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين.[1]  تثير ورقته مسألة مهمة تتجاوز المقترب التأميني الصرف الذي اعتمده في عرض أفكاره، وهو مقترب شائع بين ممارسي التأمين.  وأعني بهذه المسألة الكلفة الاقتصادية لحوادث الحريق التي تكاد أن تكون مهملة في الكتابات التأمينية العراقية وكتابات الاقتصاديين العراقيين، وسنعلق على هذه المسألة فيما بعد.

 

لقد جاء مقتربه التأميني لحوادث الحريق تحت أربعة عناوين:

 

  • قدم الشبكة الكهربائية المحلية وتوزيعها العشوائي.
  • الخزن العشوائي للسلع بدون التقيّد بالمعايير النموذجية للخزن حسب نوع وطبيعة السلع.
  • تراكم النفايات قرب المخازن أو في الأسواق.
  • صعوبة وصول أجهزة إطفاء الحريق إلى موقع الحريق.

 

وهي عناوين أساسية لكنها بحاجة إلى توسيع ليغطي عناصر أخرى ومنها، على سبيل المثل: عادة التدخين، المعروف عنها بأنها وراء العديد من حوادث الحريق؛ أجهزة التدفئة المتنقلة؛ عدم تثبيت أجهزة الإطفاء اليدوية وأجهزة الإطفاء التلقائي التي تستجيب للحرارة والدخان.  وهذه هي من بعض وسائل إدارة الخطر – وهو موضوع لم ينل اهتماماً حقيقياً خارج قطاع التأمين[2] واختلط فهمه عند البعض ليحصر إدارة الخطر بالتأمين في حين أن التأمين ما هو إلا المرحلة الأخيرة في عملية تحليل وتشخيص الأخطار وقياسها وتقدير كلفتها الاقتصادية والوسائل المادية والقدرات المالية المتوفرة لدى الوحدة الاقتصادية لاستيعابها قبل التفكير بتمويل هذه الكلفة اعتماداً على التأمين.

 

كان من المناسب الإشارة إلى شدة الحريق في مناطق معينة كالشورجة في بغداد والأسواق القديمة عموماً، ليس فقط لأنها واحدة من المصادر الأساسية للخسائر في فرع التأمين من الحريق بل لأنها مصدر أساس للحرائق الواسعة النطاق conflagration وتراكم الخسائر بسبب حادث واحد accumulation

 

نأمل من السيد الزيادي أن ينشر ورقة تكميلية يعرض فيها المزيد من أفكاره.

 

(2) ربط الكتابات التأمينية مع بعضها

 

إن ما كتبه السيد حسن الزيادي هو إضافة لمقالات سابقة لكتاب آخرين تدور حول حوادث الحريق في العراق ومنها:

 

“تأملات تأمينية في أعقاب الحادث الإرهابي في الكرادة” لفلاح حسن http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/07/فلاح-حسن-تأملات-تأمينية-في-أعقاب-الحادث-الإرهابي-في-الكرادة.pdf

 

و “تداعيات تأمينية حول حادث حريق في محلات تجارية في الكرادة-بغداد” لمصباح كمال

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/07/Misbah-Kamal-Insurance-fallout-of-a-fire-accident-in-Karradah.pdf

 

إن كان السيد الزياني على علم بهذه الكتابات كان من المناسب الإشارة لها لتحقيق رابط معها وتوفير فرصة للمعنين لمتابعة الموضوع وربما الكتابة فيه.  إن الكتابات التأمينية في العراق شحيحة والأحرى بنا أن نعمل على إظهار ونشر ما يكتب.

 

(3) حول إنشاء صندوق لتأمين أخطار الحريق وإلزامية التأمين من الحريق

 

في الفقرات الأخيرة من ورقته يعرض السيد الزياني فكرة

 

“إنشاء صندوق لأخطار الحريق يُدار من قبل قطاع التأمين العراقي العام والخاص … وجعل التأمين على كافة المحلات التجارية والمخازن إلزاميا وحسب طبيعة الخطر والمنطقة الجغرافية … [مع] إصدار نظام التأمين الإلزامي من أخطار الحريق حيث يصدر هذا النظام في الجريدة الرسمية ويطبق على الوزارات المختلفة ودوائر وشركات القطاع العام والخاص بما فيها المنشآت الصناعية والتجارية حيث تلتزم هذه الجهات بالتأمين ضد أخطار الحريق.”

 

صندوق لتأمين أخطار الحريق

لم يتعرض الكاتب لإشكاليات إنشاء صندوق لتأمين أخطار الحريق.  فهل أن تكرر وشدة حوادث الحريق كافياً لإنشاء صندوق مستقل للتأمين على أخطار الحريق؟  هناك فروع أخرى للتأمين تشهد تكرراً frequency في الحوادث وشدّة severity في آثارها، كالتأمين على السيارات والتأمين الصحي والأعمال الإرهابية، ومع ذلك فإن شركات التأمين قادرة على استيعاب الكلفة المالية لهذه الحوادث من مواردها المالية الداخلية و/أو بالاعتماد على حماية إعادة التأمين.  هناك كوارث طبيعية تكون آثارها المادية مدمرة وآثارها التأمينية كبيرة على شركات التأمين كالفيضانات أو الزلازل أو الأخطار النووية وهذه تدفع باتجاه تشكيل صندوق وطني للتأمين عليها تجارياً وأحياناً بالتعاون مع الدولة، كما هو الحال في بعض الدول الغربية.

 

لا أظن أن كلفة حوادث الحريق في العراق، حتى في غياب الإحصائيات، تشكّل سبباً كافياً لتأسيس صندوق لتأمين أخطار الحريق.  يقوم تأكيدي هذا على حقيقة أن محفظة تأمين الحريق في العراق لا يضمُّ التأمين على توقف الإنتاج (خسارة الأرباح)، أو قُل إن هناك عدداً قليلاً جداً من التغطيات التأمينية لخسارة الأرباح.  فمن المعروف أن تعويضات خسائر الأرباح تفوق تعويضات الخسائر المادية أضعافاً مضاعفة.  قد أكون مخطئاً فيما يخص تأمين خسارة الأرباح في العراق وأرجو من العارفين تصحيحي.

 

حول إلزامية التأمين من أخطار الحريق

لم يتعرض الكاتب لإشكاليات إلزامية التأمين من الحريق مكتفياً بالقول إن “المملكة الأردنية سبق وأن أصدرت النظام رقم (21) لسنة 2011 (نظام التأمين الالزامي من أخطار الحريق والزلزال).”

 

الاقتباس من الغير والاستفادة من تجربتهم وتقليدها ليس عيباً إذ أننا لسنا مطالبين باختراع العجلة من جديد طالما أوفينا متطلبات الأمانة الفكرية.

 

وعلى نفس النسق ذكَّرنا بأن “المنهاج الحكومي لرئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي أشار في الفقرة (10) منه على جعل التأمين على المنتج والمسؤولية المهنية فيما يتعلق بالسلع والخدمات المنتجة إجباريا وذلك لحماية المصالح العامة والخاصة.”

 

وقد كانت لنا مساهمة متواضعة حول فكرة إلزامية التأمين من خلال الإشارة إليها جاء فيها:

 

يتخوف البعض من فكرة الإلزامية باعتباره مناقضاً للحرية الاقتصادية وهذا موقف اقتصادي بحت لا يعير أهمية للبعد الاجتماعي والمصالح العامة رغم أن الاقتصادات الرأسمالية قد تقدمت نحو المزيد من الضبط والرقابة على العمل الاقتصادي.  نحن ننظر إلى الإلزام في التأمين من منظور الرفاه الاجتماعي والحفاظ على ثروات البلد، البشرية والمادية، وفي ذات الوقت توفير مصادر إضافية لتعظيم تراكم دخل الأقساط لأغراض المساهمة في التنمية الاقتصادية.  ورأينا أن لا يقسر إلزام التأمين في فروع تأمينية دون مناقشته على المستوى الوطني لضمان كفاية الحماية التأمينية لأكبر عدد من الناس والشركات والمؤسسات، والموازنة بين مصالح الأطراف ذات العلاقة.  نعرفُ بأن إلزام الفقراء بالتأمين ضد مخاطر الحريق على مساكنهم، ومنهم من لا يملك منزلاً، وضمن الوثائق التجارية المعهودة فيه إجحاف وتجني عليهم، ولذلك يتوجب التفكير في كيفية التأمين عليهم.  قد يكون من المناسب التفكير بجعل التأمين على المدارس (العامة والخاصة) إلزامياً، وكذلك التأمين العشري على مسؤولية المقاولين، والتأمين على المنشآت المدنية العامة كالطرق والجسور والمباني، والتأمين على الكوارث الطبيعية ضمن مجمع وطني وغيرها.

 

ومن رأينا أن الحاضنة الرئيسية للنمو، في المدى القريب، تكمن في التغييرات التشريعية التي تلزم التأمين في فروع معينة كما في تعديل بعض بنود قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005.”[3]

 

كما ذكرنا إلزامية التأمين في سياق خسارة قطاع التأمين لمصادر مهمة من أقساط التأمين بسبب “عدم وجود وثائق تأمين إلزامية كتأمين مسؤولية رب العمل، وهي تغطي تعويضات العمال بسبب إصابة جسدية عارضة أو مرض يتعرض له العمال بسبب العمل وأثناء تأدية واجباتهم، أو تأمين ممتلكات تجارية وصناعية معينة، عامة أو خاصة، ضد خطر الحريق، كما هو الحال في الأردن.”  وأشرنا في هامش ورقتنا إلى نظام التأمين الالزامي من أخطار الحريق والزلازل الصادر بموجب قانون تنظيم أعمال التأمين رقم (33) لسنة 1999.  وكتبنا أيضاً ان إلزامية التأمين، على فروع معينة للتأمين، مطبقة في العديد من الدول الغربية.[4]

 

حسناً فعل الكاتب إذ حدد الشخوص الاقتصادية التي ينوي إلزامها بالتأمين من أخطار الحريق وهي: كافة المحلات التجارية والمخازن وحسب طبيعة الخطر والمنطقة الجغرافية، والوزارات المختلفة ودوائر وشركات القطاع العام والخاص بما فيها المنشآت الصناعية والتجارية.

 

يترك هذا التحديد انطباعاً بأن الفئات المُلزمة بالتأمين تتمثل بوحدات اقتصادية كبيرة.  والسؤال الذي ينهض هنا هو: كيف سيتم التعامل مع إلزام الوحدات الصغيرة بالتأمين، أعني أصحاب المتاجر والدكاكين والمعامل والفنادق الصغيرة والمقاهي والمكتبات وغيرها؟  لكي يتحقق توازن في محفظة التأمين من الحريق أليس من المناسب أن تضم المحفظة تأمينات هذه الوحدات؟  هناك أسئلة أخرى تستحق البحث ومنها:

 

  • هل سينصب التأمين الإلزامي على المباني فقط building only أم يمتد ليشمل المحتويات؟
  • هل ستعفى بعض الوحدات الاقتصادية من التأمين الإلزامي من خلال وضع سقف لقيمة (مبلغ تأمين) الوحدات الملزمة بالتأمين، أي إن كانت القيمة دون هذا السقف فليس هناك إلزام بالتأمين؟
  • لماذا لا يُصار إلى جعل التأمين على المباني كافة؟
  • هل سيخضع تسعير التأمين الإلزامي لتعريفة (دليل للتسعير ملزم لشركات التأمين)؟

 

(4) الكلفة الاقتصادية لحوادث الحريق

 

يمكن لهذه الكلفة أن تتخذ أشكالاً عديدة من بينها الآتي:

 

خسارة/تلف الأصول المادية من مباني، وسيارات، ومكائن ومعدات، عند عدم وجود حماية تأمينية لها؛ التأثير المباشر لحوادث الحريق على الإنتاج وعلى تقديم الخدمات والمتاجرة، أي البيع والشراء؛ خسارة الأرباح المترتبة على توقف الإنتاج؛ احتمال تعرّض العاملين للبطالة بعد توقف الأعمال بسبب الحريق؛ تكاليف مكافحة الحرائق؛ الإصابات البشرية وما تعنية للأُسر وللنظام الصحي؛ وإذا كانت الحوادث بفعل عمدي أو عمل إرهابي فهناك كلفة اقتفاء مقترفي الحوادث وكلفة تقديمهم للمحاكم.

 

ومن المؤسف أن العراق يفتقر إلى إحصائيات حقيقية عن عدد وحجم حوادث الحريق المؤمن عليها وغير المؤمن عليها وأمور أخرى لها علاقة بحوادث الحريق.  فليس هناك، حسب علمنا، تقدير لحجم الانفاق الخاص والحكومي على الحماية من الحريق، كالإنفاق الحكومي على هيئات مكافحة الحريق، والتوعية بخطر الحريق.  وليس هناك إحصائيات عن عدد الشركات الي تتوقف نهائياً عن العمل بعد حادث حريق مدمر بسبب غياب التأمين أو عدم كفايته، وما يترتب على ذلك من تعريض العاملين إلى البطالة وتحولهم من فئة منتجة إلى فئة تعتمد على أسرها أو إعانات الدولة – في حالة توفرها.  ونعلم أنه في فترات الركود الاقتصادي تزداد بعض أنواع الجريمة ومنها الحريق المتعمد بغية الحصول على التعويض من شركة التأمين – هل هناك دراسة أو إحصائية بهذا الشأن في العراق؟

 

إن هذه الإحصائيات وتقدير الكلفة الاقتصادية لحوادث الحريق توفر مفاتيح لرسم سياسات لإدارة أخطار الحريق وتخصيص الموارد لتحقيق هذه السياسات والأطراف التي تتحملها.

مقتربات لتحليل التكاليف الاقتصادية لحوادث الحريق

هناك مقتربات لتحليل التكاليف الاقتصادية لحوادث الحريق يمكن توزيعها على ثلاث فئات:

 

(1)     التكاليف المتوقعة Costs in anticipation – وهي تشمل في الغالب تدابير الحماية والوقاية المتخذة لمنع أو تخفيف الضرر الناجم عن الحريق.

 

(ب)    التكاليف التبعية Costs as a consequence – وهي التكاليف المتكبدة نتيجة للحريق.  وتنشأ هذه التكاليف كنتيجة لتعرض الممتلكات والأفراد والبيئة للحريق، وتتحمل هذه التكاليف مجموعة من الضحايا تضم الأفراد والشركات الخاصة والمجتمع.

 

(ج)     تكاليف الاستجابة Costs in response – وتضم تكاليف الإطفاء ورفع الأنقاض والتنظيف بعد الحريق، ويتحمل المجتمع غالبية هذه التكاليف.[5]

 

(5) البحث والمناقشة

 

إن ما كتب ونشر عن موضوع حوادث الحريق في السنوات الماضية قليل جداً، ومن رأينا انه بحاجة إلى المزيد من الكتابات والمناقشات قبل الإقدام على تبني مشروع لجعل التأمين إلزامياً.  كما أن الموضوع بانتظار من يقوم ببحثه أكاديمياً إذ أن ما نكتبه يظل بحاجة إلى الرجوع إلى المراجع وإلى الإحصائيات.

 

16 نيسان/أبريل 2018

[1] عبد الحسن عبيد عزوز الزيادي*: افكار حول أسباب حرائق المحلات التجارية وضرورة معالجتها

[2] نذكر من باب التوثيق التاريخي كتاب د. سليم الوردي، إدارة الخطر والتأمين (بغداد: مكتب الريم، 1999).  أشكر نجله السيد زيد سليم الوردي على إهدائه لهذا الكتاب في حزيران 2016.

[3] مصباح كمال، التأمين في الكتابات الاقتصادية العراقية (مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 87.

الكتاب متوفر في المكتبة الاقتصادية لشبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2014/05/22/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%84%d8%ae%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad/

[4] مصباح كمال، “محاولة في بحث بعض الخسائر الافتراضية لقطاع التأمين،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2013/04/23/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a7/

 

[5] Department for Communities and Local Government, The economic cost of fire: estimates for 2008: estimates for 2008, Fire research report 3/2011 (London: DCLG, 2011), p 6-7.

Critical Notes on the Iraqi Insurance Conference and its Draft Recommendations

هوامش نقدية على مؤتمر التأمين العراقي وتوصياته

 

 

نشرت لأول مرة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2018/03/19/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%87%d9%88%d8%a7%d9%85%d8%b4-%d9%86%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d8%a4%d8%aa%d9%85%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85/

 

 

انعقد في بغداد يوم السبت 3 آذار 2018 مؤتمر التأمين العراقي بدعوة من مركز الإبداع لتنمية الشباب والمجتمع.  استغرقت فعاليات المؤتمر ثلاث ساعات من التاسعة والنصف صباحاً حتى الساعة الواحدة بعد الظهر.

 

سنقدم في هذه الورقة المعلومات المتوفرة لنا عن المؤتمر، ونكرس الجزء الأعظم منها لمناقشة جملة من التوصيات التي يبدو أنها أعدت خارج المؤتمر، وهي على أي حال ما زالت قيد الدرس من قبل بعض الأطراف غير محددي الهوية.

 

بعض المعلومات المتوفرة عن المؤتمر

 

لم يعلن عن المؤتمر بشكل واسع قبل انعقاده كما علمنا[1] لكننا نفترض أن مركز الإبداع الذي قام بتنظيم المؤتمر وجّه دعوات لجميع شركات التأمين العاملة في العراق لإرسال ممثليها لحضور المؤتمر.

 

ضمَّ برنامج المؤتمر الفقرات التالية (سأذكر الأسماء مع حفظ الألقاب):

 

الكلمات:

كلمة سهاد الفرطوسي – مديرة مركز الإبداع لتنمية الشباب والمجتمع ومديرة المؤتمر

كلمة علي محسن إسماعيل – محافظ البنك المركزي العراقي

كلمة ماهر حماد جوهان – وكيل وزارة المالية

كلمة أحمد عبد الجليل – رئيس ديوان التأمين

 

الجلسات الحوارية:

جلسة حوارية: أهمية التأمين وفوائده للمجتمع العراقي والأفكار الجديدة لتطويره

 

المشاركون في الجلسة:

وليد جاسم – رئيس جمعية التأمين

عبد الباقي رضا – مستشار مصرف المنصور

هيفاء شمعون عيسى – مدير عام شركة التأمين الوطنية، الشركة العراقية للتأمين، شركة إعادة التأمين العراقية

ياسر صبري رؤوف – رئيس مجلس إدارة ومؤسس شركة الحمراء للتأمين

جورج كرم – مستشار ومدير عام تنفيذي لشركة الحمراء للتأمين

جلسة حوارية: دور التأمين في تنمية الاقتصاد الوطني

 

المشاركون في الجلسة:

حيدر إبراهيم – مدير الجلسة

مظهر محمد صالح – مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية

صلاح نوري – رئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي

عبد الحسين العنبكي – مستشار رئاسة الوزراء للشؤون القانونية

أحمد الجاسم – رئيس مجلس إدارة شركة التضامن للتأمين

 

نقل إلينا أن منظمي المؤتمر لم يوزعوا أية أوراق معدة سلفاً حول القضايا المطروحة للحوار في المؤتمر، كما هو معهود في المؤتمرات العلمية.  مضمون الكلمات التي ألقيت ليست معروفة ومُعلنة على وجه الدقة، باستثناء ما نُقل من أفكار عن محافظ البنك المركزي،[2] وكذلك الفكرة أو الأفكار الرئيسية التي قدمت من قبل المشاركين في الجلستين الحواريتين.  وعلمنا بأن التوصيات لم تقدم داخل المؤتمر أولاً لأغراض المناقشة.

 

عرَّف منظمو المؤتمر بأنه مؤتمر التأمين العراقي الأول، وهو تجاوز للواقع إذ أن أول مؤتمر للتأمين في الفترة بعد 2003، مع الاختلاف من جهة التنظيم والمشاركين، انعقد في بغداد بتاريخ 28 حزيران 2009 برعاية وزارة المالية، وكان من المؤتمرات الإعلامية العابرة التي لم تترك أثراً ملموساً على قطاع التأمين.[3]  مع هذا فإن عقد المؤتمر يجب أن يكون محل ترحيب كونه إعلاناً عن وجود نشاط تأمين يستحق أن يكون موضوعاً للمناقشة المفتوحة للواقع الحالي ومستقبل هذا النشاط من قبل المعنيين، على مستوى شركات التأمين والدوائر الحكومية وغيرها من الروابط المهنية والتجارية.

 

 

نقد نصوص توصيات مؤتمر التأمين العراقي

 

في مخاطباتي مع بعض المشاركين، من شركات التأمين، في المؤتمر مستوضحاً حيثيات التوصيات أثرت بعض الأسئلة:

 

  • من هو الشخص/الأشخاص أو الجهة التي تقدمت بهذه التوصيات؟
  • كيف تمَّ التوصل إلى التوصيات؟ أكان ذلك من خلال لجنة صياغة؟
  • هل أنها عُرضت على المشاركين لإبداء الرأي فيها قبل تبنيها؟
  • هل تم تبنيها من قبل المؤتمرين؟
  • هل كانت هناك توصيات أخرى إلا أنها أهملت؟

 

وجاءني الرد الآتي:

 

  • التوصيات كانت نتيجة تداول مشترك بين الاطراف و قد قام السيد وليد حمود المحترم رئيس الجمعية بالتنسيق مع السيدة سهاد المحترمة لاعداد الصيغة النهائية
  • كل طرف قام بطرح بعض النقاط و من ثم تم التلخيص من قبل السيدة سهاد المحترمة
  • الآن تعرض على قسم من المشاركين كي يتم تبنيها عند جمع الآراء و الملاحظات
  • المشاركين الاساسيين في المؤتمر سوف يقومون بتبني التوصية
  • يوجد توصيات اخرى اهملت بسبب عدم التطرق اليها خلال المؤتمر لعدة اعتبارات[4]

 

حتى كتابة هذه الورقة لم يتم، حسب علمي، تبني توصيات المؤتمر.  فيما يلي سأقتبس، حرفياً، نص التوصيات الست الموزعة على بعض المشاركين في المؤتمر وأعلق على كل واحدة منها.  سيلاحظ القارئ اللبيب بعض الضعف في صياغة محتوى التوصيات وفي رسم الكلمات كان بالإمكان تجنبها من خلال المراجعة والتدقيق.

 

“التوصية الأولى: صدور التشريعات بالزامية التأمين ومنها التأمين على السيارات والتأمين على الأجانب الداخلين للعراق.”

 

ليس واضحاً ما هو نطاق إلزامية التأمين، أي تحديد فروع التأمين التي يمكن التأمين عليها إلزامياً بقوة القانون أو بقوة ضوابط ممارسة المهنة كما تحددها الجمعية الخاصة بتلك المهنة كنقابة الأطباء الآن أو في المستقبل (كالاشتراط على أن العضو الممتهن لا يحق له/لها ممارسة المهنة قبل الحصول على وثيقة تأمين المسؤولية المدنية).[5]  لكن التوصية تذكر، دو تحديد دقيق، إلزامية التأمين على السيارات.  ترى ما المقصود من إلزامية التأمين على السيارات مع وجود تأمين إلزامي تلقائي بقوة القانون للمسؤولية المدنية (الأضرار البدنية بما فيها الوفاة) الناشئة من حوادث السيارات (قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات رقم 52 لسنة 1980 وتعديلاته).

 

وليس واضحاً أيضاً ما هو المقصود بإلزامية “التأمين على الأجانب الداخلين للعراق.”  أهو التأمين على أشخاص هؤلاء (تأمين صحي، تأمين حوادث شخصية) أو سياراتهم أو ممتلكاتهم الأخرى؟

 

كملاحظة عامة، ترى هل من قام بصياغة هذه التوصية، وخاصة الجزء الأول منها، كان يفكر بالتأمين الإلزامي من الحريق لممتلكات ذات مواصفات معينة (موقع هذه الممتلكات أو قيمتها)، أو الـتأمين الإلزامي من المسؤولية المهنية، أو التأمين الهندسي للمشاريع الإنشائية والمراجل وأوعية الضغط، أو مسؤولية رب العمل أو المسؤولية العشرية أو المسؤولية عن العيب في المنتجات أو التأمين الصحي وغيرها.  ونعيد السؤال: هل كان كاتب التوصية يفكر بالإلزام القانوني لشراء وثائق محددة في بعض فروع التأمين أو الإلزام المهني (تأمين المسؤولية المهنية للأطباء والمحامين والمهندسين الاستشاريين والمعماريين وغيرهم من أصحاب المهن)؟

 

تكمن الأهمية الاقتصادية للتأمينات الإلزامية، كما هو معروف، في توفير طلبٍ دائم على الحماية التأمينية، وتشكّل هذه التأمينات ركيزة أساسية لنمو شركات التأمين وازدهار قطاع التأمين، وبالتالي المساهمة في التنمية الاقتصادية.[6]  إعطاء الأولية لهذه التوصية يسجل لصالح من قام بعرضه أو بصياغته.

 

“التوصية الثانية: صدور تشريع بتعديل بأن المادة 81 بفقراتها الثلاثة من قانون رقم (10) لسنة 2005 التعديل بأن يجري التأمين بأستيراد للبضائع الاستيرادية لدى شركات التأمين العراقية خاصة وعامة بدلاً من المنشيء.”

 

نقتبس هنا نص المادة 81 لفائدة القارئ والقارئة.  تتكون المادة 81 من هذا القانون من الفقرات التالية:[7]

 

المادة-81- أولاً- لأي شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص الحق في الاختيار بشراء منتجات التأمين أو خدماته من أي مؤمن أو معيد تأمين ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

 

ثانياً- لا يجوز اجبار شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص على شراء منتجات خدمات التأمين من مؤمن أو معيد تأمين أو وكيل أو وسيط أو مقدم خدمات تأمين محدد، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

 

ثالثاً- يجري التأمين على الأموال العامة والاخطار التي ترغب الوزارات أو دوائر الدولة في التأمين ضدها بالمناقصة العلنية وفقاً لأحكام القانون، ولجميع المؤمنين المجازين في العراق حق الاشتراك فيها.

 

تبدأ التوصية بالدعوة إلى تعديل هذه المادة بفقراتها الثلاثة، لكنها تهمل الفقرتين ثانياً وثالثاً، وذلك بالنص على إجراء التأمين [البحري] على البضائع المستوردة لدى شركات تأمين عراقية خاصة و [أو] عامة بدلاً من التأمين عليها في بلد المنشأ.

 

إن تنظيم استيراد البضائع على أساس الكلفة والشحن C&F (Cost & Freight) بدلاً من الكلفة والتأمين والشحن CIF (Cost, Insurance & Freight) كان هو السائد في الفترة قبل 2003 عند فتح الاعتمادات المستندية مع المصارف.  ومنذ صدور الأمر رقم 10 لسنة 2005 أخذت دوائر الدولة والمستوردين عموماً بتحويل إجراء التأمين على المُصدّر في بلد المنشأ.  وهو ما انتبه له العاملون في شركات التأمين العراقية وخاطبوا دوائر الدولة بشأنها لأنها تحرم شركات التأمين العراقية من فرصة الحصول على أقساط التأمين.  ويأتي هذا الجزء من التوصية استمراراً للمحاولات السابقة من إدارات شركات التأمين لضمان إجراء التأمين البحري على البضائع المستوردة لدى شركات تأمين عراقية مرخصة من قبل ديوان التأمين.

 

إن تعديل الفقرة أولاً يجد تبريره في إلغاء إجراء التأمين على الأموال والمسؤوليات خارج العراق، وهذا ليس بالأمر الغريب إذ أن تشريعات التأمين في معظم دول العالم تنص على التأمين مع شركات تأمين وطنية مرخصة ضمن ولاياتها القضائية.  ولذلك من الضروري أن لا يقتصر التعديل على منع تأمين البضائع المستوردة خارج العراق بل يمتد ليشمل فروع التأمين الأخرى.

 

نأمل من كاتب/كاتبة التوصية الاهتمام أيضاً بالفقرتين ثانياً وثالثاً.

 

“التوصية الثالثة: فتح فروع في أقليم كردستان.”

 

يمكن إدراج هذه التوصية كأحد العناصر الداخلة ضمن مفهوم السوق الفيدرالي (الاتحادي) للتأمين، وهو ما كتبنا عنه غير مرّة وفي سياقات مختلفة.[8]  لقد فشلت المحاولات السابقة من قبل شركات التأمين العامة والخاصة في تأسيس فروع لها في إقليم كوردستان ولأسباب لم تظهر للعلن، ربما كان بعضها يكمن في النزوع القومي لدى حكومة إقليم كوردستان-العراق بتضييق وجود المؤسسات والشركات الاتحادية في الإقليم، وضمان استمرار حصولها الحصري على منافع مالية (إيراد ضريبي وحصة من الأرباح) من وجود ترتيبات تأمينية وضعتها قيد التطبيق في المنافذ الحدودية.

 

ربما يصبح تحقيق هذه التوصية ممكناً بعد تحرك الحكومة الاتحادية لإلغاء نتائج الاستفتاء على استقلال كوردستان-العراق الذي جرى في 25 أيلول 2017 وتأسيس تفاهمات جديدة لإدارة العلاقات بين المركز والإقليم، أي تجسيد مفهوم الفيدرالية على أرض الواقع.  قد تكون هناك حقوق تأمينية للمواطنين الكورد لدى شركات التأمين العامة ما زالت معلقة بانتظار الغلق.  ويرد في بالنا هنا وثائق التأمين على حياة هؤلاء المواطنين.[9]

 

ومن المناسب تطوير هذه التوصية لإعادة النظر ببعض التشريعات التأمينية الصادرة من قبل حكومة إقليم كوردستان للوصول إلى تحقيق سوق اتحادي وطني يخضع لضوابط رقابية موحدة (أي إلغاء الازدواج الرقابي على النشاط التأميني)، وفتح المجال أمام حرية تأسيس الفروع والشركات freedom of establishment وحرية تقديم الخدمات التأمينية freedom to provide service، وتطبيق قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات رقم 52 لسنة 1980 وتعديلاته لحين إعادة النظر بهذا القانون – كما يروّج له الآن لأنه يحرم شركات التأمين الخاصة من الاكتتاب بالـتأمين من حوادث السيارات (الأضرار البدنية بما فيها الوفاة).

 

“التوصية الرابعة: استخدام التقنية التكنولوجية في عملية الاكتتاب والتسعير وتحديد المخاطر.”

 

هذه التوصية ذات طبيعة فضفاضة وتحتاج إلى تعريف لما هو مقصود بالتقنية التكنولوجية.  هل المعني بها استخدام أجهزة الكومبيوتر الحديثة، اعتماداً على البيانات data sets الإحصائية حول الخسائر، والتوزيع الجغرافي لهذه الخسائر، وعدد الوحدات المؤمن عليها أو القابلة للتأمين، والنماذج التسعيرية pricing models الجاهزة، وربما المستوردة من أسواق تأمينية أخرى، ونماذج التنبؤ predictive modelling … الخ؟

 

ثم ما هو مجال تطبيق التقنية التكنولوجية؟  هل هو في مجال التأمين على الحياة والتأمين الصحي أم أنه يراد به فروع التأمين كافة؟

 

من المناسب أن نذكر أن سوق التأمين العراقي اعتمد في معظم تاريخه الحديث على أنظمة تسعير أجنبية حتى في التأمين على الحياة.  ومن المفارقات أن سوق التأمين العراقي لا يمتلك خبراء في العلوم الاكتوارية للمساعدة في التسعير وفي حساب الاحتياطيات وغيرها.[10]  لذلك أرى توسيع هذه التوصية، أو تخصيص توصية مستقلة، للتطبيقات الاكتوارية في العمل التأميني.

 

“التوصية الخامسة: ألاخذ بنظر الاعتبار قيام المستثمرين بالاعمار باجراء التأمين على المشاريع من قبل شركات تأمين عراقية.”

 

نفترض أن المُضمر في هذه التوصية هو إعادة النظر بقانون الاستثمار الاتحادي وقانون الاستثمار في إقليم كوردستان.  أحكام هذين القانونين يتركان حرية التأمين مع شركة تأمين وطنية أو شركة تأمين أجنبية للمستثمر (المادة 11 من قانون الاستثمار الاتحادي رقم 13 لسنة 2006، والمادة السابعة من قانون الاستثمار في إقليم كوردستان-العراق رقم 4 لسنة 2006).  تدل التجربة إلى أن هذا الخيار يترجم نفسه إلى تجاوز شركات التأمين العراقية والتأمين على المشاريع خارج العراق.  ويجد هذا السلوك سنداً له في قانون تنظيم أعمال التأمين رقم 10 لسنة 2005 فإنه هو الآخر ينطوي على فجوات يمكن للمستثمر الأجنبي الاستفادة منها في تجاوز شركات التأمين الوطنية، إذ لا يضم القانون نصاً بإلزام التأمين مع شركة تأمين وطنية مسجلة في العراق ومجازة من قبل ديوان التأمين العراقي (أنظر العرض تحت التوصية الثانية أعلاه).

 

بفضل أحكام قانوني الاستثمار وقانون تنظيم أعمال التأمين رقم 10 لسنة 2005 ربما لم تؤمَّن جميع الاستثمارات الأجنبية مع شركات تأمين وطنية.  ولعل أفضل مثال على ذلك هو مشروع بسمايا السكني الذي تقوم به شركة كورية جنوبية إذ أجرت التأمين البحري والهندسي، كما يُقال، مع شركة تأمين كورية.  وهي بذلك تصرّفت بموجب أحكام القانون ولكن في غير صالح شركات التأمين الوطنية التي حُرمت من فرصة التأمين على هذا المشروع الضخم.

 

من الملاحظ أن حرية التأمين مطلقة لا يحدّ منها القانون العراقي، وليس هناك عقوبات في حالة عدم التأمين مع شركات تأمين وطنية.  قد يجد البعض عذراً للمستثمر الأجنبي بعدم التعامل مع شركات التأمين العراقية لأنه لا يعرف الكثير عن هذه الشركات: متانتها المالية، نوعية خدماتها، قدراتها على تسعير الأعمال الكبيرة وتسوية المطالبات الكبيرة وغيرها من المعايير.  ولأن التأمين مع شركة تأمين وطنية، في رأي المستثمر الأجنبي، ربما ينطوي على عنصر عدم تأكد (فيما يخص نوعية الخدمات التأمينية وتسوية المطالبات بالتعويض بسرعة وبكفاءة) هو في غنىً عنه عندما يقوم بالتأمين مع شركة تأمين في موطنه.  هذا العذر قابل للنقاش ويتوجب على شركات التأمين تفنيده.

 

ترى هل أن هذا (أحكام قانون الاستثمار) هو ما كان يدور في ذهن كاتب التوصية؟  وهل أثير مع رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار الدكتور صلاح رؤوف الأعرجي الذي شارك في المؤتمر؟  (ربما لم يحضر رديفه من إقليم كوردستان العراق لمناقشته في نفس الموضوع).

 

أرى إعادة صياغة هذه التوصية لتضم ما يفيد ضرورة إدراج شرط التأمين في العقود المتعلقة بالاستثمار في العراق، وتحديد أنواع التأمين والنص على التعامل حصراً مع شركات التأمين العراقية.[11]

 

“التوصية السادسة: التنسيق بين الجهات المختصة المسؤولة (البنك المركزي ومركز الابداع لتنمية الشباب والمجتمع ورابطة المصارف وأتحاد رجال الأعمال) وبين ديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية.”

 

لم تحدد التوصية الهدف من التنسيق.  هل هو لتبادل الآراء حول قضايا تأمينية معينة والعمل على إيجاد حلول مرضية لجميع الأطراف المتأثرة بها؟  هل هو لمراجعة تشريعات تأمينية قائمة وتعليمات تتعلق بها، أو اقتراح تشريعات جديدة؟  هل سيرتبط التنسيق بمتابعة من قبل موظف يتفق عليه أو من قبل لجنة تمثل الجهات المختصة والديوان والجمعية؟

 

أقترح أن تتولى جمعية التأمين العراقية الاهتمام بكل ما يتعلق بالتوصيات من حيث الصياغة والنشر والمناقشة والمتابعة.  أقول هذا منعاً لأي لغط محتمل قد ينشأ تجاه “اللجنة” التي تكفّلت بصياغة التوصيات فيما يخص عضويتها والأطراف التي يمثلها الأعضاء، فالجمعية هي الممثل الرسمي لشركات التأمين العاملة في العراق كافة.  يمكن للجمعية اعتبار هذه اللجنة، بعد النظر في توسيع عضويتها، لتكون اللجنة المختصة بالتوصيات.

 

آمل أن تتظافر الجهود الجماعية لممارسي التأمين في العراق لإنجاز مهمة إقناع الدوائر المسؤولة لترجمة هذه التوصيات، بعد إعادة صياغتها، إلى تشريعات مناسبة.  ولذلك فإن الاجتماعات الدورية ضرورية.  وآمل أن تتوّج هذه الاجتماعات بإصدار أوراق لكل موضوع consultation papers توزع لاستشارة ممارسي التأمين وآخرين ممن يتأثرون بالتوصيات، وهو ما تقوم به الهيئات التأمينية في الأسواق المتقدمة.

 

ملاحظة أخيرة

 

كنت أتمنى أن أقرأ بعض التوصيات الأخرى التي ربما خطر على بال كاتب/كاتبة التوصيات، ومنها:

 

— توصية حول تأمين صناعة النفط العراقي في جميع مراحله.

 

— توصية لإطلاق مجلة تأمينية عراقية، ورقية أو إلكترونية، محكمة أو غير محكمة تتجاوز فكرة النشرة الإخبارية.  مثل هذه المجلة يمكن أن تكون منبراً لمناقشة قضايا التأمين العراقي.

 

— توصية للدفع باتجاه استخدام الخبراء الاكتواريين.[12]

 

من رأي إن التوصيات بحاجة إلى من يقوم بكتابة مذكرات وحتى أوراق لتوسيعها وتجسيد الأفكار التي تقوم عليها وتقديم الحجج المناسبة لإقناع صانعي القرار بضرورة تبني وترجمة التوصيات إلى مواد قانونية أو تعليمات مُلزمة.  وكل ذلك يدفع باتجاه رفع مستوى النقاش والكتابة عن الشأن التأميني العراقي.

 

17 آذار/مارس 2018

ملحق

 

كنت قد نشرت ورقة[13] تضمنت ما أسميته بمشروع لصياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق، أنشرها هنا ثانية إذ قد يجد البعض فيه ما يفيد في التفكير ببعض قضايا سوق التأمين العراقي ورسم السياسات المناسبة لتطوير قطاع التأمين.

 

مشروع لصياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق

 

ما يهمنا هو استعادة ما كتبناه في الماضي فيما يخص وضع سياسة مرحلية تجاه النشاط التأميني مع بعض الإضافات الجديدة.  اقترحت الخطوط العامة لهذه السياسة كما يلي كي تتناسب مع الطبيعة العامة لبرنامج سياسي حزبي:

 

يستحق قطاع التأمين اهتماماً خاصاً نظراً للدور “الإنتاجي” الذي يلعبه في التعويض عن الأضرار والخسائر المادية التي تلحق بالأفراد والعوائل والشركات على أنواعها، والدور الاستثماري من خلال تجميع أقساط التأمين.  وسيزداد هذا الدور أهمية مع التطور الاقتصادي والاجتماعي للعراق مع تعاظم حجم أقساط التأمين، وضرورة ضمان استفادة شركات التأمين العامة والخاصة المرخصة بالعمل في العراق من هذه الأقساط إذ أن قدْراً كبيراً من الأقساط يتسرب إلى الخارج.  لذلك يجب العمل الآن على إعادة النظر بقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 لتغيير الرؤية الخاطئة التي يقوم عليها هذا القانون وأحكامه الضارة بالقطاع، ورسم سياسة للقطاع يحول دون التسرب غير القانوني لأقساط التأمين خارج العراق.[14]

 

أما تفاصيل هذه السياسة ووسائل تحقيقيها التي أتيت على ذكرها فهي تضم مع بعض الإضافات الجديدة ما يلي:[15]

 

أولا – توطين التأمين

 

  • اشتراط إجراء التأمين على الأصول المادية والمسؤوليات القانونية الناشئة عنها حصراً لدى شركات تأمين مسجلة لدى الدوائر المختصة في العراق ومجازة من قبل ديوان التأمين العراقي.

 

  • تحريم إجراء التأمين خارج العراق، أي خارج القواعد الرقابية التي يديرها ديوان التأمين العراقي.

 

  • اشتراط ان تكون استيرادات العراق بشروط الكلفة والشحن (سي أند اف – C & F) وليس بشروط الكلفة والتأمين والشحن (سي آي اف -CIF ) عند فتح الاعتمادات المستندية مع المصارف.

 

  • فرض غرامات مالية وغير مالية عند مخالفة شرط التأمين لدى شركات مجازة من قبل ديوان التأمين العراقي على أي طرف عراقي أو أجنبي يعمل في العراق (أي المؤمن له)، وإلزام الطرف المخالف بشراء التأمين من شركة تأمين مسجلة ومجازة في العراق.

 

  • تعزيز الالتزام بهذه الشروط أعلاه وضمان تطبيقها من خلال التنسيق مع الإدارات الجمركية لتقييد إخراج البضائع المستوردة على أنواعها من الموانئ العراقية البرية أو البحرية أو الجوية وذلك باشتراط إبراز وثيقة تأمين أصولية صادرة من شركة تأمين مسجلة ومجازة في العراق.

 

  • عدم تقديم السُلف أو الدفع على الحساب أو إجراء التسوية النهائية لعقود المقاولات دون إبراز وثيقة تأمين أصولية صادرة من شركة تأمين مسجلة ومجازة في العراق.

 

  • النص في عقود الدولة على إجراء التأمين مع شركات تأمين مسجلة ومجازة في العراق. وكذلك وضع نماذج موحدة لشروط التأمين والتعويض في عقود الدولة مع شركات المقاولات العراقية والأجنبية.

 

  • تأمين صناعة النفط والغاز، في جميع مراحلها، لدى شركات التأمين المسجلة في العراق العامة أو الخاصة منها.

 

  • تشجيع تأسيس شركات تأمين كبيرة ذات قدرات مالية قوية وكوادر وظيفية عالية الكفاءة من خلال دمج شركات التأمين الخاصة الصغيرة.

 

ثانياً – تعزيز مؤسسات التأمين

 

  • العمل على ضمان استقلالية ديوان التأمين العراقي رغم تابعيته لوزارة المالية وتكريس مكانته كمؤسسة شبه حكومية، وتعزيز جهازه الفني من خلال التدريب لدى هيئات الرقابة العربية المتمرسة في مصر أو الأردن على سبيل المثل؛ وكذلك ضمان عدم تضارب المصالح بينه وبين شركات التأمين.

 

  • تحسين مستوى الرقابة التي يمارسها ديوان التأمين لضمان عدم تسرب أقساط التأمين، دون وجه حق، إلى الخارج؛ وكذلك التأكد من صحة عقود إعادة التأمين التي تبرمها شركات التأمين الخاضعة لرقابته.
  • المساواة في التعامل مع شركات التأمين العامة والخاصة والوقوف على مسافة واحدة منها من قبل ديوان التأمين وشركة إعادة التأمين العراقية.

 

  • جعل جمعية التأمين العراقية مؤسسة مفتوحة لجميع أعضائها من شركات التأمين، والتأكيد على الهوية غير الحكومية للجمعية، والمساواة بين شركات التأمين العامة والخاصة في تشكيل أجهزة الجمعية، وضمان استقلال عملها، واستكمال كادرها الفني ورفع مستوى البيانات والمطبوعات التي تصدرها.

 

  • تكثيف التدريب المهني للعاملين والعاملات في قطاع التأمين.[16]

 

  • دعم مكانة ودور شركة إعادة التأمين العراقية، أو التفكير بإعادة هيكلتها باستلهام ماضيها في الستينيات والسبعينيات.

 

ثالثاً – تأسيس سوق فيدرالي للتأمين

 

  • معالجة إرث النظام السابق فيما يخص مصالح الأطراف المتضررة وخاصة أولئك الذين هُجّروا بذريعة التبعية، وحل أية إشكالات قائمة بين شركات التأمين العامة وحكومة إقليم كوردستان بغية التمهيد لرجوع فروع شركات التأمين العامة إلى الإقليم، وسماح حكومة الإقليم بتأسيس فروع للشركات العامة والخاصة في الإقليم.

 

  • العمل على تأسيس سوق تأميني فيدرالي موحد من خلال نظام رقابي موحد على النشاط التأميني، لتجنب ازدواجية الرقابة وكلفتها الإدارية والمالية على شركات التأمين، وضمان حرية عمل شركات التأمين في جميع أنحاء العراق.

 

  • اتخاذ خطوات جادة للبدء باستخدام اللغة الكردية في مجال التأمين في إقليم كوردستان.

 

رابعاً – إضافات للمشروع

 

يمكن إضافة عناوين ثانوية أخرى للسياسة التأمينية كالتأسيس لثقافة تأمينية على مستوى المؤسسات والأفراد؛ والتأمين الاجتماعي في مختلف أشكاله ووضع القواعد المناسبة لتمويله؛ والتأمين الصحي ونظام طبيب الأسرة؛ وإعادة النظر في إدارة قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات (القانون رقم 52 لسنة 1980 وتعديلاته)؛ ربط القروض العقارية بالتأمين على الحياة وبأسعار تأمينية لا تثقل كاهل المستقرضين الصغار؛[17] بناء صندوق حكومي للتعويض عن الأضرار المادية التي تلحق بالأفراد نتيجة للكوارث الطبيعية؛[18] دراسة جعل التأمين من الحريق على منشآت الأعمال التي تستخدم عدداً معيناً من العاملين أو رأسمالاً بحد معين إلزامياً، إضافة إلى جعل التأمين على المُنْتَجْات والمسؤولية المهنية فيما يتعلق بالسلع والخدمات المنتجة اجبارياً وذلك لحماية حقوق المستهلك؛[19] وغيرها من الموضوعات.

 

خاتمة

 

يبدو أننا نشهد موسماً جديداً لغياب التأمين في الفكر العراقي.  فقبل فترة قصيرة جرى تداول مشروع قانون شركة النفط الوطنية العراقية ومشروع قانون صندوق الإعمار والتنمية العراقي، وكلا المشروعين أهملا ذكر التأمين في الهيكل التنظيمي المقترح للشركة والصندوق.[20]

 

ربما لم نكن نعير غياب التأمين في برنامج لحزب سياسي عريق مُعد للمناقشة لولا أن الحزب كان قد أبدى اهتماماً في الماضي بالتأمين، وهو ما أثنينا عليه كما جاء في مقدمة هذه المقالة، مثلما رحبت مجلة الثقافة الجديدة مشكورة لانفتاحها على نشر العديد من المقالات حول التأمين.  نأمل أن يسترجع التأمين شيئاً من أهميته في برنامج الحزب الشيوعي العراقي ليكون بذلك أول حزب سياسي عراقي يتبنى موقفاً تجاه مؤسسة التأمين.

 

مصباح كمال

لندن 24 آذار 2016

[1] من المناسب أن نذكر بأن السيدة سهاد الفرطوسي، مُنظمة المؤتمر باسم مركز الإبداع لتنمية الشباب والمجتمع، وجَّهت لي دعوة بتاريخ 12 كانون الأول 2017 للمشاركة في المؤتمر، إلا أنني اعتذرت.

[2] أنظر: مصباح كمال، “محافظ البنك المركزي العراقي وقطاع التأمين،” موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2018/03/’Misbah-Kamal-CBI-Governor-and-Insurance-Sector-final.pdf

[3] راجع تقييمنا ونقدنا لهذا المؤتمر في مقالتنا المنشورة تحت عنوان “نقد “مؤتمر التأمين” وتصريحات وزير المالية” في موقع مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2009/07/28-2009.html

[4] النص مقتبس من رسالة السيد جورج كرم، مدير عام تنفيذي، شركة شط العرب للتأمين، بتاريخ 7 آذار 2018.

[5] مصباح كمال، “التأمين في المنهاج الحكومي – قراءة أولية،” العنوان الفرعي: اعتماد نظام التأمين الصحي للمواطنين كافة وتطبيق نظام طبيب الاسرة:

http://iraqieconomists.net/ar/2014/12/09/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%88%d9%85%d9%8a/

وكذلك:

[5] مصباح كمال، “اغتيال الأطباء في العراق والتأمين من المسؤولية المهنية،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/08/Misbah-Kamal-Medical-Malpractice-and-Insurance.pdf

 

[6] أنظر تعليقنا القصير على “التأمينات الإلزامية وتطور قطاع التأمين” ومناقشتنا لما كتبه الزميل وميض الجراح في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2016/08/06/%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%b2%d8%a7-%d9%85%d8%ac%d9%8a%d8%af-%d8%ae%d8%a7%d9%86-%d8%b3%d9%88%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82/#comments

 

[7] مصباح كمال، “المادة 81 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (الأمر رقم 10): المدخل لتغيير القانون،” الثقافة الجديدة، عدد مزدوج 353-354، كانون الأول 2012

http://www.iraqicp.com/2010-11-21-17-19-16/28074—–353-354—–.html

 

[8] أنظر على سبيل المثل مصباح كمال، التأمين في كوردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، 2014).

 

[9] لا تتوفر لدينا معلومات ملموسة عن مثل هذه القضايا، وليس معروفاً إن قام ورثة المؤمن لهم من الكورد إثارة الموضوع مع شركة التأمين العراقية الني كانت الشركة الوحيدة المتخصصة في أعمال التأمين على الحياة حتى أواخر ثمانينات القرن الماضي.

 

[10] أشرنا لبعض جوانب هذا الموضوع في مقالات سابقة ومنها “الدراسة التخصصية الأكاديمية للتأمين في العراق،” موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

Actuarial and Insurance Studies in Iraq وكذلك في موقع:

https://www.academia.edu/34686636/Academic_Study_of_Insurance_in_Iraq

[11] يمكن البدء بدراسة الموضوع بشكل موسع ونقدي للكشف عما هو في صالح شركات التأمين العراقية وما يحد من دورها بالرجوع إلى تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة 2014 (وهي مبنية على أوامر سلطة الاحتلال)، وشروط المقاولة الصادرة عن وزارة التخطيط لأعمال الهندسة الكهربائية والميكانيكية والكيمياوية، وأعمال الهندسة المدنية.

 

رصدنا مرة عدم قيام شركة عامة بالتأمين على مشروع إنشائي وكتبنا عنه مقالة بعنوان “شركة عامة لا تؤمن على عقودها” منشورة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2016/03/07/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%b4%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d8%a4%d9%85%d9%86-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b9%d9%82%d9%88%d8%af%d9%87/

 

[12] ابتعثت شركة التأمين الوطنية بعضاً من موظفيها للدراسة في بريطانيا إلا أن المعلومات المتوفرة عن نوع الدراسة ونتائجها ليست متوفرة.

[13] “غياب التأمين في برنامج الحزب الشيوعي العراقي المعروض (للمناقشة)، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 382، أيار 2016.  نشرت أيضاً في مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2016/07/382-2016.html

 

[14] جبار عبد الخالق الخزرجي، سعدون الربيعي، فؤاد شمقار، محمد الكبيسي، مصباح كمال، منعم الخفاجي، مساهمة في نقد ومراجعة قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005، تحرير: مصباح كمال، (مكتبة التأمين العراقي، 2013).

 

مصباح كمال، قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014).

 

[15] معظم هذه التفاصيل كانت موضوعات لدراسات ومقالات منشورة في الثقافة الجديدة، شبكة الاقتصاديين العراقيين، مرصد التأمين العراقي ومجلة التأمين العراقي.  سأشير إلى بعضها في الهوامش.

[16] مصباح كمال، التدريب المهني بين الجمعية والديوان: ملاحظات أولية، مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2011/12/03/training-professional-development/

[17] مصباح كمال، برنامج البنك المركزي للقروض الصناعية والزراعية والإسكان ومكانة التأمين، مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2015/09/7-2015-2015.html

 

[18] مصباح كمال، خطر الفيضان في العراق ودور الدولة والتأمين، شبكة الاقتصاديين العراقيين

http://iraqieconomists.net/ar/2014/10/09/

 

[19] مصباح كمال، التأمين في المنهاج الحكومي: قراءة أولية، الثقافة الجديدة، العدد 370، تشرين الثاني 2014، ص 51-63

 

[20] للاطلاع على موقفي من هذا الغياب مشروع قانون شرطة النفط الوطنية العراقية ومشروع قانون صندوق الإعمار والتنمية العراقي راجع:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2016/03/iraq-national-oil-co-draft-law-absence.html

 

http://iraqieconomists.net/ar/2016/03/23/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%ba%d9%8a%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86

 

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2016/03/absence-of-insurance-in-draft-law-on.html

 

http://iraqieconomists.net/ar/2016/03/23/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%ba%d9%8a%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86/

Central Bank of Iraq Governor & Insurance

محافظ البنك المركزي العراقي وقطاع التأمين

 

 

نشرت هذه الورقة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2018/03/’Misbah-Kamal-CBI-Governor-and-Insurance-Sector-final.pdf

 

 

شارك السيد على محسن إسماعيل، محافظ البنك المركزي العراقي، في مؤتمر التأمين العراقي، بغداد، 3 آذار 2018.  قام بتنظيم المؤتمر مركز الإبداع لتنمية الشباب والمجتمع.  وكان ترتيبه الثاني في إلقاء الكلمات (لم نطلع على نص هذه الكلمة أو الكلمات الأخرى التي ألقيت في المؤتمر، ويبدو أنه لم توزع أية أوراق في المؤتمر.  نأمل أن نكتب عن هذا المؤتمر في وقت آخر).

 

سنناقش، باختصار، في هذا التعليق بعض الأفكار التي نقلت عن محافظ البنك المركزي.

 

(1)

نقلت بعض وكالات الأنباء عن المحافظ نتفاً من كلمته ومنها ان “قطاع التأمين يحتاج الى التطور والنمو والعناية من الحكومة ومن داخل القطاع لان دوره محدود اليوم، ليواكب التطورات الاقتصادية للبلد والحاجة إليه في المرحلة المقبلة من النهوض الاقتصادي والاستثمار في العراق.[1]

 

ترى لماذا كانت الحكومة غائبة، كما يبدو، عن تقديم العناية لقطاع التأمين لأزيد من عقد؟  ولماذا يتصف دور القطاع بالمحدودية في الوقت الحاضر؟  هل كان ذلك بسبب بعض الأحكام السلبية والضارة لقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (الأمر رقم 10) الذي كتبته سلطة التحالف المؤقتة؟  أم تنظيم عقود الدولة على أساس سي آي أف CIF، أم إهمال شروط المقاولة لأعمال الهندسة الكهربائية والميكانيكية والكيمياوية وشروط المقاولة لأعمال الهندسة المدنية الصادرة عن وزارة التخطيط؟

 

لماذا ننعى باللائمة على قطاع التأمين ونتناسى قانون الاستثمار الاتحادي وقانون الاستثمار في إقليم كوردستان العراق الذي لا يلزم المستثمر بالتأمين مع شركات تأمين عراقية ويترك الحرية له للتأمين مع شركة تأمين أجنبية أو وطنية، حسب اختياره.  ولماذا لا تنص العقود الإنشائية للدولة دائماً على إجراء التأمين مع شركات تأمين مسجلة في العراق ومرخصة لمزاولة العمل من قبل ديوان التأمين العراقي، مما يعني أن المستثمر حرٌ في التأمين في أي مكان.

 

لا نختلف مع رأي المحافظ أن قطاع التأمين العراقي مطالب لتطوير قدراته في الاكتتاب وفي تسوية التعويضات والنهوض بمستوى الكوادر المهنية وحتى المعرفة اللغوية.  لكن الحكومة ودوائرها الرسمية ومؤسساتها، والشركات الأجنبية ومنها الشركات النفطية العالمية، لم توفر لشركات التأمين العراقية ما يكفي من فرص للتعامل مع المطالب التأمينية لها.

 

(2)

ونقل عن المحافظ أيضاً أن “البنك المركزي كان يمارس الرقابة ويقدم الدعم الى قطاع التأمين لغاية إصدار قانون جديد لشركات التأمين في العراق عام 2012، وهذا الامر ادى بعد ذلك الى انحسار عمل التأمين في العراق وضعفه.”

 

يضم هذا الاقتباس أخطاء في عرض الحقائق وفي المنطق.  فالبنك المركزي لم يمارس الرقابة على قطاع التأمين في الماضي أو في الوقت الحاضر.  المادة 4 من قانون البنك المركزي العراقي، الصادر في 6 آذار 2004، لم يذكر التأمين أو الإشراف عليه أو دعمه ضمن وظائف البنك.[2]

 

ربما انصرف ذهن كاتب النص هنا إلى البند 2 من المادة 4 حيث يرد الآتي:

 

2-بالإضافة الى ذلك، قد يقوم البنك المركزي العراقي باي عمل يعتقده ضروريا 1 لمكافحة غسيل الاموال وتمويل الارهاب و 2 تنظيم والاشراف على شركات الإقراض، وشركات التمويل الجزئي، واي مؤسسات مالية غير مصرفية اخرى لم يتم تنظيمها وفق القانون العراقي.

 

باعتبار أن شركات التأمين هي “مؤسسات مالية غير مصرفية لم يتم تنظيمها وفق القانون العراقي.”  لكن شركات التأمين منظمة وفق قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005.

 

وفيما يخص إصدار قانون جديد لشركات التأمين عام 2012 فإنه مجافٍ للحقيقة لأن قانوناً كهذا لم يصدر.  ولنا أن نسأل هنا: كيف يمكن لهذا الأمر أن يؤدي إلى انحسار عمل التأمين؟

 

إن من نقل هذا الكلام أو من كتبه أصلاً ليُقرأ من قبل محافظ البنك المركزي كان خاطئاً وبحاجة إلى تصحيح رسمي.

 

(3)

وجاء في كلمة محافظ البنك المركزي أن “غياب الوعي التاميني لدى المواطنين أسهم في ضعف قطاع للتأمين وهذا كان بسبب شركات التأمين الحكومية وفي القطاع الخاص، لذا نحتاج اليوم الى توعية المواطنين بمجال التأمين والتركيز على الاطار القانوني للقطاع واعادة هيكلته سواء على المستويين الحكومي او الخاص“.

 

هل حقاً أن غياب الوعي التأميني لدى المواطنين أسهم في ضعف قطاع التأمين.  وإذا كان هذا القول صحيحاً لماذا كان قطاع التأمين قوياً وحتى ريادياً، فيما يخص موقعه في العالم العربي، في أواخر ستينيات وسبعينيات القرن الماضي؟

 

نفترض بأن محافظ البنك المركزي على علم بالتاريخ الاقتصادي للعراق وأن الإنفاق الحكومي كان، تاريخياً، هو المتغير المهيمن على الطلب العام، وأن ازدهار نشاط التأمين أرتبط بالإنفاق على المشاريع النفطية والصناعية وأعمال الهندسة المدنية الكبيرة في فترة ما عرف باسم “التنمية الانفجارية” في سبعينيات القرن الماضي.  لقد شهدت هذه الفترة أكبر طفرة في حجم أقساط التأمين المكتتبة، وخاصة أقساط التأمين البحري-بضائع والتأمين الهندسي، وتعاظم أيضاً حجم أقساط إعادة التأمين التي كانت تكتتب بها شركة إعادة التأمين العراقية بفضل إلزامية إسناد نسبة محددة من محافظ شركة التأمين الوطنية إليها.  وقتها كانت هناك شركة تأمين واحدة تمارس أعمال التأمينات العامة حصراً، وهي شركة التأمين الوطنية (تأسست سنة 1950) وشركة واحدة لإعادة التأمين هي شركة إعادة التأمين العراقية (تأسست سنة 1960).

 

ونفترض أيضاً بأنه يعرف بأن الإنفاق الحكومي ما زال هو المهيمن على الطلب العام في الوقت الحاضر مع فارق أساسي وهو تفاقم ارتباطه بالفساد والزبائنية وتهريب العملة الصعبة؛ وفيما يخص التأمين، فإن هذا الإنفاق لا يترجم نفسه إلى طلب فعّال من قبل مؤسسات الدولة والمقاولين المعتمدين من قبلها على شراء الحماية التأمينية من شركات التأمين العراقية العامة والخاصة.  وقد نشأ هذا الوضع السلبي بسبب أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005، وإهمال التأمين في عقود الدولة، وترك حرية التأمين لدى المستثمر الأجنبي والوطني للتأمين على المشروع الاستثماري لدى شركات التأمين الأجنبية أو الوطنية حسب رغبة المستثمر.

 

مع ذلك، يطرح المحافظ ثلاث قضايا تستحق البحث والدراسة من قبل من يهمهم مصائر قطاع التأمين العراقي:

 

1-توعية المواطنين بدور التأمين.  وهي قضية تطفو على السطح في مناسبات كثيرة، وتركز على دور شركات التأمين في تحقيق وعي تأميني دون التحري عن الأسباب التي تقف وراء اللاوعي التأميني وعدم الإقدام على شراء الحماية التأمينية.

 

2-التركيز على الإطار القانوني للقطاع (مضمونه غير واضح، ولعل البنك المركزي يتولى تقديم رؤية لما هو مطلوب، وهذا ما أرجوه، حتى لا نضيع في العموميات).  ليس معروفاً إن كان هذا يتضمن تقييم وإعادة النظر بقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 أو قوانين أخرى كقانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات رقم 52 لسنة 1980 وتعديلاته.

 

3-إعادة هيكلة شركات التأمين الحكومية والخاصة.  نعرف بأن هناك مشروعاً لدمج شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية، تابعتان للحكومة، وأن المناقشات جارية بين الشركتين للوقوف على آثار الدمج والإجراءات القانونية اللازمة.

 

ليس هناك وضوح فيما يخص مستقبل شركة إعادة التأمين العراقية، التابعة للحكومة.

 

وليس هناك مشروع لتشجيع أو إلزام دمج شركات التأمين الخاصة لخلق كيانات تأمينية أكبر، وهي ضرورية لتحقيق توازن بين الشركتين العامتين والشركات الخاصة.

 

(4)

لقد ركَّز محافظ البنك المركزي في كلمته، كما نُقل عنه في وكالات الأنباء، على أمور تقع في دائرة النقاش العام بين المعنيين بالشأن التأميني ولكن دون الدخول في التفاصيل وبلورة المواقف وتقديم اقتراحات ملموسة.

 

ولكونه مؤتمناً، بحكم وظيفته، على السياسة النقدية كنا نتمنى عليه إغناء المؤتمر من خلال بيان تأثير هذه السياسة على النشاط التأميني كغيرها من الأنشطة الاقتصادية.  فهناك جملة أسئلة تهم العاملين في قطاع التأمين مان من المفيد الإشارة لها على الأقل ومنها، على سبيل المثل، تدني سعر صرف العملة الوطنية وأثره على زيادة كلفة شراء حماية إعادة التأمين من الخارج.  وأثر التضخم الداخلي على الخسارة في قيمة موجودات شركات التأمين، وكذلك هبوط قيمة وثائق التأمين على الحياة (مدخرات المؤمن لهم) وتآكل قيمة الأموال المادية المؤمن عليها وما ينشأ عنها من اختلاف في تسوية مطالبات تعويض الأضرار المادية بسبب التباين في مبالغ التأمين عند ابتداء التأمين وعند تسوية المطالبة.

 

كان بالإمكان الحديث عن مدى الترابط بين المصارف والتأمين والتطورات في مجال ترويج المنتج التأميني من خلال ما يعرف بالتأمين عبر المصارف bancassurance.  مثلما كان بالإمكان طرح قضية الهيئة التي تقوم برقابة النشاط التأميني للمناقشة.  ونعني بهذا إمكانية تحويل الوظيفة الرقابية من ديوان التأمين/وزارة المالية إلى البنك المركزي.

 

(5)

إن هذا المؤتمر، وكما يدل عليه الكلام المنقول عن محافظ البنك المركزي، وكما قال أحد ممارسي التأمين الأجلّاء، كان “استعراضاً جميلاً فقط.”  ستكون لنا وقفة أخرى مع المؤتمر وتقديم قراءة لما سمي بتوصيات المشاركين فيه.

 

مصباح كمال

13 آذار 2018

 

[1] أنظر وكالة أنباء الرأي العام:

https://alrray.org/2018/03/03/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82-%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%8A%D8%AD%D8%AA%D8%A7%D8%AC-%D8%A7%D9%84/

وكذلك الوكالة الوطنية العراقية للأنباء:

https://ninanews.com/News_Details.aspx?wwhPi2C8%252bdEVRYTNUe2e0g%253d%253d

[2] راجع باب الوظائف، المادة 4، من قانون البنك المركزي العراقي باستخدام هذا الرابط:

http://www.iraqld.iq/LoadLawBook.aspx?page=1&SC=070420061119877

NIC as Exclusive Insurer of the Iraqi State

قراءة أولية لمشروع حصر تأمينات الدولة بشركة التأمين الوطنية

 

 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2018/02/21/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%ad%d8%b5%d8%b1-%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a/

 

تقديم

 

كتبت مؤخراً تعليقاً قصيراً حول بعض جوانب قطاع التأمين العراقي اقتبس منه التالي لعلاقته بما أود عرضه في هذه المقالة:

 

إن تعليل ضعف قطاع التأمين العراقي، منذ الحصار الدولي (1990) وحتى الوقت الحاضر، لا يمكن أن يُفسّر بغياب التشريعات المُلزمة للتأمين فقط. في ظني أن القضية بحاجة إلى المزيد من الرصد والتحليل لقوانين التأمين النافذة، وتصرفات مؤسسات الدولة فيما يتعلق بالتأمين، والواقع الاقتصادي والاجتماعي، والموقف من مؤسسة التأمين، وتفعيل ديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية.[1]

 

وقد كتبت بعض مفردات هذا الاقتباس على خلفية همس دائر في سوق التأمين العراقي حول مشروع لإعادة النظر ببعض أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 المعروف بالأمر رقم (10)، وإحياء، أو قل إعادة تفعيل، واحدة من مواد قانون تأسيس شركة التأمين الوطنية.

 

ليست لدينا معلومات موثقة عن هذا الهمس لكن ما وصلنا منه يشير إلى تحرك من قبل أطراف رسمية متمثلة بوزارة المالية وشركة التأمين الوطنية ومستشاري رئيس الوزراء لإحداث تغيير سيطال، إن تحقق، بنية سوق التأمين.  (نأمل الحصول على هذه المعلومات لأغراض الدراسة).

 

كتبت قراءتي للمشروع على وجه السرعة، وهي قراءة انتقائية غير مكتملة ربما يستطيع زملاء المهنة مناقشتها والإضافة لها.  اعتذر عن أية هفوات وقصور في العرض.

 

محاولات سابقة لحصر تأمينات الدولة بشركة التأمين الوطنية

 

لقد كانت الإدارات السابقة لشركة التأمين الوطنية تثير بين حين وآخر موضوع حصر جميع معاملات التأمين العائدة للدولة مع شركة التأمين الوطنية اعتماداً على قانون تأسيسها وبعض الضوابط التي تصدر بين حين وآخر حول دعم التعامل مع كيانات الدولة (الاستفادة من خدمات ومنتجات القطاع العام).  وقد بانَ هذا الموقف مع جولة التراخيص النفطية الأولى والثانية وعند التعامل مع الشرط النموذجي للتأمين الذي ارتبط بعقودها (المادة 24).[2]  وقتها اعترضت شركات التأمين الخاصة على محاولة حصر تأمين هذه العقود بشركات التأمين العامة، وأصدر ديوان التأمين كتاباً بتاريخ 10 تشرين الأول 2010 موجهاً لشركة نفط الجنوب يقضي بعدم مشروعية توجيه المقاولين المتعاقدين معها (شركات النفط الأجنبية) بالتعامل حصراً مع شركة التأمين الوطنية لأنه يتعارض مع المادة/ثالثاً من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005.  وباختصار، لم تفلح جهود شركة التأمين الوطنية في حصر تأمين عقود جولات التراخيص معها.  ويأتي التحرك الجديد مدعما بقوة القانون ووزارة المالية ومستشاري رئيس الوزراء، وهو ما يدلّ على وجود تنسيق بين هذه الأطراف ربما لم يكن موجوداً في السابق.

 

 

إعادة صياغة بعض أحكام المادة 81 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005

 

يقوم هذا التحرك على إعادة صياغة بعض أحكام المادة 81 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005.  وهو موضوع ناقشت جوانب منه في دراسة منشورة بعنوان “المادة 81 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (الأمر رقم 10): المدخل لتغيير القانون” وأرى من المفيد اقتباس فقرات منها كونها تلقي ضوءاً على هذا المشروع:

 

المادة 81 وإطلاق حرية التأمين والتناقض القانوني

يرد نص المادة 81 تحت الباب السابع، أحكام متفرقة، الفصل الأول، أحكام عامة، وكما يلي:

 

المادة-81-

 

أولاً- لأي شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص الحق في الاختيار بشراء منتجات التأمين أو خدماته من أي مؤمن أو معيد تأمين ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

 

ثانياً- لا يجوز اجبار شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص على شراء منتجات خدمات التأمين من مؤمن أو معيد تأمين أو وكيل أو وسيط أو مقدم خدمات تأمين محدد، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

 

ثالثاً- يجري التأمين على الأموال العامة والاخطار التي ترغب الوزارات أو دوائر الدولة في التأمين ضدها بالمناقصة العلنية وفقاً لأحكام القانون، ولجميع المؤمنين المجازين في العراق حق الاشتراك فيها.

 

سنغض النظر في هذه المقالة عن الفقرة ثالثاً رغم أهميتها وشكوى البعض من وجودها، وربما نقوم بدراستها في ورقة مستقلة في المستقبل.  ويكفي أن نشير هنا إلى أن هذه الفقرة، خلافاً للفقرتين ثانياً وثالثاً، تذكر حق “جميع المؤمنين المجازين في العراق” الاشتراك في مناقصات التأمين على الأموال العامة.  انطلاقاً من هذه الملاحظة نجد أن الفقرة أولاً لا تشير إلى مؤمنين مجازين في العراق، وكذا الأمر بالنسبة للفقرة ثانياً.  لم تأتِ هذه الصيغة في إغفال ذكر العراق عفواً وفي لحظة غفلة بل من باب التصميم وضمن رؤية لتوجيه الاقتصاد العراقي.  كما نغض النظر عن مدى شرعية قانون تنظيم أعمال التأمين في ضوء اتفاقيات جنيف حول تغيير المحتل الأجنبي لقوانين الدولة المُحتَلّة، ويكفي أن نقول إن هذا القانون لا ينسجم مع اتفاقيات جنيف التي لا تجيز للقوة المحتلة صلاحية تغيير ما هو قائم ما لم يكن هناك تهديداً مباشرا لأمن القوة المحتلة أو أن هناك ضرورة تستوجب التغيير.  وفي هذا السياق فإن النشاط التأميني، في أي من صوره، لم يشكل تهديداً مباشراً أو غير مباشر للاحتلال الأمريكي، ولم تكن هناك ضرورة اقتصادية أو اجتماعية لتغيير القوانين المنظمة للنشاط ما لم ندخل الاعتبارات الإيديولوجية في الحسبان (إعادة تشكيل الاقتصاد العراقي من منظور العقيدة الليبرالية الجديدة)، وفي هذه الحالة فإن الضرورة ليست عراقية، نابعة من متطلبات تنمية الاقتصاد العراقي.

 

المادة 81 ناقصة، كما يلاحظ القارئ، لأنه يخلو من إشارة إلى محل إقامة المؤمن أو معيد الـتأمين أو تسجيله في العراق أو ترخيصه من قبل الديوان ولا القانون الذي تشير إليه هذا المادة، حسب علمنا، نصًّ خلاف ذلك ولم ينشر حتى الآن تعديل للقانون بهذا الشأن.  ويلاحظ أيضاً أن هذه الفقرة تُقرُّ حق الشخص الطبيعي في الاختيار بشراء منتجات التأمين أو خدماته من أي مؤمن أو معيد تأمين دون النص على عراقية المؤمِن أو معيد التأمين (بمعنى تسجيله لدى مسجل الشركات وترخيصه من قبل الديوان).

 

وفّرت المادة 81 الأرضية القانونية لتسريب أقساط التأمين العراقية إلى الخارج من خلال القبول الضمني بالتأمين خارج النظام الرقابي non-admitted insurance وهو ما لا نجد نظيراً له في معظم الانظمة الرقابية على النشاط التأميني في العالم.  وقد كتبتُ في مكان آخر ان “مايك بيكنز، مفوض التأمين في ولاية أركنساس، الذي أعد نص القانون باللغة الإنجليزية، يعرف تماماً القيود المفروضة على حرية شراء التأمين في ولايته وفي الولايات الأخرى للولايات المتحدة.  ومع ذلك أقحم هذه المادة تعبيراً عن العقيدة الليبرالية الجديدة في رفع الضوابط الرقابية.”[3]

 

لقد وفرَّ قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 الغطاء القانوني للتأمين خارج العراق لدى شركات تأمين أجنبية غير مسجلة في العراق وغير مرخصة.  وعدا ذلك فإن القانون يتعارض مع أحكام الدستور الدائم، فقد أكدت المادة 130 من الدستور حول نفاذ القوانين القائمة على الآتي:

 

“تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها، ما لم تُلغَ أو تُعدّلَ، وفقاً لأحكام هذا الدستور.”

 

من التشريعات النافذة ذات العلاقة قرار مجلس قيادة الثورة رقم 192 المؤرخ 3/12/1998 الذي نصَّ في الفقرة ثانياً على أنه

 

“لا يجوز التأمين خارج العراق مباشرة على أشخاص أو أموال موجودة في العراق أو مسؤوليات قد تتحقق فيه.”  (الوقائع العراقية، العدد 3757، ص 618)

 

ويعرف القارئ المُطّلع أن هذا القرار ألغى قانون شركات ووكلاء التامين رقم (49) لسنة 1960 الذي نصّ في المادة 57 على الآتي:

 

“لا يجوز لأي شخص أن يُؤمن خارجَ العراق مباشرةً على أشخاصٍ أو عقاراتٍ أو أموالٍ موجودة في العراق.”

 

ومن النواقص التدوينية لقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 عدم إيراد نص بإلغاء قوانين التأمين السابقة أو الاحتكام إليها في حالات معينة.  هناك إذاً تضاربٌ بين قانون سنة 2005 والقوانين السابقة التي لم تخضع للإلغاء.

إزاء هذا الوضع يصبح ضرورياً القيام بالمراجعة الفنية والقانونية لقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 وإعادة تدوينه فهو صار يُشكّل عنصراً أساسياً في توجيه النشاط التأميني.  إن القانون، في صيغته الحالية، يحجّمُ دور شركات التأمين العراقية.  وقد عرضتُ موقفي من تغيير القانون في مقالتي “نحو مشروع لصياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق” المنشور في مرصد التأمين العراقي وقد أشرت إليه سابقاً.[4]

 

قانون تأسيس شركة التأمين الوطنية واحتكار تأمينات الدولة

 

ما استجد مؤخراً يتضمن إعادة النظر بالبند (أولاً) من المادة (81)، وربط ذلك بقانون تأسيس شركة التأمين الوطنية رقم (56) لسنة 1950.  الأطراف المحركة للموضوع تقول، وهي على حق، إن هذا البند يتعارض مع قانون الشركة الذي ينص في المادة (7) على ما يلي:[5]

 

“على دوائر الحكومة والمؤسسات الرسمية أن تعهد حصراً إلى الشركة بمعاملات التأمين التي تجريها.”

 

الحجة القانونية للأطراف المحركة للموضوع سليمة إذ أن قوانين التأمين السابقة (غير الملغاة) لقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 ما زالت سارية.  وليس في قانون 2005 ما يفيد أن أحكامها تعتبر متفوقة paramount أو لها الصدارة في التطبيق في حال تعارضها مع أحكام قوانين أخرى.  كما أن هناك قاعدة قانونية عامة تقضي بأن الأحكام الخاصة تقيّد الأحكام العامة، أي أن أحكام قانون تأسيس شركة التأمين الوطنية لسنة 1950، في هذه الحالة، تقيد نفاذ أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005.  هذه الأطراف تقف على أرضية صلبة لترويج ودعم دعواها.[6]

 

والسؤال الذي ينهض هنا هو: هل أن ما هو خاص يلغي ما هو عام إذ أن التقييد لا يتضمن الإلغاء؟  وإذا كان الإلغاء ليس وارداً كيف سيتم تقييد أحكام قانون 2005؟  ثم كيف يستقيم هذا الوضع مع المادة 130 من الدستور: “تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها، ما لم تُلغَ أو تُعدّلَ، وفقاً لأحكام هذا الدستور.”  علماً بأن قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 أقر في حزيران 2005 وأقر الدستور في تشرين الأول 2005.  لعل الرجوع إلى مجلس شورى الدولة يفيد في تفسير تضارب الأحكام وإيجاد حلول له.

 

إن نجحت هذه الأطراف في مشروعها فإنه يتطلب تدخل المُشرّع لتغيير أحكام المادة (81) برمتها.

 

بعض آثار المشروع

 

كيف يتساوق المشروع الدائر لحصر تأمينات الدولة ومؤسساتها بشركة التأمين الوطنية مع مشروع التوجه الاقتصادي لحكومات ما بعد 2003، وبإرشادات من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، نحو ما يسمى بتحرير السوق وتعزيز التنافس بين الوحدات الاقتصادية وإعلاء دور القطاع الخاص؟  كيف يمكن حلّ هذا التناقض بين المشروعين: من خلال المحاجّة القانونية أم القرار السياسي؟  ربما ستكشف الأيام القادمة مسار ونتيجة ما أقدمت عليه الأطراف المحركة لقانونية حصر تعاملات التأمين الحكومية بشركة التأمين الوطنية.

 

لو تحقق مشروع حصر تأمينات الدولة بشركة التأمين الوطنية فإن سوق التأمين العراقي ستجابه وضعاً جديداً يحمل معه آثاراً سلبية على شركات التأمين الخاصة ويغير من بنية سوق التأمين (سوق غير متوازن في بنيته يتميز باحتكار القلة).  نزعم أن الطلب الأساسي على الحماية التأمينية خلال العقود الخمسة الماضية كان يأتي من دوائر ومؤسسات الدولة.  إن احتجاز هذا الطلب، بقوة القانون، لشركة تأمين واحدة يعني حرمان شركات التأمين الأخرى من الاكتتاب بهذا الطلب واقتصار اكتتابها بأعمال القطاع الخاص والأفراد.  وهو يعني أيضاً إقصاء التنافس على تأمينات الدولة، وتعميق التفاوت بين الشركة المحتكرة لهذه التأمينات وشركات التأمين الأخرى.

 

إن حصر تأمينات الدولة بشركة تأمين واحدة سيوفر الأرضية لتكوين شركة تأمين عملاقة في قطاع العراقي، كما كتبت في سياق آخر.[7]  “مثل هذه الشركة العملاقة من حيث حجم رأس المال والاستثمارات ودخل أقساط التأمين المكتتبة وعدد الموظفين العاملين فيها وكوادرها الفنية، تجعلها في وضع تنافسي قوي في مواجهة شركات التأمين الخاصة (وهي شركات عراقية وطنية) تؤثر على وجود الأخيرة.”  وبفضل قدراتها تستطيع هذه الشركة “التحكم” في فرض الأسعار والشروط، التي قد لا تستطيع شركات التأمين الصغيرة التنافس معها.

 

وقد يمتد تأثير الحصر ليشمل شركة إعادة التأمين العراقية.  فبفضل زيادة القوة المالية المتوقعة لشركة التأمين الوطنية فإنها تستطيع أن تستغني عن شراء إعادة التأمين الاتفاقي من شركة إعادة التأمين العراقية،[8] إذ أن حجم أعمالها سيكون مصدر جذب لاهتمام معيدي التأمين في العالم ويوفر لها قوة تفاوضية أفضل مع المعيدين.  إحدى النتائج السلبية لهذا الوضع هو احتمال خسارة الإعادة العراقية لأعمال شركة التأمين الوطنية (وهي، سوية مع شركة التأمين العراقية العامة، تشكل في الوقت الحاضر المصدر الأكبر للأعمال التي تكتتب بها الإعادة العراقية) إن قررت التأمين الوطنية تجاوز الإعادة العراقية.  لو تحقق هذا الوضع فإن حجم الاعمال المتبقية لدى الإعادة العراقية سينحصر بأعمال شركات التأمين الخاصة، وهو حجم صغير لا يجذب اهتماماً من معيدي التأمين المحترفين.  وبالتالي سيضعف مكانة الإعادة العراقية وعندها سيتمهد السبيل لتصفيتها أو دمجها مع شركة التأمين الوطنية.[9]

 

ماذا يمكن لشركات التأمين الخاصة أن تقوم به؟

 

المقترحات الأولية التالية تفترض توفر النوايا الحسنة لدى شركات التأمين كافة، والحرص على مصائر قطاع التأمين بكل مكوناته.

 

الاندماج

يمكن لشركات التأمين الخاصة الضعيفة في رأسمالها واحتياطياتها المالية وكوادرها (بعضها أقرب ما تكون إلى شركات عائلية ومصادر رأسمالها مثار تساؤل)، الاندماج مع بعضها[10] مع بعضها لخلق شركات متينة مالياً تعمل على تكوين كوادر متقدمة مؤهلة كي تستطيع التنافس مع شركتي التأمين العامتين على أعمال التأمين (خارج أعمال التأمين العائدة للدولة).  وبفضل الاندماج والعمل على بناء مواردها المالية، من رأس المال والاحتياطيات، تستطيع ترتيب اتفاقيات لإعادة التأمين خاصة بها بشكل مستقل.[11]

 

التوجه نحو التخصص

لو حرمت شركات التأمين الخاصة[12] من فرصة التعامل مع تأمينات الدولة فإن الوضع الجديد قد يدفع البعض منها نحو التخصص بالاكتتاب في فروع معينة للتأمين لاستقطاب طالبي التأمين لهذه الفروع.  على سبيل المثل، التخصص في توفير أشكال مختلفة من التأمين من المسؤولية المهنية أو التأمين الطبي.  لكن ذلك رهن بالقدرات الفنية والمالية وتوفر حماية إعادة التأمين (وهي في الوقت الحاضر ضعيفة وغير مكتملة) إلا أنه يوفر فرصة للشركات الخاصة للارتقاء بمستوى خدماتها وتعزيز متانتها المالية وكوادرها الفنية للإبقاء على حصتها من الاكتتاب بوثائق التأمين الفردية وأعمال القطاع الخاص ومواجهة شركة التأمين الوطنية.

 

المشاركة في التغطية مع شركة التأمين الوطنية

لعبت شركة التأمين الوطنية دوراً قيادياً في قطاع التأمين العراقي، وبإمكانها تطوير هذا الدور من خلال الاكتتاب بالأخطار الكبيرة لدوائر الدولة ومؤسساتها وإشراك نخبة من شركات القطاع الخاص (تتميز بمتانة مالية وطاقم فني) في تغطية مثل هذه الأخطار (coinsurance).  مثل هذه المشاركة توفر الفرصة لتعظيم القدرة الاحتفاظية لسوق التأمين العراقي وتقليص الطلب على شراء حماية إعادة التأمين من الخارج (أي تقليص تصدير العملة الصعبة).  كما أنها توفر فرصة للشركات المشاركة في التغطية لرفع مستوى أدائها ومراكمة التجربة والمعرفة.  يعني ذلك أن شركة التأمين الوطنية تساهم في تطوير قطاع التأمين العراقي.

تقديم صياغات مختلفة لتعديل قوانين التأمين

إلزام دوائر الدولة ومؤسساتها بالتأمين على أعمالها لدى شركة التأمين الوطنية حصراً يلغي أي دور لشركات التأمين الخاصة.  يمكن إعادة النظر بمفهوم الحصرية من خلال تحليل مفردات الأعمال المعروضة للتأمين أو يمكن أن تعرض للتأمين حسب الظروف، وفرز البعض منها للتأمين حصراً مع شركة التأمين الوطنية.  وهنا يرد في البال التأمين على عقود الدولة الإنشائية – وهي أصلاً تتطلب معارف ومهارات فنية اكتتابية ليست متوفرة لدى جميع شركات التأمين في العراق.

 

ممارسة التأثير والتظلم

تستطيع شركات التأمين الخاصة تشكيل جماعة ضغط فيما بينها وتستقطب آخرين لتشكيل رأي موحد بهدف الحفاظ على مكانتها في سوق التأمين العراقي.  ليس معروفاً إن قامت هذه الشركات، منفردة أو مجتمعة، بالتحاور مع الأطراف المحركة لمشروع حصر تأمينات الدولة بشركة التأمين الوطنية للتوصل إلى حلول مرضية لجميع الأطراف.  أو أنها قامت بذلك ولم تعلن عنه.

 

إن لم يكن مثل هذا الحوار ممكناً تستطيع هذه الشركات التشكي لدى الدوائر الحكومية والخاصة ومنها مجلس شورى الدولة والمؤسسات المنظمة لمصالح القطاع الخاص وغيرها.

 

من باب الختام

 

لم تتكشف بعد أسباب تحرك وزارة المالية وشركة التأمين الوطنية ومستشاري رئيس مجلس الوزراء لتعديل بعض مفردات قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 وجعلها منسجمة مع قانون تأسيس شركة التأمين الوطنية لسنة 1950.  قد يكون السبب هو حرص حقيقي على إزالة التعارض بين قوانين التأمين وتشذيبها.  وقد يكون السبب استعادة شركة التأمين الوطنية لمكانتها المقرّة بقانون تأسيسها واستعادة دورها في سنوات ازدهارها بعد تأسيس النظام الجمهوري والممتدة لثمانينيات القرن الماضي.

 

وقد يكون السبب إرسال رسالة قوية إلى شركات التأمين الخاصة التي لا تلتزم بالمعايير الفنية المعهودة والقواعد التنظيمية في مزاولة العمل التأميني، وخلق الأرضية لانسحابها من سوق التأمين كي ينحصر التنافس على الأعمال، خارج أعمال الدولة، بين شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العامة ومجموعة صغيرة وقوية من شركات التأمين الخاصة.  وكذلك تفويت الفرصة على المفسدين في دوائر الدولة ومؤسساتها المسؤولين عن ترتيبات تأمينها.

 

نزعم بأن الأطراف وراء المشروع لم تقم بإصدار ورقة/أوراق لاستدراج الآراء والتعرف عن كثب على آثار المشروع على مكانة شركة التأمين العراقية، وهي شركة عامة، وشركات التأمين الخاصة بضمنها دكاكين التأمين؛ وعلى دور شركة إعادة التأمين العراقية؛ وعلى التطور اللاحق لقطاع التأمين العراقي؛ وبسط تطبيق القانون المعدل على إقليم كوردستان-العراق.  وبذلك لم تتوفر الفرصة لمناقشة مستفيضة، قانونية واقتصادية، للمشروع من قبل المتأثرين به، والاستفادة من هذه الفرصة لصياغة سياسة/رؤية لقطاع التأمين العراقي.

 

هذه تكهنات بانتظار من يقوم بتأييدها أو بيان خطلها.  آمل أن تساهم هذه الورقة في إثارة مناقشة مفتوحة جادة للمشروع بعيداً عن الأهواء والمصالح الضيقة، والأخذ بعين الاعتبار مسألة بناء سوق وطني اتحادي متين.

 

مصباح كمال

20 شباط/فبراير 2018

 

[1] موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، باب التعليقات:

http://iraqieconomists.net/ar/2016/08/06/%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%b2%d8%a7-%d9%85%d8%ac%d9%8a%d8%af-%d8%ae%d8%a7%d9%86-%d8%b3%d9%88%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82/

[2] مصباح كمال، شروط التأمين والتعويض النموذجية في عقود النفط العراقية: ملاحظات حول بعض مفردات هذه الشروط،” مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2010/12/24.html

يمكن قراءة هذا المقال في كتابي وزارة النفط والتأمين: ملاحظات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 54-57.  والكتاب متوفر في مكتبة شبكة الاقتصاديين العراقيين.

 

أنتهز فرصة كتابة هذه الورقة للاعتراف بأنني كنت على خطأ عندما كتبت التالي، صفحة 48:

 

“إن الزعم الذي يتردد بأن شركة التأمين الوطنية التي تملكها الدولة، كونها الأقدم والأكبر في العراق، لها امتياز حصري للاكتتاب بجميع التأمينات المطلوبة بموجب عقود النفط ليس له أساس قانوني أو تعاقدي.”

[3] مصباح كمال، “نحو مشروع لصياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق“، مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2012/08/06/a-policy-for-iraqs-insurance-sector/

 

[4] مصباح كمال، قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014)، ص 171-182.

 

[5] الوقائع العراقية | رقم العدد: 2861 | تاريخ: 23/07/1950.  النص الكامل متوفر في قاعدة التشريعات العراقية:

http://www.iraqld.iq/LoadLawBook.aspx?page=1&SC=&BookID=19077

 

[6] من المفارقات أن شركات التأمين العامة، ومنها شركة التأمين الوطنية، لم تقدم موقفاً تجاه مسودة قانون سنة 2005 عندما اجتمع ممثلوها مع مستشاري سلطة التحالف المؤقتة للاطلاع على مسودة قانون تنظيم أعمال التأمين..

 

[7] مصباح كمال، “عودة إلى مشروع دمج شركات التأمين العامة،” موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين و مجلة التأمين العراقي:

http://iraqieconomists.net/ar/2016/11/19/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%af%d9%85%d8%ac-%d8%b4%d8%b1%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84/

 

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/

 

[8] ليس هناك قانون يلزم شركة التأمين الوطنية وشركات التأمين كافة بإجراء إعادة التأمين مع شركة إعادة التأمين العراقية إذ أن إعادة التأمين الإلزامي لنسبة من محافظ التأمين مع الإعادة العراقية قد ألغي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

 

[9] مشروع دمج شركة التأمين الوطنية العامة وشركة التأمين العراقية العامة الذي تبناه الرئيس السابق وكالة لديوان التأمين لم يتحقق حتى الآن وربما تم تأجيله أو غض النظر عنه.  من يدري، لعل مشروع الدمج يثار ثانية ليشمل هذه المرة دمج شركة إعادة التأمين العراقية العامة مع الشركتين وتكوين شركة تأمين قابضة تقوم بأعمال التأمين المباشر وإعادة التأمين الاتفاقي والاختياري.

 

[10] حول تشجيع الاندماج بين شركات التأمين، كجزء من مشروع وضع سياسات للتأمين، أنظر: مصباح كمال، قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014)، ص 26.  ويمكن قراءتها أيضاً في “السياسات الاقتصادية في العراق والخيارات البديلة: قطاع التأمين نموذجاً،” الثقافة الجديدة، العدد 333-334، 2009 وكذلك مدونة مجلة التأمين العراقي:

http:misbahkamal.blogspot.com/2009/12/2009.html

 

[11] في الوقت الحاضر تقوم شركة إعادة التأمين العراقية بترتيب اتفاقيات إعادة التأمين باسمها لصالح جميع شركات التأمين، العامة والخاصة.  وبفضل دخل أقساط التأمين التي تكتب بها الشركتين العامتين تستفيد معظم شركات التأمين الخاصة من هذه الاتفاقيات.

 

[12] ليس معروفاً ماذا سيكون وضع شركة التأمين العراقية العامة في حال حصر تأمينات الدولة بشركة التأمين الوطنية.

Autonomous Vehicles and the Need for Insurance

هل ستلغي سيارات النقل الآلية الحاجة إلى التأمين؟

 

 

نشر أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

مصباح كمال*: هل ستلغي سيارات النقل الآلية الحاجة إلى التأمين؟

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2018/01/Misbah-Kamal-Insurance-for-Driverless-Cars-Final.pdf

 

 

  • تقديم

 

نشر الأستاذ محمد عارف، مستشار في العلوم والتكنولوجيا، مقالاً[1] طريفاً وغنياً عن قوة المعلومات الإلكترونية وآثارها المتوقعة على بعض مظاهر الحياة.  ما يهمنا في مقاله ما له علاقة بالتأمين وتوقع إفلاس خدماته في المستقبل، وقد جاء ذلك في السياق التالي:

 

وتتضح قوة المعلومات التي تتحكم بها «غوغل» وتقدمها من خلال صور وخرائط شوارع تنقلها الأقمار الصناعية المستخدمة في السيارات أو الزوارق، كما تقدم لكل من يستخدم برنامجها في سيارته خرائط فورية لبلوغ هدفه في مدينة قد يدخلها لأول مرة.  هذه البرمجيات جعلت شركة التاكسي «أوبر» أكبر خدمة تاكسي في العالم من دون أن تملك سيارة، فهي مجرد أداة برمجيات، وسوّاقها كل راغب يملك سيارة بمواصفات تشترطها «أوبر».

 

وأنظمة النقل الآلية التي تطورها «غوغل» و«تسلا» ستلغي الملكية الفردية للسيارات، ومعها شركات تأمينها، وإجازات سياقتها، أي إفلاس إحدى أكبر شركات الخدمات في العالم.

 

نحاول في هذه الورقة تقديم بعض التعليقات المختصرة بشأن أطروحة انتفاء الحاجة للتأمين على السيارات التي تعتمد على البرمجيات الإلكترونية/العقل الاصطناعي.

 

  • بعض الآثار العامة لأنظمة النقل الآلية

 

أنظمة النقل الآلية ستؤثر بشكل كبير على الطلب على الوقود الاحفوري إذ أنها ستعتمد على عمل بطاريات تشحن بالكهرباء أو بطاريات معمرة أو تعمل بالطاقة الشمسية.  كما أنها قد تستدعي مراجعة قوانين المرور في الطرق العامة.

 

قد تلغي أنظمة النقل الآلية الملكية الفردية للسيارات ولكن ربما تقوم شركات معينة باحتكار ملكية السيارات وتقوم ببيع خدماتها إلى من هم بحاجة إليها.  من هنا تنشأ الحاجة إلى اتفاق/عقد خدمات بين الشركة المالكة لهذه الأنظمة ومستخدميها من الأفراد، ما لم تكن هناك حافلات نقل آلية عامة والتي لا تفترض وجود “عقد” بين الراكب والناقل (يظل الناقل محكوماً بمتطلبات المسؤولية المدنية تجاه الأطراف الثالثة، وضمان السلامة الإلكترونية والميكانيكية لواسطة النقل).

 

  • أطروحة انتفاء الحاجة للتأمين

 

تفترض مقولة انتفاء الحاجة إلى التأمين أن أنظمة النقل الآلية (ذاتية القيادة، أي بدون سائق) سوف لن تكون عرضة لحوادث قد تسبب أضراراً بدنية ومادية، أي أن هذه الأنظمة لا تنطوي على مخاطر لأن أنظمة النقل الآلية تلغي الخطأ البشري في القيادة (والمعروف أن معظم حوادث السيارات هي نتيجة لخطأ بشري)، وعندما لا يكون هناك احتمال لقيام المخاطر تنتفي الحاجة إلى حماية التأمين من آثار المخاطر.

 

  • بعض الآثار التأمينية لأجهزة النقل الآلية

 

من الآثار المتوقعة لشيوع استخدام سيارات بدون سائق driverless cars القضاء على، أو قل الحد من، الغش في مطالبات التعويض (اصطناع المطالبة) إذ أن كل سيارة سوف تضم أجهزة كمبيوتر متطورة للغاية، ربما كتلك الموجودة على متن الطائرات، تسجل ما يجري للسيارة مثلما تقود حركة السيارة.

 

لكن هذه التقنية المتطورة قد تكون عرضة إلى اختراق أجهزة الكمبيوتر على متن السيارات عن بعد من قبل قراصنة – أي ظهور “جرائم السيارات السِيبرانية” التي تهدف إلى الحصول على فدية مقابل إطلاق السيارة المستولى عليها سيبرانياً.  ويمكن لهذه الجرائم أن تأخذ شكل زيادة سرعة السيارة، من قبل قراصنة هواة أو غيرهم، فوق الحد المقرر لها أصلاً، وبذلك يخلقون الأرضية لحالات تصادم مع سيارات أخرى أو الخروج عن مسار الطريق وإلحاق الأذى بالمارة أو بممتلكات الأطراف الثالثة على جانبي الطريق.  ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التأمين.

 

إذا فشلت السيارة ذاتية القيادة في التعامل مع حالة الطريق (سيارات أخرى، الدراجات الهوائية، المارّة …الخ) لأي سبب من الأسباب، وأدى هذا الفشل إلى وقوع حادث فإن مستخدمي السيارة لن يكونوا مسؤولين عن حادث لم، وربما لن، يتمكنوا من منعه.  المسؤولية هنا تقع على مُشغّل السيارة عن بعد أو صانع السيارة، وإن قامت شركة التأمين بتعويض المتضررين من الحادث فإنها تسترد مبلغ التعويض وتكاليف تسوية المطالبة من الجهة المسؤولة (المُشغل أو الشركة الصانعة للسيارة).

 

ومن آثار هذه الأنظمة أيضاً، بفضل التكنولوجيا الإلكترونية الداخلة فيها والتي تقلل من حوادث تصادم السيارات، تقليل المطالبات بالتعويض.  لكن المطالبات بالتعويض لن تختفي تماماً بسبب الحاجة للحماية التأمينية من سرقة السيارات والتخريب المتعمد لها.

 

يمكننا القول إن التأمين على هذه الأنظمة لن يختفي بل سيتطور للتجاوب مع معطيات السيارات المسيرة ذاتياً.  فالتكنولوجيا الإلكترونية المتطورة المضادة للتصادم يقلل من عدد وشدة مطالبات التأمين، وبالتالي فإنه يقلّص من التعويضات التي تدفعها شركات التأمين.  وبالنتيجة، تتقلص الحاجة إلى وجود عدد كبير من شركات التأمين في مجال التأمين على السيارات.  لكن التأمين، إضافة لما ذكرنا، ليس متوقعاً أن يختفي تماماً لأسباب، منها الحاجة لتغطية السيارة ضد السرقة أو التخريب المادي لهيكل السيارة أو التخريب الإلكتروني للأجهزة الإلكترونية فيها.

 

ولهذا يمكن القول إن التأمين على السيارات – تلك التي تعتمد على التعاون بين قائدها مع الأجهزة والبرمجيات الإلكترونية الداخلة في متنها computer assisted driving أو تلك التي تعتمد على القيادة الآلية driverless cars – لن يختفي لكنه سيخضع للتطور مع المعطيات الإلكترونية الجديدة.

 

  • تطوير منتجات تأمينية لأجهزة النقل الآلية

 

في بريطانيا، وغيرها من البلدان، يعمل العديد من شركات التأمين على تطوير وابتكار منتجات تأمينية للاستجابة مع طلب متوقع على الحماية التأمينية لأجهزة النقل الآلية (السيارات ذاتية القيادة)، في حين تنشغل شركات أخرى في العمل على تجربة هذه الأجهزة وابتكار البرمجيات الخاصة بها.  وما يهم شركات التأمين هو التأكد من سلامة الأجهزة والبرمجيات المبتكرة، وكذلك تحديد مواطن المسؤولية قدر الإمكان.

 

إن شركات التأمين معنية باحتضان الأخطار، عدم التأكد لدى طالبي التأمين، بطريقتها الخاصة، والتخفيف من نتائج أضرار وخسائر قد تنشأ عنها، وذلك بالتعويض عنها.

 

وفيما يخص أجهزة النقل الآلية فإنها تخلق وضعاً يكاد أن يكون فريداً يقوم على اعتماد أقل على مدخلات السائق (في السيارات التي تستخدم مزيجاً من العنصر البشري ومدخلات التكنولوجيا الإلكترونية) واعتماد أكثر، وربما الاعتماد الوحيد، على تكنولوجيا السيارات المتطورة.  هنا يُثار السؤال: ماذا يحدث عندما تفشل أنظمة الكمبيوتر في السيارة؟  وفي حالة وقوع حادث، هل تقع المسؤولية على السائق أو الأجهزة والبرامج الموجودة في السيارة نفسها؟

 

الحالة في الوقت الحاضر واضحة: تقع المسؤولية في غالبية حوادث السيارات على عاتق السائق.  ومع تطوير الأتمتة، فمن المرجح أن السائق سوف يستمر في تحمل المسؤولية في حال وقوع حادث إذا كان قادراً على التدخل وتجاوز التكنولوجيا والتحكم بالمدخلات الإلكترونية في السيارة.  وهذا الوضع شبيه بما يقوم به قبطان الطائرة عندما يتدخل في قيادة الطائرة لضرورات التعامل مع حالات طارئة.

 

إن توفر فرصة التحكم من قبل سائق السيارة في المدخلات الإلكترونية يخلق معه الحاجة لتطوير نظام تدريبي فعّال للسائقين لضمان حسن استخدام هذه المدخلات للحيلولة دون وقوع الحوادث.  يعني هذا تعديل طريقة تعلم سياقة السيارات، والتي تتطلب تعديلات على الطريقة التقليدية في تعلم واكتساب مهارات السياقة.

 

التحول صوب الأجهزة الآلية للنقل سيغير من تحديد المسؤولية بنقلها من السائق إلى منتج هذه الأجهزة (تأمين المسؤولية عن المنتجات) إذ أن السيارة ستصبح ليس فقط ذاتية القيادة بل مرتبطة connected بجهاز تحكم ينهي دور السائق التقليدي في الإشراف والسيطرة على السيارة.  فالسيارة تقوم باتخاذ قرار تخطيط التحرك من نقطة (أ) للوصول إلى نقطة أخرى (ب) مستخدمة جهاز الكومبيوتر داخل السيارة والمرتبط بالإنترنيت، والمرتبط أيضاً بالسيارات الأخرى.

 

وهكذا، حينما تصبح السيارات مرتبطة على نحو متزايد بالسيارات الأخرى، وعندما تتحول مدخلات التحكم من الإنسان إلى الكومبيوتر، فإن معظم حالات المسؤولية عن الحوادث ستنتقل أيضاً إلى الشركة المنتج لآليات التحكم.

 

  • مزيج المنتجات التأمينية

 

من المؤكد أن السيارات بدون سائق ستعمل على الحد بشكل كبير من عدد الحوادث على الطرق، وتعمل شركات التأمين الكبرى على العمل مع الشركات المصنعة لهذه السيارات والهيئات التنظيمية والقانونية لتسهيل الاعتماد الواسع النطاق لهذه السيارات التي ستغير من نمط الحياة مثلما تحمي الإنسان من التعرض للأضرار والوفاة من حوادث السيارات.

 

قبل التحول إلى الاعتماد على السيارات ذاتية القيادة (تعمل بعقل اصطناعي) ستكون هناك مرحلة انتقالية تجمع بين الاستمرار في استخدام السيارات التقليدية المسيّرة من قبل الإنسان والسيارات المزودة بالبرمجيات التي توفر فرصة التحكم بالقيادة وقت الحاجة قبل التحول إلى السيارات ذاتية القيادة التي تعمل بالعقل الاصطناعي.

 

هذا المزيج من شأنه أن يغير من مزيج المنتجات التأمينية، والعملية الاكتتابية، والتسعير.  هذا وغيره يتطلب إعادة تدريب مكتتبي التأمين ومسوّي الخسائر لاكتساب المعرفة المناسبة للتعامل مع تعقيدات النمط الجديد من النقل، مثلما يتطلب التعامل مع منافسين من خارج قطاع التأمين.

 

  • ما الذي يحمله المستقبل لصناعة التأمين على السيارات ذاتية القيادة؟

 

إن سرعة التطور في استخدامات العقل الاصطناعي هائلة، ولذلك من الممكن أن نرى التحول سريعاً صوب السيارات ذاتية القيادة المستقلة تماماً عن تدخل الإنسان.  ومن المحتمل أن يتم نقل المخاطر من السائق إلى الشركة المصنعة للسيارات ذلك لأن أي حوادث لهذه السيارات أو ناشئة عنها ستكون بسبب مشكلة في البرمجيات المتحكمة باستخدام السيارات، وهذه يمكن تغطيتها بموجب نموذج مطور من وثيقة المسؤولية عن المنتج.

 

من النتائج المترتبة على هذا التطور في تأمين السيارات خطر تراكم كبير في مطالبات التعويض عند فشل البرمجيات في أعداد كبيرة من السيارات، أو في حالة اختراق سيبراني لعدد كبير من السيارات في وقت واحد، مما يؤدي إلى مطالبة كبيرة ناتجة عن حدث واحد.  وهذه تستدعي القيام بدراسات تحليلية جديدة.

 

وثمة مسألة أخرى هي أن وثائق التأمين على المسؤولية عن المنتجات لا تفي بالغرض في الوقت الراهن.  لذلك، فإن شركات التأمين ستحتاج إلى إعادة صياغة وثيقة تأمين المسؤولية عن المُنتج أو تصميم وثيقة جديدة.

 

ويجري الحديث في بريطانيا عن خطط للمضي قدماً في مقترحات لتطوير نموذج واحد لتأمين السيارات المستقلة التي تعتمد على البرمجيات والعقل الاصطناعي يغطي كلاً من السائق والسيارة عندما تكون السيارة مستقلة تماماً.

 

وهناك توافق متزايد في الآراء على توقع حدوث انكماش في طلب التأمين على السيارات في المستقبل حتى مع انخفاض الأقساط وانخفاض معدل تكرار الحوادث.  ومع ذلك، فإن السيارات ذاتية القيادة تحتاج إلى تأمين، مما يفرِض على شركات التأمين تطوير منتجاتها التأمينية للحوادث العرضية التي تنشأ من استخدام أجهزة النقل الآلية بدلاً من التفرج على انتقال التأمين إلى الشركات المصنعة (منافسين من خارج قطاع التأمين).  وهذ الانتقال قد يتحقق فقد جاء في الأخبار أن شركة تيسلا ترغب في عرض سعر واحد للسيارة والصيانة والتأمين.[2]  ومن المرجح أن تنشأ منافسة قوية في هذا المجال مثلما قد تنشأ الفرص لتعاون الشركات المصنعة للسيارات مع شركات التأمين بفضل المعرفة والخبرة العميقة المتراكمة لدى شركات التأمين.

 

  • استجابة التأمين للتحولات

 

لقد خلقت الثورة الصناعية في الماضي مصادر جديدة ومتنوعة للأخطار، أبرزها تلك التي تؤدي إلى الحريق والانفجار والعطب الميكانيكي وكذلك الكهربائي.  وقد استجابت صناعة التأمين لها بالتعويض عن الخسائر المادية لضمان ديمومة إنتاج الشركات.  وقد واكب التأمين التطورات اللاحقة في الفكر الاجتماعي والاشتراكي منه بنوع خاص في إدخال أشكال من الضمان الاجتماعي، والتأمين على إصابات العمال، وما يلحق بالأطراف الثالثة من أضرار بدنية ومادية، مثلما استجاب للتأمين على إدخال السيارة في الطرقات العامة (أول وثيقة تأمين على السيارات صدرت في سوق تأمين لويدز في لندن سنة 1904)[3].  وتطور التأمين مع تطور الوعي بالحقوق، على مستوى الأفراد والشركات، وتطور الصناعات الحديثة، ومنها تأمين الأقمار الصناعية وأجهزة الكومبيوتر وما أرتبط بالفضاء السيبراني.  وسوف تستجيب صناعة التأمين لما تجلبه معها أجهزة النقل الآلية من أخطار منظورة وأخرى غير منظورة تنكشف مع مرور الزمن.

 

لن يكون قطاع التأمين العراقي بعيداً عن هذه التحولات، سواء من حيث إدخال أجهزة النقل الآلية أو شروط التأمين عليها فالتاريخ يشهد بأنه اقتبس منتجات التأمين من مصادرها في الغرب وطوّع بعضها لتتلائم مع الشرط العراقي.

 

21 كانون الثاني 2018

[1] محمد عارف، “عقل أمريكا والصين،” جريدة الاتحاد الإماراتية: http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=97251

[2] Tesla wants to offer vehicles with one price, including insurance and maintenance

https://techcrunch.com/2017/02/22/tesla-wants-to-offer-vehicles-with-one-price-including-insurance-and-maintenance/

للتعريف بشركة تيسلا، شركة أمريكية، أنظر ويكيبيديا:

https://en.wikipedia.org/wiki/Tesla,_Inc.

[3] تضم هذه الدراسة معلومات قيمة عن السيارات ذاتية القيادة وتأمينها

Lloyd’s, Autonomous Vehicles: Handing Over Control: Opportunities and Risks

For Insurance (London, 2014).

file:///C:/Users/Misbah%20Kamal/Downloads/Autonomous%20Vehicles%20FINAL.pdf

Insuring the Electronic Government Project in Iraq-comment on a news item

التأمين على مشروع الحكومة الإلكترونية في العراق: تعليق على خبر صحفي

 

 

مصباح كمال

 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/12/Cyber-Insurance-Electronic-Government-Iraq.pdf

 

(1)

قرأت مؤخراً خبراً بأن وزارة المواصلات باشرت “بتنفيذ مراحل مشروع “الحكومة الالكترونية”، الذي يربط دوائر الدولة ببعضها عبر شبكة انترنت عنكبوتية …”[1]  وجاء في الخبر أيضاً

 

إن دائرة العلاقات تقوم بتنفيذ الأعمال المدنية لهذا المشروع منذ فترة، وهي مد وربط كل الوزارات بالكابل الضوئي ومن اتجاهين بسعة 48 شعيرة جهزت من قبل شركة ديالى للصناعات الكهربائية ” منتج وطني” وكذلك تقوم بأعمال حفر أخدود بعمق 35 سم وعرض 10 سم ومد (ديوريلاين) تمهيدا لمد هذه الكابلات، كما أنها تلتزم بإنجاز العمل خلال 180 يوم عمل بدأت المباشرة بها في 19/11/2017 من قبل خمس مجاميع عمل متكاملة …

 

هذا الجزء من الخبر يختص بإنشاء البنية التحتية للمشروع.  لم يرد في هذا الخبر ذكر لكلفة هذا المشروع، ومصادر تمويله؛ كما لم يرد أي إشارة لتأمين المشروع أثناء الإنشاء والاختبار والتشغيل.  ونفترض أن وزارة المواصلات حريصة على شراء الحماية التأمينية وربما قامت بشراء الحماية الضرورية (وثيقة تأمين كافة أخطار النصب بضمنها تأمين المسؤولية المدنية تجاه الغير) من شركة تأمين عراقية.  وأنها ستعمل على شراء وثيقة تأمين المشروع بعد إنجازه ووضعه قيد التشغيل (على سبيل المثل، وثيقة تأمين ضد الحريق، وثيقة تأمين الأجهزة والمعدات الكهربائية والإلكترونية، أو وثيقة تأمين جميع أخطار الممتلكات شاملة خطر الحريق والأخطار المضمونة بوثيقة الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، وكذلك وثيقة تأمين المسؤولية المدنية).

 

اللجوء إلى شراء مثل هذه الوثائق هو من مسلمات إدارة الخطر، فبعد تشخيص مصادر الخطر التي قد يتعرض له المشروع، وتقدير تأثيرها على الوضع المالي لصاحب المشروع، واتخاذ الاحتياطيات والإجراءات الهندسية المناسبة للحيلولة دون وقوع خطر منظور أو التخفيف من آثاره عند وقوعه، يتم اللجوء إلى آلية التأمين لنقل عبء الخطر (الخسارة أو الضرر المادي العرضي والفجائي) إلى شركة التأمين لقاء قسط معلوم مسبقاً.

 

(2)

كما جاء في الخبر، نقلاً عن الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي

 

في البداية ستحارب بعض المافيات هذا المشروع لأنه سيلغي نسب دخلهم المتأتية من الفساد، ومن الممكن ان يحدثوا خللاً متعمداً في النظام حتى يضطر المواطن لمراجعة الدوائر، لكن في النهاية سيقر المشروع، ناهيك عن تقليله للازدحامات …

 

ما يثير الانتباه هنا الإشارة إلى وجود مافيات تعمل على محاربة المشروع، بعد إكماله، لأنه سيلغي “نسب دخلهم المتأتية من الفساد، ومن الممكن أن يحدثوا خللاً متعمداً في النظام.”  يمكننا ترجمة ما ذكره الخبير تأمينياً: المافيات- قراصنة الأنظمة الإلكترونية (الهاكرز hackers) وغيرهم كما سنوضح في نهاية التعليق، وأدوات التسلل والاختراق المستخدمة من قبلهم للابتزاز والحصول على الفدية (البرمجيات الخبيثة malware، ransomware).

 

ترى هل قامت وزارة المواصلات بدراسات معمقة عن مدى الفرص المنظورة للقرصنة الإلكترونية وسبل التحوط منها لضمان استمرار تشغيل الأجهزة الإلكترونية، وهل قامت بتدريب فريق متخصص لمحاربة القرصنة، أو أنها تستطيع استدعاء الخبراء بسهولة للتعامل مع آثار القرصنة المادية والمالية؟

 

ينطبق هذا التساؤل على القطاع النفطي أيضاً.  وحسب المعلومات المتوفرة فإن شركات القطاع النفطي لا تشتري وثائق لتأمين الأخطار السيبرانية التي قد تتعرض لها.  ولكن من المفيد هنا التذكير بالفيروس الإلكتروني (شمعون) الذي عطَّل 35,000 كومبيوتر في شركة أرامكو السعودية (آب 2012) الذي أرجع عمليات إدارة الإنتاج والتوزيع وغيرها إلى تقنيات سبعينيات القرن الماضي.

 

(3)

في حزيران 2017 نشرت لي شبكة الاقتصاديين العراقيين مقالاً عن تأمين الأخطار السِبرانية[2] إلا أنه لم يلقَ اهتماماً سوى تعليق واحد للأستاذ فاروق يونس.  ولعله من المفيد للقارئ المهتم الرجوع إلى المقال والتعليق لأنني لا أنوي إثقال التعليق الحالي بالشرح، واكتفي، إكمالاً لذلك المقال، بتقديم بعض الإيضاحات السريعة حول أنماط المافيات/القراصنة.

 

يمكن الاقتراب من تصنيف قراصنة ومجرمي الفضاء السيبراني كالآتي:

 

الهاكرز hackers- قد يكون هؤلاء هواة من الأفراد، أو جماعات تعمل معاً، دوافعها للتخريب ليست واضحة دائماً.

 

الهاكرز المسيسون أو المتطرفون hacktivist- وهم أصحاب قضية دوافعها قد تكون سياسية إضافة إلى دوافع أخرى، وقد تركّز على اختراق الأنظمة الحكومية أو مؤسسة معينة، ولا تتطلع إلى تحقيق مكسب مالي.  وقد يعمل البعض منها لصالح حكومة معينة ضد حكومة أخرى.[3]

 

المجرمون المحترفون professional criminals- وهم أقرب إلى الجريمة المنظمة، يعملون بجدية على اختراق أنظمة البيانات الإلكترونية وتحقيق مكاسب مالية من خلال الفدية.

 

جواسيس الصناعة industrial espionage- وهؤلاء معنيون بسرقة المعلومات من الغير لأغراض الحدّ من المنافسة أو غيرها.

 

المستخدمون الساخطون disgruntled employees- معظم هؤلاء لهم القدرة للوصول إلى بيانات الشركة أو المؤسسة الرسمية التي يعملون فيها، وبذلك فإنهم يشكلون خطراً جدياً قد يصل، بسبب نقمتهم، إلى حد تزويد جهات خارجية بما لديهم من معلومات.

 

ولنا أن نضيف إلى هؤلاء الأخطاء التي قد يتسبب بها المستخدمون في الشركة أو المؤسسة أو أطراف أخرى (مجهزون، مقاولون ثانويون) تعمل لديها.

 

قد يقول قائل إن العراق هو في أول عهده بالنظام السيبراني وإنه لا يحتاج إلى حماية تأمينية لإن الدولة قادرة على تمويل أية خسائر قد تحصل في هذا المجال.  وهو قول لا يعنى بالآثار المالية لإنفاق الدولة على تمويل الخسائر الطبيعية وغيرها، كما حاولنا تبيانه في مقالة سابقة.[4]  التجربة العالمية تبين أن الكلفة الاقتصادية للجرائم السيبرانية عالية جداً، ويمكن الرجوع إلى بعض الدراسات المهمة بهذا الشأن للتعرف على حجم هذه الكلفة وضرورة التأمين عليها.[5]

 

(4)

إن موضوع الأخطار السيبرانية واللوائح التنظيمية المستنبطة لإدارتها والحد من آثارها آخذ بالتطور وخاصة في الدول المتقدمة.  وقد أخذ التأمين يساير هذا التطور بفضل نمو الخبرة المتراكمة لدى المكتتبين ووسطاء التأمين ومسوّي الخسائر، سواء في مجال صياغة نصوص وثائق التأمين أو تسوية المطالبات بالتعويض.  وقد ارتبط هذا التطور ببروز دور الشركات المتخصصة في توفير الأمن للمنظومات الإلكترونية وفي التعاطي مع الاختراقات وعمليات الابتزاز والحدّ من توسع آثار هذه العمليات.

 

أزعم أن قطاع التأمين العراقي بعيد عن هذه التطورات لكنني أتمنى على زملاء المهنة في القطاع الاهتمام بهذا الموضوع والإعداد له والترويج لوثائق التأمين المناسبة لتغطية الأخطار السيبرانية.

 

22 كانون الأول 2017

[1] لقراءة النص الكامل للخبر، راجع جريدة المدى، 19 كانون الأول 2017:

http://www.almadapaper.net/ar/news/540244/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%A8%D8%AF%D8%A3-%D8%AA%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9

[2] مصباح كمال، “التأمين على الأخطار السِيبرانية،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2017/06/03/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d8%b7%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%90%d9%8a%d8%a8/

وأعيد نشرها في مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2017/06/insuring-cyber-risks.html

 

[3] خير مثال على ذلك البرمجيات الخبيثة المعزوة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل في تعطيل البرنامج النووي لإيران.  المصادر متوفرة في الشبكة العنكبوتية ومنها: https://en.wikipedia.org/wiki/Stuxnet  وكذلك:

http://www.bbc.com/arabic/scienceandtech/2010/09/100923_iran_malware_tc2

 

[4] مصباح كمال، “هل هناك تكلفة للاقتصاد عندما يكون التأمين غائباً؟  ملاحظات أولية،” شبكة الاقتصاديين العراقيين

Cost to Economy whre Insurance is Absent

[5] KPMG, Insurance in the Digitalisation and Cyber Era, 2017, p.10.

Victims of Assassination in Iraq’s Insurance Sector & Life Insurance

ضحايا الاغتيالات في قطاع التأمين العراقي والتأمين على الحياة: محاولة في التعريف بهذا التأمين

 

 

نشرت هذه المقالة لأول مرة في مجلة الثقافة الجديدة، العدد 394، تشرين الثاني 2017

 

 

من باب التقديم

 

نشرتُ قبل فترة مقالة عن اغتيال الأطباء في العراق والتأمين من المسؤولية المهنية والقيم العشائرية.[1]  ركّزت المقالة على انزياح التأمين أمام القيم العشائرية، وتهديد واغتيال الأطباء وغياب الحماية التأمينية من المسؤولية عن الأخطاء الطبية.  لم تتناول المقالة ظاهرة الاغتيالات التي ظهرت بعد الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003.  في العهد الدكتاتوري كانت الاغتيالات تهدف إلى التخلص من المعارضين داخل حزب البعث والمعارضين خارجه، داخل العراق وخارجه.[2]  منذ 2003 تغيرت الصورة إذ تداخلت أسباب التخلص من العلماء والأكاديميين والأطباء والصحفيين وغيرهم لتتوزع بين النزعات الطائفية والانتقامية والإجرامية مع إبقاء العراق متخلفاً علمياً وكسيحاً.  لم تتوضح أسباب “مشروع الاغتيالات” حتى الوقت الحاضر رغم التحقيقات الصحفية المهمة المنشورة، فتارة هي “خيار السلفادور،”[3] وتارة هي السياسات المضمرة لدول الجوار ومنها إسرائيل، وتارة أخرى هي النَفس الطائفي الموروث لتسوية ثارات الماضي.

 

ما نتمناه هو أن يقوم أحد المؤرخين، في غياب التحقيق الحكومي الرسمي وسكوت سياسي الصدفة العراقيين وإخفائهم للمعلومات، ببحث هذه الظاهرة بموضوعية.  وليس لنا هنا سوى أن نسأل: كم سنة نحتاج لكي نحصل على عالم وطبيب ومهندس وغيرهم من أصحاب الاختصاص؟  وكم هو الهدر الاقتصادي الناتج عن اغتيال هؤلاء أو دفعهم للهجرة إلى الخارج؟  معظم هؤلاء هم من حَمَلة المعرفة ومن روافد خزين المعارف الوضعية في العراق التي يراد لها أن تجف.

 

سنحاول في هذه الورقة عرض خسارة قطاع التأمين من ضحايا الاغتيالات والقتل العمدي، ونماذج من وثائق التأمين على الحياة، المستخدمة في العراق، التي توفر مورداً مالياً لورثة الضحايا، ونعرض في ملحق التساؤل الذي يقول بأن التأمين على الحياة يحفز على القتل [قتل المؤمن عليه].

 

الأطروحة الأساسية المضمرة في هذه الورقة هي أن التأمين على الحياة أداة حضارية لتوفير مورد مالي للورثة أو ادخار لمشروع عائلي.  وهي أطروحة بانتظار من يقوم بدراستها.

 

خسارة قطاع التأمين من ضحايا الاغتيالات

 

لم تقتصر خسارة الاغتيالات والقتل على قطاع معين، وما اختيارنا لقطاع التأمين سوى معرفتنا القليلة به وجهلنا بغيرها من القطاعات.

 

لقد خسر قطاع التأمين العراقي عدداً من ممارسيه خلال فترة التهجير الأولى للكرد الفيلية، 1970-1971 بحجة التبعية الإيرانية،[4] ولم تخضع هذه الخسارة إلى التوثيق.  كما خسر أيضاً خلال فترة الاقتتال الطائفي عندما كان العراق تحت الاحتلال الأمريكي إذ صار البعض من أسرة التأمين من جملة المئات من ضحايا الاغتيالات، وانتهى غيرهم من الكفاءات في دول المهجر.[5]  ربما تعرَّض غيرهم إلى عجز كلي أو جزئي نتيجة لأعمال إرهابية أو لعمليات عسكرية.  وليس هناك معلومات إن كان هؤلاء يحملون وثائق تأمين للحوادث الشخصية التي كانت ستوفر بعض التعويض لما أصابهم.  لا نعرف أسماء كل الممارسين من ضحايا الطائفية أو القوات الأمريكية المحتلة ومرتزقتها لكننا استطعنا، بفضل مساعدة بعض الزملاء، رصد الأسماء أدناه ولعل زملاؤنا يوفرون المزيد من المعلومات عنهم وأسماء غيرهم من الضحايا:

 

  • ضرغام الغضنفري، كان مديراً للرقابة للداخلية في شركة التأمين الوطنية، قتل في 10 كانون الثاني 2008 في حادثة تفجير إرهابي في منطقة زيّونه في بغداد وهو يقدّم العزاء لأحدى العوائل.[6]
  • عبد الكاظم ابو جودت، مدير قسم التسويق، شركة التأمين الوطنية، اغتيل بعد سقوط النظام سنة 2003.  وقد جاء إلى الشركة لأسباب سياسية من خارج قطاع التأمين، لكنه كان بسيطاً في تعامله مع العاملين معه في الشركة.[7]
  • عدنان الربيعي، مدير عام شركة التأمين الوطنية، 11 أيلول 2005-21 تشرين الأول 2005 (كان يحمل شهادة ماجستير من جامعة ليدز في بريطانيا).
  • عماد الفرعون، محامي في شركة التأمين الوطنية.[8]
  • محمد حسين جعفر، مدير عام شركة التأمين الوطنية، 20 تشرين الثاني 1996-30 أيلول 2001.[9]
  • منذر حميد حسين العاني، مدير فرع تأمين السيارات في شركة التأمين الوطنية.  قُتل من قبل جنود أمريكان في الأيام الأولى من الغزو الأمريكي للعراق في آذار 2003.[10]
  • منقذ جميل روحي، عمل في شركة التأمين الوطنية، وبعدها مديراً مفوضاً لشركة الأمين للتأمين.

 

لقد ذكرنا هذه الأسماء دون أن نهتم بالبحث عن الانتماء السياسي أو الحزبي أو الديني أو القومي لأصحابها ذلك لأنهم اغتيلوا/قتلوا خارج سلطة القانون، أي اعتماداً على شريعة الغاب، وشريعة الانتقام الدينية، التي لا تبني دولة عصرية.  لا نعرف على وجه الدقة كيف صاروا ضحايا لأعمال عمدية على يد القوات الأمريكية ومرتزقتها وعلى يد ثلّة من ضحايا الأمس (ممن تعرض لعسف النظام الدكتاتوري السابق) الذين تحولوا إلى جلاّدين لتصفية الخصوم لأسباب طائفية، أو عشائرية، أو حزبية أو فكرية.  المهم هو أنهم بشر، من لحم ودم، يستحقون أن يذكروا بأسمائهم بدلاً من أن يضيعوا بين الأرقام المجردة للضحايا.

 

ربما لا يخطر على البال أن وثيقة التأمين على الحياة تدفع التعويض عند وفاة المؤمن عليه بسبب الأعمال الحربية والإرهابية للمستفيدين المحددين في وثيقة التأمين أو لورثته.  وقد حاولنا الحصول على معلومات عن ترتيب هؤلاء لوثائق للتأمين على حياتهم لكننا لم ننجح.  لو كان لهؤلاء وثائق للتأمين على حياتهم لكان بإمكان أسرهم الاستفادة من المنافع المالية التي توفرها هذه الوثائق للإبقاء على مستوى مقبول من العيش بعد فَقْد المُعيل.

 

هناك تعويض من قبل الدولة بموجب القانون رقم (20) لسنة 2009، قانون تعويض المتضررين جراء العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية،[11] إلا أن هذا القانون لا يلغي دور التعويض من خلال وثائق التأمين على الحياة وذلك لأن التعويض القانوني ربما لا يكون كافياً، ولأن التأمين على الحياة لا يتعارض مع هذا القانون.  ففي التأمين على الحياة، خلافاً لوثائق التأمين الأخرى التي تقوم على مبدأ اعادة المؤمن له الى سابق وضعه قبل تعرضه لحادث قدْر الإمكان وتحريم الاسترباح من التأمين، يمكن للمرء أن يستفيد من أكثر من وثيقة للتأمين على حياته طالما هو قادر على تسديد أقساط الوثيقتين، وهذا نابع من حُرمة الحياة وحقيقة أن استعادة الحياة (إرجاع المؤمن عليه إلى وضعه قبل الوفاة) مستحيلة.

 

الانتفاع من وثيقتين أو أكثر من وثائق التأمين على الحياة[12] ليس متيسراً لعموم الناس فالفقراء والفئات المهمشة، وهم يعدون بالملايين في العراق، غير قادرين على شراء التأمين على الحياة لأن الدخل المتوفر لديهم بالكاد يبقيهم على قيد الحياة، ناهيكم عن الجهل بمؤسسة التأمين.  وحتى التأمين المتناهي الصغر microinsurance لا يمكن له أن ينجح بدون أن يتوفر حد أدنى من الدخل للمشاركين فيه.

 

لقد كتبنا في مقالتنا “اغتيال الأطباء في العراق والتأمين من المسؤولية المهنية” أنه “ليس بإمكان مؤسسة التأمين التخلص من القيم العشائرية لكنها تساهم في التقليل من وقعها من خلال توفير آلية بديلة لهذه القيم متى ما انتشرت ثقافة التأمين في المجتمع.  يجب الإقرار بأن التأمين لا يوفر علاجاً لجميع العلل التي ابتلي بها العراق خاصة وأن مؤسسة التأمين العراقي ضعيفة.”  وضمن هذا الفهم يمكن القول إن التأمين على حياة ضحايا الاغتيالات سواء كان تأميناً فردياً أو جماعياً، لو كان هذا التأمين موجوداً، لكان قد استطاع أن يلعب دوراً في توفير مصدر مالي لورثتهم.  وهذا ما سنحاول أن نعرضه في هذه الورقة من خلال عرض سريع ومبسط لما تقدمه شركة التأمين العراقية من وثائق للتأمين على الحياة[13] كان بالإمكان الاستفادة من بعضها من قبل أسر الضحايا.  إن معظم ضحايا قطاع التأمين،[14] وكذلك الضحايا الآخرين من أكاديميين أطباء وعلماء ومهندسين، يمكن أن يصنفوا ضمن الطبقة الوسطى، أي أفراد لهم قدرة مالية مناسبة لشراء وثيقة تأمين على الحياة.  كما أن المؤسسات التي كانوا يعملون فيها قادرة على شراء وثيقة تأمين جماعية على حياتهم.

 

أنواع وثائق التأمين على الحياة

 

وثائق التأمين التي نستعرض أجزاء منها هي المعتمدة من قبل شركة التأمين العراقية، وقد كانت شركة متخصصة بأعمال التأمين على الحياة (1988-1964).  ونفترض أن شركات التأمين الأخرى، التي تمارس التأمين على الحياة، لها نماذج مماثلة من هذه الوثائق.

 

التأمين المؤقت على الحياة Term Assurance

 

وثيقة التأمين على الحياة قصير الأجل، وهي من أبسط عقود التأمين على الحياة.  تدفع هذه الوثيقة مبلغ التأمين المتفق عليه للمستفيد المُسمى في الوثيقة في حالة وفاة المؤمن عليه قبل انتهاء مدة التأمين.  وفي حالة انتهاء المدة وبقاء المؤمن عليه على قيد الحياة فإن عقد التأمين ينتهي دون قيام أي التزام على شركة التأمين.

 

هذا هو الحال عند يكون وفاة المؤمن له طبيعياً أو بسبب حادث.  ما هو حكم هذه الوثيقة عندما ينفذ حكم الإعدام بالمؤمن عليه، أو يكون وفاته نتيجة انتحار، أو بسبب الأعمال الحربية؟  تنص الوثيقة على الآتي في هذه الحالات:

 

عقوبة الإعدام

إذا أعدم المؤمن عليه بسبب حكم قضائي فلا تكون الشركة ملزمة إلا بدفع الاحتياطي الحسابي[15] للعقد.

 

الوفاة نتيجة انتحار

تلتزم الشركة بدفع مبلغ التأمين إذا كانت وفاة المؤمن عليه نتيجة انتحار إلا إذا حدثت الوفاة نتيجة الانتحار خلال السنتين الأوليين لابتداء عقد التأمين أو إعادة مفعوله فعندئذ لا تلتزم الشركة إلا بدفع الاحتياطي الحسابي للعقد وقت الوفاة.

 

أما إذا كان سبب الانتحار أو الشروع فيه مرضاً عقلياً أفقد المؤمن عليه إرادته فإن التزام الشركة بدفع مبلغ التأمين يبقى قائماً في أي وقت خلال مدة سريان العقد.

 

الوفاة بسبب الأعمال الحربية

إذا توفي المؤمن عليه بسبب عمل من أعمال الحرب المعلنة أو غير المعلنة، فإن مسؤولية الشركة بمقتضى هذا العقد تحدد بقدر الاحتياطي الحسابي للعقد وقت الوفاة.  ويسري هذا الحكم على حالة وفاة العسكري بخطر من أخطار الطيران العسكري وقت السلم أيضاً.

 

يلاحظ من هذه الحالات الثلاث أن وثيقة التأمين لا تغطي الوفاة الناشئة عن اغتيال المؤمن عليه.  ويلاحظ أيضاً غياب ذكر الوفاة نتيجة للأعمال الإرهابية.  بعض شركات التأمين، ومنها شركة التأمين الوطنية، تعرض على طالبي التأمين على حياتهم توسيع غطاء التأمين ليشمل خطر العمليات الإرهابية كمنفعة إضافية مقابل سعر إضافي.  يمكن المُحاجّة بأن ديباجة الوثيقة تحصر دفع مبلغ التأمين المتفق عليه للمستفيد المُسمى في الوثيقة في حالة وفاة المؤمن عليه قبل انتهاء مدة التأمين دون تحديد سبب الوفاة.  وإذا كان هذا صحيحاً فإن عدم النص على الوفاة بسبب الأعمال الإرهابية لا يعفي شركة التأمين من مسؤولية دفع التعويض للمستفيد.[16]

 

وثيقة التأمين المختلط على الحياة Endowment Assurance

 

تعرف أيضاً باسم تأمين الوقفية، وسميت بالعربية “المختلط” لأنها تضم التأمين المؤقت Term Assurance والتأمين حال الحياة/الوقفية البحتة Pure Endowment Assurance.  بموجب وثيقة شركة التأمين العراقية فإن المؤمن عليه يستحق مبلغ التأمين في حالة بقاء المؤمن عليه على قيد الحياة حتى انتهاء مدة التأمين.  كما يستحق المستفيد مبلغ التأمين في حالة وفاة المؤمن عليه قبل انتهاء مدة التأمين.

 

المادة الثامنة: عقوبة الإعدام

إذا أعدم المؤمن عليه بسبب حكم قضائي فلا تكون الشركة ملزمة إلا بدفع الاحتياطي الحسابي للعقد.

 

المادة التاسعة: الوفاة نتيجة انتحار

تلتزم الشركة بدفع مبلغ التأمين إذا كانت وفاة المؤمن عليه نتيجة انتحار إلا إذا حدثت الوفاة نتيجة الانتحار خلال السنتين الأوليين لابتداء عقد التأمين أو إعادة مفعوله فعندئذ لا تلتزم الشركة إلا بدفع الاحتياطي الحسابي للعقد وقت الوفاة.

 

أما إذا كان سبب الانتحار أو الشروع فيه مرضاً عقلياً أفقد المؤمن عليه إرادته فإن التزام الشركة بدفع مبلغ التأمين يبقى قائماً في أي وقت خلال مدة سريان العقد.

 

المادة العاشرة: الوفاة بسبب الأعمال الحربية

إذا توفي المؤمن عليه بسبب عمل من الأعمال الحربية المعلنة أو غير [الـ]معلنة أو الأعمال الإرهابية والانفجار الناتج عن الأسلحة الحربية والسيارات المفخخة، فإن مسؤولية الشركة تحدد بقدر الاحتياطي الحسابي للعقد وقت الوفاة ويسري هذا الحكم على حالة وفاة العسكري بخطر من أخطار الطيران العسكري وقت السلم أيضاً.

 

يلاحظ في هذه الوثيقة النص الصريح على تغطية وفاة المؤمن عليه بسبب الأعمال الإرهابية والانفجار الناتج عن الأسلحة الحربية والسيارات المفخخة، وهو ما لا نجد ذكراً له في وثيقة التأمين المؤقت والتأمين المؤقت مع رد الأقساط.  في حين أن الوثائق الثلاث تغطي وفاة المؤمن عليه بسبب عمل من الأعمال الحربية المعلنة أو غير المعلنة.

 

ويلاحظ أيضاً أن خطر وفاة العسكري وقت السلم ينحصر بأخطار الطيران العسكري (وليس الطيران المدني أو خطر الوفاة بسبب حادث عرضي في معسكر للجيش وقت السلم).  وهنا أيضاً، نأمل من أهل الاختصاص شرح ما يبدو مفارقة في نطاق تغطية العسكريين وقت السلم.

 

التأمين المؤقت على الحياة مع رد الأقساط Term Assurance with Return of Premiums

 

يستحق المؤمن عليه مبلغ التأمين في حالة بقاء المؤمن عليه على قيد الحياة حتى حلول أجل التأمين (انتهاء مدة التأمين) بما يعادل القيمة النقدية المضمونة guaranteed cash value للوثيقة وتساوي مجموع أقساط التأمين التي سددها المؤمن عليه.  كما يستحق المستفيد مبلغ التأمين في حالة وفاة المؤمن عليه قبل انتهاء مدة التأمين.

 

المادة الثامنة: عقوبة الإعدام

إذا أعدم المؤمن عليه بسبب حكم قضائي فلا تكون الشركة ملزمة إلا بدفع الاحتياطي الحسابي للعقد.

 

المادة التاسعة: الوفاة نتيجة انتحار

تلتزم الشركة بدفع مبلغ التأمين إذا كانت وفاة المؤمن عليه نتيجة انتحار إلا إذا حدثت الوفاة نتيجة الانتحار خلال السنتين الأوليين لابتداء عقد التأمين أو إعادة مفعوله فعندئذ لا تلتزم الشركة إلا بدفع الاحتياطي الحسابي للعقد وقت الوفاة.

 

أما إذا كان سبب الانتحار أو الشروع فيه مرضاً عقلياً أفقد المؤمن عليه إرادته فإن التزام الشركة بدفع مبلغ التأمين يبقى قائماً في أي وقت خلال مدة سريان العقد.

 

المادة العاشرة: الوفاة بسبب الأعمال الحربية

إذا توفي المؤمن عليه بسبب عمل من الأعمال الحربية المعلنة أو غير المعلنة، فإن مسؤولية الشركة بمقتضى هذا العقد تحدد بقدر الاحتياطي الحسابي للعقد وقت الوفاة.  ويسري هذا الحكم على حالة وفاة العسكري بخطر من أخطار الطيران العسكري وقت السلم أيضاً.

 

لقد اقتبسنا مطولاً من نصوص وثائق التأمين على الحياة كي يتعرَّف القارئ عليها.  النصوص تكاد أن تكون متشابهة إلا في بعض المواقع، كما بيّنا فيما يخص الوفاة بسبب الأعمال الإرهابية والسيارات المفخخة.  ويلاحظ أن التعويض في حالات الإعدام والانتحار والأعمال الحربية يتحدد بمقدار الحساب الاحتياطي لعقد التأمين وقت حصول وفاة المؤمن عليه.

 

 

الوثيقة العربية الموحّدة لتأمين الحياة الفردية

 

أصدرت لجنة تأمينات الحياة العامة في إطار الأمانة العامة للاتحاد العام العربي للتأمين باجتماعها الثامن في عمان/الأردن بتاريخ 1 آذار 1995 الشروط العمومية العربية الموحدة نموذج لوثيقة تأمين الحياة الفردية،[17] للاستفادة منها من قبل شركات التأمين الأعضاء في الاتحاد.  ونقتبس هنا الأخطار المستثناة كي يستطيع القارئ المقارنة بينها وبين ما يرد في وثائق شركة التأمين العراقية.

 

الأخطار المستثناة:

(تترك لكل سوق حرية تغطية أي منها برسم إضافي أو بدون) [كما في الأصل]

 

تلتزم الشركة بدفع مبلغ التأمين وغيره من المستحقات المنصوص عليها في هذه الوثيقة في جميع حالات الوفاة عدا الحالات الناشئة عن:

 

  • الانتحار إذا حدث خلال السنتين الأوليين من تاريخ سريان الوثيقة إلا إذا أثبت المستفيد أن سبب انتحار المؤمن له مرضي أفقده إرادته.
  • مسابقات السرعة بواسطة مركبات ذات آلات محركة سواء كانت أرضية أو مائية أو جوية.

ج-  الإعدام.

د-   المبارزة.

ه-  التنقلات أو الأسفار الجوية أو المائية إلا إذا قام بها المؤمن عليه باعتباره راكباً عادياً بخط ملاحي جوي أو مائي يقوم بخدمة منتظمة.

و-   أخطار الحرب والأعمال العسكرية إذا كان المؤمن عليه مجنداً أو تابعاً لإحدى هيئات القوات العسكرية المسلحة سواء كانت بسبب حرب خارجية أو داخلية وسواء كانت حرباً معلنة أو غير معلنة أو نشأت نتيجة مباشرة أو غير مباشرة للتدابير العسكرية بما في ذلك المناورات والتدريب والأعمال الحربية أو الآثار الناشئة عنها.

ز-   أخطار أعمال الفتنة أو الاضطرابات أو الشغب أو الثورات.

 

وفي حالة الوفاة الناجمة عن أحد هذه الأخطار المستثناة تدفع الشركة قيمة الاحتياطي الحسابي للوثيقة إلى أصحاب الشأن/الحق.

 

ح-  القتل العمد: من قبل المتعاقد أو المستفيد بمشاركة أو بتحريض من أي منهما، وفي هذه الحالة يسقط حق المستفيد الذي يكون قد تسبب عمداً في القتل ويؤدى مبلغ التأمين إلى باقي المستفيدين إن وجدوا، وفي حالة عدم وجود مستفيدين يؤدى المبلغ إلى الورثة الشرعيين.

 

سيلاحظ القارئ بأن القتل العمد مستثنى من هذه الوثيقة.  سنعرض شرحاً لهذا الموضوع في ملحق هذه الورقة.  كما يستثني مسابقات السرعة بواسطة مركبات ذات آلات محركة سواء كانت أرضية أو مائية أو جوية، والمبارزة، والتنقلات أو الأسفار الجوية أو المائية إلا إذا قام بها المؤمن عليه باعتباره راكباً عادياً بخط ملاحي جوي أو مائي يقوم بخدمة منتظمة – وهذه الاستثناءات لا ترد في وثائق شركة التأمين العراقية.

 

من باب الختام

 

إن ما ينشر عن الربط بين الاغتيالات والتأمين معدوم في الكتابات التأمينية العراقية.  وورقتنا هذه ربما هي أول محاولة للكتابة عن الموضوع.  كما أن الكتابات المنشورة عن التأمين على الحياة هي الأخرى تكاد أن تكون غائبة في الوقت الحاضر، وهو ما دعانا إلى محاولة الكتابة عنه.  التأمين على الحياة لا يقع ضمن اختصاصنا ولذلك نأمل أن يقوم المختصون بتقويم أي خطأ في ورقتنا، وكذلك الكتابة عن واقع التأمين على الحياة في العراق، والدور المرتقب الذي يمكن أن يلعبه في الادخار والاستثمار والمعاشات إضافة إلى دوره الأساس في تعويض المؤمن عليهم وأسرهم وغيرهم من المستفيدين.

 

28 آب 2017

 

 

الملحق (1)

إحصائية شركة التأمين العراقية (التعويضات المدفوعة عن التأمين على الحياة للأعوام 2014-2015-2016)[18]

 

تبين هذه الإحصائية استحقاق التعويض لمحفظة التأمين الفردي ومحفظة التأمين الجماعي حسب سبب الوفاة.  وفيها نكتشف وجود حالة واحدة للقتل في محفظة التأمين الفردي في سنة 2015 وواحدة في سنة 2016.  ونجد 3، و 6، و 5 حالات تعويض حوادث إرهابية في محفظة التأمين الجماعي في 2014، و 2015، و 2016.

 

ونلاحظ أن مبالغ التعويضات كانت 28,491,896,572 دينار عراقي (2014)، 3,110,456,012 (2015)، 25,702,629,123 (2016).

 

وبالطبع، يمكن قراءة هذه الإحصائيات بشكل أفضل لو عرفنا حجم أقساط التأمين الإجمالية والصافية.

 

يمكن الاستفادة من هذه الإحصائية في الرد على من يستخف بالتأمين على الحياة ودوره في توفير حماية للأفراد وورثتهم.

 

 

الملحق (2)

هل تغطي وثيقة التأمين على الحياة القتل العمد؟[19]

 

في العادة تسدد شركات التأمين على الحياة منافع وثيقة التأمين في حالة قتل المؤمن عليه بعد الأخذ بنظر الاعتبار جملة من الظروف المحيطة بالقتل.  وتضم هذه الاعتبارات ما يعرف بفترة التنازع، الغش، الانتحار، الفعل الإجرامي.

 

فترة التنازع/الاعتراض Contestability Period

تضم معظم وثائق التأمين على الحياة شرطاً يمنح شركة التأمين فرصة التحقيق في ظروف وفاة المؤمن عليه، وهذا الشرط يحمي الشركة من المستفيدين عديمي الضمير أو أخطاء في المعلومات الاكتتابية لم يجرِ الكشف عنها أو اكتشافها يمكن أن تكون وراء خسارة (مطالبة بالتعويض) غير صحيحة (لا تتوفر فيها الصفة العرضية).  لكن تطبيق هذا الشرط (التنازع حول صحة المطالبة بالتعويض) محدد بفترة زمنية كأن تكون سنتين[20] من بدء نفاذ وثيقة التأمين (وهو ما نجده في وثائق شركة التأمين العراقية وفي الوثيقة العربية الموحدة لتأمين الحياة الفردية)، فمتى ما انقضت هذه الفترة يتوجب على شركة التأمين تسديد التعويض ولا يحق لها التمسك بالشرط.

 

الاحتيال

في حالة حدوث الوفاة خلال فترة التنازع/الاعتراض واكتشاف شركة التأمين أن حامل الوثيقة قد أدلى بمعلومات غير دقيقة أو مضللة عمدا للحصول على التأمين، تستطيع الشركة أن تمتنع عن تسديد منافع الوثيقة.  إن تقديم معلومات مضللة في استمارة طلب التأمين هو بمثابة احتيال ويجعل عقد التأمين ملغياً إذا تم الكشف عن هذه المعلومات في وقت مبكر.  وبغض النظر عن الطريقة التي تحدث بها الوفاة، بما في ذلك القتل، فإن الوثيقة تصبح باطلة إذا تم الكشف عن الغش خلال السنتين الأوليين من التغطية.

 

الانتحار

إن عقود التأمين على الحياة تصبح لاغية في حالة الانتحار خلال فترة التنازع/الاعتراض ولا يحصل المستفيدون على منافع الوثيقة بسبب انتحار المؤمن عليه.  ومع ذلك، إذا حدث الانتحار بعد انقضاء هذه الفترة، فإن شركة التأمين مُلزمة بدفع المطالبة بالتعويض.

 

الفعل الاجرامي

تضم معظم عقود التأمين على الحياة شرطاً ينص على أن وثيقة التأمين تعتبر باطلة إذا كان الوفاة نتيجة مشاركة المؤمن عليه في الفعل الإجرامي.  في حالة القتل، فإن شركة التأمين قد تقوم بالتحقيق لتحديد مستوى مشاركة المؤمن عليه هذا إن كان قد قام فعلاً بالمشاركة في اقتراف الفعل الإجرامي، الذي أدى في النهاية إلى قتل المؤمن عليه.  إذا استقرت قناعة شركة التأمين أن المؤمن له كان مشاركاً حقيقياً في الجريمة ولم يكن مراقباً بريئاً، فإنها تمتنع عن تسديد استحقاقات التأمين على الحياة للمستفيدين.

 

الملحق (3)

هل التأمين على الحياة يحفز على القتل؟

 

يمكن تصور ذلك إلى الحد الذي يمكن للمستفيدين أن يفلتوا من مسؤوليتهم عن فعل احتيالي لقتل المؤمن عليه.

 

ولكن من الناحية العملية، توفر القواعد القانونية والممارسات الاكتتابية الأساس للحفاظ على سلامة إدارة التأمين على الحياة.  وتشمل هذه: المصلحة التأمينية، القاعدة القانونية بعدم جواز الانتفاع من الفعل الإجرامي، والمستفيد البريء من وثيقة التأمين.

 

المصلحة التأمينية

وهي التي تقضي بعدم جواز شراء وثيقة تأمين على حياة أي شخص كان، التقيته صدفة، أو التأمين على حياة شخص دون معرفة هذا الشخص بالتأمين على حياته.  وعلى أي حال، لا يمكن شراء وثيقة للتأمين من دون توفر مصلحة تأمينية في حياة المؤمن عليه.  وبعبارة أخرى، يجب على المستفيد أن يثبت أنه سيخسر مالياً عند وفاة المؤمن عليه، ويجب أن يكون المؤمن عليه طرفاً في التوقيع على استمارة الطلب على وثيقة التأمين.

 

قوانين تحريم الانتفاع من الجريمة

هذه القاعدة القانونية تشكل عائقاً أمام من يحاول اغتيال المؤمن عليه، فهي تمنع المستفيد من التأمين على الحياة من الحصول على منافع وثيقة التأمين إذا كان متورطاً عن عمد في وفاة المؤمن عليه.  وفي العديد من الدول، فإن شركة التأمين لا تحتاج إلى إدانة جنائية لمقترف الجريمة لتجنب دفع تعويضات للمستفيد المشتبه به.

 

المستفيد البريء

هو ذلك الشخص، عادة المستفيد “الطارئ” البريء المسمى في وثيقة التأمين للانتفاع منها عندما يكون المستفيد “الأساسي” غير مؤهل لاستلام منافع الوثيقة.  وفي حالة عدم تسمية مستفيدين محتملين، يحصل الورثة المؤهلون على استحقاقات الوثيقة من خلال تقسيم أموال المؤمن عليه من قبل محكمة مختصة.

 

 

28 آب 2017

[1] مصباح كمال، “اغتيال الأطباء في العراق والتأمين من المسؤولية المهنية،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/08/Misbah-Kamal-Medical-Malpractice-and-Insurance.pdf

[2] Samir Khalil (Kanan Makiya), Republic of Fear: The Politics of Modern Iraq (London: Hutchinson Radius, 1989), p 13, 19.

[3]هناك العشرات من المقالات والتحقيقات الصحفية وخاصة في الصحافة الأجنبية يمكن الرجوع إليها ولا نرغب في إثقال هذه الورقة باقتباس روابطها، ونكتفي بمرجع واحد:

[4] Khalil, op. cit

[5] مصباح كمال، “ممارسو التأمين العراقيين في المهجر،” مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2013/04/iraqi-insurance-practitioners-in.html

[6] هذه المعلومات مستلة من:

أسعد سعد برهان الدين وسحر الحمداني،في ذكر المرحوم محمد حسين جعفر، مدير عام شركة التأمين الوطنية (20 تشرين الثاني 1996 – 30 كانون الثاني 2001)،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2017/04/11/remembering-muhammad-hussain-jafar-1946-2001/

باقر المنشئ، “محمد حسين جعفر … شهيد النزاهة،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2017/04/

[7] أفادني بهذه المعلومة زميلي مكي رزوقي مصطفى (19 آب 2013).

[8] برهان الدين والحمداني، مصدر سابق.

[9] برهان الدين والحمداني، مصدر سابق.

[10] أفادني بهذه المعلومة زميلي منعم الخفاجي (18 آب 2017).

[11] يمكن قراءة نص هذا القانون باستخدام هذا الرابط: http://www.iraq-lg-law.org/en/node/916

[12] في الاقتصادات المتطورة يمكن لبعض منتجات التأمين على الحياة أن تكون وسيلة لغسل الأموال.  هناك معلومات مفيدة بهذا الشأن في الموقع التالي: http://www.acamstoday.org/what-is-real-money-laundering-risk-in-life-insurance/

[13] أشكر القسم الفني في شركة التأمين العراقية لتوفيره نماذج من وثائق التأمين على الحياة المعتمدة من قبل الشركة.

نصوص هذه الوثائق قديمة.  اقترح على إدارة الشركة مراجعتها وتحديثها.

لم نستطع الحصول على نماذج من وثائق التأمين على الحياة من شركات تأمين أخرى.

[14] للتعرف على أسماء هؤلاء الضحايا راجع:

http://www.iraqsolidaridad.org/wordpress/wp-content/uploads/2013/11/List-of-Iraqi-academics-assassinated-November-2013.pdf

[15] رغم أن احتمالية وفاة المؤمن عليه تزداد بتقدم عمره إلا أن قسط التأمين يظل ثابتاً خلال فترة التأمين، ولذلك تقوم شركة التأمين باقتطاع مقدار من القسط ووضعه في الاحتياطي الحسابي، وتستثمر رصيد هذا الاحتياطي في مجالات معينة وتستفيد منه ومن فوائده في دفع استحقاقات وثيقة التأمين.

 

ولتقدير الاحتياطي الحسابي أو المخصص المحاسبي تستخدم شركات التأمين على الحياة خبيراً اكتوارياً يقوم بتقدير الاحتياطي/المخصص الكافي لمواجهة التزامات الشركة تجاه المؤمن عليهم.  ويظهر هذا المخصص في الجانب المدين من حساب الإيراد والمصروفات.

 

وبموجب المادة 2-ثالثا من تعليمات ديوان التأمين حول أسس احتساب المخصصات الفنية، الصادرة بتاريخ 18 أيار 2006:

 

يحتسب الاحتياطي الحسابي في التامين على الحياة وفقا للمفاهيم والاسس الاكتوارية المتعارف عليها، على ان لا يقل الاحتساب فيما يخص السنة المالية الاخيرة عن نسبة (40%) اربعين من المائة من صافي اقساط التامين على الحيات المسجلة للسنة المذكورة.

 

[16] نأمل من أهل الاختصاص التعليق على هذا الموضوع.

[17] أشكر الزميل عبد الرحمن صباح غني على إرسال هذه الشروط (8 آب 2017).

[18] أشكر قسم التخطيط والمتابعة والقسم الفني في شركة التأمين العراقية على توفير هذه الإحصائية.

[19] المعلومات الواردة في الملحق (2) والملحق (3) مستلة من مقالات منشورة باللغة الإنجليزية في الإنترنيت لم احتفظ بروابطها.

[20] تمتد فترة التنازع لدى بعض شركات التأمين الغربية إلى خمس سنوات.