Bahaa Baheej Shukri: Letter to Abdulbaki Redha

من رسائل بهاء بهيج شكري:

رسالة إلى الأستاذ عبد الباقي رضا

 

 

تقديم

 

كتب الأستاذ بهاء بهيج شكري هذه الرسالة إلى الأستاذ عبد الباقي رضا بتاريخ 7 كانون الثاني 2017 على خلفية قراءته لمقالة الانسة هيفاء شمعون عيسى “عبد الباقي رضا: الشخصية الموسوعية” المنشورة في مرصد التأمين العراقي.[1] وكان من رأي أن هذه الرسالة تنطوي على قيمة شخصية وتاريخية، وقد يكون نشرها، ربما، مدعاة للتأمل من قبل بعض العاملين في قطاع التأمين العراقي في تاريخ صناعتهم وأركانها وما آلت إليه في العقود الأخيرة. لذلك اقترحت على الأستاذ بهيج نشرها في مرصد التأمين العراقي بعد موافقته وموافقة الأستاذ عبد الباقي والآنسة هيفاء. وقد وافقا على النشر.

 

كانت الرسالة موجهة بالاسم للأستاذ عبد الباقي رضا ونسخة منها للسيد محمد جواد المظفر[2] ومصباح كمال.

 

كتب لي الأستاذ بهيج رسائل أخرى تتناول أحداثاً في قطاع التأمين العراقي وشخصيات عملت فيه، وهي بمثابة إضافات لما كتبه سابقا[3]. ربما يحين الوقت المناسب لنشرها بمعرفته.

 

مصباح كمال

21 شباط 2017

 

 

نص رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري

 

عمّان في ٧ يناير ٢٠١٧

 

الأخ العريق عبد الباقي المحترم

 

تحية طيبة

 

قرأت ما كتبته السيدة هيفاء شمعون عيسى حول فترة عملها معكم في شركة التأمين الوطنية وفي مجلس إدارتها، وفي تعليقي على ذلك أبدأ بأن أعلن شديد أسفي لأَنِّني لم تتح لي فرصة لقاء هذه السيدة الفاضلة التي حباها الله بصفة الوفاء الفطري لمن ترتبط بهم بزمالة عمل، فهي بالرغم من تعيينها مديرة عامة لشركة التأمين العراقية في نفس فترة إعفاءكم من آخر ارتباط لكم بالتأمين الرسمي، لم تغفل عن التصدي لما كان يتمتع به رئيسها السابق عبد الباقي رضا من كفاءة عالية ومعرفة واسعة في الشؤون الحسابية والمالية والتفاصيل الفنية للتأمين، فضلا عن قدراته الإدارية.

 

إن ما لفت نظري قولها إنك كنت تصحح ما تقع به هي وبقية الموظفين من أخطاء نحوية، إذ يبدو أنها كانت تجهل أن رئيسها السابق عبد الباقي رضا كان شاعراً وأديباً قبل أن يصبح رجل تأمين وأن الشاعر والأديب ينبغي أن يكون ملماً بجميع مفاصل اللغة، من نحوٍ وصرفٍ وإعرابٍ وبلاغةٍ وبيان، وأن عبد الباقي كان ينبغي أن يُلام لو لاحظ خطأً نحوياً في بيانٍ مقدم له ولم يبادر إلى تصحيحه وإلفات نظر الموظف الذي ارتكبه.

 

إني أشبّه السيدة هيفاء بالآنسة سعاد نايف برنوطي (الدكتورة سعاد برنوطي[4] حالياً الأستاذ في قسم الدراسات العليا في إحدى الجامعات الاردنية) والتي كانت مساعدتي ويدي اليمنى عندما كنت نائباً للمدير العام لشركة التأمين الوطنية ١٩٦٠- ١٩٦٣ مع فارق بسيط، فهي وإن كانت كالسيدة هيفاء ذات وفاء فطري إلا انها كانت هي التي تناقشني وتصحح أخطائي وليس العكس.

 

وإذا سمح لي أخي العزيز عبد الباقي، فإني أودّ ان أضيف إلى ما ذكرته السيدة الفاضلة هيفاء، ما لمسته أنا شخصياً من سلوكية عبد الباقي رضا مديراً عاماً لشركة التأمين الوطنية، فقد كانت إدارته للشركة تتميز بالحكمة في معالجة الأمور، وعدم الانجرار وراء الانفعالات العاطفية، ودون النظر إلى طبيعة العلاقة التي تربطه بالشخص الذي يتعامل معه. ومن الأمثلة على ذلك، انني كنت في زمن إدارته للشركة، من أشد الأشخاص في خصومته القضائية لشركة التأمين الوطنية سواء في الدعاوى المقامة عليها من قبل المؤمن لهم أم في دعاوى الرجوع على شركات النقل المقامة من قبلها. وقد أدت خصومتي القضائية هذه ببعض المسؤولين في الشركة من أصدقائي، وممن لي فضل عليهم، إلى إثارة حملة ضدي بأني أتعمد في كسر قواعد التأمين، أما عبد الباقي، المدير العام، فقد كان موقفه مغايراً تماماً، إذ كان يمتدحني ويثني على كفاءتي، بشهادة الأخ مصباح كمال الذي كان موظفاً في شركة التأمين الوطنية حينذاك.

 

وفي نفس هذه الفترة كنت قد سافرت أنا وعائلتي إلى أوروبا بسيارتي المرسيدس الجديدة، بعد أن مددت وثيقة التأمين لتغطية توسيع النطاق الجغرافي، ويشاء سوء الطالع أن تنقلب بِنَا السيارة في طريق العودة في المنطقة بين مدينتي كولون وفرانكفورت، ولم نُصَبْ لا أنا ولا زوجتي ولا بناتي الثلاث بأي أذى، ولكن السيارة تحطمت تماما. وبعد أن تم نقلنا ونقل حطام السيارة إلى أقرب فندق في المنطقة أرسلت برقية إلى عبد الباقي المدير العام للشركة أخبره بالحادث وانه لم تبقَ لدي نقود لأدفعها من أجل تصليح السيارة، وفي الوقت نفسه اتصلت هاتفياً بشركة ميونخ ري بوصفها من معيدي التأمين لشركة التأمين الوطنية، لأخبرهم بالحادث، وهم يعرفونني جيداً لأَنِّي أنا الذي أنشأت العلاقة بينهم وبين شركة التأمين الوطنية في بداية النصف الأول من القرن الماضي. ويبدو أن تنسيقاً قد حصل بشكل فوري بين شركة التأمين الوطنية والشركة الألمانية حول الموضوع، فقد زارني في صباح اليوم التالي في الفندق ممثلٌ عن الشركة الألمانية مع مهندس متخصص بتصليح سيارات المرسيدس وبعد إجراء الكشف على السيارة أكد المهندس سلامة الماكنة والشاصي وأن جسم السيارة ينبغي أن يستبدل بالكامل، فطلب مني ممثل الشركة الألمانية ترك السيارة بعهدتهم وسوف تشحن لي إلى بغداد بعد إكمال تصليحها. وهذا ما حدث. هكذا كان عبد الباقي يتصرف في إدارته للشركة، دون النظر لطبيعة العلاقة بين الشركة والطرف الثالث.

 

والغريب في الأمر أن تتشابه فواصل حياتنا مُنذ الولادة وحتى التقاعد، فكلانا ولد في شهر تموز مع فارق بسيط في السن، وكلانا ولد في منطقة الفرات الأوسط، هو في كربلاء وأنا في الحلة، وكلانا بدأ بنظم الشعر ونحن في الصف الثاني متوسط فأصبحنا أديبين وشاعرين ونحن لا زلنا في مرحلة الدراسة الثانوية، وكلانا حصد جوائز المباريات الشعرية، وكلانا مارس العمل الصحفي هو في الملصقة الجدارية لمدرسته وأنا في مجلة الوعي التي كانت تصدرها ثانوية الحلة، وكلانا يعشق القراءة والمتابعة، وكلانا درس التأمين خارج العراق: هو في الولايات المتحدة وأنا في المملكة المتحدة، وكلانا ساهم في إدارة شركة التأمين الوطنية أنا في بداية الستينات من القرن الماضي بوصفي نائباً للمدير العام، وهو خلال السبعينات ممن القرن المذكور، وكلانا ترك أثراً معيناً في الوسط التأميني سنة ٢٠١٦. ولم يقتصر الأمر على هذا الترابط، بل أن كلينا نشترك في صداقة شخص واحد مخلص لكلينا هو الأخ العزيز محمد جواد المظفر.

 

هذا هو عبد الباقي كما عرفته خلال علاقتي الطويلة به التي بدأت في بداية الستينات من القرن الماضي، وإذا كان هناك من أبعده عن ممارسة التأمين الرسمي، فسوف لن يُخلق الشخص الذي يفكر مجرد تفكير بمحاولة محو البصمات التي تركها في سوق التأمين.

 

هذا كل ما لدي من تعليق وتقبل من أخيك ورفيق مسيرتك أسمى آيات الحب والتقدير.

 

بهاء بهيج شكري

 

كان بودّي أن أرسل صورة هذا التعليق للسيدة الفاضلة هيفاء عيسى ولكني مع الأسف لا أعرف عنوان بريدها الإلكتروني.[5]

[1] مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2016/12/27/abdulbaki-redha-a-towering-insurance-man/

نشرت أيضاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2016/12/27/%d9%87%d9%8a%d9%81%d8%a7%d8%a1-%d8%b4%d9%85%d8%b9%d9%88%d9%86-%d8%b9%d9%8a%d8%b3%d9%89-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d8%b1%d8%b6%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%ae%d8%b5%d9%8a/

 

[2] عمل مديراً لفرع السعدون في شركة التأمين الوطنية، وكان عضواً في لجنة التعيينات في الشركة. أشرف على تأسيس شركة العراق الدولية للتأمين، شركة خاصة (2007)، وهو أحد المساهمين فيها. (وردتني هذه المعلومات من الزميل منعم الخفاجي بتاريخ 6 شباط 2017. ووثق الأستاذ عبد الباقي رضا إدارته لفرع السعدون في رسالة مؤرخة في 13 شباط 2017. المحرر)

 

[3] راجع بهذا الشأن الفصل التمهيدي بعنوان “تجربتي مع التأمين” في كتابه بحوث في التأمين (عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 15-82. (المحرر)

[4] كانت مديرة قسم إعادة التأمين في شركة التأمين الوطنية في أوائل ستينيات القرن الماضي. تركت العمل في الشركة لإكمال دراسة الدكتوراه في الولايات المتحدة. لها عدة مؤلفات في العلوم الإدارية: إدارة الموارد البشرية – إدارة الأفراد، الإدارة: أساسيات إدارة الأعمال، الأعمال (الخصائص والوظائف الإدارية). كتب عنها الأستاذ بهاء بهيج شكري في هامش كتابه بحوث في التأمين (دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2010)، ص 37 ما يلي:

 

“الدكتورة الآنسة سعاد نايف برنوطي:

كانت إحدى الموظفات الثلاث في مكتب السكرتارية [في شركة التأمين الوطنية]، وهي خريجة كلية الآداب في جامعة بغداد فرع الأدب الإنجليزي. تجيد اللغة الإنجليزية إجادة تامة، وتتمتع بأخلاق عالية وشخصية قوية نافذة تفرض احترامها على كل من يتعامل معها. وبعد انقلاب 8 شباط 1963 استقالت من الشركة وسافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية فحصلت على شهادة الدكتوراه. وهي الآن أستاذة في قسم الدراسات العليا في إحدى الجامعات الأردنية في عمان. وقد كانت الدكتورة برنوطي ساعدي الأيمن، إذ أصبحت مديرة القسم الفني والقائمة بأعمال قسم إعادة التأمين بعد أن تم تجزئة مكتب السكرتارية إلى قسمين. وقد كنت أتشاور معها في كل أمر أريد القيام به قبل أن أقدم مذكرة به إلى المدير العام.”

 

وقد أفادني الزميل أسامة الغرباوي بالمعلومات التالية بتاريخ 6 شباط 2017:

 

“عندما التحقت بالتأمين الوطنية في ديسمبر/٦٣ كان المدير العام هو الدكتور هاشم الدباغ، وكنت أعمل في قسم إعادة التأمين ومديرته سعاد برنوطي ولا أعرف بالضبط متى عُيّنت، وكان أنطوان سليم معاون ملاحظ في القسم نفسه. وبعد عدة أشهر، أي في منتصف عام ١٩٦٤، نقلها الدكتور الدباغ الى قسم الحياة وكلف أنطوان سليم بأعمال معاون مدير قسم إعادة التأمين. (وحسب معلوماتي فإن أنطوان التحق بالشركة عام ١٩٦٢). لم تستمر سعاد برنوطي بالعمل في قسم الحياة سوى عدة أشهر ومن ثم استقالت من الشركة، وأعتقد بأنها رتَّبت أمورها لتكملة الدراسات العليا. وبالمناسبة، خلال عام ٦٣ تم استبعاد كل من بهاء بهيج، سعاد برنوطي، فاروق جورج، إليزابيث بدروس من التأمين الوطنية، في اعتقادي لأسباب سياسية بحتة، وهم من خيرة كفاءات الوطنية.” “(المحرر)

[5] تم إرسال التعليق إلى الآنسة هيفاء شمعون. (المحرر).

Dr Kadhim Habib and Insurance Issues in Iraq

 

د. كاظم حبيب وبعض قضايا التأمين بالعراق

 

 

 

 

 

مصباح كمال

 

 

 

 

 

نشرت لأول مرة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

 

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/02/Kadhim-Habib-further-discussion-on-insurance-issues.pdf

 

 

 

 

 

نشر د. كاظم حبيب مقالة بعنوان “نقاش مفتوح حول التأمين وإعادة التأمين بالعراق مع الاستاذ مصباح كمال” في بعض المواقع الإلكترونية،[1] أثنى فيها على اهتمامي بموضوع التأمين في العراق، وكتب، بتواضع علمي، بأنه ليس متخصصاً بشؤون التأمين وإعادة التأمين، ولكن

 

 

 

كاقتصادي وباحث في قضايا المجتمع المدني وحقوق الإنسان، أدرك أهميته لعميلة إعادة الإنتاج الموسعة في الاقتصاد والمجتمع، وبالنسبة للأفراد، في آن واحد، إنه القطاع الاقتصادي الذي يوفر الحماية التي يقدمها للجميع من جهة، وهو التعويض عن الخسائر المحتملة ومواجهة المخاطر غير المتوقعة في حالة حصولها من جهة ثانية، وهو الذي يوفر التوظيفات أو الاستثمارات المالية للتوسع في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وتنمية ثروة المجتمع، وهو الذي يمكن أن يحمي الشركات والأفراد من الإفلاس أيضاً في حالات التعرض لمخاطر محتملة.

 

 

 

وهو بذلك قد لخصَّ الوظيفة الاقتصادية للتأمين.

 

ونظراً لأهمية الأفكار والتعليقات التي يقدمها د. كاظم أود تقديم بعض الإضافات السريعة لما جاء في ورقته طالما أن النقاش مفتوح وأن الاستغراق فيه يفيد في توضيح الأفكار.  آمل أن يشجع هذا النقاش على مساهمة المهتمين بموضوعه من العاملين في قطاع التأمين أو خارجه.  فيما يلي سأتناول ما أراه أهم الأفكار التي أثارها تحت العناوين التالية:

 

 

 

§      أهمية التأمين لعملية إعادة الإنتاج الموسعة في الاقتصاد والمجتمع

 

§      قرارات التأميم لعام 1964

 

§      السياسة الاقتصادية والسياسة العامة والفساد في قطاع التأمين

 

§  وضع رؤية علمية حديثة ومتقدمة، شاملة وموضوعية، لنشاط التأمين بالعراق

 

§  بول بريمر ودوره السيئ في الاقتصاد العراقي وبضمنه التأمين وإعادة التأمين

 

§  ثقافة التأمين ما بين الإنسان العراقي وأصحاب القرار في دولة المحاصصة

 

 

 

أهمية التأمين لعميلة إعادة الإنتاج الموسعة في الاقتصاد والمجتمع

 

 

 

إعادة الإنتاج البسيط في أبسط صوره هو تكرار عملية الإنتاج في مستواها السابق دو تغيير في كمية ونوعية العناصر الداخلة في الإنتاج.  أما إعادة الإنتاج الموسع فهو تكرار لعملية الإنتاج بمستوى أعلى مما كان عليه في فترة سابقة من خلال استخدام قيمة الفائض المتحقق، كلاً أو بعضاً، لتوسيع عملية الإنتاج (تحقيق التراكم).

 

لا أعرف إن جرى تطبيق هذين المفهومين على التأمين، نظرياً أو عملياً.  نعرف بأن التأمين، بشكل عام وفي أبسط صوره، هو آلية للتعويض عن الأضرار والخسائر المادية التي يتعرض لها الأفراد والشركات.  ويتم ذلك من خلال تجميع أقساط التأمين التي يسددها الأفراد والشركات لصندوق التأمين (لدى شركات التأمين أو الهيئات التي تماثلها).  تمويل الخسائر (المؤمن عليها) مصدره هذا الصندوق.  ولأن شركات التأمين هي الحارس للأموال المتجمعة في الصندوق فإنها تقوم بالتعويض عن الآثار المالية للخسائر وإرجاع وضع المؤمن لهم (الأفراد والشركات) إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل وقوع الخسائر (وعدم التعويض عن الربح، ما لم يكن متفقاً عليه، أو التعويض عن خسائر غير مؤمن عليها أو خسائر قائمة على الغش).

 

 

 

ضمن هذا الإطار المبسط فإن آلية التأمين تلعب دوراً مهماً في إدامة الإنتاج البسيط والموسع، بتعويض الأفراد (العمال، كأفراد وأرباب أسر) بما يصيبهم من أضرار والشركات (بأنواعها المختلفة) للتعويض عن المخزون من السلع الجاهزة للسوق، وعن أدوات الإنتاج (رأس المال الثابت) التي تتعرض للأضرار بفعل العامل البشري أو ديناميكية العملية الإنتاجية أو عوارض الطبيعة المدمرة.  (التأمين لا يعوض الخسائر الناتجة عن المضاربة في سوق الأوراق المالية أو الخسائر المرتبطة بتقلبات السوق كانخفاض الطلب على السلع).  وقد كتبت في مكان آخر في عرض أفكار ماركس عن التأمين ما يلي:[2]

 

 

 

يقول ماركس إن رأس المال الثابت هذا، منظوراً إليه من وجهة نظر موضوعية، يتعرض لحوادث معينة، ومخاطر في عملية إعادة الإنتاج.”  رأس المال الثابت يتعرض “لحوادث معينة” في عملية الإنتاج الأساسية، أثناء تكوين رأس المال العيني الثابت، وليس فقط في عملية إعادة الإنتاج.  في الواقع إن الحوادث يمكن أن تقع في مختلف المراحل الإنتاجية بضمنها النقل والخزن والمناولة.  هذه المقولة هي ذاتها التي ذكرها ماركس في نقد برنامج غوتا.  لكن ماركس هنا ليس معنياً بذلك بل بما تتركه الحوادث من آثار سلبية على عملية التراكم الرأسمالي، عملية إعادة الإنتاج.  والحماية التأمينية، كما هو الحال في الاقتصاد الرأسمالي القائم، تدخل كعنصر غير مباشر في الإنتاج من خلال توفير أرصدة نقدية، بمثابة تعويض، للخسائر المادية والمالية التي تتعرض لها وسائل الإنتاج.

 

 

 

التأمين ليس هبة إذ ارتبط دائماً، حتى في أشكاله الأولية، بمساهمة من نوع ما من المستفيدين من صندوق التأمين.  لذلك فإن إدامة الإنتاج يقتضي تخصيص مبلغ معين (قسط التأمين) لشراء الحماية التأمينية أو خلق صندوق للتأمين داخل المؤسسة الرأسمالية، كما ذكرنا في عرضنا لأفكار ماركس في كتابه نقد برنامج غوتا “لتوفير التعويض لرأس المال الثابت الذي يتعرض للحوادث ويستوجب التصليح أو الاستبدال؛ أو يستخدم مخصصات هذا الصندوق لشراء الحماية التأمينية من شركة تأمين مستقلة.  صندوق التأمين الذي يذكره ماركس هو المعادل لآلية التأمين الذاتي، أو في صورته العصرية هو شركة التأمين المقبوضة.  تأسيس شركات التأمين المقبوضة لها أسباب عديدة منها تدوير الأرباح داخل المؤسسة وهي تشكل أحد عناصر التكامل العامودي للمؤسسة الرأسمالية.[3]

 

 

 

هذه مقاربة أولية لأهمية التأمين في إعادة الإنتاج، قابلة للتعديل والإضافة ممن لهم علم أفضل بالاقتصاد السياسي الماركسي.

 

 

 

ذكر د. كاظم أيضاً أن التأمين “يوفر التوظيفات أو الاستثمارات المالية للتوسع في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وتنمية ثروة المجتمع.”  وقد تناولنا بعض جوانب هذا الموضوع في دراسة سابقة.[4]  وبالنسبة للعراق فإن مساهمة قطاع التأمين في تكوين رأس المال الثابت لم يخضع للدراسة.  ونزعم بأن المساهمة ضعيفة وزادت ضعفاً بعد تدهور القطاع منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، إذ أن حجم أقساط التأمين المتجمعة لشركات التأمين لا يتجاوز بضعة ملايين دولار، أقل مما هو في الأردن أو لبنان مثلاً.

 

 

 

قرارات التأميم لعام 1964

 

 

 

أفرد د. كاظم فقرات من مقالته الحوارية لقرارات التأميم، خلفيتها واستنساخها لقرارات التأميم في مصر خلال الفترة 1961-1964 وأنها

 

 

 

ساهمت في توسيع قاعدة قطاع الدولة وزيادة نشاطه ودوره في الإنتاج الصناعي وفي السياسة المصرفية والتأمين والتجارة عموما، ولكنها لم تغير من طبيعة قطاع الدولة الرأسمالي ولا من عدالة توزيع الدخل القومي أو منع تركز الثروة وإساءة كبيرة للقطاع الخاص العراقي والاقتصاد الوطني ولجم عملية الاستثمار الخاص في الاقتصاد الوطني، علماً بأن أغلب المشاريع الصناعية المؤممة كانت صغيرة أو متوسطة الحجم وملكيتها تعود للبرجوازية المتوسطة، كما إنها أضافت تبعات أخرى على قطاع الإدارة الاقتصادية الضعيف حينذاك للدولة العراقية.  وتأميم شركات التأمين كان بدوره لا معنى له، إذ كان في مقدور الحكومة العراقية تأسيس شركات خاصة بها، إن كانت راغبة بذلك، أو أن تدخل شريكاً مساهماً معها ومعززاً لنشاطها، علماً بأن شركات التأمين الخاصة كانت ناجحة فعلاً وفعالة وكسبت ثقة الناس بها.

 

 

 

ليس هناك اختلاف على التقييم العام لقرارات التأميم، ما خص منه تغول القطاع العام، وأضراره بالقطاع الخاص وتطوره اللاحق، وتوفر بدائل غير التأميم لتوجيه وبناء الاقتصاد الوطني.  لكن التحليل الدقيق لآثار تأميم شركات التأمين ربما يكشف عن جوانب أخرى، وهذا ما ذكرته في مقالة بعنوان “مقاربة لتاريخ التأمين في العراق: ملاحظات أولية”[5] وقلت فيها:

 

 

 

وجاءت قوانين التأميم في تموز 1964، التي شملت شركات التأمين، لتجهز على القاعدة الاقتصادية الضعيفة للرأسمالية الوطنية إذ لم تكن هناك ضرورة اقتصادية أو سياسية للتأميم وإنما جاء التأميم تقليداً لما جرى في مصر وهرولة نحو تطبيق مواقف إيديولوجية شعاراتية.  ما ترتب على تأميم شركات التأمين من نتائج على بنية سوق التأمين وتطوره اللاحق، سلبياً أو إيجابياً، يستحق الدراسة الموضوعية المتأنية قبل الاستغراق في إطلاق الأحكام، ونكتفي هنا بالقول إن السوق في هذه المرحلة أصبح حكراً على ثلاث شركات متخصصة هي شركة التأمين العراقية (تأمينات الحياة)، شركة التأمين الوطنية (التأمينات العامة) وشركة إعادة التأمين العراقية (إعادة التأمين).

 

 

 

 

 

 

 

وقد توسعت في دراسة آثار التأميم في مقالة لي بعنوان “تأميم قطاع التأمين في العراق 1964: مقدمة نقدية.”[6]  ومن بين ما استنتجته في ختام الدراسة (ص 136) أنه “كان بالإمكان التفكير بخيارات أخرى غير التأميم الذي كرّس سيطرة الدولة على ملكية مرافق اقتصادية كان الأفضل أن تترك تحت ملكية وإدارة القطاع الخاص.  هناك دور للدولة وهناك دور للقطاع الخاص وبينهما نماذج أخرى للملكية لم تجرِ الاستفادة منها، وهي التي لم تلقَ الاهتمام المطلوب من الاقتصاديين ومن أصحاب القرار في الماضي أو الحاضر لإصلاح النظام الاقتصادي وتداخله مع السياسي والاجتماعي.”

 

 

 

السياسة الاقتصادية والسياسة العامة والفساد: هل كان الفساد غائباً في قطاع التأمين قبل 2003؟

 

 

 

يتناول د. كاظم حبيب الفساد من خلال ربط السياسة الاقتصادية بالسياسة العامة، ونظراً لأهمية الموضوع ووضعه في إطاره الصحيح سأقتبس مطولاً مما كتبه، فهو يقول في البدء:

 

 

 

أدرك تماماً ومقتنع جداً بأن السياسة الاقتصادية في بلد ما تشكل الوجه الثاني للسياسة العامة للبلد ذاته، فهما وجهان لعملة واحدة، وحين يكون النظام السياسي فاسداً ومستبداً وفاقداً للشرعية الدستورية، فلا يمن أن يكون الاقتصاد نظيفاً وديمقراطياً ومنفذاً لإرادة مصالح الشعب. ومن عاش الاقتصاد في فترة البعث الطويلة الأمد، يدرك كيف كان الاستبداد والظلم والفساد منتشراً في قضايا العقود والنشاط التجاري

 

 

 

وبعد ذلك يناقش حضور الفساد من عدمه في قطاع التأمين كما يلي:

 

 

 

أعرف جيداً بأن الأستاذ الفاضل والخبير المهني الكبير، في مجال التأمين ورئيس الشركة الوطنية للتأمين الأخ عبد الباقي رضا، الذي أكن له كل الاحترام والتقدير، نظيف جداً وحريص على عمله ونزيه في عمله، وكذا الكثير من العاملين في جهاز التأمين التابع للدولة، ومنهم شخصكم الكريم، مصباح كمال. ولكن هذا لا يعني أن كل جهاز التأمين وإعادة التأمين والشركات العاملة في هذا القطاع كانت كلها نظيفةً ونزيهةً وحريصةً على أموال الدولة والمجتمع.

 

 

 

وحين تحدثت عن سيطرة الدولة على القطاعات الاقتصادية، بما فيها قطاع التأمين وإعادة التأمين، فاعتمادي يستند إلى طبيعة الدولة ومجمل السياسة الاقتصادية والاجتماعية ووجهتها في التنمية الانفجارية التي أقرتها حكومة البعث في المؤتمر القطري الثامن في العام 1974.

 

 

 

في مثل هذا النظام الدموي المستبد والفاسد والأهوج لا يمكن أن أتصور أن قطاع التأمين قد سلم من الفساد في أجزاء منه، إن لم يكن كله، وليس بالضرورة بمعرفة رئيس الشركة الوطنية للتأمين أو بعض العاملين فيه. واتفق تماماً مع ضرورة دراسة هذه الفترة والتمعن والتدقيق في الاتهامات الموجهة لقطاع التأمين ايضاً.

 

 

 

ليس من السهل مناقشة مقترب د. كاظم لموضوع الفساد في قطاع التأمين في فترة ما قبل 2003.  وقد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى مصادر الفساد المالي والإداري المحتملة.  ويمكن إيجاز بعضها فيما يخص الفساد المالي بالآتي:

 

 

 

§  التلاعب بأقساط التأمين (تخفيضها دون وجه حق، على سبيل المثل) لصالح أشخاص معينين مقربين من مكتتب التأمين في شركة التأمين أو لهم علاقات مباشرة أو غير مباشرة بالسلطة الحاكمة.

 

 

 

§  التساهل في تسوية المطالبات بالتعويض، المشكوك بشمولها بغطاء وثيقة التأمين أو التي تنطوي على مبالغات في تقدير حجم الأضرار وتكاليف التصليح والاستبدال حسب مقتضى الحال، لخدمة وترضية أصحاب السلطة والمقربين منهم.

 

 

 

§  التواطؤ على تسوية مطالبات التعويض بأكثر من قيمتها الحقيقية ومن ثم اقتسام القيمة الفائضة عن القيمة الحقيقية بين مسوّي التعويض في شركة التأمين والمؤمن له.

 

 

 

§  حصر أعمال إعادة التأمين الاختياري، دون مبرر حقيقي، من قبل إدارة إعادة التأمين في شركة التأمين مع وسيط دولي لإعادة التأمين أو شركة إعادة تأمين دولية مقابل الرشى.

 

 

 

حسب تجربتنا في أواخر ستينيات ومعظم سنوات سبعينيات القرن الماضي لم نلحظ وجود مثل هذه الظواهر في شركة التأمين الوطنية.  كما أن نظام الاكتتاب وتسوية مطالبات التعويض كان مقيداً بحيث أن القرار لا يكون فردياً، محصوراً بشخص واحد.  ولعله من المفيد قراءة ما كتبناه عن أحد مكتتبي شركة التأمين الوطنية للتعرف على جوانب من العملية الاكتتابية ومنهج تسوية التعويضات.[7]

 

 

 

وقد يتخذ الفساد الإداري في شركات التأمين، على سبيل المثل، بعض الأشكال التالية.

 

 

 

§  تدخل الوزراء وغيرهم في تعيين أشخاص مرتبطين بهم عائلياً أو طائفياً أو قومياً في شركات التأمين العامة أو في مؤسسات تأمينية أخرى.

 

 

 

§      تعيين أفراد العائلة دون وجه حق وفي مواقع ليسوا مؤهلين لها.

 

 

 

§  ضم أفراد غير فنيين لا يتمتعون بمعرفة اللغة الإنكليزية، وسيلة التخاطب المعتمدة، إلى الوفود المرسلة للخارج للتباحث مع وسطاء إعادة التأمين أو شركات إعادة التأمين أو حضور دورات مهنية في التأمين.

 

 

 

§  منح قروض عقارية دون القيام بدراسات وتحقيقات عن شخص المقترض: موثوقيته كرجل أعمال، إمكانياته المالية، جدوى المشروع الذي يقوم به، تجربته السابقة في العمل الاستثماري   الخ.

 

 

 

§  التغاضي عن العقوبات المالية وغيرها المفروضة على البعض لا بل مكافأتهم بتعيينهم في مواقع وظيفية لا يستحقونها.

 

 

 

وكل هذه الأشكال من الفساد الإداري وغيرها قائمة الآن بفضل نظام المحاصصة الطائفية والاثنية التي تأسست مع الاحتلال الأمريكي عام 2003.

 

 

 

قد يرى البعض ان عقد مقارنة مع ما كان قائماً في عهد البعث ليس مناسباً من وجهة نظر سياسية وبالتالي يجب عدم الخوض فيه.  نعرف بأن هذا العهد، وكما يصفه د. كاظم، كان دموياً مستبداً وفاسداً وأهوجاً، ولا خلاف في هذا التقييم لكن البحث التاريخي يستدعي الوقوف أمام بعض التفاصيل، وما يخصنا منها ينصبُّ على قطاع التأمين الذي كان حكراً على القطاع العام بشركاته الثلاث منذ 1964 وحتى 1997.  وقد كان د. كاظم حبيب أميناً لحسه التاريخي بقوله “واتفق تماماً مع ضرورة دراسة هذه الفترة والتمعن والتدقيق في الاتهامات الموجهة لقطاع التأمين.”

 

 

 

نكتفي هنا بذكر تجربتنا في التعين في شركة التأمين الوطنية (1968) في عهد الأستاذ عبد الباقي رضا.[8]  وكذلك التمعن في حقيقة أن الأستاذ عبد الباقي رضا، مدير عام شركة التأمين الوطنية (1978-1966)، والدكتور مصطفى رجب، مدير عام شركة إعادة التأمين العراقية (1980-1960)، احتفظا بمنصبيهما دون أن تكون لهما أية علاقة بحزب البعث   ومن رأينا أن الصورة ليست دائماً بهذا الصفاء فربما هناك ما ينتقص منها، ولن نعرف ذلك إلا من خلال البحث الذي لا يخاف من نتائجه.

 

 

 

وضع رؤية علمية حديثة ومتقدمة، شاملة وموضوعية، لنشاط التأمين بالعراق

 

 

 

كتب د. كاظم حبيب ما يلي:

 

 

 

حين أتحدث عن التأمين وإعادة التأمين أقصد به مجالات التأمين كافة، ولهذا أطالب بوضع رؤية علمية حديثة ومتقدمة، شاملة وموضوعية، لنشاط التأمين بالعراق وفي جميع جوانبه وفي علاقته العضوية مع جميع فروع الاقتصاد الوطني وقطاعاته والمجتمع والرعاية الاجتماعية، إذ أن الوعي بأهمية ودور وفوائد التأمين ليس مغيباً عند الناس البسطاء حسب، بل وعند جميع الأوساط الحاكمة بالعراق. ومن المؤسف حقاً أن تفتقد مسودة برنامج الحزب الشيوعي العراقي لفقرة خاصة تشير إلى دور التأمين وأهميته للاقتصاد والمجتمع بالعراق، وأعتقد أن مؤتمره العاشر سيضيفها إلى البرنامج.

 

 

 

لقد قام العديد من مستشاري حكومات ما بعد 2003 بجهود غير معلنة لتطوير قطاع التأمين، وحشر البعض الآخر نفسه، من داخل قطاع التأمين وخارجه، وبنية حسنة، في تناول هذا الموضوع.  لكنه من المؤسف أن تشاور هؤلاء مع “أركان” التأمين، في الداخل أو الخارج (هناك عدد كبير من ممارسي التأمين العراقيين في الخارج يحتلون مواقع مهمة ولديهم معارف وخبرات واسعة) إما كان ضيقاً أو مفقوداً.  إضافة إلى ذلك فإن الدراسات التي قاموا بإعدادها لم تنشر وبذلك فقد ضاعت الفرصة لمناقشة أطروحات تطوير القطاع.

 

 

 

وكما بيّنتُ في أكثر من مقالة منشورة في مجلة التأمين العراقي وموقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، حول برامج الحكومات وبيانتها التي تضم إشارات غير مكتملة للتأمين وغير مقترنة بدراسات معمقة، فإن الأوساط الحاكمة، على المستوى الاتحادي ومستوى إقليم كوردستان، ليست لها رؤية تجاه النشاط التأميني الوطني.  وقل مثل ذلك بالنسبة للبرلمان.

 

 

 

التأمين هو يتيم القطاع المالي رغم أهميته الكامنة في إدامة الإنتاج المادي في القطاعات الأخرى، والمساهمة في الخروج من أسر القيم العشائرية في التعامل مع ما يقع بين الناس من اختلاف عند وقوع الأضرار والإصابات، وتجميع الأرصدة القابلة للاستثمار.

 

 

 

أما الأحزاب فإن موضوع التأمين غائب عن تفكيرها حسب المعلومات المتوفرة لدينا باستثناء الحزب الشيوعي العراق الذي أبدى اهتماماً متقطعاً بالنشاط التأميني.[9]

 

بول بريمر ودوره السيئ في الاقتصاد العراقي، وبضمنه التأمين وإعادة التأمين

 

 

 

يقول د. كاظم:

 

 

 

لقد لعب بريمر دوراً سيئاً في الاقتصاد العراقي، وبضمنه التأمين وإعادة التأمين، وترك آثاره السلبية والسيئة على الوضع كله.

 

 

 

لقد حاولت في أكثر من مقالة تتبع الإجراءات التي أقدم عليها بول بريمر لإعادة هيكلة قطاع التأمين العراقي، وكان في باله ومستشاريه، أساساً، الشركات العامة الثلاث (شركة إعادة التأمين العراقية، شركة التأمين الوطنية، شركة التأمين العراقية).

 

 

 

ففي المسودة الأولى لقانون تنظيم أعمال التأمين، المكتوبة باللغة الإنكليزية، أعد الخبير الأمريكي المعتمد نصاً أميناً لليبرالية الجديدة في مجال التأمين.  وقد تم التخفيف من آثارها عند إعداد النص العربي.  وقد تتبعت ذلك في عدد من الدراسات جمعتها في كتاب.[10]  وقبل ذلك قام بمحاولة “العلاج من خلال الصدمة” وفي غضون بضعة أشهر من خلال إعادة هيكلة سوق التأمين العراقي.  وفي دراستي للموضوع في 2004 ذكرت الآتي:

 

 

 

إن تفكيك الشركات العامة الثلاث وتحويلها إلى شركات متخصصة يعكس السياسة العامة لسلطة الأتلاف المؤقتة لخصخصة الاقتصاد.  ومن هنا منشأ خطة خصخصة شركتي التأمين العامتين على مرحلتين وإلغاء شركة إعادة التأمين ضمن الإطار العام لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي المنوط بالشركة الاستشارية بيرنغ بوينت.  وهكذا سيجري الاكتتاب العام بـ 49% من أسهم الشركات الأربع الجديدة عند تأسيسها وإبقاء 51% من الأسهم للدولة مؤقتاً كي تُعرض للاكتتاب العام في نهاية 2004.  ليست هناك وثائق معلنة تصفُ هذه التغييرات الجذرية المقترحة، أو تُفصّل الحجج الاقتصادية لإصلاح قطاع التامين والأسباب التي تستدعي ضرورة تفكيك شركتي التأمين المباشر لخصخصتها وإلغاء شركة إعادة التأمين.[11]

 

 

 

حقاً كان دور بريمر سيئاً كما يشهد عليه مراحل إعداد قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005، فقد وضع هذا القانون، رغم إيجابياته في مجالات معينة، الأساس لتجاوز شركات التأمين العراقية، مثلما ساهم دعاة الليبرالية الجديدة في حكومات المحاصصة في تأكيد هذا التجاوز بصيغ مختلفة: الحرية في التأمين خارج العراق، كما هو الحال في تأمين الاستثمارات، عدم نص عقود الدولة على فقرة التأمين (بعض العقود خالية تماماً من إي إشارة للتأمين)، صياغة عقود الاستيراد على أساس سيف (CIF)، إهمال موضوع التأمين في مشاريع القوانين (كمشروع قانون صندوق الإعمار والتنمية العراقي، ومشروع قانون شركة النفط الوطنية العراقية).  وما زال قطاع التأمين العراقي يعاني من آثار هذا القانون.

 

 

 

ثقافة التأمين ما بين الإنسان العراقي وأصحاب القرار في دولة المحاصصة

 

 

 

يدعو د. كاظم حبيب إلى

 

 

 

كتابة مقالات مبسطة تصل إلى الإنسان العراقي في مجال التأمين، وأملي أن يقوم الأستاذ الفاضل مصباح كمال، وخبراء تأمين أخرين بهذه المهمة، لأن المسؤولين الحاليين لا أمل فيهم في تطوير قطاع التأمين، باعتباره جزءاً حيوياً وأساسياً وضرورياً من الاقتصاد العراقي ولا يجوز التعويل عليهم.

 

 

 

تضم هذه الدعوة عدة أفكار يمكن معالجتها تحت عنوانين:[12]

 

 

 

أولاً، تكثيف الوعي بالتأمين وإشاعة الثقافة التأمينية في المجتمع من خلال مقالات مبسطة.

 

 

 

هناك مقالات مبسطة عن التأمين يمكن قراءة البعض منها في المواقع الإلكترونية مثلما يمكن متابعتها في بعض الكتب التأمينية المنهجية.  ومن رأي أن الثقافة التأمينية مسألة تتجاوز كتابة المقالات المبسطة أو الأكاديمية.  فهناك فقر في وعي دور المؤسسات في تنظيم وإدامة الإنتاج وتقديم الخدمات.  نجد ذلك في نقص الوعي بالتأمين مثلما نجده في نقص الوعي بالوظيفة الضريبية للدولة.

 

 

 

يرُجِع البعض تدني الوعي التأميني إلى الحرب العراقية الإيرانية (1988-1980) والغزو العراقي للكويت (1990) وما تبعه من تحرير الكويت، والغزو الأمريكي للعراق (2003).  ويمكن أن نضيف إليها سنوات العقوبات الدولية (2003-1990) التي ساهمت بشكل مباشر في تآكل دخل المواطنين وإفقارهم بحيث صار شراء الحماية التأمينية ترفاً لا يقدر عليه إلا قلة منهم.  لكن هذه الإحالة لم تقترن بدراسة موثقة تجمع بين السبب والنتيجة إذ أنها وردت في سياق مقابلات صحفية سريعة، وغالباً ما يتركز التعليل على مقارنة بين الوضع القائم وما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي.  لا تتوفر لدينا الإحصائيات لقياس مستوى الوعي التأميني في تطوره التاريخي فهذه مهمة بحثية تقع خارج إمكانياتنا الحالية.

 

 

 

يتعين علينا أن نتذكر بأن التأمين سلعة غير منظورة، هو وعدٌ بتعويض المؤمن له في المستقبل إن تعرَّض هو أو أسرته أو أمواله إلى ضرر.  معظم الناس لا يستشعرون الحاجة لمثل هذا الوعد دونكم توفر القدرة المالية لديهم على شراء هذا الوعد.  هم أكثر قناعة، بفعل الموروث الديني، وبقراءة سلبية له، بالقبول بالقضاء والقدر: “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.” (سورة التوبة، الآية 51)

 

 

 

ديوان التأمين مُلزم بقوة القانون للقيام بدوره في مجال زيادة الوعي التأميني.  فقد جاء في المادة 6-البند 4 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 أن الديوان يهدف إلى:

 

 

 

تنظيم قطاع التامين والاشراف عليه بما يكفل تطويره وتامين سوق مفتوح وشفاف وامن ماليا، وتعزيز دور صناعة التامين في ضمان الاشخاص والممتلكات ضد المخاطر لحماية الاقتصاد الوطني ولتجميع المدخرات الوطنية وتنميتها واستثمارها لدعم التنمية الاقتصادية، وله في سبيل ذلك القيام بالمهام الاتية:

 

 

 

زيادة الوعي التأميني وإجراء الدراسات والبحوث التأمينية وطباعتها.

 

 

 

المعلومات المتوفرة لا تدل على أن الديوان قد قام بتنفيذ مهمة زيادة الوعي، أو إجراء الدراسات والبحوث التأمينية، وهذه من شأنها أن توسع دائرة الاهتمام بالتأمين خارج نطاق شركات التأمين.

 

 

 

ومن رأي أن ديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية، التي تمثل شركات التأمين، ليس لديها برنامج خاص بنشر ثقافة التأمين.  صحيح أن بعض الشركات تلجأ إلى الإعلان التجاري أو الاتصال ببعض الشركات والمنظمات بهدف بيع وثائق التأمين لها أو التعاون معها بهذا الشأن فيما يخص أعضاء هذه التنظيمات، إلا أن هذا الجهد ينصبُّ على التعريف بشركة التأمين وبمنتجاتها من وثائق التأمين.  وهذا الجهد يقابله ما تقوم به جمعية التأمين من خلال الندوات والمحاضرات التي تنحصر فائدتها بمنظميها وبعض المشاركين فيها.

 

 

 

فقر ثقافة التأمين يعكس نفسه في ضعف وربما أحياناً غياب الحملات الإعلانية المركزة، والمتخصصين الاستشاريين في شؤون التأمين، أو المحامين المتخصصين في تفسير عقود التأمين، ومقيّمي الأصول لأغراض التأمين، والكاشفين على الأخطار المعروضة للتأمين (ومعظم هؤلاء لا يرقون في مهاراتهم الفنية إلى ما هو متوقع منهم مهنياً وبالمقارنة مع ما هو متوفر عالمياً)، والصحفيين الذين يتمتعون بمعرفة تأمينية رفيعة.

 

 

 

ويجد هذا الفقر انعكاساً له في غياب مجلة تأمينية إلكترونية أو ورقية بعد توقف مجلة (رسالة التأمين) أواخر ثمانينيات القرن الماضي.  مثلما ينعكس في غياب حملات أسبوعية أو شهرية، حسب الحاجة، لترويج منتجات تأمينية محددة.  (لم تقم أية شركة للتأمين بنشر المعرفة عن تأمينات الحياة من خلال حملات خاصة للتوعية.  مثال ذلك شريط فيديو للتوعية بتأمينات الحياة).  وكذلك إجراء مسح ميداني حول الموقف من الخطر (الخطر الطبيعي، الخطر في المسكن وفي موقع العمل)، والوسائل التي يلجأ لها الناس للتدبر ضد آثار الخطر، ومكانة التأمين ضمن هذه الوسائل … الخ.

 

 

 

ونجده أيضاً بالحضور الضعيف أو الغائب عند وقوع حوادث كبيرة، قد تكون لها تداعيات تأمينية، كاحتلال داعش للموصل، وحادث التفجير الإرهابي في الكرادة، أو حوادث تفجير/انفجار عدد من آبار النفط.  كما نجده في الصمت المطبق من قطاع التأمين عند وضع مشاريع لقوانين لها آثار تأمينية على سبيل المثل، مشروع قانون شركة النفط الوطنية العراقية ومشروع قانون صندوق الإعمار والتنمية العراقي.  كما أن قطاع التأمين غائب عند إعداد موازنة الحكومة.  ثم أن علاقة شركات الـتأمين والجمعية والديوان بوكالات الأنباء والصحف ضعيفة ويباشرها الصحفيون.  وأكاد أن أجزم أن شركات التأمين والجمعية والديوان ليس له موظف مختص لإصدار البيانات الصحفية عن شؤون عامة ذات علاقة بالتأمين، أو إطلاق منتج تأميني، أو تنظيم فعالية معينة.  بعبارة أخرى، فإنها تفتقر إلى التواصل مع الجمهور، ومع الشركات الصناعية والتجارية، والدوائر الحكومية وغير الحكومية.

 

 

 

وباختصار، فإن التأمين يكاد أن يكون غائباً في الحياة العامة إلا من خلال شراء نسبة صغيرة من السكان لوثائق التأمين، وهو موضوع يستحق من يبحث فيه.  ولعله من المفيد الإشارة إلى أن الوعي بمؤسسات أخرى للدولة الحديثة لا تقتصر على التأمين بل تشمل أيضاً ما يمكن تسميته بالوعي الضريبي.  وقد حاولت في بعض دراساتي المنشورة الإشارة إلى هذا الغياب لدى الأحزاب السياسية العراقية.

 

 

 

ثانياً، المسؤولين الحاليين لقطاع التأمين لا أمل فيهم في تطوير القطاع، لأن رؤيتهم قاصرة ولا ترى مؤسسة التأمين كجزء حيوي وأساسي وضروري من الاقتصاد العراقي.

 

 

 

لم يحدد لنا د. كاظم من هم المسؤولون عن قطاع التأمين، وهو موقف مفهوم بفضل طبيعة مقالته.  وأرى أن هؤلاء ممثلون بالآتي: ديوان التأمين العراقي، شركات التأمين وإعادة التأمين العامة (ثلاث شركات)، وشركات التأمين الخاصة (حوالي 30 شركة).  ويمكن أن نختصر الفئتين الأخيرتين بجمعية التأمين العراقية التي تضم في عضويتها جميع شركات التأمين.  وليست هناك مؤسسات تأمينية في العراق غير هذه.

 

 

 

ديوان التأمين، الجهاز الرقابي، ولد هزيلاً سنة 2005، وكغيره من مؤسسات ما بعد الاحتلال الأمريكي لم يتطور إذ اقتصر دوره على إصدار التعليمات وبعض الرسائل التنظيمية، وظل موقع رئيس الديوان قائماً بالوكالة حتى اليوم، وعلى أساس يزعم بأنه طائفي.  ووصل الأمر إلى أن من يحتل موقع رئيس الديوان وكالة هو في نفس الوقت مدير عام أصالة لشركة تأمين عامة، وهو ما يتناقض مع ما لا يجوز لأن الجمع بين هذين الموقعين فيه تضارب في المصالح.  الديوان هو في أسفل هيئات الرقابة في العالم العربي دونكم الهيئات العالمية، من حيث فعاليته في الإشراف على النشاط التأميني.  لم يصدر الديوان منذ تأسيسه ورقة موقف تجاه أية قضية تأمينية أو مسألة لها علاقة بالتأمين.  موقعه الإلكتروني توقف عن العمل.  ويؤدي مهامه المحددة في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 كأي جهاز بيروقراطي.

 

 

 

جمعية التأمين العراقية ليست بأحسن حال من الديوان فهي الأخرى لم تطور عملها إلا في حدود ضيقة كتنظيم دورات تدريبية وعقد بعض اللقاءات، إلا أن حضورها في المجتمع، كالديوان، غائب أيضاً.  وهي كالديوان لا تعير اهتماماً حقيقياً بما له علاقة بالنشاط التأميني إذ أن دائرة اهتمامها محصورة بمصالح أعضائها وليس مكانة التأمين في الاقتصاد الوطني.  وهي ومنذ تأسيسها سنة 2005 لم تقم بإصدار مجلة تأمينية ورقية أو إلكترونية يمكن أن تساهم في إشاعة وعي تأميني خارج دائرتها الضيقة.

 

 

 

أما شركات التأمين فهي مهتمة بتحقيق الأرباح والحفاظ على حصتها من أعمال التأمين في السوق.  ليس لمعظمها خطط عمل سنوية واستراتيجية، وكوادرها دون المستوى المطلوب فنياً.  يكتشف المرء ذلك من قراءة ما يصدر منها من رسائل وتقارير بالعربية أو الإنكليزية.

 

 

 

نعرف بأن التخطيط المركزي صار موضوعاً للإدانة، وحتى التخطيط التأشيري لا يجد له حضوراً.  وهكذا لم يشهد قطاع التأمين تخطيطاً أو سياسة معينة تروج لها الحكومة.  ويتخبط مستشارو الحكومة بتقديم أفكار لإدخال هذا المنتج التأميني أو ذاك ودعم شركات القطاع الخاص ثم لا نسمع شيئاً عنها.

 

 

 

حكومات ما بعد 2003 مهووسة بالاقتصاد الحر وبمفاهيم الليبرالية الجديدة لكنها وبرغم هذا الهوس لم تقدم على ما يساعد في النهوض بقطاع التأمين وتوطين النشاط التأميني.  هي لم تعمل على تعديل المواد الضارة بالقطاع في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005.  وهي لم تُعر اهتماماً حقيقياً بإجراء التأمين من قبل المستثمرين مع شركات تأمين عراقية إذ تركت لهم حرية التأمين في العراق أو خارجه (الموقف ذاته ينطبق على قانون الاستثمار في إقليم كوردستان).  وحتى أحكام التأمين في عقود جولات التراخيص صيغت بشكل بحيث صار دور شركات التأمين العراقية مهمشاً.  وهكذا فشلت هذه الحكومات في خلق البيئة القانونية لعمل شركات التأمين وحرمتها من فرصة تطوير أعمالها.

 

 

 

هناك أزمة في إدارة الدولة ومؤسساتها مثلما هناك أزمة في إدارة الاقتصاد “الوطني” ولذلك فإن وضع قطاع التأمين يشكل صورة مصغرة لمثل هذه الأزمة.

 

 

 

4 كانون الثاني/يناير 2016

 


[1] على سبيل المثل، موقع مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي:

http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?t=2&aid=539853

[2] مصباح كمال، مؤسسة التأمين: دراسات تاريخية ونقدية (بيروت: منتدى المعارف، 2015)، ص 171-172.

[3] مصدر سابق، ص 172-173.

[4] مصباح كمال، التأمين في كوردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 12-32.

[5]           نشرت هذه المقالة في مجلة الثقافة الجديدة، بغداد، العدد 328، 2008، ص 67-76 وهذا هو الرابط:

http://www.althakafaaljadeda.com/328/15.htm

ونشرت كذلك في مجلة التأمين العراقي الإلكترونية:

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/04/328-2008-67-76.html

 

[6] مصباح كمال، أوراق في تاريخ التأمين في العراق: نظرات انتقائية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2011)، 136-109.  النسخة الإلكترونية من الكتاب متوفرة في المكتبة الاقتصادية، شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2015/03/History-of-Insurance-in-Iraq-selected-perspectives-electronic-edition.pdf

 

[7] مصباح كمال، “مؤيد الصفار: مكتتب ومدير في شركة تأمين عامة،” الثقافة الجديدة، العدد 380، كانون الثاني 2016، ص 57-66.  نشرت المقالة أيضاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين ويمكن قراءة النص باستخدام هذا الرابط:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/04/Misbah-Kamal-Mouayyad-Al-Saffar-manager-and-undewriter-in-a-state-owned-insurance-com-final.pdf

أو

https://www.academia.edu/24641469/Mouayyad_Al-Saffar_Manager_and_Underwriter_in_a_State-Owned_Insurance_Company

 

ولي مقالة تلقي بعض الضوء على أحد مظاهر الفساد في قطاع التأمين في فترة ما بعد 2003: مصباح كمال، “وصل القبض بديلاً عن التأمين،” مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2013/02/receipt-voucher-or-insurance-policy.html

[8] أنظر: عبد الباقي رضا، فاروق يونس ومصباح كمال، “شذرات من التاريخ المروي والذكريات الشخصية حول التأمين في العراق،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2015/08/Authors-team-Fragments-from-the-History-of-Insurance-in-Iraq-final-editing.pdf

لدي مجموعة من رسائل الأستاذ عبد الباقي رضا، مجموعة كمسودة لكتاب بعنوان رسائل في السيرة الذاتية والتأمين لم ينشر بعد، تضم وقائع مهمة في إدارته لشركة التأمين الوطنية في عهد البعث.

[9] مصباح كمال، الاحزاب العراقية والتأمين: قراءة أولية في موضوعة حضور وغياب التأمين – الحزب الشيوعي العراقي نموذجاً (مكتبة التأمين العراقي، 2016).  الكتاب متوفر في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/09/Iraqi-Political-Parties-and-Insurance-The-Communist-Party-as-a-Model.pdf

 

[10] مصباح كمال، قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014).  نشرت النسخة الإلكترونية في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين.

 

[11] MEES (Middle East Economic Survey) Vol. 47. No. 19 (10 May 2004) pp D1-D5

نشرت الدراسة أيضاً تحت عنوان “ملاحظات نقدية حول إعادة هيكلة سوق التأمين العراقي،” الثقافة الجديدة، العدد 314، 2005، ص 48-58.

 

[12] كتبت الفقرات التالية أصلاً كجزء من مقابلة أجراها السيد مصطفى الهاشمي، المحرر الاقتصادي لجريدة الصباح، معي في كانون الأول 2016.

 

May Muzaffar: My Experience at the Iraq Reinsurance Company

 

شهادتي عن

 

تجربتي في شركة إعادة التأمين العراقية

 

 

 

 

 

مي مظفر

 

 

 

 

 

نشرت لأول مرة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

 

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/02/مي-مظفر-شهادتي-عن-تجربتي-في-شركة-إعادة-التأمين-العراقية.pdf

 

 

 

 

 

أجمل تحية وألف شكر على تحويل ما كتبه أستاذنا الفاضل الدكتور مصطفى رجب حول تأسيس شركة إعادة التأمين العراقية،[1] ويسعدني، وأنا أسمع صوت الماضي قادماً من بعيد، أن أقدم شهادتي المتواضعة عن تجربتي في شركة إعادة التأمين العراقية ومواكبتي لتطورها الكبير بإدارة هذا الشخص الفذ. بل أعتقد أن من الواجب أيضا بيان وجه من وجوه مرحلة زمنية كان العراق فيها زاخرا بعلمائه ومبدعيه على كل صعيد، زمن تحلى نساؤه ورجاله بالروح الوطنية والتطلع إلى بناء مستقبل باهر. يومها كان للعراق أفق مستقبلي، يؤسفني القول أنه اختفى اليوم، أو يكاد، تحت ظلام الفوضى والدمار.

 

 

 

التحقت بالعمل في شركة إعادة التأمين في الأول من تشرين الأول 1961، عندما كانت مؤسسة فتية، ومشروعا رائداً في العراق، كانت مدخلي إلى الحياة العملية، محاطة بعدد قليل من الموظفين سرعان ما أصبحنا أسرة واحدة.

 

 

 

كنت قد تخرجت حديثا من كلية الآداب حاصلة على بكالوريوس الأدب الإنجليزي، مليئة بالطموح إلى الدخول إلى عالم الأدب. لكن الظروف المتاحة آنذاك وضعتني داخل هذا المسار الغريب عني اسما وطابعا. فقد كانت الشركة بحاجة إلى من يحسن الإنجليزية، وكنت بحاجة إلى عمل. قبل التوجه إلى لقاء مديرها العام، أخبروني بأنني سأعمل مع قامة علمية عالي الكفاءة، نبيل الخلق من أهل البصرة.

 

 

 

في أول مقابلة معه، أحسست أنه لم يكن مقتنعاً بي، وأعتقد أن الحاجة الماسة جعلته يمنحني فرصة للعمل. فكان ذلك عامل تحدٍ دفعني إلى أن أثبت له جدارتي، أو إخفاقي. كنت ورقة بيضاء، مثل الكثيرين الذين جاءوا بعدي وربما قبلي. فكان الدكتور مصطفى أول من وجهني، ووضع لي منهجا أسير عليه من الجانبين العملي والنظري.

 

 

 

في تلك المرحلة المبكرة كنا نتدرب مع خبيرة تأتينا من شركة التأمين الوطنية وهي الآنسة سعاد برنوطي، التي حصلت فيما بعد على بعثة حكومية ونالت الدكتوراه في مجال التأمين من أمريكا. ثم جاءنا خبير من الشركة السويسرية لإعادة التأمين يدعى ألبرت كونز، تولى التدريب العملي كما عقد دورة نظرية، ضمت الموظفين الفنيين غير أن الدورة لم تستمر بسبب تفاوت قدراتهم اللغوية. فرأى الدكتور مصطفى أن من الأفضل إيفاد الموظفين للتدرب في الشركة السويسرية لإعادة التأمين. في الوقت نفسه، ولاهتمامه بالجوانب العلمية، كان يوجه الموظفين للدراسة عن طريق المراسلة من أجل الحصول على شهادة مهنية Chartered Insurance Certificate بإشراف المعهد الثقافي البريطاني في بغداد. فقد كان الطموح العلمي واحداً من معايير الترقية في سياسة الشركة تحت إدارته، بل أصبح من الواضح أن من لا تتسم به شروط اللحاق بالمستوى المطلوب يظل على الهامش.

 

 

 

حين راهن الدكتور مصطفى على إقامة مؤسسة تضاهي الشركة السويسرية لإعادة التأمين، ربح الرهان خلال زمن قياسي. وظلت الشركة تنمو وتتوسع محافظة بشدة، في ظل إدارته، على الدقة في العمل والأمانة والحرفية العالية. فهو لم يكن مجرد رئيس عمل، بل كان مُعلماً حريصاً على إيصال المعرفة إلى العاملين معه، كما كان أحيانا أبا موجهاً لهم من أصغر شيء إلى أكبره بما في ذلك السلوك والهندام. معاييره في الاختيار كانت صارمة، وبذكائه الفذ وذهنه المتقد يدرك مكامن طاقات العاملين معه ويعرف كيف يستثمرها ويطورها. بل كان يراجع كل صغيرة وكبيرة ينتجها العاملون، وسبحان الله سرعان ما كان يلتقط الخطأ ولو كان بين مئات السطور وعشرات الجداول.

 

 

 

أتحدث عن خبرة شخصية من خلال عملي القريب معه على مدى ثمانية عشر عاماً. كان قد نسّبني لمتابعة شؤون قسم الأبحاث الذي كان شديد الاهتمام به كونه مركز وثائق الشركة برمتها، ويحتوي على المكتبة وعلى الدوريات المتخصصة والصحف الأجنبية، وتوزيعها على الأقسام حسب ما يرد فيها من دراسات كل حسب تخصصه. وكنت أوثق كل شيء ضمن بطاقات خاصة.

 

 

 

في منتصف الستينيات قرر إصدار مجلة شهرية، وبطبيعة الحال كان هو رئيس تحريرها، وكنت أقوم بالمهام التي يقوم بها عادة سكرتير التحرير في المتابعة والمراسلة مع المتخصصين العراقيين والعرب، وتحرير الجزء الخاص بالأخبار المهمة على الصعيدين العربي والعالمي، كما تردنا في دوريات التأمين، فضلا عن ترجمة المقالات المنتقاة، ودائما تحت إشرافه وتوجيهاته. كانت المجلة التي عرفت بنشرة التأمين متواضعة في إخراجها، تطبع بطريقة الرونيو، ويجري جمعها وتصحيفها في قسم الأبحاث بعدد لا يتجاوز 500 نسخة، ثم ترسل بالبريد إلى جهات كثيرة منها الجامعات. وسرعان ما نالت رواجاً كبيراً وأصبحت رافداً ومرجعاً للباحثين والطلاب. حين يكتمل العدد، ويرتب، يأتي الدكتور مصطفى للتحقق من سلامة العمل. كان يسحب نسخة من بين كومة النسخ بلا تحديد، وقلوبنا، أنا وزملائي في القسم، واجفة راجفة، وإذا به يجد في تلك النسخة خطأ في التصحيف أو في اسم ما مثلا، إن لم يجد أخطاء أخرى. وكان الله في العون.

 

 

 

أنا مدينة لهذه المؤسسة بالكثير، وللدكتور مصطفى رجب شخصياً في توجيهي نحو كيفية القيام بالبحث والعمل الدؤوب والتزام الدقة (أُسميه ساعة سويسرية)، الأمر الذي ساعدني على صياغة حياتي والتحكم بالوقت. وهذه حقيقة أكررها دائماً حين أسأل عن طبيعة حياتي المنظمة. لم أتعلم منه النظام فقط، وإنما الكمال في الأداء، حتى أدمنته.

 

 

 

حين حتّمت عليَّ ظروفي الشخصية أن أترك العمل للتفرغ للأدب، وكان ذلك في تشرين الأول 1979، كانت شركة إعادة التأمين قد حققت ذروة نجاحها، وأصبحت شركة عالمية بامتياز، وأرقى مؤسسة عربية بلا منازع.

 

 

 

ألف تحية له، وبارك الله بعمره وجهوده.

 

 

 

مي عباس مظفر

 

عمّان 15 شباط 2017

 

 


[1] بعد نشري لرسالة الدكتور مصطفى رجب حول أصول شركة إعادة التأمين العراقية  (أنظر الروابط أدناه)

http://iraqieconomists.net/ar/2017/02/12/%d8%af-%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89-%d8%b1%d8%ac%d8%a8-%d8%a3%d8%b5%d9%88%d9%84-%d8%b4%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84/

 

https://iraqinsurance.wordpress.com/2017/02/12/dr-mustafa-rajab-on-the-origins-of-iraq-reinsurance-company/

 

كتبت السيدة مي مظفر شهادتها عن تجربتها في الإعادة العراقية رفقة هذه الرسالة بتاريخ 15 شباط 2017:

 

“عزيزي مصباح

 

كل الشكر والامتنان على هذه الفرصة التي أتحتها لي للتحدث عن جانب من تجربتي في شركة إعادة التأمين العراقية.

 

ويشرفني أن أرفق هنا هذه الشهادة المتواضعة بحق أستاذنا الدكتور مصطفى رجب، عالم من علماء العراق الأفذاذ، ونموذج للتفاني في العمل الدؤوب من أجل إعلاء شأن البلاد.

 

وبارك الله بجهودك ومسعاك لتوثيق تاريخ هذا الرافد الاقتصادي الحيوي.

 

تقبل مني أجمل تحياتي

 

مي مظفر”

 

وجواباً على سؤالي فيما إذا كان زوجها المرحوم رافع الناصري قد كلف من قبل إدارة شركة إعادة التأمين العراقية برسم لوحات لتزيين بناية الشركة في ساحة الخلاني كتب التالي:

 

اسعد الله أوقاتك عزيزي مصباح

 

يشرفني ان تنشر شهادتي فقد كتبتُ من اجل تنبيه الأجيال وإعلامهم عن الجوانب المضيئة للعراق ولا سيما الأجيال التي لم تَر غير الوجه المظلم منه.

 

اما عن سؤالك حول الاعمال الفنية في الشركة فالجواب هو نعم ولكن لم يكن رافع وحده.

 

كانت مناقصة تشيد مبنى للشركة قد رست على مكتب المعماري المعروف هشام منير، وكان من ضمن التصميم ادخال أعمال فنية لتكون جزءا من التصميم الداخلي للمبنى، واقترح تكليف كل من الرسامين ضياء العزاوي ورافع الناصري والنحاتين إسماعيل فتاح الترك ومحمد غني حكمت، وجميعهم من الفنانين المحدثين الذين ذاع صيتهم منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، وكانت بادرة غير مسبوقة حسب علمي. كما حدد لهم استيحاء موضوعهم من فكرة التأمين والأمان.

احتل تمثال اسماعيل، الذي يعد واحدا من اهم واجمل ما أنتج على واجهة المبنى، وهو من البرونز ويتألف من قطعتين متكاملتين احداهما نحت مدور معلق وخلفه لوحة برموز مسمارية ثبتت على الحائط، وقدم محمد غني جدارية من البرونز بنحت بارز عليها أشكال رمزية ايضا احتلت الجدار الداخلي لمدخل العمارة، كما وضعت لوحة رافع الناصري التي امتدت على عرض الجدار في الطابق السادس، وكان لسعة حجمها قد نفذها في الموقع نفسه، ووضعت لوحة العزاوي على جدار في الطابق الثامن، حيث يقع مكتب المدير العام، وسرعان ما رفعت بسبب غموض تكوينها. وبعد بضعة أعوام رفعت لوحة رافع ايضا ولم يعد يعرف مصيرهما.

 

لقد ثبت هذه المعلومات في كتابي الذي صدر في ٢٠١٦ عن الفن الحديث في العراق، حين تحدثت عن التعاون الذي نشا بين المعماريين والفنانين.

 

كل الشكر باهتماماتك الدقيقة، مع تحياتي واحترامي.

 

مي مظفر”

 

للتعرف على الفن المعماري لمكتب هشام منير راجع: د. خالد السلطاني “عمارة مكتب هشام منير: مهنية المنجز… وحداثته (2-2)” المنشور في موقع إيلاف حيث يشير إلى مبنى شركة إعادة التأمين العراقية مع صورة له.

http://elaph.com/Web/Culture/2011/5/656803.html

 

 

Dr Mustafa Rajab: On the Origins of Iraq Reinsurance Company

د. مصطفى رجب:

أصول شركة إعادة التأمين العراقية

 

 

نشرت هذه الورقة لأول مرة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين

د. مصطفى رجب*: أصول شركة إعادة التأمين العراقية

 

 

تقديم لرسالة الدكتور مصطفى رجب

 

كتبتُ أكثر من مرة بأن تاريخ التأمين في العراق لم يُبحث، والمحاولات القليلة التي قمتُ بها بهذا الشأن لا ترقى إلى مستوى البحث التاريخي الأكاديمي. وكان من بين هذه المحاولات مشروع للتحقق من جذور شركة إعادة التأمين العراقية الذي بقي معلقاً بانتظار الوصول إلى بعض المعلومات رغم تأكدي من الدور الأساس للدكتور مصطفى رجب بهذا الشأن. فقد ذكرتُ في الجدول رقم 2 في مقالتي “ممارسو التأمين العراقيين في المهجر” المنشور في مجلة التأمين العراقي (نشرت آخر نسخة منقحة منه بتاريخ 18 آب 2014)

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2014/08/iraqi-insurance-practitioners-in_18.html

أن مصطفى رجب هو “من مؤسسي شركة إعادة التأمين العراقية وكان مديراً عاماً لها لعدة سنوات. ترك العراق وعمل في إدارة شركة تأمين إماراتية وطنية، وبعد تقاعده عن العمل صار يعمل استشارياً في مجال التأمين في دولة الإمارات العربية حيث يقيم.”

 

إن المعلومات المتوفرة عن شركة إعادة التأمين العراقية لا تتجاوز سنة التأسيس والقانون الخاص بالشركة والأطراف المساهمة في رأسمالها. مع بدء 2017 تبادلت بعض الرسائل مع زميلي جون ملكون وسمير عبد الأحد (نعمل معاً كهيئة طوعية غير ربحية باسم التجمع التأميني العراقي) عن اسم/أسماء الشخص الذي فكَّر بتأسيس شركة إعادة التأمين العراقية. كان رأي جون ملكون أن سؤال التعرُّف على صاحب فكرة تأسيس الإعادة العراقية يجب أن يوجَّه للدكتور مصطفى رجب، مضيفاً أنه “كان للمرحوم واركيس بوغوص دوراً في قيادة الشركة على الصعيد الدولي.” وكان رأي سمير عبد الأحد أنه لم يكن للمرحوم واركيس أي دور في الفكرة أو التأسيس، وأن الفكرة، في اعتقاده، “بدأت أولاً لدى الوزارة حيث اختير الدكتور مصطفى لإدارتها ووضع أساليب العمل واختيار الموظفين ومن ضمنهم المرحوم واركيس. مع ذلك أرجو التأكد من الدكتور مصطفى توخياً للأمانة.”

 

في تعليقي على ما ذكره سمير كتبت التالي: “اتفق معك بأن الفكرة بدأت لدى وزارة الاقتصاد ولكن دون أن نعرف من كان صاحب الفكرة. ليست هناك معلومات منشورة بهذا الشأن. ما يؤيد أن الفكرة بدأت لدى الوزارة ما قرأته مؤخراً في كتاب د. حافظ شكر التكمجي، مذكرات إنسان وتحديات الحياة والزمان (دون ناشر، 2016)، ورد فيه أن حكومة ثورة تموز 1958 عينته معاوناً لمدير الاقتصاد العام في وزارة الاقتصاد، وأن الوزارة حققت إنجازات كبيرة ومنها “ربط شركة التأمين بالوزارة [اعتقد أن الشركة المعنية هي شركة التأمين الوطنية]، وإنشاء شركة إعادة التأمين وأصبح مديرها العام الدكتور مصطفى رجب.” (ص 126-127). وبالطبع، فإن هذا الاقتباس لا يضم تشخيصاً أو معلومات تفصيلية يمكن الاستفادة منها لأغراض البحث التاريخي.

 

وهكذا توجهت إلى الدكتور مصطفى رجب مباشرة للتحقق من الموضوع. ومن بين ما كتبته في رسالتي له بتاريخ 30 كانون الثاني 2017 الآتي:

 

“… وجودك حاضر معي دائماً كلما جاء ذكرٌ لشركة إعادة التأمين العراقية أو عندما يُشار إلى من أسماهم أحد أصحابي بعمالقة التأمين في العراق وهو القائل بأننا نهلنا المعرفة التأمينية والمهارات العملية المرتبطة بها بفضلهم ولأننا كنا نعمل في ظلهم، وأنت من هؤلاء العمالقة إضافة إلى آخرين، مع حفظ الألقاب، كبهاء بهيج شكري وعبد الباقي رضا.

 

بودي أن أتابع التحقيق في موضوع تأسيس الإعادة العراقية معك، إن كنت لا تمانع في ذلك. ربما يسهل عليك الأمر لو أنني قمت بتوجيه مجموعة من الأسئلة لك بهذا الشأن. وعدا ذلك سأكون ممتناً لك لو كتبت شيئاً عن تأسيس الإعادة العراقية التي ارتبط وجودها وتطورها وتعزيز مكانتها داخل وخارج العراق بك لعقدين. آمل ذلك.”

 

وقد كان الدكتور كريماً معي فكتب رسالته أدناه. هي بمثابة الوثيقة التاريخية المكتوبة بتجرد وتواضع في عرض شديد الاختصار لخلفية تأسيس شركة إعادة التأمين العراقية ودوره الأساس فيها منذ لحظة ولادتها كفكرة. وفي ظني أن لديه الكثير الذي يمكن أن يقوله عن الإعادة العراقية، فهو صانعٌ ماهر لتاريخ هذه الشركة لحين ابتعاده عنها عام 1980 ولأنه شاهدٌ على قضايا التأمين في العراق. ومن رأي أن الدكتور مصطفى رجب ليس هو فقط المؤسس الفعلي لإعادة التأمين كنشاط اقتصادي متميز وإنما الرائد لمؤسسة إعادة التأمين العراقية. من المؤسف والمحزن أنه أسس وبنى ليأتي غيره، من داخل وخارج العراق، ليضعضع البنيان الناجح الذي اسمه شركة إعادة التأمين العراقية – “مدرسة” تخرج منها مجموعة خيرة من ممارسي إعادة التأمين انتشروا، كرائدهم الدكتور رجب، خارج العراق.

 

ويسرني أن أنقل رسالة الدكتور مصطفى رجب للقراء بعد الحصول على موافقته. آمل أن تلقى ما تستحقه من تعليقات نقدية وإضافات في سياق تحديد جوانب من التاريخ الاقتصادي لقطاع التأمين في العراق. فعندما قام بتأسيس الإعادة العراقية عام 1960 لم تكن هناك شركات متخصصة بأعمال إعادة التأمين في دول “العالم الثالث.” كانت هناك مللي ري التركية (1929)، وبالنسبة للعالم العربي، الشركة المصرية لإعادة التأمين (1957، باشرت العمل سنة 1958)، والشركة التونسية للتأمين وإعادة التأمين (1959). كان ذلك قبل تأسيس الأونكتاد (1964) التي أخذت وقتها تشجع على تأسيس الشركات الوطنية والمجمعات الإقليمية لتطوير صناعة التأمين وإعادة التأمين في هذه الدول.

 

مصباح كمال

9 شباط 2017

 

 

نص رسالة الدكتور مصطفى رجب

 

أبو ظبي في 4/2/2017

 

الأخ الأستاذ / مصباح كمال المحترم

 

تحية طيبة وبعد،

 

أشكركم لما حوته رسالتكم من مشاعر أخوية أثارت في نفسي ذكريات دفينة، وكما تعلم فإن كبار السن يعيشون على الذكريات حلوها ومُرَّها.

 

في أواسط سنة 1959 (وكنت حينها أشغل وظيفة مسجل الشركات في وزارة الاقتصاد بعد فترة قصيرة قضيتها مستشاراً قانونياً لمجلس الإعمار في بغداد) اتصل بي وزير الاقتصاد وسألني السؤال الآتي: يُقال ان بعض الشركات تسمي نفسها شركات إعادة التأمين، ما هي هذه الشركات؟ أجبته أنني سأبحث الموضوع وأعود إليه. وبعد عدة إيام من البحث والتقصي جمعت المعلومات المطلوبة وقدمتها إليه في اجتماع في الوزارة. فبادرني بالقول: لماذا لا نؤسس شركة إعادة تأمين في بغداد؟ وكلفني باتخاذ الإجراءات المقتضية.

 

وقمت خلال ثلاثة أشهر بإعداد الدراسات وتنظيم عقد التأسيس والنظام الأساسي على أساس أنها ستكون شركة ذات رأسمال مختلط (قطاع عام وقطاع خاص)، تُؤسس بقانون خاص يُلزم شركات التأمين العاملة في الدولة بإسناد حصة إلزامية في إعادة التأمين من القعر، أي حصة من وثائق التأمين وليس من اتفاقيات إعادة التأمين الصادرة.

وبالنظر لعدم وجود أية خبرة في أعمال إعادة التأمين في العراق في حينه فقد اتصلت بالشركة السويسرية لإعادة التأمين لتقديم المساعدة الفنية وقيادة اتفاقيات إعادة التأمين (Retrocession) الخاصة بالشركة حيث بادرت الشركة السويسرية بإرسال أحد موظفيها المختصين وأعتقد أنه كان (Mr Kunz) حيث أمضى معنا فترة ثلاثة أشهر في بغداد وكان مثالاً للسويسري الجدّي والدقيق في عمله والحميم في علاقاته الشخصية.

 

وأذكر أن وزير الاقتصاد كلفني، بعد تأسيس الشركة، بالبحث عمن يمكن أن يتولى إدارة الشركة حيث أجريت الاتصالات بالعديد من المختصين العاملين في سوق التأمين العراقية فلم يقبل أحد منهم هذه المهمة. كما أجريت الاتصالات بسوق التأمين المصرية (بسبب أنهم سبق وأن أسسوا الشركة المصرية لإعادة التأمين في سنة 1958 م) فلم يقبل أحد منهم.

 

وحينما اقترب موعد بدء الشركة بأعمالها الرسمية ولم يكن قد تم تعيين من يديرها، كلفني وزير الاقتصاد بإدارة الشركة وكالة. لقد ترددت في حينه إذ أنني وإن كنت أعمل في وزارة اقتصاد إلا أنني كنت أتطلع (منذ عودتي من الدراسة في سويسرا) إلى التدريس في كلية الحقوق (هكذا كان اسمها). وقبلت المهمة بشرط أن تكون المدة ستة أشهر، وانقضت الأشهر الستة ولم نُفلح في العثور على المدير المنشود فكلفني وزير الاقتصاد بالانتقال إلى إدارة الشركة بشكل نهائي، وهكذا كان لكي يستمر عملي في ميدان التأمين وإعادة التأمين 55 سنة!

 

وكانت المهمة الدقيقة هي البحث عن مجموعة من الشباب العراقيين ممن أتوسم فيهم الكفاءة والإخلاص (أو الإخلاص والكفاءة) وممن يتقنون اللغة الإنجليزية لأنها لغة إعادة التأمين. اتصلت بإدارة (جامعة الحكمة) لترشيح مجموعة من الشباب ممن كانوا في الصف المنتهي حيث تمَّ ذلك، واتصلت بالمرشحين وأقنعتهم بالالتحاق بالشركة، ثم التحق بالشركة عدد آخر من الشباب الأكفاء من خريجي الجامعة في بغداد حيث جرت عملية تدريب مكثفة داخل العراق وفي سوق التأمين في لندن.

 

وبدون ذكر أية أسماء خوفاً من نسيان أحدهم أقول:

 

لقد كانت مجموعة الشباب الذين عملوا معي في شركة إعادة التأمين العراقية مجموعة متميزة: خُلقاً وكفاءة، عملوا بكل تفان ونكران ذات، بذلوا جهوداً مضنية وكرَّسوا كل وقتهم من أجل اكتساب الخبرة في ميدان جديد، وقد اكتسبوها عن جدارة. وكان يقال في حينها: هناك جهتان تبقى مكاتبها مُضاءة في بغداد حتى الساعة العاشرة والحادية عشر ليلاً: البنك المركزي وشركة إعادة التأمين العراقية.

 

وفي سنة 1963 (إن لم أكن ممن تخونهم الذاكرة) كانت شركة إعادة التأمين العراقية أول شركة إعادة تأمين من الدول النامية تفتح لها مكتب اتصال (Contact Office) في لندن. وكانت الفكرة من وراء تأسيس المكتب ليس فقط الوجود الفعلي في سوق عالمية هي سوق لندن وإنما لإرسال مجموعة من الشباب للعمل في مكتب وسوق لندن ثم العودة بعد عدة سنوات لاحتلال مراكز متقدمة في الشركة.

 

ولقد كان واضحاً لديَّ منذ البداية أن أعمال إعادة التأمين لا تتلاءم مع القيود المفروضة في العديد من الدول على تحويل النقد الأجنبي التي يفرضها البنك المركزي فأجريت الاتصالات مع المسؤولين في البنك المركزي وبإسناد من وزارة الاقتصاد تم إعفاء الشركة من القيود على تحويل النقد إلى الخارج.

 

وأذكر أن ممثلاً لإحدى شركات إعادة التأمين العالمية والمسؤول عن المنطقة قال لي يومها: حينما يتقرر أن أزور المنطقة للاجتماع مع شركة إعادة التأمين العراقية فإنني أقوم بتحضير معلوماتي وأوراقي بشكل دقيق لأنني أعلم أنني سألتقي بأشخاص مختصين.

 

لقد كان هدف جميع العاملين في الشركة إثبات أن ممارسة أعمال إعادة التأمين ليست حكراً على الدول المتقدمة.

 

أرجو أن أكون قد أعطيت معلومات موضوعية عن تجربة تستحق الذكر.

 

مع خالص تقديري ومودتي.

 

الدكتور مصطفى رجب

Challenges Faced by Iraq’s Insurance Sector

منعم الخفاجي:* التحديات التي يواجهها قطاع التأمين في العراق**

نشرت هذه الدراسة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين

http://iraqieconomists.net/ar/2017/01/24/%d9%85%d9%86%d8%b9%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%81%d8%a7%d8%ac%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d9%8a%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87%d9%87%d8%a7-%d9%82%d8%b7/

 

مقدمة

 

لا شك ان للتأمين دور مهم وفعّال في التنمية الاقتصادية بشكل عام إذ هو يوفر المال اللازم لإعادة إنشاء أو ترميم المشاريع المتضررة بسبب الحوادث، وكذلك ما ينتج من خسائر في الأرباح عن هذه الحوادث التي بسببها يضطرب أو يتوقف العمل كلياً لحين استئناف العمل كما كان قبل بدء الضرر واستئناف دور هذه المشاريع في عملية التنمية، وهو خير وسيلة لتشجيع التجارة، كما وله في الحياة الاجتماعية دور مهم حيث يوفر تعويضاً للأفراد عما يصيبهم من حوادث في أموالهم وأنفسهم وما قد تترتب عليهم من مسؤوليات تجاه الآخرين. وله أيضاً تأثير مهم في ميزان المدفوعات وهو خير وسيلة للادخار وضمان لمستقبل الفرد وعائلته. لكل هذه الفوائد وكثيراً غيرها، يصبح من الضروري الاهتمام بهذا المرفق الاقتصادي والاجتماعي المهم.

حالة سوق التأمين في العراق حاليا

 

قبل الدخول في بحث التحديات التي يواجهها قطاع التأمين في العراق من الضروري التطرق إلى الوضع العام لسوق التأمين العراقية.

 

يتكون قطاع التأمين في العراق حالياً من شركتين حكوميتين تزاولان العمل التأميني المباشر وأخرى حكومية لإعادة التامين وأكثر من ثلاثين شركة مساهمة خاصة، وهو بمجمله يعاني ويمر بمرحلة سلبية انعكست بشكل رئيسي على حجم أقساط التأمين المتحققة حيث بلغت خلال سنة 2014 المالية (217) مليون دولار منها (143) مليون دولار فقط أقساط التأمينات العامة و (74) مليون دولار اقساط التأمين على الحياة، بينما المعطيات تشير إلى وجوب أن تكون هذه الأقساط أكبر بكثير من هذا الرقم، وهذه الحقيقة تتجلى في المقاربة التالية.

 

في سنة 1982 كانت أقساط التأمينات العامة (عدا أقساط التأمين على الحياة) المتحققة من قبل شركة التأمين الوطنية، التي كانت آنذاك الشركة الوحيدة التي تزاول التأمينات العامة في العراق، قد بلغت (600) مليون دولار، في حين إن أي دولة من الدول العربية أو الإقليمية لم تحقق في حينه هذا القدر من أقساط التأمين في هذه الفترة.

 

لو قارنا أقساط التأمين المكتتبة (المتحققة) خلال سنة 2014 في الدول أدناه مع ما تحقق منها في العراق لأدركنا مدى التراجع الكبير في أقساط التأمين المتحققة فيه مع ما كان يجب أن تكون عليه وفقا للمعطيات السائدة، إذ كان مقدراً لها ان تكون بمليارات الدولارات سنويا، بسبب زيادة الناتج القومي الإجمالي (G.D.P.) وما تبعه من نمو التجارة وتوسع الاستيرادات بعد التحول إلى اقتصاد السوق وأسباب أخرى سيشار اليها تالياً، وبما أن هذه الحالة تنطبق على السنوات السابقة واللاحقة لسنة المقارنة (2014)، فلنا أن نقدر ضخامة المبالغ التي تم هدرها بالعملة الصعبة بصفة أقساط تأمين ذهبت إلى خزائن شركات تأمين أجنبية ولا زالت مستمرة ولو بوتيرة أبطأ بسبب تراجع الإيرادات.

 

جدول بأقساط التامين المكتتبة في بعض الدول العربية[1]

العملة مليون دولار

التسلسل الدولــــــــة أقساط التأمينات العامة (عدا الحياة) أقساط التأمين على الحياة المجموع الناتج القومي الإجمالي

G.D.P)) مليار دولار

1 العراق 143 74 217 5/223
2 البحرين 515 173 688 9/33
3 الكويت 592 325 917 6/172
4 الاردن 667 75 742 9/35
5 تونس 748 141 889 6/48
6 لبنان 1078 434 1512 -/50
7 مصر 1079 888 1967 4/286
8 الجزائر 1492 106 1598 /214
9 المغرب 2257 1123 3380 -/110
10 السعودية 8106 8106 -/746
11 الأمارات 9137 8107 -/399

 

إن هذا الانخفاض الكبير في أقساط التأمين في العراق سببه التحديات التي يواجهها قطاع التأمين العراقي وهي كالآتي:

 

أولا- تحديات عامة: تواجهها القطاعات كافة ومنها قطاع التأمين وأهمها:

 

1- الأمن غير المستتب. (Unstable Security)

هذا الأمر أدى إلى عزوف رؤوس الأموال الأجنبية عن الاستثمار في العراق بل وحتى قد أدى إلى انتقال رؤوس الأموال العراقية إلى دول أخرى، وبذلك يكون قطاع التأمين العراقي قد خسر توفير الأغطية التأمينية على هذه الاستثمارات وما يترتب على ذلك من اقساط تأمين.

2- المحاصصة. (Sectarianism/Quotas)

هذه الآفة عانى ويعاني منها قطاع التأمين حيث تم إشغال مناصب في هذا القطاع غاية في الأهمية من قبل أشخاص لا يمتلكون أي خبرة أو معلومات تتطلبها هذه المهنة التي تحتاج في إدارتها إلى معرفة بنظريات وشروط التأمين وإعادة التأمين وخبرة عملية في كيفية التعامل مع أسواق إعادة التأمين العالمية.

3- الفساد الإداري والمالي Management and Financial Corruption))

الفساد الإداري هو آفة لا تقل أضرارها عن المحاصصة وهو وليدها إذ أينما وجدت المحاصصة وجد الفساد الإداري أما الفساد المالي فحدث عنه ولا حرج.

 

إن معالجة هذه التحديات تقع بشكل رئيسي على عاتق الدولة والمجتمع بأكمله ومنها قطاع التأمين.

 

ثانيا- تحديات خاصة: وهي التي يواجهها قطاع التأمين، وعلى هذا القطاع وبالتعاون مع آخرين معالجتها وأهم هذه التحديات ما يلي:

 

التحدي الأول – شركات التأمين وإعادة التأمين

 

التأمين في العراق بشكله التجاري الحديث بدأت ممارسته في أواخر الحكم العثماني مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من قبل فروع ووكالات لشركات أجنبية أوربية، أمريكية وهندية. وبالتأكيد كانت هذه الوكالات تزاول هذا العمل التأميني بخبرة ونماذج وثائق ومستندات الشركات الأم، حتى سنة 1946 حيث تأسست أولى شركات التأمين العراقية برأسمال عراقي بواقع 40% وأجنبي 60% باسم شركة الرافدين للتأمين. وفي سنة 1950 تم تأسيس أول شركة تأمين برأسمال عراقي حكومي 100% هي شركة التامين الوطنية التي زاولت العمل سنة 1952. وفي سنة 1958 تم تأسيس أول شركة تأمين يمتلكها القطاع الخاص العراقي بالكامل هي شركة بغداد للتأمين تلتها في سنة 1959 شركة أخرى هي شركة التأمين العراقية. وفي سنة 1960 تم تأسيس شركة إعادة التأمين العراقية وهي شركة مختلطة أصبحت بعد تأميمها حكومية، متخصصة بأعمال إعادة التأمين حصراً. ثم توالى تأسيس شركات تأمين عديدة من قبل القطاع الخاص العراقي حتى أصبح عددها سبع شركات عشية إصدار قرارات التأميم في تموز 1964 حيث تم تأميم جميع شركات التأمين الخاصة وشركتي التأمين الوطنية وشركة إعادة التأمين العراقية. تلت قرارات التأميم عمليات دمج لشركات التأمين مع بعضها باعتبار أن ملكيتها آلت في النهاية إلى جهة واحدة هي وزارة المالية، فاستقر قطاع التأمين العراقي على ثلاث شركات هي:

 

  1. شركة التأمين الوطنية. متخصصة في أعمال التأمينات العامة (عدا التأمين على الحياة)
  2. الشركة العراقية للتأمين على الحياة. تزاول أنواع التأمين على الحياة.[2]
  3. شركة إعادة التأمين العراقية. متخصصة في أعمال إعادة التأمين حصراً.

هذه الشركات قادت العمل التأميني، بإشراف المؤسسة العامة للتأمين[3] إلى مراحل متطورة حيث مارسته وفقاً لأسس ونظريات ومبادئ التأمين الصحيحة حتى أصبح قطاع التأمين العراقي هو والمصري خلال السبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي من أكبر وأهم والأكثر تطوراً بين قطاعات التأمين العربية إذ بلغت أقساط التأمين في العراق آنذاك مستويات قياسية، وعلى مستوى علمي متطور حيث أصبح العراق مركزاً لتدريب الكوادر التأمينية العربية والاستعانة بكوادره لتأسيس شركات تأمين في بعض الدول العربية ورفدها بالكوادر للمساعدة في إدارتها. ولكن للأسف وبسبب السياسات العامة وتوريط العراق بحروب هو في غنى عنها بدأ قطاع التأمين كما بقية القطاعات بالتراجع والتآكل بسبب الحصار والمقاطعة التي فرضت على العراق بعد اجتياح الكويت سنة (1990). ولكن، وبالرغم من الحصار والمقاطعة استمر العمل التأميني في الشركات الثلاث بدون إعادة تأمين مستخدِمةً وسائل العمل المتاحة لزيادة مبالغ الحد الأعلى للأغطية الممنوحة، كالتأمين المشترك (Co-insurance) والتأمين على أساس الخسارة الأولى (First Loss basis) وتقسيم محال التأمين الكبيرة إلى أخطار متعددة، وفي بعض الأحيان مضاعفة مبالغ التأمين المقبولة مستفيدة مما يعرف بأكبر خسارة ممكنة (Maximum Possible Loss) – كل ذلك بفضل الكوادر التأمينية العراقية التي هاجرت فيما بعد بسبب الوضع الاقتصادي المتردي.

 

 

تأسيس شركات القطاع الخاص

 

منذ تأميم شركات التأمين في تموز 1964 لم يكن مسموحاً لمزاولة أعمال التأمين وإعادة التامين إلّا من قبل الشركات الحكومية الثلاث حتى تم تشريع قانون الشركات رقم 21 لسنة 1997 الذي سمح للقطاع الخاص بتأسيس شركات مساهمة تزاول أعمال التأمين. وفعلا تم تأسيس أول شركة تأمين يمتلكها القطاع الخاص سنة 2000، وتوالى تأسيس هذه الشركات حتى أصبح عددها أربع قبل سقوط النظام سنة 2003، ثم توالى تأسيس شركات التأمين من قبل القطاع الخاص حتى أصبح عددها حالياً يفوق الثلاثين شركة والمزيد منها تحت التأسيس.

 

بالرغم من التفاؤل والأمل بأن تسير الأوضاع نحو الأحسن بعد سقوط النظام السياسي في سنة 2003 إلّا أن ذلك لم يتحقق، إذ اتضح ذلك بعد إصدار قانون تنظيم أعمال التأمين الصادر بالأمر رقم (10) لسنة 2005 الذي لم تراع فيه مصلحة شركات التأمين العراقية، (وهو يعتبر ثاني أهم التحديات التي يواجهها قطاع التأمين العراقي) فانعكس هذا الأمر سلباً على هذه الشركات.

 

الوضع العام لشركات التأمين حالياً

 

للأسف القول إن الأغلبية الساحقة لهذه الشركات تفتقد حالياً مقومات ممارسة العمل التأميني من حيث الحجم والكادر المؤهل لإدارتها بشكل صحيح وفقا لمبادئ ونظريات علم التأمين وما يتعلق به من انشطة مساندة ضرورية لتنفيذ عمل شركات التأمين وإعادة التأمين. فعدد كبير من هذه الشركات تفتقد قاعدة مالية رصينة، والمستوى الفني الذي تمتلكه متواضع جداً إن لم يكن معدوماً في اغلبيتها، فهي تدار من قبل أشخاص لا علاقة لهم بالتأمين، والمشكلة تكمن من الاساس بظروف تأسيس هذه الشركات، حيث أن نية المشرع عندما اشترط في المادة (10- ثانيا) من قانون الشركات رقم 21 لسنة 1997 المعدل، ان تكون شركات التأمين وإعادة التأمين وشركات الاستثمار المالي، شركات مساهمة. وتأكد ذلك في المادة (13- ثانيا) من قانون تنظيم أعمال التأمين رقم 10 لسنة 2005 حيث نصَّت على عدم جواز ممارسة أعمال التأمين إلّا من الشركات العراقية المساهمة من بين مؤسسات اخرى إدراكاً لأهمية شركات التأمين وإعادة التأمين ودورها الحيوي في التنمية وحماية الفرد والمجتمع من الناحية الاقتصادية. إلّا أن الالتفاف على هذه القوانين حاصل بحيث تحولت، عملياً، الكثير من هذه الشركات إلى شركات تدار من قبل شخص واحد، لا خبرة له في العمل التأميني، كما لو انها شركات فردية.

 

وحدث ولا حرج عن مخالفات قانونية وفنية لأسس وآليات العمل التأميني، وفي مجال الحسابات الختامية أيضاً دون أن يتم التطرق اليها من قبل مدقـقي حسابات تلك الشركات.

 

كل هذه الأمور تعتبر تحديات يجب مراجعتها من قبل كل المعنيين بها بهدف تصحيح مساراتها. ومن أجل إيجاد شركات تأمين وإعادة تأمين قادرة على مواكبة تطور العمل التأميني واستمرارية عملها بنجاح محققة فوائد التأمين تتوجب معالجة التحديات أعلاه، بحيث تمتلك شركات التأمين وإعادة التأمين الصفات التالية ضمانا لديمومتها والإيفاء بالتزاماتها تجاه حملة الوثائق:

 

1- الحجم المناسب (Appropriate Size)

لا شك أنه كلما كان حجم شركة التأمين، أي القاعدة المادية كبيراً، كلما كانت مؤهلة لبناء كادر متخصص يدير وينفذ العملية التأمينية بنجاح، وكذلك إمكانية الاحتفاظ بنسب عالية من مبالغ تأمين الوثائق التي تكتتب بها الشركة وبالتالي التقليل من الاعتماد على إعادة التأمين وبالأخص مع شركات إعادة تأمين اجنبية. وهذا سيؤدي بدوره إلى توفير جزء من العملة الصعبة التي تدفع كثمن لشراء أغطية إعادة التأمين الضرورية، وأن تكون قادرة على الإيفاء بالتزاماتها في تسديد التعويضات.

 

 

2- الكادر المؤهل (Efficient Staff)

لإدارة العملية التأمينية بنجاح يتوجب على شركات التأمين وإعادة التأمين أن تهتم بأركان أو محاور العمل الأساسية الثلاث التالية وتوفير الكوادر المؤهلة لإدارتها، باعتبار أنها المقومات الضرورية لعمل هذه الشركات:

 

أ- الاكتتاب وتسوية التعويضات (Underwriting and Claims Adjustment)

لا شك أن الاكتتاب الصحيح المتوازن غير المنفلت أو المتزمت وتسوية التعويضات بعدالة وفقاً لمبادئ التأمين وشروط عقد التأمين وممارسات الدول المتقدمة في هذا المجال هما خير وسيلة لضمان الاستمرار وديمومة عمل أي شركة تأمين أو شركة إعادة تأمين بنجاح.

 

ب– التسويق (Marketing)

من المعروف أن شركات التأمين لا تبيع سلعاً أو خدمات تلبي حاجة آنية ملموسة إذ هي تسوق وتبيع وعوداً قد تلبي حاجة أو منفعة مستقبلية إن تحقق الضرر الناتج عن خطر مؤمن منه، وعليه فإن تسويق الخدمات التأمينية يحتاج إلى مسوقين أكفاء لهم القدرة على توضيح نوع الخدمة التي يسوقونها وإقناع من يحتاجها بضرورة شرائها. وهذا يعني أن مقدم الخدمة التأمينية هو الذي يذهب إلى من يحتاجها من اجل بيعها ومن هنا صحت المقولة “بأن التأمين يباع ولا يُشترى”. لذلك يتوجب على شركات التأمين ان تهتم ببناء جهاز تسويق نشط وكفؤ قادر على اقناع وكسب ثقة الزبائن باعتباره واجهة للشركة.

 

ج – الاستثمار (Investment)

بما أن شركات التأمين وشركات إعادة التأمين تعتبر من شركات تجميع الأموال وذلك لأن رؤوس الأموال والاحتياطيات الرأسمالية لهذه الشركات لا تستخدم في إدارة العملية التأمينية، بل وحتى أقساط التأمين وأقساط إعادة التأمين التي تستلم مقدما، (منها تسدد التعويضات والمصاريف الأخرى والفائض منها هو الربح الذي تحققه الشركة يوزع وفق القوانين)، هي الأخرى لا تستخدم إلّا بعد فترة من تسلمها، فمن غير المعقول أن تبقى هذه الأموال حبيسة في خزائن الشركة دون عائد. بل إن الضرورة والحكمة أن تستثمر هذه الأموال الاستثمار الأمثل الذي يحقق العائد ألأفضل الذي ينعكس بدوره على تعزيز مركز الشركة ويؤهلها للتنافس باعتبار أن هذا العائد يمكن أن يؤدي إلى تخفيض أسعار التأمين مما يسهل التسويق للحصول على أعمال أكثر.

 

هذه الأركان أو المحاور الثلاث التي يكمل بعضها البعض الآخر تحتاج إلى كوادر متخصصة لإدارتها وبما أن أحجام أغلب شركات التأمين العراقية الخاصة صغيرة جداً فهي غير مؤهلة للنهوض بتطوير هذه المحاور الأساسية لعمل تأميني ناجح حيث انها تفتقر إلى الحد الأدنى من الكادر المتخصص ولا تستطيع بناء وتطوير كادر مؤهل بسبب ضعف إمكانياتها المالية، إذاً فإن هذه الشركات تحتاج إلى إعادة تنظيم جذري.

 

ومن هنا تنطلق الدعوة لإيجاد كيانات كبيرة الحجم تستطيع استخدام الخبراء وبناء كوادر محلية قادرة على ادارة الشركة بكفاءة.

 

ومن أجل تذليل كل ما تقدم من تحديات خاصة بشركات التأمين وإعادة التأمين، ينبغي الاهتمام وتنفيذ الإجراءات التالية:

 

  1. أن لا تمنح إجازة التأسيس لأي شركة من قبل دائرة تسجيل الشركات في وزارة التجارة ولا رخصة مزاولة أعمال التأمين من قبل الهيئة المختصة (ديوان التأمين حالياً)، إلّا بعد أن يتم التأكد من أن شروط التأسيس وشروط منح رخصة مزاولة العمل وفي مقدمتها الكادر المؤهل متوفرة بالطلب من ناحية قانونية وفعلية نصاً وروحاً وفقا لنية المشرع.
  2. زيادة الحد الأدنى لرؤوس أموال هذه الشركات إلى مستوى مقبول، ويطبق على الشركات التي تؤسس مستقبلاً والموجود منها حالياً على أن تمنح هذه الأخيرة فترة معقولة لتسوية أوضاعها، وتشجيع دمج الشركات مع بعضها لتحقيق هذا الهدف.

 

  1. الاحتفاظ بكادر كفوء متخصص بأعمال الشركة وتطويره وفق خطة مدروسة بتعاون الشركات والمؤسسات المشرفة عليها.

 

  1. يشترط أن تكون أقساط التأمين المكتتبة (written premium) خلال السنة المالية (financial year) لا تقل عن مبلغ محدد يتناسب مع رأس المال.

 

  1. الاهتمام بالحسابات الختامية للشركات ومراقبتها بحيث تكون متطابقة مع القوانين والمعايير المحاسبية السائدة الخاصة بشركات التأمين وإعادة التأمين.
  2. التشديد على وجوب أن تدار هذه الشركات كشركات مساهمة فعلاً وفقاً لما نصت عليه القوانين وليس شكلاً كما هو حاصل الآن، كأن يكون لها مجلس إدارة منتخب من قبل هيئة عامة حقيقية، يقوم بمهامه وفقاً لنية المُشرّع وما حددته القوانين والأنظمة العامة والخاصة.

 

التحدي الثاني – قانون تنظيم أعمال التأمين رقم (10 لسنة 2005)

 

إن أول قانون لتنظيم اعمال التأمين تم تطبيقه في العراق هو قانون (السيكورتا) العثماني الصادر سنة 1905 (وقت ما كان العراق تحت الحكم العثماني)، الذي يعتبره بعض الباحثين ما يزال ساري المفعول والبعض الآخر يعتبره ملغياً. ولكن مهما كان الحال فإن هذا القانون يعتبر معطلاً من الناحية العملية لأن كل مواده الـ(25) جاءت ركيكة ونصوص أغلبها ناقصة ولا تتطابق مع الشروط المعتمدة حالياً، ثم لا أحد يستند إليه بوجود نصوص القوانين الأحدث والأكثر صحة ووضوحا.

 

ولكن ما يعنينا من قانون (السيكورتا) هذا هو التأكيد على أن التأمين بشكله التجاري الحديث قد تمت مزاولته في العراق قبل إصداره أي قبل سنة (1905).

 

وأول قانون ينظم أعمال شركات التأمين في العراق صدر رسمياً من قبل حكومة عراقية برقم 74 لسنة 1936. بموجبه تم تنظيم أعمال شركات التأمين الأجنبية الممثلة بالفروع والوكالات التابعة لها التي كانت عاملة في العراق.

 

ثم توالى إصدار القوانين العراقية التي تنظم أعمال التأمين والرقابة على شركات التأمين وحماية حقوق المؤمن لهم، ولعل أهمها ما جاء في القانون المدني العراقي رقم (40 لسنة 1951) حيث خصص هذا القانون المواد من (903 إلى 1007) لموضوع التأمين، وفي معرض حمايته لحملة وثائق التأمين (المؤمن لهم) جاء في نص المادة (985) منه بطلان عدد من الشروط التعسفية التي ترد في وثائق التأمين.

 

مراحل وظروف إصدار قانون تنظيم اعمال التأمين

ما يهمنا في هذا البحث هو التحدي الذي يتعرض له قطاع التأمين بسبب إغفال قانون تنظيم أعمال التأمين أمور مهمة، ونصه على أخرى هي في غير صالح قطاع التأمين العراقي، سنأتي على ذكرها بعد أن نستعرض الظروف والمراحل التي مر بها إصدار هذا القانون.

 

بعد احتلال العراق وإسقاط النظام السياسي سنة (2003) وفي معرض إخضاع الاقتصاد العراقي إلى الهيمنة الأمريكية أُنتدب شخصان أحدهما انكليزي والآخر امريكي للتدريب وكتابة قانون التأمين الذي تم من قبل هذ الأخير (الخبير الأمريكي) إعداد مسودة باللغة الانكليزية لمشروع قانون تنظيم أعمال التأمين عُرضت للنقاش مع المدراء التنفيذيين لشركات التأمين ومن خلال هذا النقاش تفاجأ الخبيران المنتدبان لهذا الغرض بالإضافات المقترحة من قبل ممثلي الشركات والتي تصب في صالح قطاع التأمين العراقي وحذف ما هو في غير صالحه، وإذ يبدو إن الخبير المكلف بأعداد مسودة القانون غير مخول بأجراء أي تعديل على نصوص المسودة ولأن مقترحات المدراء التنفيذيين العراقيين كانت منطقية ومعترف بها دولياً ومطبقة في بلدي الخبيرين بشكل أو بآخر وهما على علم بذلك، أعلنا في آخر اجتماع لمناقشة هذه المسودة إن فترة مهمتهما في العراق قد انتهت وستحال مسودة القانون إلى وزارة المالية للتصرف وإصدار القانون.

 

اُحيلت هذه المسودة من قبل وزير المالية آنذاك السيد عادل عبد المهدي الى الأستاذ عبد الباقي رضا ولصعوبة ترجمة هذه المسودة إلى اللغة العربية بالدقة التي يجب ان تكون، أقترح الأستاذ عبد الباقي اعتماد قانون تنظيم أعمال التأمين الاردني رقم 33 لسنة 1999 المعدل وهو مشابه إلى حد كبير لمسودة القانون المقدمة من قبل الخبير الأمريكي إلى وزارة المالية.

 

أُهمل إصدار مشروع هذا القانون، لحين عودة رئيس مجلس الوزراء آنذاك السيد أياد علاوي من زيارة لأمريكا عندما طَلَبَ وبشكل مستعجل التوقيع على قانون التأمين.

 

وهذه العجالة يبدو انها على الأرجح كانت بطلب من رجال أعمال أمريكان حيث أن مراسلات كان قد تم تبادلها خلال سنة 2004 بين شركة (AIG) الامريكية[4] وشركة الأمين للتأمين عندما كان كاتب هذا البحث مديراً مفوضاً لهذه الأخيرة، وختمت المراسلات بالاتفاق على أن تعقد مشاركة بين الشركتين بانتظار تشريع قانون عراقي يسمح بالاستثمار الأجنبي.

 

وأخيرا صدر قانون تنظيم أعمال التأمين بالأمر رقم 10 لسنة 2005 ونشر في الجريدة الرسمية، العدد (3995) في 3 آذار 2005 وأصبح نافذاً اعتباراً من 3 حزيران 2005 وكان في مجمله مخيبا للآمال ولا يلبي طموحات قطاع التأمين العراقي عكس ما كان متوقعاً.

 

من أبرز سلبيات هذا القانون وأشدها تأثيراً على تدني أقساط التأمين في العراق ما يلي:

 

1-       إغفال ذكر أي مادة تنص على عدم جواز التأمين على الأموال والمسؤوليات الموجودة في العراق والبضائع الواردة إليه مع غير شركات التأمين المسجلة في العراق مع العلم إن هذا الأجراء معمول به في كل الدول العربية ومنها الأردن حيث نص قانون تنظيم أعمال التأمين الاردني رقم (33) لسنة 1999 المعدل في المادة (27) منه على ما يلي:

 

المادة -27- أ “لا يجوز التأمين لدى شركة تأمين خارج المملكة على المسؤولية والأموال المنقولة وغير المنقولة الموجودة في المملكة وذلك باستثناء تأمين الطائرات العاملة لدى شركة عالية/الخطوط الجوية الملكية الاردنية وطائرات الشركات الاردنية على أن يتم ذلك بقرار من مجلس الوزراء.”

 

وهو أيضاً مطبق بصيغة أو بأخرى في أغلب دول العالم التي تعمل على حماية قطاع التأمين فيها ومنها ولاية اركنسو الأمريكية التي كان الخبير المكلف بتنظيم قانون تنظيم أعمال التأمين العرقي، السيد بيكنس، يشغل فيها منصب مفوض هيئة التأمين.

 

  • المادة (4 – ثانيا) من هذا القانون سمحت لكل من هب ودب من شركات التأمين في العالم بممارسة التأمين في العراق بإجراء غريب وغير مسبوق نصها ما يلي:استثناءا من أحكام البند (أولا) من هذه المادة لرئيس الديوان ان يسمح بممارسة اعمال التأمين في العراق قبل منح الاجازة وفقا لأحكام هذا القانون لأي مؤمن او فرع معيد تأمين أو فرع مؤمن أو معيد تأمين أو مؤمن تابع من المجازين في بلدان تطبق أفضل السبل المثبتة في مبادئ التأمين الاساسية للهيئة الدولية للمشرفين على أعمال التأمين، على أن يلتزم أي من المذكورين بإكمال شروط الحصول على اجازة ممارسة أعمال التأمين في العراق خلال (90) يوما من تاريخ صدور موافقة رئيس الديوان بالسماح له بممارسة اعمال التأمين.”3-       قانون الاستثمار. هو الآخر أعطى الحق للمستثمر العرقي والأجنبي الحق في تأمين المشروع الاستثماري لدى أي شركة تأمين وطنية أو أجنبية، وهذا أمر لا يغير ولا يؤثر في قرار الاستثمار لأنه أمر معروف لدى كل المستثمرين بأن التأمين على ممتلكات موجودة في العراق يجب أن تؤمن في العراق ثم يمكن ان يطمئن المستثمر وخاصة الاجنبي إذا علم ان التأمينات الخاصة به ستتم بطريقة وشروط تضمن حقوقه وهي ليست غريبة على قطاع التأمين العراقي إذ كانت مطبقة وبنجاح تام من قبل شركة التأمين الوطنية في سبعينات القرن الماضي أيام عز قطاع التأمين العراقي.

 

  1.  

4-       مواد أخرى في هذا القانون تحتاج إلى تعديل

 

المعالجة المقترحة

ان معالجة هذه التحديات والعقبات التي أفرزها قانون تنظيم أعمال التأمين والمتمثلة بما جاء أعلاه تتم طبعاً بتعديل القانون تعديلاً شاملاً، ولكن هذا التعديل سيحتاج إلى وقت طويل وبالأخص في الظروف الاستثنائية الحالية، لذا فالمقترح أن تتم معالجة أهم ما أهمله هذا القانون وهي:

 

1- وجوب حصر التأمين مع الشركات العراقية على الأموال الموجودة في العراق والبضائع الواردة إليه والمسؤوليات التي قد تتحقق فيه.

 

2- أن تتضمن شروط المقاولات الحكومية مهما كان نوعها شرطا يفيد بوجوب إجراء التأمين الذي يناسب طبيعة المقاولة مع شركات التأمين العراقية وذلك بإصدار توجيه أو أمر من رئاسة مجلس الوزراء يفيد ذلك، يعمم على الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة كافة ويتابع التنفيذ من قبل ديوان التأمين.

 

الحالات السلبية في شركات التأمين وفي بعض مواد قانون تنظيم أعمال التأمين التي تطرقنا اليها فيما تقدم أفرزت ما يلي:

 

 

 

 

1- نصوص وثائق التأمين ((Insurance Policy Wordings

نصوص وثائق التأمين المعتمدة في شركات التأمين العراقية قديمة جداً مصدرها الوثائق البريطانية التي كانت قد صيغت خلال النصف الأول من القرن الماضي ولم تجر عليها أي تعديلات جوهرية تتطلبها المرحلة.

 

على سبيل المثال، إن وثيقة التأمين من الحريق المعتمدة في شركات التأمين العراقية، وأيضاً في أكثر الدول العربية، أصلها وثيقة صُممت خلال ثلاثينيات القرن الماضي من قبل شركات التأمين البريطانية لاعتمادها خصيصاً في الدول المستعمرة من قبل بريطانية العظمى. وسميت من قبلهم بوثيقة الحريق لدول ما وراء البحار (overseas fire policy) تختلف في بعض جوانبها عن الوثيقة النموذجية المطبقة في أغلب شركات التأمين البريطانية، إذ ان وثيقة التأمين من الحريق المعتمدة في شركات التأمين العراقية تتضمن نوعاً من التضييق في الغطاء الذي يصعب ادراكه حتى من قبل أغلبية العاملين في قطاع التأمين. وكذلك تتضمن هذه الوثيقة كما وثائق أخرى، شروطاً مضى عليها الزمن تحتاج إلى تحديث.

 

وبسبب تناقل نماذج هذه الوثائق من شركة إلى أخرى طوال الفترة الماضية بداية الستينات لحد الآن فقد أدى ذلك إلى أن تتضمن هذه الوثائق أخطاء تحتاج إلى تعديل، وكذلك من حيث الشكل هي الأخرى تحتاج ان تكون متطابقة مع نصوص القوانين العراقية. لذلك فإن أغلب هذه الوثائق تحتاج إلى إعادة صياغة ضمانا لحقوق المؤمن لهم وتلافياً للاختلاف بين المؤمنين والمؤمن لهم وبالأخص في حالة حصول حادث.

 

2 – عدم مزاولة أنواع مهمة من عقود التأمين

أنواع التأمين التي تجري مزاولتها حالياً من قبل شركات التأمين العراقية مقتصرة على بعض الأنواع التقليدية كالحريق، السرقة، السيارات، بعض أنواع التأمين الهندسي، التأمين البحري وتأمين النقد أثناء النقل وأثناء الحفظ، بينما هناك أنواع تأمين مهمة جداً كتأمين خسارة الأرباح الذي يضاهي في أهميته التأمين من الحريق وتأمين عطب المكائن … الخ والتأمين من المسؤولية بأنواعها والوثيقة المصرفية الشاملة وغيرها. والسبب الرئيسي في ذلك هو قلة المعرفة بهذه الأنواع من التأمين مما يؤدي إلى عدم مقدرة شركات التأمين لتسويقها.

 

الحل لهذا التحدي هو تأهيل كادر ذي معرفة متخصصة وخبرة بهذه الأنواع من التأمين واعتماد جهاز تسويقي متمكن لتسويقها.

 

3-تراجع في عمليات الاكتتاب وتخفيض أسعار التأمين إلى مستويات متدنية جداً وعدم إسناد اخطار عديدة وكبيرة وبالأخص في التأمين الهندسي (تأمين المقاولات من كافة الأخطار C A R) والاحتفاظ لحساب الشركة بمبلغ التأمين كاملا.

 

التحدي الثالث – تفعيل ديوان التأمين

 

نصَّ قانون تنظيم أعمال التأمين في المادة (7) منه على أن يعين رئيس للديوان خلال (30) يوما من تأريخ نفاذ هذا القانون. ومنذ 2005 لحد الآن كان يدير الديوان رئيس بالوكالة وتعاقب على ذلك عدة وكلاء من موظفي وزارة المالية غير المتفرغين. وبما أن مهمات الديوان ورئيسه التي حددها قانون تنظيم أعمال التأمين كبيرة وخطيرة وهي كفيلة ببناء قطاع تأمين كفوء إذا ما تم تنفيذها بكفاءة وهذا لن يتم إلّا عن طريق كادر متخصص يقوده رئيس ديوان متفرغ وكادر متخصص كفوء ممن لهم الخبرة والدراية في تنفيذ مهمات وواجبات الديوان في الرقابة ورفع المستوى الفني للكوادر التأمينية وتنشيط الوعي التأميني لدى الجمهور من أجل بناء سوق تأميني كفوء وشفاف، كل هذه المواضيع نصَّ عليها القانون كواجبات. ولكن يبدو أن جل اهتمام ونشاط الديوان ينصب على جباية بدلات منح إجازات مزاولة المهنة وتجديداتها سنوياً وخزنها دون استخدام الجزء الأكبر منها في تنفيذ المهمات التي حددها القانون كواجبات.

 

إن تفعيل ديوان التأمين بالشكل الصحيح هو الوسيلة الفعّالة لمعالجة هذه التحديات وغيرها التي يواجهها قطاع التأمين في العراق وما يستجد منها مستقبلاً وهذه المهمة تقع على عاتق المسؤولين في الحكومة. ولكن يبدو أن مقومات هذا التفعيل غير متوفرة حالياً بسبب عدم الاهتمام بهذا القطاع الحيوي المهم من قبل المسؤولين في الدولة والحكومة أولاً، وغياب الكادر المؤهل لإدارة هذا المرفق بواجباته المهمة كما رسمها قانون تنظيم أعمال التأمين ثانياً. البديل في رأيي وما يناسب المرحلة، هو استبدال الديوان بمديرية أو قسم في ووزارة المالية بمهمات قابلة للتنفيذ تخدم المرحلة وتحمل مؤهلات تطورها.

 

الخـــــــاتمة

 

قطاع التأمين في العراق على اهميته متراجع بشكل كبير بعد ازدهار، والسبب يعود بشكل عام إلى المحاصصة المقيتة وما أفرزته من فساد اداري ومالي تأثرت به كل القطاعات بما فيها قطاع التأمين الذي أصبح يعاني من تحديات خاصة هي وضعية شركات التأمين وإعادة التأمين وما تعانيه من تردي الناحية الفنية والمالية، وسلبيات قانون تنظيم أعمال التأمين الذي فتح سوق التأمين العراقي على مصراعيه بشكل غريب وغير مسبوق لا محلياً ولا عالمياً. هذه الأمور أفرزت عدم حصول أي تصحيح أو تطوير على نصوص وثائق التأمين لتواكب ما يستجد لتلبية متطلبات وحاجات السوق ووضعية ديوان التامين الذي لم ينهض بالواجبات الموكلة إليه ويكاد أن يقتصر عمله على جباية رسوم إصدار اجازات ممارسة المهنة الباهظة وتجديداتها وخزن هذه المبالغ دون استخدامها لخدمة القطاع كما مفترض.

 

التوصيات

 

1-اهتمام المسؤولين في الدولة والحكومة بقطاع التأمين وتلبية حاجات تطوره باعتباره مرفق اقتصادي واجتماعي حيوي ومهم.

 

2- النأي بهذا القطاع من المحاصصة باعتبار أن إدارة العملية التأمينية تحتاج إلى معرفة وخبرة متخصصة في هذا المجال ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

 

3- عدم منح إجازات التأسيس ورخص مزاولة المهنة، إلّا بعد التأكد من توفر المتطلبات القانونية وظروف العمل الصحيحة (توفر الكادر المؤهل).

 

4- زيادة الحد الأدنى لرؤوس الأموال وإلزام الشركات الحالية بتسوية أوضاعها خلال فترة محددة وتسهيل وتشجيع دمج الشركات مع بعضها لإيجاد كيانات كبيرة لها القدرة على بناء الكوادر وتنشيط العمل وتقليل الاعتماد على إعادة التأمين الخارجي.

 

5- تفعيل ديوان التأمين بتعين رئيس متمكن ومتفرغ لعمل الديوان يأخذ على عاتقه تعديل قانون تنظيم أعمال التأمين من سلبياته وتنفيذ ما جاء به من إيجابيات، أو استبداله مرحلياً بتشكيل مناسب ضمن تشكيلات وزارة المالية يحمل مقومات تنفيذ المهمات التي ستوكل اليه.

 

 

 

* منعم الخفاجي

مستشار في قضايا التأمين

البريد الالكترونيmunemalkhafaji@yahoo.com

 

**       ورقة قدمت لمؤتمر الكلية التقنية الإدارية، بغداد، 30 تشرين الثاني – 1 كانون الأول 2016 ضمن محور التأمين ولم توافق عليها اللجنة العلمية للمؤتمر على الرغم من ان مختصره من خمس صفحات قد تمت موافقة اللجنة المذكورة عليه وطلبت تكملة كتابته.

 


 

المراجع:

 

بديع احمد السيفي، الوسيع في التأمين وإعادة التأمين علماً وقانوناً وعملاً (بغداد، 2006)

بهاء بهيج شكري، التأمين في القانون والقضاء، الجزء الثاني، صفحة 402.

جبار عبد الخالق الخزرجي، سعدون الربيعي، فؤاد شمقار، محمد الكبيسي، مصباح كمال، منعم الخفاجي، مساهمة في نقد ومراجعة قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005، تحرير: مصباح كمال، مكتبة التأمين العراقي، 2013).

مصباح كمال، أوراق في تاريخ التأمين في العراق-نظرات انتقائية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2012).

مصباح كمال، قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005- تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014).

منعم الخفاجي، تأمين خسارة الأرباح: عرض موجز (مكتبة التأمين العراقي، 2014).

منعم الخفاجي، وثيقة الحريق النموذجية ووثيقة الحريق العربية الموحدة: دراسة مقارنة (مكتبة التأمين العراقي، 2014).

 

قانون شركات الضمان(السيكورتاه) العثماني.

القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951.

قانون تنظيم أعمال التأمين رقم (10) لسنة 2005.

 

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بإعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر.

http://iraqieconomists.net/ar/

 

[1] مواقع التأمين لهذه الدول في الشبكة العنكبوتية.

[2] في سنة 1988 سُمح للشركتين (الوطنية والعراقية) بمزاولة أنواع التأمين كافة (التأمينات العامة والتأمين على الحياة)

[3] أُلغيت سنة 1987

[4] من كبريات شركات التأمين وإعادة التأمين في العالم.

Interview with Misbah Kamal on Insurance Activity in Iraq 2016

مقابلة حول النشاط التأميني في العراق

 

 

مقدمة

 

كان السيد مصطفى الهاشمي، محرر الصفحة الاقتصادية لجريدة الصباح، قد كتب لي رسالته أدناه طالباً الإجابة على مجموعة من الأسئلة. وقد استجبت، شاكراً له طلبه. وقام من جانبه بتلخيص إجاباتي، حسب ما تقتضيه القواعد التحريرية الفنية للجريدة، ونشر الملخص تحت عنوان “مقترحات لتنشيط قطاع التأمين في العراق”:

http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=128936

(الصباح، 28 كانون الأول 2016). وحيث أن المقابلة ضمت مواضيع أخرى لم يغطيها الملخص اتفقت وأياه على نشر نص المقابلة بالكامل مع الإشارة إلى ما نشر منه في الجريدة.

 

مصباح كمال

28 كانون الأول 2016

 

رسالة السيد مصطفى الهاشمي

 

قرأت مقالتكم المنشورة في موقع مرصد التأمين واعجبني طرحكم.. وراودتني فكرة ان توجه دعوة للقائمين على قطاع التأمين في العراق “من خلال جريدة الصباح” على مراجعة ورصد النشاط التأميني وما يتعلق به من قرارات وتعليمات وقوانين، لما لشركات التأمين من دور بارز في الاقتصاد.

 

وارجو في الوقت ذاته ان تجيبني على بعض الاسئلة في أدناه.

 

ارجو تفضلكم بالإجابة مشكوراً.. مع تقديري.

 

مصطفى الهاشمي

 

6 كانون الأول 2016

 

 

 

النص الكامل للمقابلة

 

 

  1. 1. هل تعتقد ان شركات التأمين الخاصة قادرة على الصمود أكثر في ظل الظروف الاقتصادية العامة للعراق؟

 

لست مطلعاً تماماً على أوضاع شركات التأمين الخاصة، ولهذا فإن حكمي على استمرار وجودها ليس مُحكماً. كما أن ديوان التأمين، حسب علمي، لم ينبّه أي من هذه الشركات لتعديل أوضاعها المالية.

 

رغم ما يوجّه لهذه الشركات من انتقادات سلبية وأخرى نقدية بناءة، فإنها، اعتماداً على تجربة البعض منها (تلك التي تأسست قبل الاحتلال الأمريكي للعراق)، تستطيع الاستمرار بالعمل رغم سلبية الظروف الاقتصادية العامة القائمة، وخاصة منذ الهبوط الحاد في أسعار النفط في 2014. وعلى أقل تقدير، فإن البعض منها ربما سيحقق قليلاً من التقدم على مستوى الإنتاج إلا أن معظمها ستظل تراوح في مكانها. وهنا تنهض الفرصة لأصحابها للتفكير بمستقبلها: الاستمرار كالبطة العرجاء أم الشروع بالتفاوض مع غيرها بغرض الدمج، أو التفكير بتحالفات فيما بينها لتحقق درجة من الندية مع شركتي التأمين العامتين.

 

تتبدل هذه الصورة المتفائلة إلى حدٍ ما إذا أخذنا بنظر الاعتبار الضرائب الجديدة التي فرضتها الحكومة على دخول المواطنين، وكذلك استقطاع نسبة من دخول الموظفين، وتعثر وتوقف العديد من المشاريع الاستثمارية. وأرى أن هذه التطورات ستقلص من الإنفاق على شراء الحماية التأمينية، وبالتالي على حجم الأعمال التي تكتتب بها الشركات الخاصة، وبالتالي إلى تعريض وجودها لهذه الضغوط.

 

عند الحصول على الحسابات الختامية لمجموعة من الشركات، أو الإحصائيات التي تصدرها جمعية التأمين العراقية، يمكن تقييم المتانة المالية للشركات الخاصة والخروج برأي قائم على بيانات منشورة.

 

  1. 2. ما هو المطلوب اتخاذه من القائمين على قطاع التأمين (ديوان التأمين، جمعية التأمين، شركات التأمين العامة) لزيادة ونشر الوعي بين الجمهور وتعريفهم بأهمية التأمين في الحياة العامة؟

 

يرُجِع البعض تدني الوعي التأميني إلى الحرب العراقية الإيرانية (1988-1980) والغزو العراقي للكويت (1990) وما تبعه من تحرير الكويت، والغزو الأمريكي للعراق (2003). ويمكن أن نضيف إليها سنوات العقوبات الدولية (2003-1990) التي ساهمت بشكل مباشر في تآكل دخل المواطنين وإفقارهم بحيث صار شراء الحماية التأمينية ترفاً لا يقدر عليه إلا قلة منهم. لكن هذه الإحالة لم تقترن بدراسة موثقة تجمع بين السبب والنتيجة إذ أنها وردت في سياق مقابلات صحفية سريعة، وغالباً ما يتركز التعليل على مقارنة بين الوضع القائم وما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي. لا تتوفر لدينا الإحصائيات لقياس مستوى الوعي التأميني في تطوره التاريخي فهذه مهمة بحثية تقع خارج إمكانياتنا الحالية.

 

يتعين علينا أن نتذكر بأن التأمين سلعة غير منظورة، هو وعدٌ بتعويض المؤمن له في المستقبل إن تعرَّض هو أو أسرته أو أمواله إلى ضرر. معظم الناس لا يستشعرون الحاجة لمثل هذا الوعد دونكم توفر القدرة المالية لديهم على شراء هذا الوعد. هم أكثر قناعة، بفعل الموروث الديني، وبقراءة سلبية له، بالقبول بالقضاء والقدر: “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.” (سورة التوبة، الآية 51)

 

ديوان التأمين مُلزم بقوة القانون للقيام بدوره في مجال زيادة الوعي التأميني. فقد جاء في المادة 6-البند 4 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 أن الديوان يهدف إلى:

 

تنظيم قطاع التامين والاشراف عليه بما يكفل تطويره وتامين سوق مفتوح وشفاف وامن ماليا، وتعزيز دور صناعة التامين في ضمان الاشخاص والممتلكات ضد المخاطر لحماية الاقتصاد الوطني ولتجميع المدخرات الوطنية وتنميتها واستثمارها لدعم التنمية الاقتصادية، وله في سبيل ذلك القيام بالمهام الاتية:

 

زيادة الوعي التأميني وإجراء الدراسات والبحوث التأمينية وطباعتها.

 

المعلومات المتوفرة لا تدل على أن الديوان قد قام بتنفيذ مهمة زيادة الوعي، أو إجراء الدراسات والبحوث التأمينية، وهذه من شأنها أن توسع دائرة الاهتمام بالتأمين خارج نطاق شركات التأمين.

 

ومن رأي أن ديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية، التي تمثل شركات التأمين، ليس لديها برنامج خاص بنشر ثقافة التأمين. صحيح أن بعض الشركات تلجأ إلى الإعلان التجاري أو الاتصال ببعض الشركات والمنظمات بهدف بيع وثائق التأمين لها أو التعاون معها بهذا الشأن فيما يخص أعضاء هذه التنظيمات، إلا أن هذا الجهد ينصبُّ على التعريف بشركة التأمين وبمنتجاتها من وثائق التأمين. وهذا الجهد يقابله ما تقوم به جمعية التأمين من خلال الندوات والمحاضرات التي تنحصر فائدتها بمنظميها وبعض المشاركين فيها.

 

فقر ثقافة التأمين يعكس نفسه في ضعف وربما أحياناً غياب الحملات الإعلانية المركزة، والمتخصصين الاستشاريين في شؤون التأمين، أو المحامين المتخصصين في تفسير عقود التأمين، ومقيّمي الأصول لأغراض التأمين، والكاشفين على الأخطار المعروضة للتأمين (ومعظم هؤلاء لا يرقون في مهاراتهم الفنية إلى ما هو متوقع منهم مهنياً وبالمقارنة مع ما هو متوفر عالمياً)، والصحفيين الذين يتمتعون بمعرفة تأمينية رفيعة.

 

ويجد هذا الفقر انعكاساً له في غياب مجلة تأمينية إلكترونية أو ورقية بعد توقف مجلة (رسالة التأمين) أواخر ثمانينيات القرن الماضي. مثلما ينعكس في غياب حملات أسبوعية أو شهرية، حسب الحاجة، لترويج منتجات تأمينية محددة. (لم تقم أية شركة لتأمين بنشر المعرفة عن تأمينات الحياة من خلال حملات خاصة للتوعية. مثال ذلك شريط فيديو للتوعية بتأمينات الحياة). وكذلك إجراء مسح ميداني حول الموقف من الخطر (الخطر الطبيعي، الخطر في المسكن وفي موقع العمل)، والوسائل التي يلجأ لها الناس للتدبر ضد آثار الخطر، ومكانة التأمين ضمن هذه الوسائل … الخ.

 

ونجده أيضاً بالحضور الضعيف أو الغائب عند وقوع حوادث كبيرة، قد تكون لها تداعيات تأمينية، كاحتلال داعش للموصل، وحادث التفجير الإرهابي في الكرادة، أو حوادث تفجير/انفجار عدد من آبار النفط. كما نجده في الصمت المطبق من قطاع التأمين عند وضع مشاريع لقوانين لها آثار تأمينية على سبيل المثل، مشروع قانون شركة النفط الوطنية العراقية ومشروع قانون صندوق الإعمار والتنمية العراقي. كما أن قطاع التأمين غائب عند إعداد موازنة الحكومة. ثم أن علاقة شركات الـتأمين والجمعية والديوان بوكالات الأنباء والصحف ضعيفة ويباشرها الصحفيون. وأكاد أن أجزم أن شركات التأمين والجمعية والديوان ليس له موظف مختص لإصدار البيانات الصحفية عن شؤون عامة ذات علاقة بالتأمين، أو إطلاق منتج تأميني، أو تنظيم فعالية معينة. بعبارة أخرى، فإنها تفتقر إلى التواصل مع الجمهور، ومع الشركات الصناعية والتجارية، والدوائر الحكومية وغير الحكومية.

 

وباختصار، فإن التأمين يكاد أن يكون غائباً في الحياة العامة إلا من خلال شراء نسبة صغيرة من السكان لوثائق التأمين، وهو موضوع يستحق من يبحث فيه. ولعله من المفيد الإشارة إلى أن الوعي بمؤسسات أخرى للدولة الحديثة لا تقتصر على التأمين بل تشمل أيضاً، على سبيل المثل، ما يمكن تسميته بضعف/غياب الوعي الضريبي.

 

  1. 3. منذ تسعينات القرن الماضي والتأمين في العراق لم يشهد أي تطور، بل على العكس فان بعض محافظ التأمين قد تراجعت على ما يبدو، باعتقادكم ما هي أفضل الحلول لإعادة إنعاش قطاع التأمين؟

 

حقاً لم يشهد العراق تطوراً يذكر في مجال التأمين أو غيره. نعرف أن العقوبات الدولية (1990-2003) والسياسات الخرقاء وسوء تصرف النظام الديكتاتوري كان وراء تدهور العراق. لكن العراق منذ الاحتلال الأمريكي لم يشهد تطوراً جوهرياً في بناء الدولة ومؤسساتها سوى المحاصصة الطائفية والاثنية والفساد الذي ترجم نفسه في سرقة ثروات الوطن. مقارنة بسيطة بين عقد تأسيس الدولة العراقية (1933-1921) والدولة التي أرسى دعائمها بول بريمر (2003-2004) تبين “الإنجاز” الكبير للملك فيصل الأول وفشل حكومات ما بعد 2003.

 

تراجع وركود قطاع التأمين هو حالة مصغرة للوضع العام، وما خلا قطاع النفط فإن القطاعات الأخرى تشترك مع التأمين في مجمل أوضاعها. ليست هناك إحصائيات تاريخية لتحديد مستوى التراجع في محافظ التأمين، ولكن يمكن الزعم بأن محافظ معينة لم تشهد تطوراً حقيقياً، كمحفظتي التأمين الفردي على الحياة والتأمين على المساكن، وكلتاهما تعتمدان على توفر دخل كافٍ يُمكّن أصحابه من الانفاق على التأمين بعد إشباع حاجات مادية ملموسة.

 

قطاع التأمين لا يوجد في فراغ ومجرد تقديم بضعة اقتراحات لإنعاشه هو نوع من أضغاث الأحلام. يمكن تطوير الكوادر المهنية؛ يمكن التخلص من العمالة الزائدة القائمة ربما على أساس طائفي؛ يمكن تحسين المستوى المعرفي لدى العاملين، لكن ذلك وغيره لا يؤدي مباشرة إلى إنعاش قطاع التأمين. ما لم يكن هناك طلب حقيقي فعّال (مدعم بالقدرة النقدية على الشراء) لا يمكن إنعاش القطاع من خلال جرعة من الحلول.

 

جعل بعض فروع التأمين إلزامياً على الشركات يخلق طلباً تلقائياً على التأمين. مثال ذلك، التأمين على الحريق والانفجار الذي يصيب المباني. (الموضوع يستدعي دراسة ويمكن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في العالم العربي والغربي). وقل مثل ذلك بالنسبة للتأمين على حياة العاملين مع إشاعة مفهوم المسؤولية الاجتماعية لأرباب العمل. والبعض يدعو إلى جعل التأمين الصحي إجبارياً لفئات معينة (مع تقليص الخدمات الصحية التي توفرها الدولة كجزء من إقحام السياسات الليبرالية الجديدة في العراق). ولنا أن نضيف إلى ذلك التأمين من المسؤولية الطبية، وتأمين مسؤولية المستشفيات، وتأمين المسؤولية المهنية للصيادلة، والمهندسين وأصحاب المهن الأخرى. مثل هذه الحلول تؤدي إلى زيادة حجم أعمال التأمين التي تكتتب بها شركات التأمين.

 

  1. 4. هل هناك قصورا في الترويج لمنتجات شركات التأمين (الوثائق التأمينية)؟

 

لا أرى أن هناك قصوراً في ترويج المنتجات التأمينية، فالشركات تنتج أعمالها من قبل منتجين تابعين لها متخصصين في مجال بيع وثائق التأمين وكذلك من قبل موظفين آخرين. وقد يصل الأمر في حالات معينة إلى قيام كبار موظفي الشركة وحتى المدير المفوض ولوج ميدان إنتاج الوثائق لطالبي التأمين المهمين والكبار حجماً ورأسمالاً.

 

قد يأخذ القصور شكل ضعف المعرفة الفنية والقانونية المناسبة المرتبطة بآلية التأمين بشكل عام وبوثائق تأمين معينة لدى المنتجين. هذا وضع يستدعي التنبه له ومعالجته خاصة إذا اتجهت الشركات إلى بيع وثائق تأمين جديدة لم يعرفها سوق التأمين العراقي ومنها وثائق تأمين المسؤولية المهنية بأنواعها المختلفة، وتأمين مسؤولية المدراء والموظفين، وتأمين التحكم بالآبار النفطية. وحتى بالنسبة لبعض وثائق التأمين، المعروفة على نطاق ضيق، كالوثيقة المصرفية الشاملة، فإن المعرفة الدقيقة بتفاصيلها ليست متوفرة بالكامل لدى المنتجين. وقل مثل ذلك بالنسبة لوثائق التأمين التي تلجأ إليها شركات النفط العالمية، فنصوص بعض هذه الوثائق معقدة، وهي ليست متوفرة باللغة العربية، بحيث أنها تكاد أن تكون مغلقة أمام منتج التأمين العادي وحتى مديره العام.

 

هناك قصور، ربما يعكس غياب رؤية تسويقية مدروسة، في عدم إقدام الشركات على تمييز نفسها عن غيرها كشركات متخصصة بنوع أو أنواع معينة من أغطية التأمين بهدف تحقيق أعلى حصة في السوق من الأعمال المكتتبة فيها. شركات التأمين العامة والخاصة تشترك في هذا القصور باستثناء شركة التأمين العراقية العامة التي استطاعت، بفضل تاريخها التخصصي في الماضي، من تحقيق أعلى الأقساط في تأمينات الحياة.

 

ويتخذ القصور لدى بعض شركات التأمين شكل رثاثة إخراج (طبع) وثائق التأمين، مما يعكس عدم الاستفادة الكافية من أنظمة الكومبيوتر ووسائل الطبع، وكذلك الضعف في التعبير اللغوي.

 

5 كيف تقيّمون علاقة شركتي التأمين “الوطنية ” و”العراقية” و”إعادة التأمين” بالشركات العالمية – من حيث قبول اعادة التأمين وتوزيع الاخطار؟

 

ليست هناك في الوقت الحاضر علاقة مباشرة بين الشركات الثلاث وشركات إعادة التأمين العالمية فيما يخص إعادة التأمين الاتفاقي، وحتى في إعادة التأمين الاختياري، فالعلاقة تمر من خلال مستشار معتمد من قبل هذه الشركات مقيم في لندن ومجموعة من ثلاث شركات وساطة متخصصة في إعادة التأمين الاتفاقي والاختياري.

 

كانت علاقة الشركات قبل غزو الكويت تتم مباشرة ومن خلال وسطاء إعادة تأمين بالنسبة لبعض عقود إعادة التأمين. وقد توقفت حماية إعادة التأمين الاتفاقي للشركتين العامتين، التأمين الوطنية والتأمين العراقية، وكذلك شركة إعادة التأمين العراقية، مع غزو العراق للكويت وإخضاع العراق للعقوبات الدولية، إذ لم يمكن بمقدور شركات إعادة التأمين العالمية، بفضل هذه العقوبات الملزمة، الاستمرار في توفير الحماية للشركات الثلاث. استطاع قطاع التأمين الاستمرار بالعمل ضمن الإمكانيات الداخلية المحدودة التي كانت توفرها الإعادة العراقية وضمن ترتيبات خاصة بين الشركات الثلاث بالنسبة للأخطار الكبيرة (النفطية أساساً).

 

تم إحياء الحماية الإعادية العالمية سنة 2005 وبحدود صغيرة تناسب حجم الأعمال التي تكتتب بها شركات التأمين وخاصة التأمين الوطنية والتأمين العراقية، وهما الأكبر من حيث حجم أقساط التأمين. وعلى ضوء هذه الأقساط تم الاتفاق على حدود المسؤولية بموجب اتفاقيات إعادة التأمين. وكان معيد التأمين القائد هي شركة ميونيخ لإعادة التأمين الألمانية. ثم تحولت القيادة إلى شركة سكور الفرنسية، وهي ما زالت المعيد القائد.

 

تحدد اتفاقيات إعادة التأمين الأخطار التي يمكن إسنادها لهذه الاتفاقيات وشروط الإسناد، وما يتجاوز هذه الحدود يخضع لقبول خاص من قبل معيد التأمين القائد، بعد دراسة معطيات الخطر المعروض للإسناد إلى الاتفاقية المعنية. وحسب علمي فإن هذا الترتيب يسير بشكل مقبول بين طرفي الاتفاقية: الإعادة العراقية ومعيدي التأمين. قد تنشأ بعض الصعوبات لسوء فهم أو لعدم وضوح المعطيات، ولكن التفاوض هو الكفيل بحل الصعوبات.

 

إعادة التأمين في الأساس هي عملية توزيع وتفتيت للأخطار التي تكتتب بها شركة التأمين المباشر قبل التامين عليها وذلك بإعادة تأمين كل أو جزء كبير من تلك الأخطار لدى معيدي التأمين، أي أن شركة التأمين تحتفظ بنسبة من الخطر وتعيد تأمين الباقي بموجب اتفاقية إعادة التأمين. هناك إشكالية تتمثل بالاختلاف على حجم احتفاظ شركة التأمين، التي تحاول الشركة أن تزيده لأنه يعني احتفاظها بحجم أكبر من أقساط التأمين، وحجم ما يسند للاتفاقية، الذي يحاول معيد التأمين تحديده بما يتلاءم مع الكلفة الاقتصادية لتحمل المسؤوليات، وهي الكلفة التي يفترض أن تُمول من الأقساط المسندة. في الحالة العراقية نشاهد أن الحجم الإجمالي لدخل أقساط التأمين المكتتبة من قبل شركات التأمين المنضوية تحت اتفاقيات الإعادة العراقية ليست كبيرة وبالنسبة لبعض معيدي التأمين العالميين يعتبر إعادته غير اقتصادي- وكان هذا أحد الأسباب التي أدت إلى تخلي شركة ميونيخ لإعادة التأمين عن قيادة اتفاقيات الإعادة العراقية. ولذلك فإن الدعوة إلى زيادة احتفاظ الجانب العراقي لا تلقى ترحيباً آنياً إذ تدخل حسابات الكلفة الاقتصادية كمحدد عائق أمام طلب الزيادة. ويظل موضوع زيادة الاحتفاظ قائماً ويجب العمل على تحقيقيه.

 

6 باعتقادكم ماهي أفضل السبل لزيادة الاستثمارات الخاصة بشركات التأمين؟ وهل ان وجود بعضها كمساهم في رؤوس اموال شركات صناعية يكفي لزيادة ايرادات تلك الاستثمارات؟

 

التركيز على زيادة إيرادات الاستثمار مطلب اقتصادي لكنه ليس كافياً لتقرير السياسة الاستثمارية لشركات التأمين. إن استثمارات شركات التأمين مقيدة بفعل عوامل عديدة منها التقلبات في نتائج الأعمال نتيجة لخبرة الخسارة المتغيرة. هذا الوضع يفرض على شركة التأمين الاحتفاظ باحتياطيات كبيرة زيادة عن احتياطاتها الفنية، إذ أن الأموال المتجمعة لديها (أقساط التأمين وإيرادات الاستثمارات) يمكن أن تتعرض للنضوب خلال فترة زمنية قصيرة بسبب ازدياد عدد وحجم المطالبات بالتعويض (بعد كارثة مثلا). ولذلك فإن شركة التأمين الرصينة مجبرة على الإبقاء على أموالها في حالة سيولة معقولة: كأن تكون بهيئة ودائع مصرفية قابلة للسحب الفوري أو سندات قصيرة الآجل يمكن تسييلها دون التعرض لخسارة كبيرة.

 

وقد كتبتُ في دراسة لي ما يفيد موضوع هذا السؤال فيما يخص المساهمة في رؤوس أموال الشركات الصناعية. هناك بالطبع اعتبارات عديدة حول المفاضلة بين الأصول المالية القابلة للتسويق. فالمعروف أن الإبقاء على الأصول بهيئة نقد لا يوفر عائداً لشركة التأمين. كما أن الاستثمار في السندات الحكومية يكون مردوده محدوداً. مقابل ذلك فإن الاستثمار في الأسهم يمكن أن يوفر مكاسب رأسمالية لا تخضع للضريبة إلا عند تحقق هذه المكاسب. مثل هذا الاستثمار ينطوي على المخاطر التي تطرأ على سوق الأسهم، وهي ضمن قابلية التسويق الفوري تعتبر غير مناسبة لشركة التأمين. ولهذا فإن بعض شركات التأمين تميل إلى تنويع محافظها الاستثمارية كي تستطيع مواجهة التعويضات والحصول على عوائد معقولة.

 

إن الصندوق المالي لشركات التأمين العراقية القابل للاستثمار يتكون من الاحتياطيات الفنية، والاحتياطيات الحرة ورأسمال الشركة. حرية التصرف بهذا الصندوق يتأثر بإمكانية انخفاض دخل أقساط التأمين (مصدر الاحتياطيات بعد استقطاع المصاريف المختلفة كتسديد التعويضات وغيرها). إن تقلص حجم الأعمال المكتتبة، لأي سبب كان، يعني أن التدفق النقدي (أقساط التأمين) لشركة التأمين لن يكون كافيا لبناء الاحتياطيات وتمويل الاستثمار. ثم هناك القواعد الرقابية الانضباطية التي تفرض على شركات التأمين الإبقاء على هامش معين للملاءة المالية. وهذا يعني إخضاع أصول الشركة لقواعد التقييم الرقابية كوضع حد أو سقف (للأصول المالية) التي يمكن للشركة أن تحتفظ بها والتي تتعرض لتقلبات كبيرة كالأسهم والسندات الطويلة الأجل و(الأصول العينية) دون الإضرار بالسيولة النقدية للشركة كي تستطيع تسديد التعويضات في أوانها.

 

الفرص المتاحة أمام شركات التأمين للاستثمار تنحصر بالمساهمة في رؤوس أموال الشركات الصناعية وغيرها والأصول العينية (المباني بأنواعها)، وربما يميل البعض منها إلى المقامرة في سوق الأوراق المالية لكن المعلومات بشأنها ليست متوفرة لي. وقد لجأت شركات التأمين العامة، في الماضي، إلى تنويع محافظها الاستثمارية لتضم المساهمة في رؤوس أموال الشركات، وشراء وتشييد المباني، وأوراق مالية حكومية وغير حكومية، وإيداعات في البنوك، وقروض مضمونة، واسهم (في شركات تأمين عربية) وودائع خارج العراق (لتسديد بعض التزاماتها تجاه معيدي التأمين وغيرهم).

 

مصباح كمال

Iraqi Insurance Association 2016 Activity

نشاط جمعية التأمين العراقية 2016

 

 

فلاح حسن*

 

ينصبُّ جل اهتمام الجمعية[1] حالياً على تنمية قدرات الكادر لدى شركات التأمين ليمتلك مقومات ومعرفة صناعة التأمين من خلال عقد دورات تدريبية وكانت آخرها قبل ايام دورة مهمة بعنوان (المعايير العالمية في إدارة الأخطار الكبيرة لمتطلبات تأمين أخطارها للحريق والهندسي وإعادة التأمين) على مدار ثلاثة أيام وقد كنت المحاضر لها. وقد جاء الاهتمام بهذا الموضوع نظراً لما لمسته من افتقار الكادر التأميني له. شارك في الدورة عدد كبير من منتسبي شركات التأمين العامة والخاصة.

 

يضم هذا العرض السريع معلومات عن النشاطات التي تحققت فعلاً خلال السنة، ومشاريع الجمعية المستقبلية، وسبل تحقيق مهامها.

 

النشاطات الفعلية

 

– ينصب دور الجمعية على مفاتحة الجهات المختصة في سن تشريعات لها صلة مباشرة بالتأمين. وبهذا الشأن، تم اعادة مخاطبات عديدة حول تعديل قانون التأمين الالزامي للسيارات ليشمل الممتلكات للشخص الثالث، وكذلك تأمين المسؤولية المهنية الناجمة عن ممارسة المهن.

 

– مفاتحة الجهات المختصة لفتح مكاتب بالمنافذ الحدودية تسمح لشركات القطاع الخاص ممارسة اعمال التأمين فيها، إذ أن العمل في المنافذ، في الوقت الحاضر، مقصور على شركة التأمين الوطنية العامة (ويتركز عل تأمين السيارات الداخلة إلى العراق) وعلى شركة تأمين خاصة في إقليم كوردستان العراق.

 

– مخاطبة الجهات المختصة حول إدخال التأمين الصحي كمكمل للنظام الصحي العام.

 

– مخاطبة وزارة التخطيط بشأن التأمين على المشاريع الاستثمارية لدولة لدى شركات تأمين عراقية مرخصة من قبل ديوان التأمين والنص على ذلك في عقود الإنشاء.

 

– مخاطبة البنك المركزي العراقي بشأن تأمين البضائع المستوردة لدى شركات تأمين عراقية على أساس سي أند إف كي لا تحرم هذه الشركات من فرصة التأمين على الاستيرادات.

 

– مفاتحة اتحاد الغرف التجارية واتحاد الصناعات العراقي حول دراسة المعوقات التي تعترض اعضاؤه في التأمين على الممتلكات والأشخاص.

 

– مفاتحة وزاره التجارة حول تأمين البضائع المستوردة من قبلها لدى شركات التأمين العراقية.

 

– مفاتحة رابطة المصارف العراقية حول تأمين القروض ومعالجة المشاكل التي تعتري التأمين عليها.

 

– عقد لقاء مشترك بين اعضاء الجمعية والسيد محافظ البنك المركزي العراقي حول المعوقات التي يجابهها قطاع التأمين العراقي، وكذلك عقد لقاء مع المدير المفوض لرابطه المصارف.

 

المشاريع المستقبلية

 

ليست لدى الجمعية في الوقت الحاضر مشاريع للمدى الطويل، والمتوفر من مشاريع لسنة 2017 يضم الآتي:

 

– الاستمرار في عقد دورات تدريبية لمنتسبي شركات التأمين لرفع مستوى المعرفة والمهارات العملية.

 

– تعميق التواصل مع الجهات المختصة، من خلال التخاطب أو اللقاء المباشر، لنشر الوعي التأميني.

 

– إمكانية إصدار بوستر وتوزيعه على اوسع شريحة ممكنة يستعرض فيه انواع التأمين مع إمكانية اقترانه بأسعار التأمين الزهيدة لقاء الحماية من تلك الاخطار.

 

سبل تحقيق أهداف الجمعية

 

تهدف الجمعية إلى رعاية مصالح أعضائها، وتعمل على تطبيق القانون، واخلاقيات مهنة التأمين، وتمثيل المصالح الجماعية لشركات التأمين واعادة التأمين المجازة في العراق امام الديوان والجهات الأخرى.

 

وتتولى الجمعية في سبيل تحقيق اهدافها المهام الاتية:

 

1- تعزيز اسس واصول مهنة التأمين وحث الاعضاء على الالتزام بها وترسيخ اخلاقيات وتقاليد المهنة بينهم.

 

2- تأهيل وتدريب الموظفين لدى أعضائها من شركات التأمين.

 

3- اعداد احصائية سنوية لنشاط شركات التأمين لخدمة قطاع التأمين والمهتمين به.

 

4- اعداد دراسات ونشر محاضرات في شتى انواع مواضيع الـتأمين وتوزيعها على سائر الأعضاء.

 

5- السعي في إمكانية إصدار تشريعات تأمين المسئولية المدنية للشخص الثالث التي يتعرض لها جراء اخطار متنوعة

 

 

* المدير المفوض لجمعية التأمين العراقية

 

بغداد في 26/12/2016

[1] تأسست جمعية التأمين العراقية سنة 2005 بموجب المادة 84 من الأمر رقم (10) لسنة 2005، قانون تنظيم أعمال التأمين. (المحرر)

 

Abdulbaki Redha: a towering Iraqi insurance figure

عبد الباقي رضا: الشخصية الموسوعية

هيفاء شمعون عيسى

لا تكفي الكلمات والأسطر للإيفاء بحق شخصية مرموقة كشخصية الأستاذ عبد الباقي رضا. فهو شخصية، يحمل صفات رائعة ونموذجية من جميع النواحي العلمية والاجتماعية والثقافية والعملية، سواء في مجال اختصاصه أو في المجالات الاقتصادية الأخرى كالقطاع المصرفي. فقد عرفنا فيه، وتعلمنا منه، الدقة المتناهية في عرض البيانات والمعلومات مثلما حاولنا تقليده بالاهتمام بسلامة التعبير اللغوي ومراجعة ما نكتب لضمان الوضوح في توصيل الأفكار. ربما جاء انشغاله بالتعبير اللغوي بفضل اهتمامه المبكر بالأدب وباللغة العربية. ورغم معرفته الواسعة في أكثر من مجال إلا أنه لم يكن دعيّاً أو متبجحاً بشهادته الأكاديمية وبمساهماته، وإن نهضت الفرصة فهو يعرض جوانب من معرفته على أنها جزء من عمله اليومي. كان يذهلنا بذاكرته القوية.

وتتحلى شخصيته بأخلاق ومبادئ راقية لا تصلح للجيل الذي تعلَّم على يد هذه الشخصية الموسوعة فقط لكنها تصلح – على وجه التخصيص – للجيل الجديد الشاب وهذا الزمن الذي هو أحوج ما يكون للنموذج الذي يقدمه الأستاذ عبد الباقي. أكتب هذا وفي بالي كلامه ومواقفه وتشجيعه المستمر لي أنا شخصياً رغم أن معرفتي به لم تكن من وقت تعييني في شركة التأمين الوطنية، ذلك لأنني تعيّنتُ في العام اللاحق لمغادرته الشركة كمدير عام لها ورئيس لمجلس إدارتها.[1]

لكنني عرفته (أولاً) من خلال تواجده في مجلس إدارة الشركة كنائب لرئيس المجلس منذ تسعينيات القرن الماضي ولحد الآن [12 حزيران 2016]، عندما كنت ضمن الكادر المحاسبي الذي يقوم بإعداد الحسابات الختامية للشركة في نهاية السنة المالية، والطريقة العلمية التي يعتمدها في مناقشة الميزانية العامة مع الكادر المحاسبي المعني، وتقديره ومعرفته للجهود التي تبذل في تنظيم وإعداد الميزانية والحسابات الختامية. وعرفته (ثانياً) عندما جرى تعييني كعضو في مجلس إدارة الشركة في العام 2005 والتي كان حينها مفتخراً بي كأول امرأة تمثل في مجلس إدارة شركة التأمين الوطنية.

كان داعماً لعملي في الشؤون المالية في الشركة، ومشجعاً لتوجهاتي لتقديم الأفضل لهذه الشركة العملاقة التي كان هو من شارك في وضع الأسس والدعائم الصحيحة لها وطورها طيلة فترة خدمته فيها لمدة 12 سنة كمدير عام. من أمثلة هذا الدعم كان عند قيامي بشراء عقار للشركة في محافظة البصرة عندما كنت حينها في لجنة الاستثمار، وإرشاده لي بالاعتماد على الإجراءات القانونية والفنية في عملية الشراء. فقد كان من ضمن المؤيدين لي في هذا الموضوع باعتبار ذلك خطوة استثمارية جريئة لم تقم بها الشركة منذ أكثر من (20) عام، حيث تم إشغال فرع البصرة العائد للشركة في هذه البناية مع تأجير المحلات في الطابق الأرضي كاستثمار لعوائدها المالية للشركة.

وهناك أمثلة أخرى على الدعم والتأييد للأعمال والقرارات التي يمكنني الرجوع بها على حسن توجيهه وإرشاده من خلال مجلس الإدارة، وتواصله معي في مناقشة الحسابات الختامية في نهاية كل سنة مالية، وإبداء إعجابه وامتنانه الشديدين بالجهود التي نبذلها بمعية القسم المالي في إعداد وتنظيم الميزانية والحسابات الختامية بوقت قياسي رغم الظروف الراهنة للبلد.

وفي النهاية، وكما ذكرت في البداية، فإن الكلمات لا تفي الغرض لإعطاء هذه الشخصية الموسوعة حقها كمرجع للقطاع المالي بشكل عام والتأمين بشكل خاص من خلال تجربتي معه في العمل.

بغداد 12 حزيران 2016

[1] شغل عبد الباقي رضا موقع مدير عام شركة التأمين الوطنية للفترة من 1 شباط 1966 لغاية 4 آذار 1978. وكان نائباً لرئيس مجلس إدارة التأمين الوطنية للفترة من 1994 لغاية تموز 2016.

Thought on insurance in Iraq before bidding farewell to 2016

خاطرة تأمينية قبل توديع 2016

 

 

مصباح كمال

 

مقدمة

مع قرب انتهاء 2016 خطر لي أن أكتب عن أهم الأحداث/المستجدات التأمينية خلال السنة لكن المعلومات المتوفرة لدي ليست كافية للكتابة. ربما تأسست شركة تأمين خاصة جديدة لإدخال تشويش إضافي على سوق التأمين العراقي المكتظ بشركات ودكاكين تأمينية لا يتناسب عددها مع حجم الطلب الكلي على الحماية التأمينية. ربما انخفضت أقساط التأمين المكتتبة مع الهبوط الحاد في أسعار النفط الخام اعتباراً من 2014 وتقليص موازنة الحكومة وضمور الانفاق على المشاريع العامة، لكن الإحصائيات ليست متوفرة لدينا. ربما قام مستشارو رئيس الوزراء في مجال التأمين بمراجعة ما جاء في برنامج الحكومة بشأن التأمين الصحي والمسؤولية المهنية وغيرها من أغطية التأمين، لكن شيئاً من ذلك لم يظهر في المجال العام.

 

وهكذا ليس هناك ما يستحق التعليق عليه وبالتالي فإن الركود النسبي هو ما يتصف به قطاع التأمين في 2016، وأسارع إلى القول بأن جهلي بتفاصيل ما يجري داخل القطاع هو الذي يدفعني إلى هذا التقييم السلبي، ولعل أصحاب الشأن والقرار يفتوني بما يصحح هذه الصورة.

 

وبرغم ذلك أرغب بعرض سريع لبعض المستجدات التي قد تبدو في ظاهرها تطورات غير مهمة إلا أن لها دلالاتها التي تستحق من ممارسي التأمين في العراق التأمل فيها؛ أرجو ذلك رغم تقتيرهم في الكتابة والتعليق التي لا يمكن إلا وصفها بصمتهم الصارخ. ولعل غيري يرغب بالإضافة لها وبذلك نكون قد أجرينا جريدة لواقع النشاط التأميني في سنة 2016.

 

بهاء بهيج شكري: خدمة مكتبة التأمين

ضمن المستجدات أذكر صدور المعجم الوسيط في مصطلحات وشروط التأمين، انجليزي-عربي للأستاذ بهاء بهيج شكري.[1] وقد كتبت عنه في مجلة التأمين العراقي.[2] أقف إجلالاً أمام صاحب هذا المعجم الموسوعة الذي سيحتل مكاناً مهماً في مكتبة التأمين العربية لفترة طويلة. وأقف مشدوهاً أمام المعرفة الواسعة لهذا الشيخ الجليل الذي اتخذ من عمّان مستقراً له. كم كان سيكون جميلاً لو أن هذا المعجم صدر في العراق، لكن هذا الوطن الطارد لجمهرة كبيرة من مواطنيه حرم أهل التأمين أن يكون واحداً من أجلائهم بينهم، فلا أقل من أن تزدان مكتبات شركة التأمين العراقية بنسخة من هذا المعجم كمرجع عربي لا مثيل له وكاستذكار للأستاذ بهاء الذي شغل مواقع مهمة في شركة التأمين الوطنية وغيرها من شركات التأمين العراقية وقدم مساهمات بناءة في تطوير عمل الشركة مثلما برز كمحامي مختص وبارز في قضايا التأمين أمام المحاكم العراقية.

 

رغم أن عمره تجاوز الثمانين فإن فكره ما زال وقاداً، وقد علمت بأنه سيصدر كتاباً ضخماً أوائل 2017 في موضوع نوادي الحماية والتعويض، ربما سيكون الأول من نوعه في العالم العربي.

 

عبد الباقي رضا: خسارة التأمين الوطنية

في تموز 2016 حصل تغيير في عضوية مجلس إدارة شركة التأمين الوطنية بإنهاء عضوية الأستاذ عبد الباقي رضا في المجلس دون أي مقدمات أو تبرير. ليس معروفاً من كان وراء تنحيته من عضوية المجلس. ترى هل أن عمره كان هو السبب أم أن هناك سبب آخر، وأنا أميل إلى السبب الآخر الذي لا أعرف كنهه. ومهما يكن السبب فقد خسره مجلس إدارة الشركة فهو ليس ذاكرة حية لتاريخ التأمين في العراق وحسب، كزميله المعاصر له الأستاذ بهاء بهيج شكري، بل مستشاراً موضوعياً متجرداً من الهوى والانتماءات الضيقة التي ابتلي بها العراق في الماضي والحاضر.

 

كان الأستاذ عبد الباقي مديراً عاماً ورئيساً لمجاس إدارة شركة التأمين الوطنية (1966-1978). وصار نائباً لرئيس مجلس إدارة الشركة منذ 1994 لغاية تموز 2016. كتبت الزميلة هيفاء شمعون عيسى، كلمة بحقه[3]:

 

عرفته (أولاً) من خلال تواجده في مجلس إدارة الشركة كنائب لرئيس المجلس منذ تسعينيات القرن الماضي ولحد الآن [12 حزيران 2016]، عندما كنت ضمن الكادر المحاسبي الذي يقوم بإعداد الحسابات الختامية للشركة في نهاية السنة المالية، والطريقة العلمية التي يعتمدها في مناقشة الميزانية العامة مع الكادر المحاسبي المعني، وتقديره ومعرفته للجهود التي تبذل في تنظيم وإعداد الميزانية والحسابات الختامية. وعرفته (ثانياً) عندما جرى تعييني كعضو في مجلس إدارة الشركة في العام 2005 والتي كان حينها مفتخراً بي كأول امرأة تمثل في مجلس إدارة شركة التأمين الوطنية.

 

ذُكر لي أن إدارة التأمين الوطنية أصدرت كتاب شكر له، قصير وفقير في مضمونه بالنسبة للقامة الرفيعة للأستاذ عبد الباقي وتاريخه الطويل في خدمة الشركة، ونزاهته. ويبدو لي أن أدب الاحتفاء والتعريف برجالات التأمين في العراق ليس معروفاً وكأن تقديم كتاب شكر شخصي، غير منشور، يكفي كتكريم. كنت أتمنى أن يُصار إلى تسمية إحدى بنايات الشركة في بغداد باسمه خاصة وأنه كان وراء تشييد بعضها.

 

ورغم أن عمره قد تجاوز الثمانين عاماً فإنه ما يزال يحتفظ بقدرة فائقة في تذكر التفاصيل، وفي تقديم الرأي السديد. ولذلك فإنه مستمر في دوره كمستشار لإحدى المصارف الخاصة في العراق. آمل أن يظل مرتبطاً بالشأن التأميني في العراق ليدلي بالرأي عندما تنهض المناسبة.

 

هيفاء عيسى شمعون: تطور مهم في تاريخ التأمين العراقي

في آب 2016 تم تعيين الآنسة هيفاء عيسى شمعون مديراً عاماً وكالةً لشركة التأمين العراقية بعد خدمة طويلة في إدارة حسابات شركة التأمين الوطنية ومعاوناً للمدير العام فيما بعد، وعضواً في مجلس إدارة الشركة منذ عام 2005 لغاية أواسط 2016.

 

مرَّ خبر تعيينها بدون تعليق وكأنه أمر عادي، وأظن بأن إعلاناً رسمياً بالتعيين لم يصدر من شركة التأمين العراقية. خبر التعيين، في ظاهره، أمر عادي ولكنه، بالنسبة لي، يشكل حدثاً وتطوراً مهماً في تاريخ التأمين في العراق إذ لم يسبق أن احتلت سيدة الموقع الأول في شركة تأمين عراقية. نعم، كان للمرأة دورها في بعض شركات التأمين، وخاصة العامة منها، وقد قمت بعرض شيء منها في بعض مقالاتي.[4] وتكتب الزميلة إيمان عبد الله شياع[5]

عندما أصبح الأستاذ عبد الباقي رضا مديرا عاما لشركة التامين الوطنية (1966-1978) احتلت المرأة مواقع وظيفية في العديد من الاقسام. نتحدث هنا عن الكثير من السيدات اللواتي عملن في ادارته مما يدل على سعة أفقه وانفتاحه وموضوعيته في اختيار المرأة لمواقع قيادية كانت المرأة جديرة بها.

 

وقد أكدت ذلك الزميلة هيفاء شمعون عيسى، كما ذكرنا، عندما كتبت عن افتخار الأستاذ عبد الباقي بها “كأول امرأة تمثل في مجلس إدارة شركة التأمين الوطنية.” وها أنها تحتل الموقع الأول في شركة التأمين العراقية العامة. هذه نقلة مهمة في تاريخ التأمين يأمل المرء أن تتعزز مع الزمن من خلال توفير الشروط المتكافئة في سياسة الاستخدام والترقية دون أي اعتبار للجندر أو الطائفة أو القومية.

 

دمج شركات التأمين العامة: مشروع ملتبس

في شباط كتبت عن مشروع دمج شركات التأمين العامة،[6] وكان هذا استباقاً لما سيعلنه ديوان التأمين العراقي في جريدة الصباح عن البدء بالإجراءات القانونية لدمج شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية، وبصيغة تفتقر إلى الإجراءات الأصولية لتحقيق الدمج.[7] أحد هذه الإجراءات يقتضي اتخاذ مجلس إدارة شركتي التأمين قراراً بالشروع في مفاوضات الدمج. وكان بالأحرى على الأطراف المعنية، ومنها ديوان التأمين، الاستئناس برأي الحقوقيين العاملين لديها لإدارة مشروع الدمج لتكون بذلك نموذجاً يمكن أن تحتذي به شركات التأمين الخاصة.

 

لم يخضع مشروع الدمج إلى دراسة جادة مكتوبة أو منشورة وربما لم يتجاوز التداول بشأنه الحديث العابر بين مروجي المشروع في الشركتين ووزارة المالية. واستدرك هنا، اعتماداً على معلومات وردتني، أن شركة التأمين العراقية جانبت الصواب في تظلمها من إعلان الدمج بموجب القانون، وفي عرض مشروعها الخاص باستعادة تخصصها السابق في التأمينات على الحياة (وهنا ليس معروفاً إن قامت الشركة بالدراسات المناسبة لمشروع التخصص وآثاره).

ويبدو الآن أن وزارة المالية قد انتبهت إلى عدم اكتمال متطلبات مشروع الدمج وأخذت علماً بمشروع التخصص في تأمينات الحياة لتعمل على تشكيل لجنة موسعة لدراسة الموضوع من مختلف جوانبه.

 

آمل أن يكون الجميع قد هضموا أهمية إجراء الدراسات قبل الهرولة إلى اتخاذ القرارات.

 

تصنيف ائتماني لشركات التأمين العامة؟

إضافة إلى هذه المستجدات كان هناك “اكتشاف” خبر حول شروع الشركات العامة بالحصول على تصنيف ائتماني من خلال سفر وفد ممثلي الشركات العامة الثلاث إلى دبي للتفاوض، كما قيل، مع إحدى وكالات التصنيف الدولية في دبي.[8]

 

وهنا يثار السؤال: ما الذي كانت هذه الشركات تبغيه من وراء الحصول على تصنيف ائتماني؟ وهل تم إعداد دراسة أولية مشتركة؟ وما هي الخطوات التالية لتحقيق ما هو مطلوب؟

 

من باب الختام

لا أعرف لماذا لا يهتم ممارسو التأمين في العراق بإجراء رصد لأهم التطورات التأمينية خلال السنة. أهو بسبب الكسل الفكري، أم هو النقص في التوثيق، أم هو الإحباط من واقع النشاط التأميني؟

 

آمل أن يأتي اليوم الذي يأخذ ممارسو التأمين على عاتقهم مهمة رصد النشاط التأميني وما يتعلق به من قرارات وتعليمات وبيانات رسمية وقوانين، والتطورات السياسية والمجتمعية والكوارث الطبيعية وتلك المرتبطة بالأعمال الإرهابية، وآثار السياسات الطائفية والاثنية، وكل ما من شأنه أن يؤثر على هذا النشاط مباشرة أو بصورة غير مباشرة. لقد حاولت خلال السنوات الماضية تقديم نماذج من الكتابة بهذا الخصوص لكن الاهتمام بها أو محاولة تقليدها لم يترجم نفسه في كتابات الآخرين.

 

 

 

3 كانون الأول/ديسمبر 2016

[1] بهاء بهيج شكري، المعجم الوسيط في مصطلحات وشروط التأمين، انجليزي-عربي (عمان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2016) 2ج، 1895 صفحة، السعر 75 دولار، ردمك 978-9957-16-963-3

 

[2] http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2016/01/bahaa-baheej-shukri-intermediary.html

 

 

[3] النص مقتبس من ورقة هيفاء شمعون عيسى بعنوان “عبد الباقي رضا: الشخصية الموسوعة” وهي بانتظار النشر في موقع مرصد التأمين العراقي.

[4] مصباح كمال، “نعي السيدة سهير حسين جميل،” مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/11/obituary-suhair-hussein-jameel.html

 

مصباح كمال، “في ذِكر هدى الصفواني: 7 شباط 1938 – 3 كانون الثاني 2010)،” مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/12/huda-al-safwani-recollection.html

 

[5] إيمان عبد الله شياع، “النصف الآخر: دراسة أولية لدور المرأة في شركة التأمين الوطنية،” شبكة الاقتصاديين العراقيين

http://iraqieconomists.net/ar/2016/02/03/%D8%A5%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9/

أنظر أيضاً مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2016/01/29/eiman-shiya-the-other-half-a-preliminary-study-of-the-role-of-women-in-the-national-insurance-co/

 

[6] http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2016/02/proposed-merger-of-state-owned.html

 

[7] http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2016/11/1-2016-1.html

 

[8] وقد علقنا على هذه الموضع في مقالة قصيرة منشورة في مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2016/11/rating-of-iraqi-state-owned-insurance.html

Renewal of Iraq Re’s Treaties & Private Insurance companies

تجديد اتفاقيات شركة إعادة التأمين العراقية وشركات التأمين الخاصة

 

 

مصباح كمال

 

 

في الربع الرابع من كل سنة تبدأ شركة إعادة التأمين العراقية بالاستعداد لجولة مفاوضات تجديد اتفاقياتها لإعادة التأمين مع ممثلي معيد التأمين القائد لهذه الاتفاقيات، بالتعاون مع مستشارها في لندن ومجموعة وسطاء إعادة التأمين الثلاث التي قامت بتعيينها منذ سنوات.

 

وقد درجت العادة على أن يضم الوفد لهذه المفاوضات، التي تعقد خارج العراق أواخر تشرين الثاني أو أوائل كانون الأول، ممثلين عن شركة إعادة التأمين العراقية وشركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية (وهي شركات تعود ملكيتها للدولة ممثلة بوزارة المالية). وحسب المعلومات المتوفرة لدينا لم يشترك ممثل عن شركات التأمين الخاصة في هذه المفاوضات، منذ سنة 2005، إلا مرة واحدة. وهنا ينشأ سؤال عام: لماذا؟ لنتوسع في التساؤل متقصدين الاستفزاز من باب الحصول على جواب من أصحاب الشأن.

 

  • هل أن ضعف، أو عدم مشاركة ممثلي شركات التأمين الخاصة، يعود إلى عدم توفر قدرة مالية لديها لتحمل نفقات إرسال ممثل أو أكثر عنها لاجتماعات التجديد خارج العراق؟

 

  • هل أن شركة إعادة التأمين العراقية لا توجه دعوات لشركات التأمين الخاصة لتسمية ممثلين لها للالتحاق بوفد الشركات الحكومية لاجتماعات التجديد؟

 

  • تُرى هل السبب يعود إلى اطمئنان شركات التأمين الخاصة بما توفره لها الإعادة العراقية من غطاء لإعادة التأمين، ولذلك لا ترى ضرورة لمشاركة ممثليها في مفاوضات التجديد؟أو ربما العكس هو الصحيح-سأم الشركات الخاصة من خدمات الإعادة العراقية والقبول بما هو موجود لحين توفر متطلبات إعادة التأمين الاتفاقي المستقل للبعض من هذه الشركات خارج نطاق الإعادة العراقية.

 

نعرف بأن شركتي التأمين الحكوميتين (التأمين الوطنية والتأمين العراقية) هما اللتان تغذيان أساساً اتفاقيات إعادة التأمين بالأقساط،[1] مقابل حصة صغيرة تقدمها شركات التأمين الخاصة المنضوية تحت هذه الاتفاقيات. (حسب المعلومات المتوفرة يزيد عدد هذه الشركات الخاصة المشاركة في هذه الاتفاقيات عن العشرين قليلاً تختلف في حجم رأسمالها، وعدد العاملين فيها، وحجم أقساطها المكتتبة)[2].

 

إن كانت مساهمة شركات التأمين الخاصة في تغذية اتفاقيات إعادة التأمين صغيرة فإن ذلك لا يعفيها، إن كانت جادة في الحفاظ على مصالحها وتعزيزها، من المشاركة في مفاوضات تجديد الاتفاقيات. ففي هذه المفاوضات تتقرر شروط الاتفاقيات، ومن الأولى أن تتعرف الشركات الخاصة على آراء المعيد القائد مباشرة، وما يجري التفاوض عليه، وكيفية التوصل إلى القرارات النهائية الخاصة بالتجديد، ودور مجموعة وسطاء إعادة التأمين في إدارة التفاوض والتقريب بين المواقف الخلافية وإيجاد الحلول المناسبة.

 

كما أن المشاركة في مفاوضات تجديد اتفاقيات إعادة التأمين توفر لهذه الشركات فرصة الإعداد للمستقبل حين تقوم بترتيب اتفاقيات إعادة التأمين الخاصة بها دون المرور من خلال شركة إعادة التأمين العراقية كلياً.

 

إن كانت شركات التأمين الخاصة ذاتها لا تعير اهتماماً حقيقياً عميقاً بما يتم الاتفاق عليه في مفاوضات تجديد اتفاقيات إعادة التأمين، فما بال الإعادة العراقية لا تبادر إلى حث شركات التأمين الخاصة لتعيين ممثل أو ممثلين عنها للمشاركة في المفاوضات خاصة وأن ادارتها تؤكد على أنها تقف على مسافة واحدة بين الشركات العامة والخاصة؟

 

كتبتُ في مقالة غير منشورة وفي سياق آخر أن مبادرات الإعادة العراقية “غير موجودة وأن إدارتها تفتقد عنصر الريادة والعمل لتطوير قطاع التأمين العراقي، إذ لا يكفي أن تكتفي بتوفير حماية إعادية للشركات المباشرة في العراق باعتبار أن هذا هو عملها الرئيسي … هذا الوضع بحاجة إلى دراسة مستقلة أتوقع من إدارة الإعادة العراقية القيام بها لكشف مكامن القصور والمراوحة في نفس المكان، وباختصار التقييم النقدي المتجرد من عقلية الرضا عن النفس. مراوحة الإعادة العراقية في مكانها، منذ أن فقدت هيبتها الماضية، لا تختلف عن غيرها من الشركات العامة، فكلها تعاني من المشاكل، وكذا الأمر بالنسبة للشركات الخاصة.”[3]

 

لقد اكتفينا بمجرد إثارة الأسئلة إذ أننا لا نتوفر على أجوبة مقنعة لها قائمة على حجة. وهمنا هو إثارة النقاش. ولعل الإعادة العراقية أو إحدى الشركات الخاصة تتقدم برأي. وعلى أي حال نأمل تقويم أي خطأ في معلوماتنا.

 

24 تشرين الثاني 2016

[1] بدون أقساط شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية لا توجد أرضية حقيقة لترتيب اتفاقيات إعادة التأمين. ولذلك فإن شركات التأمين الخاصة وحتى الإعادة العراقية “مدينة” للشركتين. ونزعم أن انسحاب الشركتين من اتفاقيات إعادة التأمين يؤدي إلى انهيار الإعادة العراقية.

[2] هناك عدد قليل من شركات التأمين الخاصة، في بغداد والسليمانية، لا تلجأ إلى الإعادة العراقية لتأمين احتياجاتها لإعادة التأمين الاتفاقي. وليس هناك إلزام قانوني على شركات التأمين المباشر لإسناد نسبة من أعمالها للإعادة العراقية.

[3] يجري الكثير من الحديث عن دور الشركات الخاصة في التنمية وتنويع الاقتصاد وفي ابتداع المنتجات وتقديم الخدمات إلا أن ما أنجزته هذه الشركات ضمن قطاع التأمين ضئيل ربما لا يتعدى توفير فرص بسيطة جداً للعمالة (لا نعرف الرقم الدقيق ونزعم بأنه يقل أو يزيد قليلاً عن 200 شخص)، ودرجة من المنافسة غير المنضبطة (منافسة غير قائمة على اعتبارات فنية مهنية ترمي إلى مجرد الحصول على الأعمال “بتكسير” الأسعار). البعض من هذه الشركات، وهي قليلة، تميَّز بكفاءة الأداء إلا أن تأثيرها لم يمتد على الشركات الأخرى. غياب ممثلي هذه الشركات من مفاوضات تجديد اتفاقيات إعادة التأمين يؤشر على وجود مشكلة لديها أو لدى الإعادة العراقية.

 

ويبدو لي أن الشركات الخاصة، يرجع تأسيس بعضها إلى سنة 2000، تنظر إلى نفسها ككيانات منعزلة عن بعضها لا يجمعها هدف سوى تحقيق الربح، وليس كهيئة جماعية تجمعها مصالح مشتركة تستحق الذود عنها. إن ضعف هذه الشركات يدلُّ على أنها ليست نداً للشركات العامة وأن أمامها شوط طويل للحاق بهذه الشركات.