Notes on Insurance in the Monetary & Fiscal Context

ملاحظات أولية لعرض التأمين في السياق النقدي والمالي

 

على هامش كتاب لهب عطا عبد الوهاب:

سرعة تداول النقود بين النظرية الاقتصادية والتطبيق العملي[1]

 

 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

مصباح كمال : ملاحظات أولية لعرض التأمين في السياق النقدي والمالي

 

 

[1]    مقدمة

 

هذا كتاب مهم في موضوعه، سرعة تداول النقود، قدمه المؤلف بأستاذية ونأمل، أن ينتبه إليه المختصون. هو ليس كتاباً في التأمين لكنه يضم إشارات سريعة عابرة للتأمين في بعض المواضع سنقوم بإبرازها في هذه الورقة بقدر ما تسمح به إمكانياتنا في فهم الظواهر الاقتصادية المالية والنقدية منها بشكل خاص. هذه الورقة ليست معنية بسرعة تداول النقود ولذلك فهو لا يشكل موضوعاً للتعليق لكننا سنستفيد من بعض نصوص الكتاب والمفاهيم الواردة فيها لعرض بعض جوانب التأمين مع الإشارة، قدر الإمكان، إلى واقع النشاط التأميني في العراق.

 

لولا هذا الكتاب الذي أهداه المؤلف لي لما بادرت إلى كتابة هذه الورقة لوضع التأمين ارتباطاً بالنظام النقدي والمالي. فله أجزل الشكر على هديته الكريمة وعلى توفير فرصة الكتابة عن جوانب من النشاط التأميني.

 

لتوفير السياق المناسب لتعليقاتنا سنقتبس نصوصاً طويلة من الكتاب، لإظهار ورود إشارة للتأمين فيها، وفي هذا فائدة أيضاً لمن لا يتوفر على نسخة من الكتاب.

 

تضم محاولتنا عرض الموضوعات التالية:

 

  • هل هناك علاقة بين كلفة الاحتفاظ بالنقد وشراء التأمين؟
  • تخفيض الضرائب والطلب على التأمين
  • التأمين كمؤسسة مالية وسيطة غير مصرفية
  • ضيق نطاق الأسواق النقدية والمالية واستثمار شركات التأمين
  • السوق النقدية المنظمة، الوعي المصرفي/الوعي التأميني، النضج المالي/النضج التأميني

 

[2]   هل هناك علاقة بين كلفة الاحتفاظ بالنقد وشراء التأمين؟

 

التغيرات في معدلات الفائدة وأثرها على التأمين

تحت عنوان العوامل التي تؤثر على كلفة الاحتفاظ بالنقد تناول المؤلف (1) التغيرات التي تطرأ على معدلات الفائدة و (2) التغيرات التي تطرأ على المستوى العام للأسعار.

 

(1) التغيرات التي تطرأ على معدلات الفائدة

إن ارتفاع معدلات الفائدة على الموجودات البديلة للنقود (كالودائع الزمنية والسندات الحكومية) ستدفع بالأفراد نحو الاقتصاد في أرصدتهم النقدية لتكلفة الفرصة opportunity cost المرتفعة للاحتفاظ بالنقود (والتي لا تدر عائداً مقارنة بعوائد الموجودات غير النقدية). ومن هنا ميل الأفراد إلى تخفيض أرصدتهم النقدية بدلاً من تفضيل السيولة، الأمر الي سيفضي إلى ارتفاع في سرعة تداول النقود. (ص 28)

 

لا يرد في هذا النص أي ذكر للتأمين لكننا اقتبسناه لإبراز مدى تأثير معدلات الفائدة على بعض جوانب التأمين. لا نظن أن ارتفاع معدلات الفائدة سيخلق ميلاً لدى الأفراد لتخفيض أرصدتهم النقدية وإنفاقها، أو بعض منها، على شراء وثائق التأمين كموجودات بديلة للنقود، باستثناء بعض أشكال التأمين على الحياة. فشركات التأمين المتخصصة بأعمال التأمين على الحياة تطرح للبيع وثائق تأمين ادخارية (وهي غير الشهادات الادخارية، أوعية استثمارية تطرحها البنوك، إذ أن وثائق التأمين الادخارية تغطي خطر وفاة صاحب وثيقة التأمين) لجذب عملاء جدد. فمن آثار ارتفاع معدلات الفائدة الضغط على شركات التأمين على الحياة لطرح منتجات جديدة بعوائد استثمارية أعلى تتناسب مع هذا الارتفاع في محاولة لجذب الأفراد لشراء وثائق التأمين كبديل أو مكمل للاستثمار في الشهادات الادخارية. وكذلك العمل على تخفيض أقساط التأمين بفضل ارتفاع العوائد الاستثمارية، ويأتي هذا مقترناً بحالة التنافس بين الشركات للإبقاء على عملائهم وجذب الجدد منهم.

والمعروف أن ارتفاع معدلات الفائدة يُحسّن من العوائد الاستثمارية على وثائق التأمين على الحياة، ومن هنا ربما الميل لاقتناء وثائق التأمين على الحياة إذ أن معدل الفائدة على هذه الوثائق تراكمي ويحتسب على أساس مبلغ التأمين وليس القسط المسدد. فعند حلول أجل الوثيقة أو وفاة صاحبها فإن شركة التأمين تسدد له أو لورثته مبلغ التأمين إضافة إلى الفائدة على هذا المبلغ.

 

ويساهم ارتفاع معدلات الفائدة إيجابياً في تحسين ربحية شركات التأمين على الحياة وغير الحياة (ما يعرف بالتأمينات العامة) من خلال العوائد على الأرصدة المستثمرة.

 

مقابل ذلك فإن انخفاض معدلات الفائدة، كما هو حاصل في الاقتصادات الغربية منذ عدة سنوات، يؤثر سلباً على العوائد الاستثمارية وربحية شركات التأمين وصناديق التقاعد. وتتفق الدراسات المختصة على استمرار النظرة المستقبلية السلبية لغالبية أسواق التأمين على الحياة على الصعيد العالمي.[2]

 

التغيرات في المستوى العام للأسعار وأثرها على التأمين

 

(2) التغيرات التي تطرأ على المستوى العام للأسعار

إن الارتفاع في المستوى العام للأسعار وتوقع الجمهور استمراراً في ارتفاعه مستقبلاً بحيث أن الأخير يمكن أن ينظر إليه باعتباره نذيراً لتضخم متوقع – هو عامل مهم يمكن أن يؤثر على سرعة تداول النقود على المدى القصير والطويل معاً – من خلال تأثيره على “كلفة الاحتفاظ بالنقود”، إذ أن ارتفاع الأسعار سيعني انخفاضاً في القيمة الحقيقية للقوة الشرائية للنقود الأمر الذي سيدفع الأفراد نحو شراء السلع الآن (بدلاً من تفضيل السيولة). (ص 28-29)

 

الملاحظ أن الانخفاض في القيمة الحقيقية للقوة الشرائية للنقود تدفع الأفراد نحو شراء السلع بدلاً من الاحتفاظ بالنقود. المنتج التأميني هو سلعة بمعنى ما ينطوي عليه من منافع (التعويض عند حصول ضرر أو خسارة) يحصل عليها حامله لإشباع حاجاته (التحوط من الأخطار المحيطة به والتخفيف من عدم التأكد بما يخبئه المستقبل). ليس لدينا دراسة تفيد في شرح العلاقة بين انخفاض القوة الشرائية للنقود (التضخم) والإقبال على شراء المنتجات التأمينية. إن هذا الإقبال، لو كان قائماً حقاً، فإنه يساهم، إلى حدٍ ما، في الحدِّ من الضغوط التضخمية الناشئة من وفرة (زيادة) كمية النقود في التداول العام، وذلك لأن الإقبال على شراء الحماية التأمينية يعمل على حجز أرصدة نقدية ربما كانت ستنفق على شراء سلع مادية وخدمات أخرى.

 

إن الانخفاض في القوة الشرائية للنقود، من المنظور التأميني، يترجم نفسه في زيادة كلفة شراء حماية إعادة التأمين من الخارج (بسبب تدني سعر صرف العملة الوطنية)، وإلى خسارة أو هبوط في قيمة موجودات شركات التأمين، وكذلك هبوط قيمة وثائق التأمين على الحياة (مدخرات المؤمن لهم) وتآكل قيمة الأموال المادية المؤمن عليها وما ينشأ عنها من اختلاف في تسوية مطالبات تعويض الأضرار المادية بسبب التباين في مبالغ التأمين عند ابتداء التأمين وعند تسوية المطالبة.

 

الادخار الفردي لأغراض التقاعد، وخاصة في الاقتصادات الغربية، هو الآخر يتأثر سلبياً من انخفاض القوة الشرائية للنقود إذ يظل هاجس انخفاض معدلات الفائدة في المستقبل وقت بلوغ مرحلة التقاعد عاملاً مؤرقاً للعاملين والعاملات، خاصة مع التحول من نظام التقاعد على أساس المنفعة المحددة defined benefit إلى نظام الاشتراكات defined contribution والاعتماد على الأسواق المالية (أي الاعتماد على أداء استثمارات صناديق التقاعد) في توفير المعاشات التقاعدية.[3]

 

وقد لوحظ في سنوات الحصار الاقتصادي على العراق (2003-1990) هبوط قيمة موجودات شركات التأمين، وخشيةً من استمرار هذا الهبوط بادرت شركات التأمين إلى تحويل جزء[4] من الأرصدة النقدية المتراكمة لديها لشراء الأصول العينية كالعقارات. وقد كتبنا التالي بشأن هذا الموضوع في دراسة سابقة[5] نقتبس منه ما يلي:

 

أدت العمليات العسكرية والعقوبات الاقتصادية وتوسع النظام في طبع النقود الورقية إلى إضعاف قيمة الدينار العراقي. وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن التضخم المفرط أدى إلى تدهور قيمة رأسمال شركات القطاع واحتياطياتها بحيث جعلها مكشوفة للإفلاس إن هي تعرضت لخسائر كبيرة لا تقوى على التعويض عنها اعتماداً على مواردها الذاتية وتلك التي توفرها شركة إعادة التأمين العراقية.[6] لذلك لجأ القطاع مبكراً إلى استبدال الأصول النقدية الآيلة إلى الهبوط الحاد في قيمتها إلى أصول مادية من خلال الاستثمار في العقارات لميل أقيامها إلى الزيادة. ليست هناك معلومات دقيقة موثقة منشورة عن هذا الأمر، ولا على القيود القانونية على الأرصدة النقدية التي يجب على شركات التأمين الاحتفاظ بها في جميع الحالات للوفاء بالالتزامات تجاه حملة وثائق التأمين، ونسبة الاستثمارات العينية وما يمكن استثماره في أسهم الشركات التجارية وغيرها.

 

حسب المعلومات المتوفرة لدينا فإن المحفظة الاستثمارية للشركات الحكومية الثلاث (شركة التأمين الوطنية، شركة التأمين العراقية وشركة إعادة التأمين العراقية) تضم الفقرات التالية وبنسب متباينة: عقارات، أوراق مالية حكومية وغير حكومية، إيداعات في البنوك، قروض مضمونة (وأخرى غير مضمونة)، أسهم وودائع داخل وخارج العراق. والمعروف عن الشركات الثلاث أنها تمتلك مباني عديدة بعضها مستخدمة كمقرات لها والبعض الآخر مؤجر للغير.

[3]   تخفيض الضرائب والطلب على التأمين

 

يتناول المؤلف في المبحث الثاني من المحور الرابع في الكتاب (ص 108-114) وسائل السلطات النقدية في التأثير على سرعة تداول النقود، ويحصر هذه الوسائل بالآتي: زيادة الانفاق الحكومي، تخفيض الضرائب، إعادة تسديد الدين العام، تخفيض معدلات الفائدة، الاقناع الأدبي والدعاية، إزالة القيود على الشراء بالأقساط، توفر “السلع المغرية، والزيادة في تكرار المدفوعات.

 

تناولنا تأثير معدلات الفائدة في الفقرات الأولى من هذه الورقة، وسنحصر التعليق هنا بتخفيض الضرائب. وبهذا الشأن، ودائماً ضمن موضوع سرعة تداول النقود، يقول المؤلف:

 

إن أي تخفيض في الضرائب المباشرة – دون أن يرافقها تخفيض مماثل في الانفاق العام – ستعمل على رفع القوة الشرائية لأفراد المجتمع… كما أن تخفيضاً في الضرائب غير المباشرة، حيث سيغري الانخفاض في الأسعار الأفراد إلى الشراء والانفاق. على سبيل المثال، قيام الدولة بتخفيض ضريبة المشتريات (على السيارات مثلاً) الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة الطلب عليها. (ص 111)

 

لا توجد ضرائب على إصدار وثائق التأمين في العراق، كما هو الحال في العديد من البلدان الأوروبية.[7] هناك فقط، في الوقت الحاضر، جباية لرسم الطابع، بنسب مختلفة، على وثائق التأمين على الحياة والحوادث الشخصية، والتأمين البحري، والتأمين غير البحري.

فرض الضريبة أو زيادتها على وثائق التأمين قد تدفع باتجاه التقليل من الطلب على شراء الحماية التأمينية، مثلما قد يؤدي إلغاء الضريبة أو التقليل من نسبتها إلى زيادة الإقبال على الانفاق على الحماية التأمينية. ما لم يكن شراء التأمين إلزامياً فإن زيادة الضريبة على وثائق التأمين تؤثر سلبياً على شراء التأمين وقد يدفع باتجاه التهرب والتغاضي عن التأمين. بالطبع، هناك عوامل عديدة تؤثر على شراء الحماية التأمينية والضريبة المفروضة عليها هي واحدة منها إلى جانب حجم الدخل النقدي المتوفر لدى الأفراد، وتأصل أعراف التدبر تجاه ما يخبئه المستقبل، وترجيحات تكلفة الفرصة opportunity cost وغيرها.

وتتمتع وثائق التأمين على الحياة بمعاملة تفضيلية من قبل دوائر الضريبة، فالمبالغ التي تدفع للمستفيدين من وثيقة التأمين، مثلاً، لا تخضع غالباً للضريبة.

 

وبالنسبة لشركات التأمين فإن أقساط التأمين المكتسبة تخضع للضريبة (صافي الأرباح الاكتتابية)، وكذلك عوائد الاستثمار، ونتائج الأعمال السنوية. وهناك رسوم أخرى تدفع لديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية وغيرها، وهي مصدر شكوى البعض.[8]

 

[4]   التأمين كمؤسسة مالية وسيطة غير مصرفية

 

يكتب المؤلف تحت عنوان ثانوي، التطورات المؤسسية في الأسواق النقدية، ما يلي:

 

ويُشار بهذا الصدد إلى النمو الواسع والمضطرد في “المؤسسات المالية الوسيطة غير المصرفية* Nonbank Financial Intermediaries في الاقتصادات الصناعية من منتصف الخمسينات كأحد العوامل التي أضعفت من فاعلية السلطات المركزية في السيطرة على المعروض النقدي لما تتمتع به من مطلوبات هذه المؤسسات من سيولة عالية بحيث “أتاحت للجمهور” منفذاً جديداً وفعالاً للاقتصاد بأرصدته النقدية إذ بدلاً من الاحتفاظ بأرصدتهم النقدية عاطلة يمكن للجمهور من تحويلها إلى الالتزامات التي تصدرها هذه المؤسسات (ودائع الادخار، حصة في مؤسسات الادخار والإقراض، بوالص التأمين … الخ) والتي تدر عائداً كبيراً من ناحية كما يمكن قلبها إلى نقد بسهولة وبأدنى كلفة أو خسارة ممكنة من ناحية أخرى. (ص 121)

 

* ويذكر في هامش بأن أهم المؤسسات الوسيطة غير المصرفية “مؤسسات الادخار thrift institutions مثال ذلك بنوك الادخار، مؤسسات الادخار والإقراض بالإضافة إلى اتحادات الائتمان وشركات التأمين، والتي تعمل “كوسيط” في نقل الأرصدة النقدية من المقرضين النهائيين (الدائنين النهائيين) إلى المقترضين النهائيين.

 

تُصنف شركات التأمين والصناديق التقاعدية والتبادلية وغيرها كمؤسسات مالية وسيطة غير مصرفية. سنحصر تعليقنا فيما يلي بشركات التأمين. لقد شهدت العقود الأخيرة قبل الألفية الثانية قيام شركات إعادة التأمين الكبرى ووسطاء التأمين في المراكز العالمية للتأمين، كسوق لندن وبرمودا، ابتكار وتطوير أدوات بديلة لتحويل الأخطار alternative risk transfer (ART) خارج الأنماط التقليدية لآليات التأمين. وقد أنصبَّتْ هذه الأدوات على التعامل مع الأخطار الكبيرة ذات الطبيعة الكارثية، كالزلازل والفيضانات والمسؤوليات القانونية كتلك المرتبطة بالأسبستوس التي تعود أصولها إلى ما قبل النصف الثاني من القن العشرين، التي ولَّدت خسائر لشركات التأمين تقدر بعدة مليارات في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. لم يكن ابتداع الوسائل لتمويل الخطر risk financing ضمن الآليات التقليدية كافية، كخيارات تجزئة مبالغ الأخطار الكبيرة المؤمنة إلى شرائح layered options وغيرها لتسهيل تغطيتها بأسعار اقتصادية معقولة. وهكذا نشأ التحول نحو الاستفادة من سوق رأس المال (استخدام السندات bonds لتغطية الخسائر المترتبة على الكوارث، وخيارات البيع المستقبلية futures/put options) والتوريق الذي بدأ في سبعينيات القرن الماضي[9] securitization وغيرها.[10]

 

وعلى مستوى الأفراد كانت جمعيات بناء المساكن تمارس دورها في تقديم القروض لشراء دور السكن ثم بدأت في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، في بريطانيا، بتقديم خدمات مصرفية للأفراد. واستمر التداخل بين العمل المصرفي والتأميني حتى أن المصارف أخذت تمارس نشاطاً تأمينياً bancasssurance (بدأ في فرنسا في ثمانينيات القرن الماضي وانتشر في أوروبا وخارجها). وبذلك أصبحت البنوك قنوات توزيعية مهمة للمنتجات التأمينية، مثلما أخذ بعض البنوك بممارسة التأمين المباشر والبعض الآخر أسس كيانات لوساطة التأمين خاصة بها. وقد شهدت بعض البلدان العربية تبني نموذج التأمين عبر المصارف.

 

ويذكر المؤلف، فيما يخدم أطروحته في سرعة تداول النقود، الميل المتزايد لدى “الجمهور” لتحويل الأرصدة النقدية إلى المؤسسات غير المصرفية لقاء الالتزامات التي تقدمها (ودائع الادخار، حصة في مؤسسات الادخار والإقراض، بوالص التأمين … الخ). (ص 121). ما يعنينا هنا هو الإشارة إلى وضع بوالص التأمين بين هذه الالتزامات التي “تدر عائداً كبيراً من ناحية كما يمكن قلبها إلى نقد بسهولة وبأدنى كلفة أو خسارة ممكنة من ناحية أخرى.” إقحام بوالص التأمين هنا ربما أنصبَّ على بعض وثائق التأمين على الحياة التي تتضمن عنصراً ادخارياً مرتبطاً أيضاً بالأرباح التي تحققها شركة التأمين على استثماراتها لصندوق أقساط التأمين، وكذلك صندوق التقاعد الفردي المربوط بأرباح الشركة. وخلاف ذلك فإن وثائق التأمين لا تدر العوائد لحَمَلتها

 

أما موضوع قلب بوالص التأمين إلى نقد بسهولة وبأدنى كلفة ممكنة، فهو يحتاج إلى تكييف بسبب وجود ضوابط على هذا القلب، أي إلغاء بوالص التأمين، إذ أن ما يحصل عليه حامل البوليصة من قسط التأمين الذي سدده ابتداءً أو على دفعات لا يعادل هذا القسط بالكامل ذلك لأن شركة التأمين تتكبد مصاريف إدارية في الاكتتاب وفي إصدار بوليصة التأمين، كما أنها تكون مسؤولة عن تعويض حامل البوليصة عن الضرر أو الخسارة المُبلَّغ عنها قبل تاريخ قيامه بإشعار شركة التأمين بالإلغاء. ومن المعروف أن معظم بوالص التأمين تُطبق ما يُعرف بجدول المدة القصيرة Short Rate Cancellation Table.

 

[5]      ضيق نطاق الأسواق النقدية والمالية واستثمارات شركات التأمين

 

تحت هذا العنوان الثانوي يذكر المؤلف أن هذه الأسواق في البلدان النامية تتميز “بالضيق والذي يرجع إلى قلّة التعامل بالأوراق التجارية، وقلة ما يصدر من أذونات الخزينة، واقتصار الأسواق المنظمة فيها أساساً على البنوك التجارية …” ويلاحظ بالنسبة لسوق رأس المال “محدودية البائعين والمشترين – مما يفيد انخفاض حجم المبادلات – غياب المتعاملين الذين يتحملون مخاطر تقلبات القيمة الرأسمالية للسندات.” ويلاحظ المؤلف أيضاً “أن أكثر من 80% من السندات [الحكومية] القابلة للتداول في الأسواق يحوزها البنك المركزي والبنوك التجارية وشركات التأمين …”[11] [التأكيد من عندي]

 

ما الذي يدفع شركات التأمين لحيازة السندات الحكومية؟ أولاً، عنصر الضمانة العالي لهذه السندات. وثانياً، سهولة بيعها في أسواق المال للحصول على السيولة النقدية المطلوبة لتعويض المطالبات الكبيرة عندما تكون الموارد النقدية داخل الشركة غير كافية. ويمكن وضع الموضوع في إطار القيود المفروضة على السياسة الاستثمارية لشركات التأمين. وقد كتبنا في دراسة سابقة عن:

 

“التقلبات في نتائج الأعمال نتيجة لخبرة الخسارة المتغيرة. وهذا يتطلب من شركة التأمين الإبقاء على احتياطات كبيرة زيادة عن احتياطاتها الفنية، إذ أن الأموال المتجمعة لديها يمكن أن تكون عرضة للنضوب خلال فترة زمنية قصيرة بسبب المطالبات بالتعويض (بعد كارثة مثلا). يقتضي مثل هذا الواقع من شركة التأمين الإبقاء على أموالها في حالة سيولة معقولة: كأن تكون بهيئة ودائع مصرفية قابلة للسحب الفوري أو سندات قصيرة الآجل يمكن تسييلها دون التعرض لخسارة كبيرة.

 

هناك بالطبع اعتبارات عديدة حول المفاضلة بين الأصول المالية القابلة للتسويق. فالمعروف أن الإبقاء على الأصول بهيئة نقد لا يوفر عائداً لشركة التأمين. كما أن الاستثمار في السندات الحكومية يكون مردوده محدوداً. مقابل ذلك فإن الاستثمار في الأسهم يمكن أن يوفر مكاسب رأسمالية capital gains لا تخضع للضريبة إلا عند تحقق هذه المكاسب. مثل هذا الاستثمار ينطوي على المخاطر التي تطرأ على سوق الأسهم، وهي ضمن قابلية التسويق الفوري تعتبر غير مناسبة لشركة التأمين. ولهذا فإن بعض شركات التأمين تميل إلى تنويع محافظها الاستثمارية كي تستطيع مواجهة التعويضات والحصول على عوائد معقولة.

 

ومن القيود التي تفرض نفسها على الاستثمار إمكانية انخفاض دخل أقساط التأمين. إن تقلص حجم الأعمال المكتتبة، لأي سبب كان، يعني أن التدفق النقدي لشركة التأمين لن يكون كافياً لبناء الاحتياطيات والاستثمار.

 

هناك القواعد الرقابية الانضباطية التي تفرض على شركات التأمين الإبقاء على هامش معين للملاءة المالية.[12] وهذا يعني إخضاع أصول الشركة لقواعد التقييم الرقابية كوضع حد أو سقف للأصول المالية التي يمكن للشركة أن تحتفظ بها والتي تتعرض لتقلبات كبيرة كالأسهم والسندات الطويلة الأجل والأصول العينية دون الإضرار بالسيولة النقدية للشركة كي تستطيع تسديد التعويضات في أوانها.

 

إضافة إلى ذلك يتوجب على شركة التأمين أن تأخذ بنظر الاعتبار النمو المتوقع في حجم الأعمال. فالتباطؤ في معدل النمو قد يؤدي إلى نتائج سلبية على التدفق النقدي. مقابل ذلك فإن المعدلات العالية في نمو حجم الأعمال لها مشاكلها الخاصة فقد تؤدي إلى مشاكل في تمويل الاحتياطيات الفنية (التي يجب تأسيسها) وكذلك زيادة هامش الملاءة المالية.

 

كما أن شركة التأمين قد تواجه عدم توفر حماية إعادة التأمين لأسباب عديدة: عدم توفر الطاقة الاستيعابية للمحافظ الاكتتابية للشركة، انسحاب شركات إعادة التأمين من الاكتتاب في بلد معين بسبب عدم الاستقرار …إلخ.

 

إن المحافظ الاستثمارية لشركات التأمين ليست متجانسة بسبب طبيعة الأعمال التي تكتتب بها. فالعقود التي تكتتبها شركات التأمينات العامة ذات آجال قصيرة، وعادة تمتد لسنة واحدة، في حين أن عقود شركات التأمين على الحياة قد تمتد لعدة عقود. وبفضل القدرات الاكتوارية المتوفرة لها تستطيع التنبؤ بحجم المسؤوليات التعاقدية التي تترتب على أعمالها بدقة أكبر من شركات التأمينات العامة، وبالتالي تستطيع توظيف احتياطياتها في أدوات مالية ذات أجل أطول.”[13]

 

[6]   السوق النقدية المنظمة، الوعي المصرفي/الوعي التأميني، النضج المالي/النضج التأميني

 

السوق النقدية المنظمة وغير المنظمة وموقع التأمين فيها

يُميّز المؤلف بين السوق النقدية المنظمة والسوق النقدية غير المنظمة. فالسوق النقدية المنظمة تشتمل “عادة على البنك المركزي والمصارف التجارية والمؤسسات المالية الأخرى مثل شركات التأمين.” وهذه تخضع لقوانين تحكم نشاطها من حيث التأسيس، وحجم رأس المال المطلوب، ورخصة مزاولة العمل ومؤهلات العاملين وغيرها. في حين أن السوق النقدية غير المنظمة “غير متجانسة، حيث تضم المرابين والتجار وأصحاب المتاجر، الأصدقاء والأقرباء، ملاك الأراضي، والذين يخرجون عن نطاق التحكم والرقابة المباشرة للبنك المركزي.” (ص 127-128).

 

ويلاحظ أن السوق غير المنظمة، على العموم وعلى شاكلة اقتصاد الظل أو السوق السوداء، تكاد أن تكون غير موجودة في قطاع التأمين[14] نظراً لطبيعة “السلعة” التأمينية غير المنظورة (وعد مستقبلي بالتعويض عن خسارة أو ضرر مادي قد يحصل أو لا يحصل في المستقبل)، وطبيعة الإنتاج التأميني الذي يوصف بأنه قلب أو عكس دورة الإنتاج inversion of the production cycle، فشركات التأمين تبيع منتجاتها وتستلم قسط التأمين عنها مقدماً قبل فترة من إنتاج السلعة المتمثل بتسوية وتسديد المطالبة بالتعويض. وبهذه الصفة فإن السلعة التأمينية ليست ذات جاذبية في السوق غير المنظمة، إذ أن الأنشطة غير المشروعة تقوم على البيع والربح والاستهلاك الاني وليس الانتظار للانتفاع من موضوعها في المستقبل.

 

الوعي المصرفي/الوعي التأميني

يقدم المؤلف عرضاً عن الوعي المصرفي ينطبق برأينا على قطاع التأمين فهو يقول:

 

إن النظام المصرفي في اقتصاد ما ينمو عندما تتأصل العادة المصرفية أو الوعي المصرفي في نفوس الأفراد وعندما تنتشر المؤسسات المصرفية في شتى ربوع البلاد في الاقتصادات التي يوجد فيها قطاع خاص “وأن ما يراد بالوعي المصرفي” هو زيادة ميل الأفراد الى التعامل مع البنوك بفتح حسابات إيداع مختلفة …” (ص 129-130)

 

وبتطبيق معطيات هذا العرض يمكن القول إن نظام التأمين يأخذ بالنمو عندما تتأصل العادة التأمينية أو الوعي التأميني، بعيداً عن القيم العشائرية (كالتسوية العشائرية لحوادث السيارات الذي بدأ في عهد الدكتاتورية وما يزال مستمراً)؛ وعندما تنتشر شركات التأمين وفروعها والوكالات والمنتجين في ربوع البلاد؛ وأن ما يراد بالوعي التأميني هو زيادة ميل الأفراد إلى التعامل مع شركات التأمين بشراء وثائق التأمين منها. والصورة الأخرى لهذا الوعي التأميني هي عادة التدبر للمستقبل.

 

هذا التطابق بين الوعي المصرفي والتأميني لا يستنفد مكونات الوعي التأميني، وبالأحرى الثقافة التأمينية. وقد كتبت في مكان آخر[15] ملاحظات بهذا الشأن يمكن أن تكون نواة لدراسة موسعة:

 

“يرُجِع البعض تدني الوعي التأميني إلى الحرب العراقية الإيرانية (1988-1980) والغزو العراقي للكويت (1990) وما تبعه من تحرير الكويت، والغزو الأمريكي للعراق (2003). ويمكن أن نضيف إليها سنوات العقوبات الدولية (2003-1990) التي ساهمت بشكل مباشر في تآكل دخل المواطنين وإفقارهم بحيث صار شراء الحماية التأمينية ترفاً لا يقدر عليه إلا قلة منهم. لكن هذه الإحالة لم تقترن بدراسة موثقة تجمع بين السبب والنتيجة إذ أنها وردت في سياق مقابلات صحفية سريعة، وغالباً ما يتركز التعليل على مقارنة بين الوضع القائم وما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي. لا تتوفر لدينا الإحصائيات لقياس مستوى الوعي التأميني في تطوره التاريخي فهذه مهمة بحثية تقع خارج إمكانياتنا الحالية.

 

يتعين علينا أن نتذكر بأن التأمين سلعة غير منظورة، هو وعدٌ بتعويض المؤمن له في المستقبل إن تعرَّض هو أو أسرته أو أمواله إلى ضرر. معظم الناس لا يستشعرون الحاجة لمثل هذا الوعد دونكم توفر القدرة المالية لديهم على شراء هذا الوعد. هم أكثر قناعة، بفعل الموروث الديني، وبقراءة سلبية له، بالقبول بالقضاء والقدر: “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.” (سورة التوبة، الآية 51)

 

ديوان التأمين مُلزم بقوة القانون للقيام بدوره في مجال زيادة الوعي التأميني. فقد جاء في المادة 6-البند 4 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 أن الديوان يهدف إلى:

 

تنظيم قطاع التامين والاشراف عليه بما يكفل تطويره وتامين سوق مفتوح وشفاف وامن ماليا، وتعزيز دور صناعة التامين في ضمان الاشخاص والممتلكات ضد المخاطر لحماية الاقتصاد الوطني ولتجميع المدخرات الوطنية وتنميتها واستثمارها لدعم التنمية الاقتصادية، وله في سبيل ذلك القيام بالمهام الاتية:

 

زيادة الوعي التأميني وإجراء الدراسات والبحوث التأمينية وطباعتها.

 

المعلومات المتوفرة لا تدل على أن الديوان قد قام بتنفيذ مهمة زيادة الوعي، أو إجراء الدراسات والبحوث التأمينية، وهذه من شأنها أن توسع دائرة الاهتمام بالتأمين خارج نطاق شركات التأمين.

 

ومن رأي أن ديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية، التي تمثل شركات التأمين، ليس لديها برنامج خاص بنشر ثقافة التأمين. صحيح أن بعض الشركات تلجأ إلى الإعلان التجاري أو الاتصال ببعض الشركات والمنظمات بهدف بيع وثائق التأمين لها أو التعاون معها بهذا الشأن فيما يخص أعضاء هذه التنظيمات، إلا أن هذا الجهد ينصبُّ على التعريف بشركة التأمين وبمنتجاتها من وثائق التأمين. وهذا الجهد يقابله ما تقوم به جمعية التأمين من خلال الندوات والمحاضرات التي تنحصر فائدتها بمنظميها وبعض المشاركين فيها.

 

فقر ثقافة التأمين يعكس نفسه في ضعف وربما أحياناً غياب الحملات الإعلانية المركزة، والمتخصصين الاستشاريين في شؤون التأمين، أو المحامين المتخصصين في تفسير عقود التأمين، ومقيّمي الأصول لأغراض التأمين، والكاشفين على الأخطار المعروضة للتأمين (ومعظم هؤلاء لا يرقون في مهاراتهم الفنية إلى ما هو متوقع منهم مهنياً وبالمقارنة مع ما هو متوفر عالمياً)، والصحفيين الذين يتمتعون بمعرفة تأمينية رفيعة.

 

ويجد هذا الفقر انعكاساً له في غياب مجلة تأمينية إلكترونية أو ورقية بعد توقف مجلة (رسالة التأمين) أواخر ثمانينيات القرن الماضي. مثلما ينعكس في غياب حملات أسبوعية أو شهرية، حسب الحاجة، لترويج منتجات تأمينية محددة. (لم تقم أية شركة لتأمين بنشر المعرفة عن تأمينات الحياة من خلال حملات خاصة للتوعية. مثال ذلك شريط فيديو للتوعية بتأمينات الحياة). وكذلك إجراء مسح ميداني حول الموقف من الخطر (الخطر الطبيعي، الخطر في المسكن وفي موقع العمل)، والوسائل التي يلجأ لها الناس للتدبر ضد آثار الخطر، ومكانة التأمين ضمن هذه الوسائل … الخ.

 

ونجده أيضاً بالحضور الضعيف أو الغائب عند وقوع حوادث كبيرة، قد تكون لها تداعيات تأمينية، كاحتلال داعش للموصل، وحادث التفجير الإرهابي في الكرادة، أو حوادث تفجير/انفجار عدد من آبار النفط. كما نجده في الصمت المطبق من قطاع التأمين عند وضع مشاريع لقوانين لها آثار تأمينية على سبيل المثل، مشروع قانون شركة النفط الوطنية العراقية ومشروع قانون صندوق الإعمار والتنمية العراقي. كما أن قطاع التأمين غائب عند إعداد موازنة الحكومة. ثم أن علاقة شركات الـتأمين والجمعية والديوان بوكالات الأنباء والصحف ضعيفة ويباشرها الصحفيون. وأكاد أن أجزم أن شركات التأمين والجمعية والديوان ليس له موظف مختص لإصدار البيانات الصحفية عن شؤون عامة ذات علاقة بالتأمين، أو إطلاق منتج تأميني، أو تنظيم فعالية معينة. بعبارة أخرى، فإنها تفتقر إلى التواصل مع الجمهور، ومع الشركات الصناعية والتجارية، والدوائر الحكومية وغير الحكومية.

 

وباختصار، فإن التأمين يكاد أن يكون غائباً في الحياة العامة إلا من خلال شراء نسبة صغيرة من السكان لوثائق التأمين، وهو موضوع يستحق من يبحث فيه. ولعله من المفيد الإشارة إلى أن الوعي بمؤسسات أخرى للدولة الحديثة لا تقتصر على التأمين بل تشمل أيضاً، على سبيل المثل، ما يمكن تسميته بضعف/غياب الوعي الضريبي.”

 

النضج المالي/النضج التأميني

يرتبط الوعي المصرفي/الوعي التأميني بأطروحة أخرى للكاتب ربط فيها “سرعة التداول الداخلية للنقود في البلدان العربية” بما اسماه “درجة النضج المالي Financial Deepening لهذه الأقطار.” يقول المؤلف في ص 141 نقلاً عن د. عبد المنعم السيد علي (دور الجهاز المصرفي والبنك المركزي في تنمية الأسواق المالية في البلدان العربية، دراسات استراتيجية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، العدد 16، أبو ظبي، 1988، ص 29-30)، “إن النضج المالي لاقتصاد ما يكمن [يمكن] قياسه من خلال المؤشرات التالية:

 

  1. أن يتوافر جهاز مصرفي واسع ذو موجودات لا تقل عن عشر الثروة القومية.
  2. أن ينجز قسم كبير من الأعمال عن طريقة مشروعات أو شركات مساهمة، مع فوائد عالية على السندات من الصنف الممتاز.
  3. ألا يقل متوسط الادخار غير الموزعة مصدراً أساسياً لتمويل التوسع في المشروعات.
  4. أن تشكل الأرباح غير الموزعة مصدراً أساسياً لتمويل التوسع في المشروعات.”

 

يمكن الاستفادة من هذه المؤشرات تأمينياً لتقييم النضج المالي للاقتصاد الوطني من خلال دراسة: توفر نظام تأميني واسع بأشكال مختلفة (عامة، خاصة، تعاونية، تبادلية/تكافلية)، يقوم بالتأمين على الأصول القائمة بأنواعها والمشاريع المختلفة تحت الإنشاء والمسؤوليات القانونية والتعاقدية، ويساهم في الاستثمارات، ضمن القواعد الرقابية المكيفة لعمل شركات التأمين، ويخلق المنتجات التي تساهم في تعظيم الادخار الفردي.

 

إضافة لمثل هذا الدراسة يمكن تقييم النضج المالي، وتحديداً مساهمة التأمين فيه، من خلال مؤشرين أساسين هما التغلغل التأميني والكثافة التأمينية بالاستفادة من البيانات الخاصة بعدد السكان والناتج المحلي الإجمالي وأقساط التأمين المكتتبة. لقياس التغلغل التأميني يُنسب دخل أقساط التأمين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو مؤشر يكشف مكانة التأمين في الاقتصاد الوطني فإذا ارتفعت هذه النسبة كان ذلك دليلاً على تزايد سرعة نمو قطاع التأمين مقارنة مع سرعة نمو الاقتصاد الوطني. أما الكثافة التأمينية فهي تؤشر على ما ينفقه الفرد على شراء الحماية التأمينية ويُمثّل ذلك بنسبة إجمالي أقساط التأمين المتحققة إلى عدد السكان.

 

 

 

 

[7]   من باب الختام – دراسة التأمين ضمن عناصر النظام المالي في العراق

 

من المعروف أن النظام المالي، وخاصة في الاقتصادات المتطورة، يضم عناصر عديدة: مؤسسات مالية (مصارف ومؤسسات مالية غير مصرفية)، أسواق المال (الأسواق التي يتم فيها تداول الأوراق المالية والسلع والأصناف القابلة للاستهلاك)، الأدوات المالية (موجودات مالية قابلة للتداول بما فيها المشتقات)، الخدمات المالية (الاتحادات الائتمانية، والبنوك، وشركات بطاقات الائتمان، وشركات التأمين، وساطة الأوراق المالية، وصناديق الاستثمار)، والهياكل المالية التحتية (الأنظمة التي تسهل حركة تسديد الالتزامات الآلي أو عبر المصارف والتحويل والمقاصة). والمعروف أيضاً أن شركات التأمين تحتل مكاناً ضمن المؤسسات المالية الوسيطة غير المصرفية، مثلما تصنف ضمن الشركات التي تتعاطى بالنقود وإدارتها. وقد تعرضنا إلى موضوع التداخل بين العمل المصرفي والتأميني.

 

النظام المالي في العراق ليس متطوراً ولا يتميز بالتعقيد في الوقت الحاضر، ونتمنى أن يقوم أحد الباحثين بدراسة مكانة التأمين ضمن هذا النظام ليكشف طبيعة ما هو قائم والدور المتوقع للتأمين ضمن هذا النظام وبخاصة في مجال التداخل والتقارب بين المصارف وشركات التأمين.

 

ومن المفيد التذكير هنا بأن القطاع المصرفي بحاجة إلى الحماية التأمينية من خلال الوثيقة المصرفية الشاملة Bankers Blanket Bond وتأمين الأخطار السِيبرانية Cyber Risks الآخذة بالنفاذ في التعاملات المالية تاركة وراءها خسائر مختلفة مادية ومعنوية على المصارف وعلى مصالح العملاء. وهذا موضوع يستحق هو الآخر بحثاً مناسباً.

 

9 أيار 2017

[1] لهب عطا عبد الوهاب، سرعة تداول النفود بين النظرية الاقتصادية والتطبيق العملي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999).

[2] فيما يخص النظرة المستقبلية السلبية أنظر:

https://www.moodys.com/research/Moodys-Low-interest-rates-market-volatility-change-global-life-insurance–PR_359018

حيث يرد في توقعات وكالة التصنيف “موديز” فيما يخص مخاطر الائتمان الرئيسية لشركات التأمين على الحياة ما يلي:

“historically low interest rates will remain the primary credit risk for global life insurance companies in 2017, continuing to depress the sector’s investment returns and profitability, and being the main driver for the outlook change to negative …”

أنظر أيضاً:

https://www.theguardian.com/business/2016/oct/05/low-interest-rates-pose-solvency-risk-to-insurers-and-pension-funds

 

[3] باتريك م. ليدتكي، كي-أووي شانز، التخطيط للتقاعد: التحديات والحلول التأمينية (بيروت: منتدى المعارف، 2015). ترجمة: تيسير التريكي ومصباح كمال.

 

[4] القيود الرقابية المفروضة على شركات التأمين تستوجب احتفاظها بسيولة نقدية مناسبة لمواجهة طلبات التعويض إذ أن تسييل الأصول العينية يستغرق وقتاً في حين أن المطالبات بالتعويض تستدعي التسوية الآنية والسريعة.

 

[5] مصباح كمال، “التأمين وعقوبات الأمم المتحدة”، فصل في الكتاب الجماعي دراسات في الاقتصاد العراقي (لندن: المنتدى الاقتصادي العراقي، 2002)، ص 82.

 

[6] في موازاة ذلك فإن عقود تأمين الحياة هي الأخرى تعرضت لهبوط حاد في أقيامها، وبالتالي فإن المؤمن عليهم هم الخاسرون الحقيقيون. ولا تتوفر لدينا معلومات عن قيام شركات التأمين بإعادة تقييم مبالغ التأمين، وعدد الوفيات وما ترتب عليها من تعويضات للورثة المستحقين أو المستفيدين من عقود التأمين على الحياة.

 

[7] بدأ تطبيق نظام جباية ضريبة على وثائق التأمين في المملكة المتحدة عام 1994 بواقع 2.5% واعتباراً من 1 حزيران/يونيو 2017 ستكون الضريبة 12% وتضاف إلى قسط التأمين.

[8] سعدون مشكل الربيعي، شركات التأمين الخاصة وقطاع التأمين العراقي (مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 46. نشر ككتاب إلكتروني وهو متوفر بصيغة بي دي إف لدى كاتب الورقة لمن يرغب الحصول على نسخة منه.

[9] Securitization – new opportunities for insurers and investors, Swiss Re: sigma, No. 7/2006.

[10] Alternative Risk Financing: Changing the Face of Insurance (London: Jim Bannister Development Limited in association with Aon Group and Zurich International, 1998),

[11] لهب عطا عبد الوهاب، مصدر سابق، ص 126.

[12] بسبب طبيعة العمل الذي تقوم به شركة التأمين ـ الالتزام بالوفاء بما تعاقدت عليه مع المؤمن له لتوفير الأمان المالي له أو لورثته في المستقبل عند وقوع حادث معين تصبح الملاءة المالية للشركة مسألة في غاية الأهمية. ولذلك يلجأ المُشرّع إلى تعريفها بصرامة قد لا تنطبق على الشركات التجارية الأخرى. ولهذا لن يكتفي التشريع أن تكون أصول الشركة كافية لتغطية المسؤوليات المتعاقد عليها بل يجب أن تزيد بهامش معين، وحسب معادلات معينة عن الأقساط والتعويضات، وخلافاً لذلك فإن شركة التأمين تُجبر على تصفية أعمالها وتتوقف عن الاكتتاب بأعمال جديدة. أنظر:

Jim Bannister, Insurance Solvency Analysis (London: LLP Ltd, 1997)

 

[13] مصباح كمال، التأمين في كوردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 26-28.

 

[14] نجد أشكال أولية لنشاطات اجتماعية ذات طابع تعاوني تضم بعض عناصر التأمين، كالبر بالوالدين، و”العونه” وقت الأضرار التي تحدثها عوامل الطبيعة، وما يعرف ب”ﮔعقدة العرب”.

 

اقتصاد الظل هو اقتصاد خفي غير رسمي وغير معلن يضم الأنشطة غير المدرجة في الحسابات القومية أو غير الخاضعة للرقابة والمتهربة من الضرائب، وهي بهذه الصفة أنشطة غير مشروعة.

[15] مصباح كمال، “مقابلة حول النشاط التأميني في العراق،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/01/Interview-Al-Sabah-with-Misbah-Kamal-final.pdf

Letter from Abdulbaki Redha on Abolition of Insurance Agencies in the 1960

من رسائل الأستاذ عبد الباقي رضا

 

تطورات موضوع إلغاء وكالات التأمين واستبدالها بنظام المنتجين

 

 

تقديم

 

يسرني أن أنشر نص رسالتين من الأستاذ عبد الباقي رضا والأستاذ بهاء بهيج شكري، بعد الحصول على موافقتهما، يخص موضوع إلغاء نظام وكالات التأمين واستبداله بنظام المنتجين بعد صدور قرار تأميم شركات ووكالات التأمين في 14 تموز 1964. وقد كان هذا الموضوع مثار نقاش، وربما سوء فهم، بين أركان التأمين العراقي آنذاك لوظيفة توزيع المنتجات التأمينية والقنوات المناسبة لها. النصين المنشورين هنا يوفران خلفية أولية لمناقشة الموضوع. وأظن بأن د. مصطفى رجب سيدلو بدلوه أيضاً خاصة وأن الأستاذ عطا عبد الوهاب تعرَّض لموقف الدكتور من الوكالات ونظام المنتجين في كتابه سلالة الطين.[1]

 

آمل استلام المزيد من المعلومات عن هذا الموضوع تمهيداً لمناقشته في سياقه التاريخي. وقد ذكر لي الأستاذ بهيج في رسالة قصيرة له مؤخراً “ان الموضوع يحتاج إلى بحث أكثر تفصيلاً من النواحي القانونية والفنية والإدارية، وربما أجد الوقت لإعداد بحث كهذا في المستقبل القريب.”

 

مصباح كمال

27 آذار 2017

 

 

رسالة الأستاذ عبد الباقي رضا

 

1 آذار 2017

 

عزيزي الأخ الوفي الأستاذ مصباح

 

صباح الخير

 

توضيحاً لتطورات موضوع الوكالات[2] أروي لك الاحداث كما أتذكر. مع قرارات التأميم في 14/7/1964 تولى الأستاذ عطا عبد الوهاب إدارة التأمين الوطنية، وكان يشغل قبلها إدارة شركة بغداد للتأمين. حين صدر قرار تعيينه ضمن التعيينات الجديدة كان خارج العراق والتحق بإدارة التأمين الوطنية فور عودته واستمرت حتى 31/1/1966. واستمر الدكتور مصطفى رجب في إدارة شركة اعادة التأمين العراقية. كان لهما دور أنشط وأعلى في شؤون المؤسسة العامة للتأمين في عهد رئاسة المرحوم طالب جميل للمؤسسة لقدمهما في الخدمة وعلاقتهما الشخصية برئيس المؤسسة حيث كان بقية المدراء العامين، من أمثالي، مستجدين في مراكزهم الجديدة ويفتقرون إلى ميزة العلاقات الشخصية وتأثيرها.

 

تقرر إلغاء الوكالات بناء على دراسة مقدمة من الأستاذ عطا والدكتور مصطفى لا أتذكر اني اطلعت عليها أو عرفت مضمونها.

 

استقال المرحوم طالب جميل من رئاسة المؤسسة وبعد فترة قصيرة تولى رئاستها وكالةً الدكتور خالد الشاوي لفترة وجيزة ثم عين المرحوم كليمان شماس رئيساً أصيلاً.

 

كان تغيير وزاري قد حصل بتعيين المرحوم عبد الرحمن البزاز رئيساً للوزارة التي جاءت بسياسات مختلفة في الجانب الاقتصادي، وكان اختيار الشماس من القطاع الخاص أحد مؤشراتها فقد كان الشماس يعمل في وكالة شركة يونيون الفرنسية للتأمين[3] منذ أمد غير قصير. في اجتماع مجلس إدارة المؤسسة مساء يوم 31/1/1966، وكنت أحضره باعتباري مدير عام المؤسسة وسكرتير مجلس إدارتها، فوجئنا بطلب رئيس المؤسسة إعادة دراسة موضوع وكالات التأمين بهدف العودة إليها. خلال مناقشة الموضوع ظهر موقف الدكتور مصطفى مؤيداً لرئيس المؤسسة مما أثار غضب الأستاذ عطا. وبعد بعض الأخذ والرد تناول الأستاذ عطا ورقة وكتب استقالته وترك الاجتماع غاضباً ولم تنفع محاولات اقناعه بعدم الانسحاب. بناءً عليه قرر المجلس نقلي من المؤسسة إلى ادارة التأمين الوطنية فامتثلت للقرار وباشرت عملي الجديد في اليوم التالي مباشرة والذي امتد إلى 4/3/1978.

 

بلغني أن الدكتور مصطفى قام بزيارة إلى دار الأستاذ عطا بعد الاجتماع مباشرة لإقناعه بالعدول عن الاستقالة إلا أنه لم يفلح وأصر الأستاذ عطا على موقفه وابتعد عن أي عمل حكومي.

 

لا أتذكر الآن أية تفاصيل عن أسلوب عمل الوكالات أو المنتجين والضوابط التي تنظمه مع الأسف.

 

عوداً إلى قول الأستاذ بهاء (ان عبد الباقي هو الذي وضع القانون العراقي [قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005] بالتعاون مع الخبير الامريكي لشؤون التأمين [Mike Pekins] بالاسترشاد بالقانون الأردني)[4] أود أن أبين الآتي:

 

لم أجتمع بأي خبير أمريكي في شؤون التأمين اطلاقاً ولكني اجتمعت بمن كان متابعاً لشؤون المصارف ثم بالشخص الذي كُلّف بإعادة إحياء سوق الاوراق المالية الذي كان لي دور في إعداد قانونه ثم في تأسيسه وأشغلت عضوية مجلس إدارته كخبير منذ تشكيله في 1992 حتى إيقاف أعماله من قبل الأمريكان سنة 2003. وقد عرض عليَّ منصب (مساعد رئيس الهيئة – Assistant-Commissioner) في هيئة الأوراق المالية التي تأسست بالأمر الموقت رقم 74 لسنة 2004 فسألت عمن سيكون الـ Commissioner الذي أكون أنا مساعده فلم يعجبهم السؤال! ولم أندم على سؤالي.

 

أما قانون التأمين[5] فأتذكر أن مشروعاً عرض عليَّ يوم كان السيد عادل عبد المهدي وزيراً للمالية فكتبت عنه مذكرة طويلة، مع الأسف لم أحتفظ بالمشروع ولا بمذكرتي، وحيث تسنى لي فيما بعد الاطلاع على القانون الأردني الذي وجدته أفضل من المشروع تكلمت مع الصديق السيد عدنان الجنابي الذي كان يشغل منصب وزير دولة – على ما أتذكر- في وزارة الدكتور أياد علاوي – وهو نائب حالياً – وبيَّنتُ له أفضلية اعتماد القانون الأردني وتعريقه بما ينسجم مع متطلباتنا وصياغاتنا القانونية. نُقل هذا الرأي إلى الدكتور علاوي فقبل به وكلفني العمل عليه مع الدكتور فاضل محمد جواد الذي كان قد عين تواً مستشاراً قانونياً في مجلس الوزراء (يعمل حالياً في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية). في هذا الوقت حان موعد سفري إلى الولايات المتحدة فسلمت ما عندي إلى الدكتور فاضل ليقوم هو بالمهمة. إلى هنا انتهى دوري بالنسبة لقانون التأمين العراقي.

 

أكرر مع الاعتذار اني لا أتذكر أية تفاصيل عن نظام المنتجين فقد مضى عهد طويل على تركي إدارة الشركة.

 

أتمنى لك التوفيق في جهدك الفريد في (نبش) تاريخ قطاع التأمين واستخراج ما غاب منه من الذاكرة، ولك أطيب تحياتي.

 

عبد الباقي

 


 

ملحق 1

رسالة مصباح كمال إلى الأستاذ عبد الباقي رضا

 

أستاذي العزيز عبد الباقي

 

تحية طيبة

 

كما تلاحظ أدناه فقد تخاطبتُ مع الأستاذ بهاء بهيج شكري بشأن نظام الوكالات التأمينية ونظام المنتجين، على أثر رسالة استلمتها منه حول أسباب استقالة الأستاذ عطا عبد الوهاب من شركة التأمين الوطنية وموقف الأخير من هذين النظامين ومن د. مصطفى رجب.

 

أنا مهتم بالجانب التاريخي للموضوع والحجج الاقتصادية والفنية التي كانت وراء إلغاء نظام الوكالات واستبداله بنظام المنتجين.  وبما أن هذا الأخير ارتبط بإداراتك أرى أن تكتب ما يفيد في توضيح خلفيات الموضوع ووضعه في نصابه، كما يقال، وبذلك تملأ فراغاً في تاريخ تطور قطاع التأمين في عهدك.

 

فيما يخص موضوع وكلاء التأمين ووسطاء التأمين ووسطاء إعادة التأمين، كما يرد في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (الأمر رقم 10)، الذي أتى الأستاذ بهاء على ذكره في آخر رسالته، فإن التعليق عليه رهن باختيارك.

 

بانتظار الرد، أتمنى لك أطيب الأوقات.

 

مصباح

27 شباط 2017

 


 

ملحق 2

رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري لمصباح كمال

 

عمان 27 شباط 2017

 

الأخ مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

إذا جزء الموضوع حسب اقتراحك فإن المتبقي منه يتعلق بصحة اعتماد نظام المنتجين أو عدم صحته، وهذا موضوع مستقل لا علاقة له بعطا عبد الوهاب فقط وإنما طبقه عبد الباقي رضا أيضاً، لذا يجب أن يكون هذا البحث بحثاً مستقلاً.

 

ولا أخفى عليك فإني اعتقد أن هذا النظام يتعارض مع أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين الذي يفهم من عموم نصوصه أنه لا يجوز لأي شخص طبيعي أو شخصية اعتبارية ممارسة أي نشاط تأميني دون الحصول على ترخيص من السلط المعينة بموجب القانون، علماً بأن المقصود بالوكلاء هم ليسوا وكلاء الشركات الأجنبية بل هم الوكلاء الذين أجيزوا من قبل الديوان بالتعامل مع الشركات العراقية، كوكالة مجيد الياسين مثلاً وغيرها من الوكالات.

 

لهذا فأنا اقترح أن توجه سؤالاً إلى السيد عبد الباقي رضا باعتباره كان مديراً عاماً لشركة التأمين الوطنية، التي تبنت في زمانه نظام المنتجين، عن ماهية هذا النظام والعلاقة الوظيفية والمالية بين المنتج والشركة، وهل يخضع المنتج لشرط الحصول على رخصة ممارسة عمل الوساطة، وهل أن تبني هذا النظام يتفق مع أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين الذي حدد الوسطاء بالوكلاء (Agents) والسماسرة (Brokers) (علما بأن عبد الباقي هو الذي وضع القانون العراقي بالتعاون مع الخبير الأمريكي لشؤون التأمين بالاستشراد بالقانون الأردني). إن إجابة عبد الباقي ستكون باباً للمناقشة والبحث في كلا النظامين، الوكلاء والمنتجين، من الناحيتين القانونية والمالية.

 

هذا هو رأي، مع التقدير.

 

بهاء شكري

[1] كتب د. مصطفى رجب مؤخراً مقالاً بعنوان “حيثيات إلغاء نظام وكالات التأمين وقضايا أخرى – تعليق على ما كتبه الأستاذ عطا عبد الوهاب في كتابه (سلالة الطين) عن فترة عمله في ميدان التأمين” وهذا هو رابط مقالته في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2017/03/31/%d8%af-%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89-%d8%b1%d8%ac%d8%a8-%d8%ad%d9%8a%d8%ab%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a5%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%a1-%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85-%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7/

 

[2] أنظر رسالتي إلى الأستاذ عبد الباقي رضا حول موضوع إلغاء وكالات التأمين في الملحق 1 في نهاية هذه الورقة.

[3] كان وكيل شركة يونيون الفرنسية للتأمين L’Union de Paris (أصبحت فيما بعد جزءاً من مجموعة أكسا AXA) هو السيد إدوار فرام الذي يمتد تاريخ وكالته إلى ثلاثينيات القرن العشرين. أنظر: مصباح كمال “وكالات التأمين في العراق عام 1936: محاولة في التوثيق”، مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/05/1936-19-2012-1936-1936-883.html

[4] أنظر رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري لمصباح كمال بتاريخ 27 شباط 2017 في الملحق 2 في نهاية هذه الورقة.

[5] للتعرف على المزيد من التفاصيل أنظر: مصباح كمال، قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014).

Baha’a Baheej Shukri: Letter on the Merger of NIC & IIC

من رسائل الأستاذ بهاء بهيج شكري:

رسالة حول دمج شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية

 

 تقديم

 

كنت قد نشرت ثلاث مقالات[1] في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين حول مشروع دمج شركة التأمين الوطنية العامة وشركة التأمين العراقية العامة، لقيت إحداها بعض التعليقات المهمة من زميلات وزملاء من قطاع التأمين العراقي. وقد كتبتُ هذه المقالات قبل قراءتي للأمر الوزاري الصادر من وزارة المالية برقم 3 بتاريخ 20 آذار 2017. تضمن الأمر الوزاري القصير فقرتين: (1) تكليف السيد صادق عبد الرحمن حسين الخالدي، مدير عام شركة التأمين الوطنية، بمهام رئيس ديوان التأمين وكالة. (2) تكليف السيدة [الآنسة] هيفاء شمعون عيسى، مدير عام شركة التأمين العراقية وكالةً بمهام مدير عام شركة التأمين الوطنية وكالة إضافة لوظيفتها “ولحين دمج الشركتين وفق القانون.” [التأكيد من عندي].

 

وتأتي رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري لتعالج الجانب القانوني لدمج الشركتين وبمقارنة لأحكام دمج شركات التأمين في قانون تنظيم أعمال التأمين الأردني والعراقي. أما لماذا المقارنة بين هذين القانونين فإن الجواب، وكما ذكره الأستاذ بهاء، فهو اقتباس نصوص القانون الأردني وتضمينها في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 المعروف بالأمر رقم 10.[2]

 

مصباح كمال

2 أيار 2017

 

نص رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري

 

عمان في الأول من مايس ٢٠١٧

 

الأخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

كان بودّي بعد الانتهاء من موضوع عطا عبد الوهاب والدكتور مصطفى رجب أن أعود لأكمل الحديث في موضوع دمج الشركتين الوطنية والعراقية، ولكن لعن الله الانفلونزا التي تحشر نفسها في حياة الإنسان في وقت غير مناسب فتقعده عن العمل.

 

وبعودتي لذات الموضوع أقول: إن المُشرّع الأردني قد عالج اندماج شركات التأمين معالجة مفصلة ودقيقة في قانون تنظيم أعمال التأمين رقم ٣٣ لسنة ١٩٩٩ المعدَّل بموجب القانون رقم ٦٧ لسنة ٢٠٠٢، وإن المشرع العراقي قد اقتبس نصوص القانون الأردني وضمَّنها في قانون تنظيم أعمال التأمين العراقي الصادر بموجب الأمر رقم ١٠ لسنة ٢٠٠٥، مع بعض الاختلاف في الصياغة ولكن دون إخلال بالمضمون.

 

وبالرجوع إلى المادة الأولى من القانون العراقي نجد انها قد نصَّت على خضوع جميع شركات التأمين الخاصة والعامة لأحكامه، ومعنى هذا ان ما ينطبق على الشركات الخاصة من إجراءات وضوابط عملية اندماجها مع بعضها ينطبق أيضاً على شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية.

 

ووفقا لأحكام القانون الأردني والعراقي فإن الاندماج إما أن يكون اتفاقياً بين شركتي تأمين، على أن يقترن ذلك بموافقة السلطة المشرفة على تنظيم أعمال التأمين، أو أن يُفرض بقرار من قبل تلك السلطة إذا تبيَّن لها أن ذلك سيودي إلى ضمان حقوق حملة وثائق التأمين، فقد جاء في المادة (٤١) من القانون الأردني والمادة (٤٧) من القانون العراقي بأنه (إذا توفرت لدى المدير العام (أي رئيس الديوان) معلومات وافية على أن الشركة لم تَفِ بالتزاماتها أو يُحتملُ تخلفها عن ذلك، أو عدم قدرة الشركة على الاستمرار بأعمالها، أو أن مجموع خسائر الشركة زادت على خمسين بالمائة من رأسمالها المدفوع، فعليه أن يحيل الأمر إلى المجلس لاتخاذ الإجراءات اللازمة لاندماج الشركة في شركة أخرى بموافقة الشركة التي ستدمج فيها). وفي جميع الأحوال، وفقاً لأحكام القانون الأردني والعراقي (لا يجور اندماج شركة تأمين إلا بشركة أخرى تُمارس نوع التأمين ذاته).

 

ولم يُعطِ القانون العراقي لوزير المالية أي دور في موضوع الاندماج سواء أكان اتفاقياً أم إجرائياً، أي أن الاندماج لا يتحقق قانوناً بأمر وزاري.

 

ونخرج مما تقدم إلى القول بأن اندماج شركة التأمين العراقية بشركة التأمين الوطنية إن لم يكن اندماجاً توافقياً بموافقة مجلس إدارة كلا الشركتين، فلا يجوز لرئيس الديوان أن يفرضه بقرار صادر عنه، إلا إذا ثَبُتَ أن شركة التأمين العراقية تعاني من خللٍ مالي يهدد مصالح حملة وثائقها.

 

وفي رأينا، انه طالما أن الشركتين العراقية والوطنية تخضعان لأحكام قانون سنة ٢٠٠٥، شأنهما في ذلك شأن الشركات الخاصة، فإن دمجهما إن لم يكن اتفاقياً لا يمكن أن يتمَّ إلا بموجب تشريع قانون خاص تُعدّل بموجبه المادة الأولى من قانون سنة ٢٠٠٥ بأن تستثنى الشركات العامة من أحكامه، ويتقرر اندماج الشركتين المذكورتين بموجب هذا القانون الخاص.

 

مع التقدير.

 

بهاء شكري

 

[1] المقالات الثلاثة هي:

مشروع دمج شركات التأمين العامة، عودة إلى مشروع دمج شركات التأمين العامة، قرار وزارة المالية بدمج شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية: تجاوز الإجراءات ومتطلبات القانون. يمكن قراءة المقالات باستخدام هذه الروابط:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/02/Misbah-Kamal-Merging-of-insurance-companies-project.pdf

 

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/11/Merger-of-State-Owned-Insurance-Companies-Further-Comment.pdf

 

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/04/Merger-of-NIC-IIC-lack-of-proper-procedures.pdf

 

[2] للتعرف على خلفية صياغة الأمر رقم 10 يمكن الرجوع إلى كتابي قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014). يمكن قراءة النص الإلكتروني للكتاب في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين باستخدام هذا الرابط:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2015/02/2005-Insurance-Law-critique-NIC-edition.pdf

في الصفحة 11-12 من الكتاب يجد القارئ توثيقاً للأستاذ عبد الباقي رضا حول اعتماد القانون العراقي على القانون الأردني. وهناك إشارات أخرى لهذا الموضوع في الصفحات 54، 61-62 وبعض الإشارات القصيرة في أماكن متفرقة من الكتاب.

محمد حسين جعفر، شهيد النزاهة

محمد حسين جعفر … شهيد النزاهة

 

 

قرأت بتأثر كبير ما كتبه كل من السيدة سحر الحمداني والسيد أسعد سعد برهان الدين[1] الذين ربطتني بهما زمالة عمل وود واحترام خلال عملنا في شركة التأمين الوطنية.

 

لقد حرَّكت الكتابة عن واحد من أعز أصدقاء عمري المرحوم محمد حسين جعفر في داخلي مشاعر دفينة أختزنها باعتزاز وحزن عن رجل تفتخر الرجولة أن ينتمي لها هذا الرجل.

 

لغرض توثيق بعض ما عايشته معه سأحاول أن استرجع بعضاً من الذكريات على مدى ما يقارب الثلاثين سنة ما بين تعرفي عليه واغتياله بأيدي غادرة وآثمة.

 

تعرفت على محمد حسين بعد فترة قصيرة من انضمامي لشركة التامين الوطنية في نهاية عام 1975. أعترفُ نادماً أن الود لم ينبت بيننا سريعاً على الرغم من أنه كان في مكتبٍ يجاور المكتب الذي كنت أعمل فيه في الطابق الخامس من البناية القديمة للشركة قرب ساحة النافورة رغم اننا من عمر مقارب ومن نفس الطائفة (للذين يحلو لهم هذا الكلام) لأن ذلك لم يكن يلعب دوراً في الصداقات حينئذ.

 

لم تكن تعجني نبرة صوته العالية ونظراته الجانبية الحادة وضخامة جسمه. لهذا بقت صداقتنا على مستوى منخفض لعدة سنوات.

 

الانعطاف في مسار صداقتنا حصل في بداية عام 1987. ففي 25 كانون الأول/ديسمبر 1986 تم اختطاف إحدى طائرات الخطوط الجوية العراقية عندما كانت في رحلة من بغداد إلى عمان من قبل خاطفين لبنانيين اثنين متعاطفين مع إيران.

 

فجَّر أحد الخاطفين قنبلة كان يخفيها بين ساقيه في قمرة القيادة. أدى الانفجار إلى كسر يد الكابتن وتضرر نظام الهيدروليك في الطائرة.

 

رغم محاولات الكابتن الشجاع لإنزال الطائرة يدوياً في مطار عرعر في السعودية إلا أن المحاولات باءت بالفشل. وأخيراً هبطت الطائرة في أرض زراعية مجاورة لمدرج المطار مما أدى الى تحطم الطائرة إلى ثلاثة أجزاء.

 

حسبما أذكر فإن عدد الضحايا كان 123 شخصاً غالبيتهم من العمال السودانيين والمصريين العاملين في العراق. عددٌ قليلٌ جداً من الركاب خرجوا سالمين ومنهم كابتن الطائرة وراكب أردني في الدرجة الأولى يعمل كمحامي (ولذلك قصة) في حين تحوَّل الكثير من الركاب إلى أشلاء متناثرة.

 

الأستاذ موفق حسن رضا، مدير عام شركة التأمين الوطنية في حينها، أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية، أمر بتشكيل لجنة للنظر في تسوية مطالبات الضحايا بدلاً من تركها لخبراء تسوية الخسائر في لندن كما هو معتاد لأن طائرات الخطوط الجوية العراقية كانت معادة تأمينيا مع سوق لويدز في لندن. الهدف من ذلك هو لضمان العدالة والحرفية في التسويات إضافة إلى تقليل كلفة تسوية المطالبات.

 

تسميتي كرئيس للجنة كانت بحكم وظيفتي كمدير فرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين، وأيضاً تسمية السيدة المرحومة هدى الصفواني بصفتها مديرة قسم تأمين الطيران.

 

أما الثقل القانوني لعمل اللجنة فقد أُسند إلى السيد محمد حسين جعفر من بين العديد من القانونيين في الشركة لما يتمتع به من خبرة قانونية وحرفية عالية وحيادية ونزاهة يشهد لها الجميع. كما تمَّ ضم المرحوم السيد زهير العاني، مدير التأمين في الخطوط الجوية العراقية، إلى اللجنة كممثل للمؤمن لها.

 

بدأت اللجنة عملها بوتيرة متسارعة لإنهاء المطالبات بأسرع ما يمكن. أول عمل قامت به اللجنة تحت إشراف الأستاذ موفق حسن رضا، ذو الخلفية القانونية من بريطانيا، أن قمنا بإلغاء حد المسؤولية المثبت على تذكرة السفر والبالغ 20,000 دولار (حوالي 6,000 دينار بالسعر الرسمي) على أساس أن الخطوط الجوية العراقية كانت مُهملة بدرجة كبيرة في تفتيش وكشف الخاطفين قبل صعودهما للطائرة، وبالتالي تمَّ فتح حدود المسؤولية ليتم تسوية بعض المطالبات بمبالغ تجاوزت عشرات الآلاف من الدنانير.

 

نعود لقصة المسافر الأردني، المحامي الذي حاول استمالة المرحوم محمد حسين جعفر على أساس أنهما من نفس الخلفية المهنية، حيث طالب بتعويض بمئات الآلاف من الدولارات. وكان أساس مطالبته هو أنه نتيجة حادث الاختطاف حصل له عجز جنسي وهو في عز رجولته!

 

كما هو متوقع من أبو اسيل، لما يتمتع به من نزاهة وإنصاف وحزم، رفض المطالبة وبشدّة وهدده باختبار عملي (أتركه لخيالكم). وبالتالي حكمت اللجنة بتعويض المسافر الأردني المحامي بمبلغ منصف لأنه لم يصب نتيجة الحادث بأذى جسدي.

 

أما إنسانية محمد حسين جعفر فقد تجسَّدت في تسوية العشرات من مطالبات الضحايا من المصريين والسودانيين بنزاهة وعدالة رغم عدم وجود من يدافع عن حقوقهم.

 

إن عملي في اللجنة مع أبو أسيل واكتشافي لجوهره السامي سارع في أن تنتقل صداقتنا إلى مرتبة عالية، وبدأنا مرحلة صداقة حميمية ربما للتعويض عن سنوات الصداقة الباهتة. لذلك فإن صداقتنا المتجددة أصبحت مضرب مثل في الشركة.

خلال تسنمه لمنصب المدير العام لشركة التأمين الوطنية في منتصف التسعينيات كنت أعمل حينها في اليمن. وكان يستثمر زياراتي إلى بغداد للتداول معي في الأمور المعقدة والاستشارة ولاسيما في إعادة التأمين.

 

كان المرحوم قليل الالمام باللغة الإنكليزية لكنه كان يتغلب على هذه المعضلة من خلال الاستعانة بمن يجيدها من المقربين له مثل الزميل العزيز مكي رزوقي مصطفى وآخرين. وبالتالي تغلَّب على هذا النقص في المهارة. يُضاف إلى ذلك خبرته الإدارية الطويلة التي مكنته من استثمار الطاقات المتوفرة في الشركة وبالتالي إدارة الشركة على أحسن ما يرام في ظل الظروف الصعبة.

 

إن اختيار المرحوم أبو أسيل كمدير عام لعقارات الدولة كان بسبب نزاهته أولاً وحسن إدارته ثانياً في ظل الفوضى التي سادت العراق بعد عام 2003.

 

لقد أسرني المرحوم أبو أسيل لأكثر من مرة من أنه لم يكن سعيداً بنقله من التأمين الوطنية إلى عقارات الدولة ولكن ليس باليد حيلة.

 

إن قناعتي بخصوص اغتيال المرحوم محمد حسين جعفر كان لإسكاته عن فضح السياسيين المتنفذين الذين كانوا يمارسون ضغوطاً كبيرةً عليه لتمليكهم عقارات الدولة مجاناً أو بسعر بخس ولاسيما المصادرة منها والتي كان يرفضها بشدة.

 

تلقيت خبر فاجعة اغتياله من صديقنا المشترك سعد البيروتي وأنا احتفل مع عائلتي بذكرى ميلاد ابنتي نسمة في صنعاء. وعندما أبلغتها بخبر استشهاده بكت نسمة بحرقة لأنها كانت تحبه بشكل خاص لأنه كان يداعبها كثيراً عندما كانت طفلة.

 

رحمك الله يا أبو أسيل يا شهيد النزاهة والطيبة، واللعنة على كلِ يدٍ ساهمت في اغتيالك، واسكنك الرحمن في جنات الخلد والنعم.

 

باقر المنشئ

18 نيسان 2017

الولايات المتحدة الامريكية

[1] سحر الحمداني والسيد أسعد سعد برهان الدين “في ذكر المرحوم محمد حسين جعفر: مدير عام شركة التأمين الوطنية (20 تشرين الثاني 1946 – 30 كانون الثاني 2001،” مرصد التأمين العراقي

Remembering Muhammad Hussain Jafar (1946-2001)

 

Remembering Muhammad Hussain Jafar (1946-2001)

في ذكر المرحوم محمد حسين جعفر

مدير عام شركة التأمين الوطنية (20 تشرين الثاني 1946 – 30 كانون الثاني 2001)

 

 

أسعد سعد برهان الدين وسحر الحمداني

 

 

عرفت المرحوم الأستاذ محمد حسين جعفر الجشعمي (2006-1946)، خريج كلية الحقوق، جامعة بغداد، عندما عُينت في شركة التأمين الوطنية/قسم الشؤون القانونية في أيلول 1977 حيث كان مدير القسم آنذاك المرحوم السيد عبد المنعم النهر (توفي سنة 2011؟) ومعاونته المرحومة سهير حسين جميل (بغداد 8 أيار 1938 – عمّان 21 تشرين الأول 2012) ثم المرحوم محمد حسين جعفر. كنا عدداً كبيراً من الموظفين والموظفات نعمل بتوجيه هؤلاء الأساتذة حيث كانوا خبراء في مجال القانون وإخوة كبار لنا في مساعدتنا وتصحيح أخطاءنا ونحن نخطو أولى خطواتنا في التأمين.

 

وعندما أتكلم عن المرحوم محمد، وكما كنا نناديه (أبو أسيل)، أتذكر جديته وحزمه وتمكنه من أداء متطلبات عمله، إضافة الى روح النكتة والدعابة التي يمتلكها، وحسن الأخلاق، ولطف المعاشرة.

 

في اليوم التالي لمباشرتي العمل ذهبنا مع المرحوم محمد وزملاء آخرين لتناول وجبة غداء في مطعم شعبي قرب الشركة حيث كنا نشوي الكباب بأنفسنا. ومن ضمن أصدقاء المرحوم محمد كان المرحوم عماد تكليف الفرعون، ابن الفرات الأصيل وصاحب الاخلاق العالية، والسيد عبد الرحمن الكيلاني، موسوعة الأطباء كما كنا نسميه إضافة لطيبته الفائقة. وكانت الشركة آنذاك بقيادة حازمة ومتميزة من قبل الأستاذ عبد الباقي رضا (شباط 1966- آذار 1978) أطال الله عمره بالصحة والعافية.

 

لا أنسى دور المرحومين محمد وعماد الفرعون في تدريبي على المرافعات أمام المحاكم.

 

انتقلت من الشركة إلى مجلس البحث العلمي سنة 1980 ولكن علاقتي استمرت مع اصدقائي في الشركة ومنهم أبو أسيل إلى أن اغتيل في فترة الحرب الطائفية في منطقة سكنه في حي الخضراء ذات الغالبية السنية على ايدي آثمة. ربما كان اغتياله لسبب طائفي أو ربما كان تصفية حسابات حيث انه خلال فترة عمله القصيرة في دائرة عقارات الدولة تعرض إلى ضغوطات قوية من بعض أصحاب النفوذ بشأن عقارات الدولة وهو لا يقبل غير الحق والصحيح في أداء واجبات عمله. ولهذا أحال نفسه على التقاعد، وكان ذلك قبل اغتياله بفترة قصيرة. ربما أرادوا إسكاته كي لا يتكلم عمّا تعرض له. ومن المفارقات أن القتلة المأجورين لم يكتفوا باغتياله بل سرقوا سيارته. لقد اختلطت الأمور والأسباب في تلك الفترة ولم يعد من السهل الكشف عن الدوافع وفاعلي الجريمة. لقد قتل أناس أبرياء كثر كانوا بعيدين عن السياسة والحكومة. وهنا اتذكر أحد الذين كان يسكن في منطقتنا منذ سنوات عديدة. كان موظفاً في بنك وجلّ اهتمامه هو أناقته. وضعوا عبوّة ناسفة في سيارته، انفجرت وقتلته. لماذا؟ هو السؤال عينه وراء ما نراه اغتيالاً لأبو أسيل.[1]

 

كان المرحوم أبو أسيل في حياته الشخصية محباً لعائلته وأولاده، حريصاً على تقديم الأكثر لهم حيث كانوا ما زالوا أطفالاً. كنا لا ننقطع عن تبادل الزيارات.

 

لا يمكن للمرء ان ينسى المرحوم محمد حسين جعفر والمرحوم عماد الفرعون الذي اغتالته هو الآخر يد اثيمة في هذا الزمن الذي يغادره الشرفاء بصمت. ومن المؤسف أننا لا نملك معلومات عن اغتيال المرحوم عماد الفرعون، وهو من عشيرة معروفة. لقد عشنا زمناً طائفياً في تلك الفترة لا نعرف فيها لماذا يقتل إنسان.

 

أسعد سعد برهان الدين

 

أتمنى أن نكون قد وفينا جزءً من حق من عاشرناهم في شركة التامين الوطنية وكانوا خير الناس سواء على صعيد العمل وكرمهم في تقديم المعلومة والنصيحة لنا نحن كموظفين جدد آنذاك أو على صعيد العلاقة الشخصية التي استمرت حتى بعد مغادرتنا الشركة.

 

بالطبع فرحنا جداً عندما اختير المرحوم أبو أسيل مديراً عاماً لشركة التامين الوطنية سنة 1996 وهو الذي نشأ فيها، مهنياً، وعمل بجد وإخلاص، فكان هذا الاختيار تتويجاً لسنوات من المثابرة، إضافة الى رفعة خلقه وانسانيته.

 

فاتحني أبو اسيل بعد صدور الأمر الإداري بتعيينه مديراً عاماً للشركة للعودة إلى الشركة وفعلاً عدت إلى عائلة التأمين بعد غياب سبع سنوات. وكنت في فرع التأمين البحري/التعويضات، وكان نشاط الفرع قليلاً ليس كالسابق، بسبب الظروف التي كان يمر بها العراق، ولكن المرحوم حاول ضمي إلى اللجان المتنوعة بالشركة حيث كان يرغب بتطوير الشركة وخاصة من ناحية إدخال الحاسوب في كل نشاطاتها وحتى حثّ الموظفين على تعلم الحاسوب وتوفير الفرصة لهم لأجل ذلك. الانتقاد الوحيد الذي سمعته عنه في حينه هو تردده في اتخاذ القرار. وأنا اعتقد أن هذا ليس مثلبةً بقدر ما هو تعبير عن حرصه المفرط والدقيق لاتخاذ القرار الصحيح سيما، وهو جديدٌ في إدارة الشركة، وتجنب العواقب السلبية. لقد عمل بجد وإخلاص في الشركة سنوات طويلة وساهم بشكل كبير في الارتقاء بها استكمالاً لما قام به أسلافه من المدراء العامين.

 

انتقلت للعمل في قسم الرقابة الداخلية في الشركة مع الأخ المرحوم ضرغام الغظنفري الذي كان مديراً الرقابة للداخلية (استشهد في 10 كانون الثاني 2008 في حادثة تفجير في منطقة زيّونه في بغداد وهو يقدم العزاء لأحدى العوائل. أعجز عن وصف دماثة خلقه وبرّه بأمه الذي تفرغ للعناية بها حتى أنه لم يتزوج). وكذلك كان أبو أسيل باراً جداً بوالدته والتي توفَّت قبله ببضعة أشهر، وهذا لطف من الله أن لا تشهد فقدانه. ولكني، بعد المباشرة، اضطررت لترك العمل لمرض ابني. ولا يمكن ان أنسى وقفة أبو أسيل وزوجته الكريمة معي في محنتي، نعم الاخوة التي أشعروني بها.

 

التواضع هي الصفة المحببة التي تمتع بها أبو أسيل حيث وهو مدير عام للشركة زارنا بنفسه لتقديم بطاقة الدعوة لعرس ابنته.

 

أود أن اكتب أكثر وأكثر عن أبي أسيل ولكن الذاكرة تعجز عن تذكر التفاصيل التي عشناها معا حيث كنا نتناقش في أمورنا الحياتية، ونتبادل الأفكار دائماً مع اختلافنا في التقييم إذ انه كان يحب النظام الملكي ويتفق مع زوجي في ذلك. ولا أنسى مدى السعادة التي شعرنا بها نحن أصدقاء المرحوم ومن ضمنهم الدكتور سليم الوردي عندما دخل ابنه جامعة صدام، كلية الطب، وكأنه ابننا جميعاً. وكان الاثنان تربطهما صداقة قوية.

 

كانت فترة إدارته للشركة قصيرة قد لا تتعدى الأربع سنوات امتدت من 20 تشرين الثاني 1996 لغاية 30 كانون الثاني 2001. إلا أنه نُقل إلى دائرة عقارات الدولة، حسبما اتذكر، والتي عانى فيها واضطر الى التقاعد وهو في قمة عطاءه. واعتقد أن إصراره على الحق والانصاف في التعامل كانت سببا في اغتياله.

 

لم يكتب المرحوم مقالات تأمينية وحقوقية متخصصة للنشر وكل ما قدمه من دراسات ومطالعات كانت في سياق العمل. من انجازاته تفعيل المكاتب الحدودية وزيادة إيراداتها بتأمين الترانزيت الذي كان مهملاً. كما أنه أوجد وثيقة تأمين على الحياة جماعية وتم تسويقها لدوائر الدولة ومنها وزارة النفط. واهتم بحوافز الموظفين وكان يتابعها ويسعى إلى زيادتها.[2]

 

أنا أسأل نفسي كل يوم، بعد الذي حصل لنا نحن العراقيين، أين ذهب ذلك الحب الذي كان يجمعنا على الخير ونتمناه لأصدقائنا وفرحنا لفرحهم وحزننا لحزنهم دون النظر إلى الطائفة وغيرها من الانتماءات الضيقة. هل سنعود يوما كما كنا؟ مع الأسف، أشك في ذلك لأننا ببساطة جيل منقرض ومشتت في منافي الأرض.

 

رحم الله أبو أسيل وأبقى ذكراه الطيبة في نفوسنا دائماً.

 

سحر الحمداني

 

كندا 22 نيسان 2013 – 27 آذار 2017

[1] لاستحضار أجواء الاقتتال الطائفي الجديد في العراق وبعض أشكاله وضحاياه، ذلك الذي بدأ بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003 واستمر لغاية 2008 وما يزال بدرجات متفاوتة، يمكن قراءة روايات برهان شاوي ومنها مشرحة بغداد (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012) ورواية متاهة قابيل (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2013). (المحرر)

[2] أشكر صديقتي السيدة عفيفة دارا على تزويدي بهذه المعلومات وغيرها.

ملاحظات حول مساهمة رئيس جمعية التأمين العراقية في

مناقشة ورقة الخبيرين النفطيين طارق شفيق واحمد موسى جياد: الدعوة لخارطة طريق جديدة

 

 

مصباح كمال

 

 

[1]

نشر مـعـهد التـقـدم للسياسات الإنمائية بتاريخ 2 نيسان 2017 تقريراً عن الندوة[1] التي عقدها لعرض ومناقشة الورقة التي قدمها الخبيران النفطيان طارق شفيق وأحمد موسى جياد[2] “والتي تضمنت مجموعة من الملاحظات والمعالجات الهادفة لوضع خطط وسياسات وحوكمة رشيدة للثروة النفطية في العراق.” وجاء في التقرير أن النائب الدكتور مهدي الحافظ ادار الندوة، وشارك في التعقيب على الورقة: النائب عدنان الجنابي، الرئيس السابق للجنة النفط البرلمانية، الخبير النفطي حمزة الجواهري، الخبير النفطي فؤاد الامير، وزير الموارد المائية الأسبق الدكتور عبداللطيف جمال رشيد، الدكتور محمد الحاج حمود الوكيل الأسبق لوزارة الخارجية، الخبير الاقتصادي عبدالله البندر، الخبير المصرفي سمير النصيري، الخبير المصرفي عبدالعزيز حسون، السيد هاشم الشماع، مدير ملتقى بغداد الفكري، المهندس ياسين عباس، الدكتور فلاح خلف الربيعي، الجامعة المستنصرية، السيد عبد الحسن الزيادي، رئيس جمعية التأمين.

 

[2]

من المسرّ أن نقرأ أن السيد عبد الحسن الزيادي قد ساهم في المناقشة بصفته رئيساً لجمعية التأمين العراقية وليس بصفته رئيساً لمجلس إدارة شركة الرهام للتأمين أو كونه مقاولاً مستقلاً. وقد قدَّم نفسه بصفته رئيساً للجمعية في مناسبة سابقة.[3]   وأرى في موقفه هذا فهماً أصيلاً لدوره كممثل لجميع شركات التأمين الأعضاء في الجمعية. مثل هذا الموقف يعزّز مكانة من يشغل موقع الرئاسة في الجمعية ويقصي أي تحيز لجهة أخرى يعمل فيها الرئيس بصفات أخرى.

 

[3]

كيف لخصَّ التقرير مساهمة السيد عبد الحسن الزيادي في الندوة؟ بعد التعريف به كرئيس لجمعية التأمين نقرأ التالي:

 

اشار إلى ان الحكومة تنتج النفط وتقوم بتصديره من دون ان تعطي للقطاع الخاص اي دور في هذه العملية .. داعيا إلى ان يسهم القطاع الخاص في عملية استثمار الغاز.

 

لقد تركّزت مساهمة رئيس الجمعية على غياب دور القطاع الخاص في إنتاج الحكومة للنفط وتصديره، ودعوته لمساهمة هذا القطاع في استثمار الغاز (وربما النفط الذي لم يذكره التقرير). وهو بهذا يلتقي مع الخبير المصرفي سمير النصيري الذي أكد، كما جاء في التقرير، على “رسم سياسة استراتيجية نفطية مثل باقي الدول، ورؤى اقتصادية تترافق مع السياسة النفطية لتقليل الاعتماد على النفط، مستبعدا تحقيق مثل هذه الاهداف في ظل عدم وجود مشاركة للقطاع الخاصة وعدم خصخصة وهيكلة للقطاعات الانتاجية وغياب هيكلية جديدة للاقتصاد.”

 

 

 

[4]

الكل يتحدث عن العصا السحرية المتمثلة بالقطاع الخاص والخصخصة لحل أزمة الاقتصاد العراقي. لكننا “نسمع جعجعة ولا نرى طحناً.” وهذا موضوع آخر يمكن أن يُدرس ضمن إطار المساهمة المحلية العراقية في صناعة النفط، في مختلف مراحلها، بشكل عام، وضمن عقود جولات التراخيص التي أهملت المحتوى المحلي local content.[4] أو، في أحسن الحالات، أضعفت من فاعليته في التطبيق العملي، كما هو الحال بالنسبة لشرط التأمين في العقد النموذجي لجولات التراخيص. لعله من المفيد هنا أن نقتبس ما كتبه الخبيران طارق شفيق وأحمد موسى جياد بشأن المحتوى المحلي. ففي معرض الحديث عن أخطاء رئيسية في عقود الخدمات طويلة الأجل كتبا أن

 

“اعتماد عقود طويلة الأجل، تخلو من نسبة محددة مسبقاً من “المحتوى المحلي،” (التعاقد من الباطن للشركات المحلية ومساعدتها على التنفيذ والعمل بكفاءة) يؤدي إلى تصدير جزء أكبر من الثروة الوطنية بينما يعيق نقل الدراية التكنولوجية للشركات الوطنية الخاصة. إن المحتوى المحلي مهم إلى درجة أن إيران وروسيا تطالبان بـمنح 51% للشركات المحلية وترتفع هذه النسبة إلى 70% في النرويج.”[5]

 

لا ندري إن كان السيد الزيادي يفكّر بهذا الجانب من الموضوع عندما قدَّم مساهمته. آمل أن يوضح موقفه لأن له علاقة أيضاً بجانب آخر ونعني به دور التأمين المحلي – وهو ما كان غائباً في مساهمته، اعتماداً على ما جاء في التقرير عن الندوة. لقد كان رئيس الجمعية أكثر تأثيراً في مساهمته في اللقاء الأول لمبادرة تأسيس المجلس الاقتصادي الأعلى عندما نُقل عنه الآتي:[6]

 

‌أ. بيّن ما تعرض له قطاع التامين في العراق من اجحاف بينما يشكل اولويات بناء اي استراتيجية اقتصادية.

‌ب. تأييده لتأسيس المجلس الاقتصادي الاعلى مع ضرورة ان يكون ممثلا بخبرات وكفاءات اقتصادية.

‌ج. تشريع القوانين الاقتصادية بما يمنح قطاع التامين دورا وطنيا بارزا لأهميته في كافة استراتيجيات البناء الاقتصادي.

 

وقد علقنا عليه في حينه، ولم نلقَ رداً منه أو من آخرين من المهتمين بالشأن التأميني.

 

[5]

رغم خصوصية الندوة فإن غياب أي ذكر للتأمين فيها يؤكد الإهمال الذي تعانيه مؤسسة التأمين في العراق من أصحابها ومن الغير. لقد كانت فرصة عقد هذه الندوة مناسبة جيدة لرئيس الجمعية لعرض موقف الجمعية من تأمين صناعة النفط في العراق خاصة وأن “المشاركون في الندوة [قرروا] رفع مذكرة تفصيلية إلى الرئاسات الثلاث ووزارة النفط لاطلاعهم بما تم التوصل اليه وماهي المقترحات المناسبة لوضع سياسية نفطية ناجحة في البلاد.” نقول هذا وفي بالنا أن السياسة النفطية يجب أن لا تخلو من اهتمامٍ بدور قطاع التأمين العراقي (ضمن إطار المحتوى المحلي) كجزء من الارتباطات الأمامية والخلفية forward & backward linkages رغم أن قانون الاستثمار والعديد من عقود الدولة لا تحدد دوراً مهماً لقطاع التأمين العراقي.

 

 

مصباح كمال

7 نيسان 2017

 

[1] أشكر الزميل الصديق جون ملكون على توفير نسخة من هذا التقرير.

[2] كتب النص أصلاً باللغة الإنجليزية ونشر في موقع Iraq Business News

http://www.iraq-businessnews.com/2017/03/21/towards-sound-oil-plans-policy-and-governance/

[3] راجع مصباح كمال “التأمين في اللقاء الأول لمبادرة تأسيس المجلس الاقتصادي الأعلى” في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2017/01/12/%d8%aa%d9%82%d8%b1%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%88%d9%84-%d9%84%d9%85%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%b1%d8%a9-%d8%aa%d8%a3%d8%b3%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84/

[4] كتبنا أكثر من مرة حول موضوع التأمين في عقود جولات التراخيص ولدى وزارة النفط والشركات التابعة لها. أنظر بهذا الشأن: مصباح كمال، وزارة النفط والتأمين: ملاحظات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، 2014). ص 45-57. مقدمة الكتاب منشورة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2014/03/19/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86/

 

لقراءة النص الكامل للكتاب يمكن استخدام هذا الرابط:

https://www.academia.edu/6476765/Ministry_of_Oil_and_Insurance_Critical_Remarks

 

[5] ترجمة مصباح كمال.

[6] أنظر الرابط في الهامش رقم 3.

Merger of NIC & IIC-lack of proper procedure and adherence to law

قرار وزارة المالية بدمج شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية: تجاوز الإجراءات السليمة ومتطلبات القانون

 

 

مصباح كمال

 

 

نشر أيضاً في المواقع التالية:

 

https://www.academia.edu/32184847/Merger_of_NIC_IIC_-_lack_of_proper_procedures_and_adherence_to_law

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2017/04/merger-of-national-insurance-co-iraq.html

 

 

مقدمة

 

ورد إلى علمنا مؤخراً أن قراراً وزارياً صدر بتاريخ 22 آذار 2017 من وزارة المالية (لم نستطع الحصول على نص القرار وهو ليس منشوراً في موقع الوزارة أو مواقع شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية) بدمج الشركتين، وتعيين الآنسة هيفاء شمعون عيسى، مدير عاماً وكالةً للشركتين (كانت تشغل موقع مدير عام وكالةً لشركة التأمين العراقية)، وتعيّين السيد صادق عبد الحمن الخالدي رئيساً وكالةً لديوان التأمين العراقي (وكان يشغل موقع مدير عام شركة التأمين الوطنية).

 

لم نتعرف حتى الآن على أسباب دمج هاتين الشركتين العامتين، وهما شركتان ناجحتان بالمقاييس العراقية السائدة إذ أنهما تحققان أرباحاً يوزع قسماً منها على الموظفين ويغذي القسم الآخر منها خزينة الدولة بالضرائب والرسوم التي تدفعها الشركتان. ربما يضمُّ القرار الوزاري الأسباب الموجبة للدمج، وهو ما سنتعرف عليه متى ما توفر نص القرار، وعندها يمكن إبداء الرأي بالقيمة الاقتصادية للدمج.

 

لا نهدف من هذه الورقة الموجزة مناقشة مبررات الدمج، وضرورتها من عدمها، فقد كان لنا موقف من موضوع الدمج كشفنا عنه في مقالتين سابقتين.[1] ما يعنينا هنا هو ما يبدو عدم الاهتمام بالإجراءات السليمة لإدارة عملية الدمج، وما يبدو أنه عدم التزام بالأحكام القانونية.

 

أهمية الإجراءات السليمة

 

قرار الدمج يذكّرنا بقرار تأمين شركات ووكالات التأمين سنة 1964 الذي لم يتأسس على دراسة موضوعية لواقع قطاع التأمين في العراق، واكتفى باستلهام أفكار عامة (“الاشتراكية الرشيدة”) لإدارة الاقتصاد من منظور ناقص وتقليد لتجربة مصر في هذا المجال. مثلما يذكرنا بالقرارات التي كان يتخذها مجلس قيادة الثورة وتلك التي كان يتخذها “المستبد بأمره” بول بريمر الثالث.

 

العقلية لم تتغير منذ ذلك الوقت فهي ذاتها التي استخدمت في قرار الدمج هذه السنة. وهي عقلية غير ديمقراطية لا تعتمد النقاش المفتوح وتكتفي بالعمل خلف الكواليس. ليس أصعب على الناس تجاهل أفكارهم بدعوى الاختصاص وامتلاك أصحاب القرار للحقيقة فهو استهانة بعقول الغير وما يمكن أن يقدموه من أجل الصالح العام.

 

حسب علمنا، لم تنشر أياً من الشركتين مقالات ودراسات عن موضوع دمج الشركات.

 

إن قراراً خطيراً كهذا، يمسُّ مصالح العاملات والعاملين في الشركتين ويؤثر على بنية سوق التأمين العراقي، كان يجب أن يُطرح للنقاش على الأقل داخل شركتي التأمين. وكان من المناسب تقديم ورقة موقف position paper تجاهه من قبل الداعين للدمج ليكون موضوعاً لتبادل الآراء قبل الإقدام على اتخاذ القرار، هذا إن كان متعذراً عليهم تقديم ورقة تشاور consultation paper كما هو معهود في الممارسات الديمقراطية. إن كانت الإجراءات الديمقراطية بعيدة عن تفكير أصحاب القرار كان الأولى، على الأقل، الالتزام بأحكام قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (الأمر رقم 10). وهو ما اقتبسناه في مقالة سابقة ومن المفيد استعادتها لأغراض المقالة الحالية:

 

الضوابط القانونية لاندماج شركات التأمين

 

ترد القواعد الضابطة لاندماج شركات التأمين في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 تحت الباب الخامس، تحويل الوثائق وتملك واندماج وتصفية المؤمنين، في الفصل الثالث: اندماج المؤمنين. تتناول المادة 50 اندماج المؤمنين كما يلي:

 

“أولا- يجوز اندماج مؤمن أو معيد تأمين في مؤمن أو معيد تأمين اخر بما في ذلك المؤمنين او معيدي التأمين المملوكين للدولة.

 

ثانيا-  على المؤمنين الراغبين بالاندماج تقديم طلب للديوان مرفق به كافة التقارير والبيانات اللازمة التي يحددها رئيس الديوان بتعليمات يصدرها لهذا الغرض.

 

ثالثا-  يدقق رئيس الديوان التقارير والبيانات والوثائق المقدمة، وله الموافقة على الاندماج أو رفضه بقرار مسبب.

 

رابعا- إذا وافق رئيس الديوان على طلب الاندماج فينشر أعلانا على نفقات طالبي الاندماج في صحيفة يومية واسعة الانتشار في العراق لمدة (5) خمسة أيام متتالية، ولكل ذي مصلحة التظلم من القرار خلال (30) ثلاثين يوما من تاريخ اخر نشر لإعلان الموافقة على الاندماج.

 

خامسا-       يبت رئيس الديوان في التظلمات المقدمة وفقا لأحكام البند (رابعا) من هذه المادة خلال (30) ثلاثين يوما من تاريخ انتهاء مدة تقديمها، ولكل ذي مصلحة الاعتراض على القرار الصادر نتيجة التظلم أمام محكمة البداءة المختصة خلال (7) سبعة أيام من تاريخ التبلغ به.”

 

البند الأول يُشرّع جواز اندماج مؤمن أو معيد تأمين في مؤمن أو معيد تأمين اخر بما في ذلك المؤمنين او معيدي التأمين المملوكين للدولة (التأكيد من عندي). أي أن الأساس القانوني لمشروع الوزارة جاهز، لكن هذا لا يعفي الوزارة من عرض الدافع أو الدوافع لمشروعها المستمدة، ربما، من مجلس أدارة شركتي التأمين الوطنية والتأمين العراقية.

 

ترى هل تمَّ الالتزام بهذه الأحكام؟ هل أن شركتي التأمين قامتا بـ “تقديم طلب للديوان مرفق به كافة التقارير والبيانات اللازمة التي يحددها رئيس الديوان بتعليمات يصدرها لهذا الغرض.” للسير بعملية الدمج؟

 

المصادرة على المطلوب

 

لقد كانت موافقة رئيس الديوان وكالةً على الدمج، قبل صدور قرار وزارة المالية بدمج الشركتين، مصادرة على المطلوب، فقد أعلن عن إجراءات الدمج في تشرين الأول 2016، كما جاء في مقال في الصفحة الاقتصادية لجريدة الصباح (العدد 3787 بتاريخ 4/10/2016)،[2] ذُكر فيه، اعتماداً على مصدرٍ في ديوان التأمين، البدء بالإجراءات القانونية للاندماج.

 

إضافة إلى ذلك فإن موقف شركة التأمين العراقية، عند صدور الإعلان في جريدة الصباح كان يقوم على تفنيد ورفض الدمج والتظلم لدى وزارة المالية بهذا الشأن، وتوصية مجلس إدارتها بتقديم مشروعها الخاص باستعادة تخصصها السابق في التأمين على الحياة (الذي توقف بقوة القانون عام 1988).

هناك كما يبدو عيب أساسي في القرار الوزاري لأنه يفتقر إلى مسوّغ قانوني واضح خاصة وأن مجلس إدارة الشركتين، حسب علمنا، لم يُقْدِما على اتخاذ قرار للبدء بالدمج – وهو ما ينصُّ عليه قانون تنظيم أعمال التأمين. وكما كتبتُ في مقالتي السابقة “مشروع دمج شركات التأمين العامة” فإن “تحقيق الاندماج يتطلب قراراً من مجلس إدارة كل شركة بحل الشركة للتمهيد لتأسيس الشركة الجديدة. وفي الوقت الحاضر ليس معروفاً إن كانت الوزارة [وزارة المالية] (أو الشركة الراغبة في الاندماج) ستقوم بتكليف جهة مهنية مستقلة للتقييم المالي للشركات موضوع الدمج، أو أن ديوان التأمين سيشترط على الشركات الراغبة بالاندماج تقديم مثل هذا التقييم المستقل.

 

كلمة أخيرة

 

من المعروف إن عدم الالتزام بالإجراءات القانونية الصحيحة يعتبر عيباً، ويوفر الفرصة للمحاكم لرد الدعاوى. ونحن هنا لسنا في مواجهة قضية قانونية صرفة معروضة على المحاكم بقدر ما نودُّ أن نشير إلى ما يبدو حتى الآن، في غياب المعلومات الدقيقة والكاملة والوثائق ذات العلاقة، أنه عدم التزامٍ بأحكام قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 دونكم الإجراءات السليمة المعهودة في أسواق التأمين المتقدمة.

 

1 آذار 2017

[1] مصباح كمال، “عودة إلى مشروع دمج شركات التأمين العامة،” موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2016/11/19/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%af%d9%85%d8%ac-%d8%b4%d8%b1%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84/

مصباح كمال، “مشروع دمج شركات التأمين العامة،” مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2016/02/proposed-merger-of-state-owned.html

نشرت أيضاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2016/02/21/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%af%d9%85%d8%ac-%d8%b4%d8%b1%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9/

[2] وقبل ذلك وبتاريخ 18 أيلول 2016 نشرت جريدة الصباح الإعلان التالي: “وزارة المالية/ديوان التأمين، إعلان. استناداً إلى المادة (50) من قانون تنظيم أعمال التأمين رقم (10) لسنة 2005 وبناء على قرار السيد رئيس ديوان التأمين بالموافقة على طلب اندماج شركة التأمين العراقية العامة بشركة التأمين الوطنية ولكل ذي مصلحة التظلم من القرار خلال (30) يوماً من تاريخ آخر نشر في الصحيفة بالموافقة على الاندماج.” وقتها لم تكن الشركة العراقية للتأمين قد تقدمت بأي طلب للاندماج مع شركة التأمين الوطنية!

Dr Mustafa Rajab on Abolition of Insurance Agencies and other Issues – a comment on the views of Mr Ata Abdul Wahab

د. مصطفى رجب: حيثيات إلغاء نظام وكالات التأمين وقضايا أخرى – تعليق على ما كتبه الأستاذ عطا عبد الوهاب في كتابه (سلالة الطين) عن فترة عمله في ميدان التأمين

 

 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

د. مصطفى رجب*: حيثيات إلغاء نظام وكالات التأمين وقضايا أخرى – تعليق على ما كتبه الأستاذ عطا عبد الوهاب في كتابه (سلالة الطين) عن فترة عمله في ميدان التأمين

 

مقدمة: قبل عدة سنوات قرأت كتاب الأستاذ عطا[1] وتوقفت عند الفصل المتعلق بفترة عمله في حقل التأمين. وقررت، في حينه، عدم التعليق على ما كتبه بشأن إلغاء وكالات التأمين وإعادة عملها الذي اتخذه مجلس إدارة المؤسسة العامة للتأمين في بغداد وذلك للأسباب الآتية:-

 

  1. تربطني بالأستاذ عطا علاقة شخصية نشأت عن علاقة العمل خلال الفترة التي أمضاها في حقل التأمين. وحيث أنه تعرض لما تعرض له من مأساة تفوق ما يستطيع تحمله البشر، فقد قررت في حينه أنه من غير المناسب أن أضيف جرحاً للجروح العميقة التي تعرض لها.
  2. أكن احتراماً لعائلته الكريمة التي تحملت ما تحملت من أهوال ومآسي فكانت بحق (السيدة الصابرة المتصبرة).
  3. وأخيراً احتراماً لذكرى شخص زكي النفس عفيف اليد واللسان صاحب الذكرى العطرة هو المرحوم الأستاذ/زكي عبد الوهاب، طيب الله ثراه.خلال شهر شباط (فبراير) من هذه السنة (2017) كتب إلىَّ أحد الإخوان الذين أحترم رأيهم رسالة يشير فيها أنه اطلع (ويبدو مؤخراً) على ما كتبه الأستاذ عطا ويطلب مني، للتاريخ، إبداء الرأي فيما كتب. وحيث قد مضت مدة تزيد على (12) سنة على صدور الكتاب فاعتقد أن النفوس قد بلغت درجة من الهدوء تسمح بالاستماع إلى رأي آخر.التعليق: ينقسم ما سأقوله إلى جانبين: جانب موضوعي وآخر شخصي.الجانب الموضوعي: في إدارة المؤسسات الحكومية والشركات التابعة لها هناك نوعان من القرارات: قرارات نابعة من السياسة الاقتصادية للنظام الحاكم (أياً كان النظام الحاكم) وقرارات فنية صرفة. هذه القرارات الأخيرة تختص بها الإدارات العليا للمؤسسات والشركات والكادر الفني التابع لها.أما الأولى: فإنه يفترض بأي نظام يأتي إلى الحكم سواء عن طريق الانتخاب أم الانقلاب كما حصل في العراق أن تكون له سياسة اقتصادية يسعى إلى تطبيقها وأهدافاً يسعى لتحقيقها. وحينما يتخذ النظام الجديد قرارات تتعلق بالسياسة الاقتصادية العليا للدولة فعلى إدارات المؤسسات والشركات التابعة لها (أي للقطاع العام) أن تنفذ أو أن تترك موقعها أو أن تجبر على ترك موقعها.في الدول الديمقراطية حينما يتم تغيير الفئة الحاكمة عن طريق الانتخاب فإن الفئة الجديدة تأتي بوزراء جدد ويتم تغيير رؤساء بعض المؤسسات الحساسة (وأؤكد على كلمة الحساسة). أما بقية الكوادر الحكومية فإنه لا يطالها التغيير أما في العراق وبسبب تغيير الأنظمة عن طريق العنف فإن التغيير شمل المؤسسات الحساسة وغير الحساسة بل وصل الأمر أحياناً إلى إنهاء خدمات فراشين على أساس أنهم من أتباع النظام السابق! وبالرغم من أن شركات التأمين ليست من قبيل المؤسسات الحساسة إلا أن الطريقة العراقية في التغيير لا تهمها درجة الحساسية في المؤسسات وبالتالي فإن التغيير يطال الجميع. شخص واحد لم تشمله الطريقة العراقية بالرغم من التغييرات المتعددة التي طالت أنظمة الحكم في العراق سآتي على ذكره فيما بعد.قرارات مثل قرار التأميم وقرار إلزام شركات التأمين بإسناد حصة إلزامية إلى شركة إعادة التأمين العراقية وقرار إلغاء وكالات التأمين وقرار إعادة وكالات التأمين للعمل في السوق قرارات نابعة من السياسة الاقتصادية للنظام الحاكم (أياً كان النظام الحاكم). بعض هذه القرارات نتيجة طبيعية لقرارات أخرى. وكالات التأمين ألغيت بتوجيه من المؤسسة الاقتصادية التي كانت قائمة آنذاك، وهو قرار ينسجم مع السياسة الاقتصادية التي تبناها نظام الحكم آنذاك وهي سياسة قائمة على تأميم العديد من المنشآت الاقتصادية ومن بينها شركات التأمين. فلما تغير نظام الحكم وجاءت فئة أخرى لا تؤمن بالتأميم ولا بالإجراءات التي اتخذها النظام السابق، كان من الطبيعي أن تكون إعادة وكالات التأمين ثم الانتقال بها إلى نظام الوساطة في التأمين من بين أولويات النظام الجديد.مجلس إدارة المؤسسة العامة للتأمين كان، في حينه، يضم أعضاء لم يأت بهم أي نظام من الأنظمة التي توالت على الحكم في العراق وآخرين يبدو أنهم جاءوا بسبب علاقاتهم بهذه المجموعة أو تلك. الفئة الأخيرة هي التي كان عليها أن تختار وبالتالي فإنه حين تقرر إعادة الوكالات بحكم السياسة الاقتصادية للنظام الجديد كان على كل فئة أن تختار: الفئة الأولى ليست من المتخاذلين والفئة الثانية ليست من الأبطال، بل كل عضو اتخذ الموقف الذي ينسجم مع تاريخه ومبادئه وأسلوب عمله ومفهومه للعمل في القطاع العام.وليت الأعضاء من الفئة الثانية استمعوا إلى صوت الحكمة الصادر عن الفئة الأولى لما جرت الأمور بالشكل الذي جرت به لاحقاً.لقد علق الأستاذ عطا موضوع استمراره في إدارة شركة التأمين الوطنية على موضوع وكالات التأمين وجوداً أو تغييراً في حين أن الأمر، باعتقادي، ليس بالأمر الخطير الذي يستدعي اتخاذ موقف حدّي كهذا. وقد يكون للأمر جانب شخصي ولا علاقة له بالجانب الموضوعي.لم يستمع الأستاذ عطا لوجهة نظرنا أنا والدكتور خالد الشاوي وآثر الاستقالة. وبالتالي لا أجد أي مبرر لإلقاء اللوم على الآخرين. وليته ألقى اللوم فقط.الجانب الشخصي:-
  4. يكيل السيد عطا الانتقادات (وبعضها يخرج عما هو لائق) لأشخاص مثل ممتاز العمري وخالد الشاوي ومصطفى رجب ولا يجد مكانه بينهم في حين أنهم من خيار القوم، هم من الصفوة الإدارية التي لا يرقى الشك إلى سيرتها، يصفها بأقذع الأوصاف… يترك أناساً يضعون أفضل ما عندهم في خدمة بلدهم وخدمة المؤسسات والشركات التي يديرونها بكل تجرد.
  1. وأعود إلى الذي لم تشمله الطريقة العراقية في التغيير بالرغم من التغييرات العديدة التي طرأت على أنظمة الحكم في العراق فأقول: لقد بقيت أدير شركة إعادة التأمين العراقية لمدة عشرين عاماً (بعد أن قمت بتأسيسها) بالرغم من التغييرات التي طرأت على أنظمة الحكم في العراق. فما هو السبب؟لتسهيل مهمة القارئ حسن النية، أعرض بعضاً من المبادئ التي اعتنقها وأطبقها (وقد طبقتها فعلياً) في حياتي الشخصية والوظيفية: -تكويني الذهني ينفر من التبعية الفكرية لأية مجموعة أو فئة أو حزب سواء كان حاكماً أو غير حاكم. وكنت، ولا زلت، أعتقد أنني بانتمائي لأية فئة أو جماعة إنما أفقد استقلاليتي في الرأي وحياديتي في الحكم على الأمور والأشخاص وحريتي في اتخاذ القرار، لذلك أستطيع أن أقول، بكل فخر، أنني لست مديناً في جميع المواقع الحكومية وغير الحكومية التي أشغلتها لأية فئة أو جماعة، سواء المواقع التي أشغلتها في بلدي العراق أو في بعض البلدان العربية الشقيقة. هدفي الوحيد هو خدمة بلدي وخدمة البلد الشقيق الذي يستضيفني. أضع كل إمكانياتي العلمية والعملية في خدمة المؤسسة التي أديرها أو التي أعمل فيها.
  • لا أحاسب الناس على أفكارهم بل أحكم عليهم (في قرارة نفسي فقط) حسب تصرفاتهم.
  • لا أطلب من الآخرين أن يتضامنوا معي في أي قرار أتخذه فانا وحدي المسؤول عن نتائجه دون إلقاء اللوم على الآخرين.
  • أُؤمن بالحوار الهادئ ولا أستسيغ العنف بكل أشكاله: العنف المادي والمعنوي بل وحتى العنف اللفظي (من المؤسف أن يحتوي الفصل الخاص بالتأمين من كتاب الأستاذ عطا على قدر كبير من العنف اللفظي!)هذه ليست فردية في التفكير بل قواعد تعني احترام النفس واحترام الآخرين. وفي هذا السياق أقول:-لقد طبقت هذه المبادئ حينما كنت اتخذ قرارات تعيين العاملين معي في جميع الشركات التي كلفت بإدارتها. فأنا لا أسألهم عن رأيهم السياسي أو الفئة التي ينتمون إليها. المعايير الوحيدة التي آخذها بنظر الاعتبار هي الكفاءة والنزاهة ثم أصبحت النزاهة والكفاءة.المتقدمون للعمل يخضعون لامتحان تحريري وآخر خلال المقابلة ثم يتم تعيين الأفضل.وفي إحدى المرات التي تغير فيها نظام الحكم في العراق أعلمني الوزير الجديد المسؤول عن التأمين انه تبين لهم انه لا يوجد في الشركة التي أديرها من هو من الجماعة التي أتت مع النظام الجديد فأجبته أن هذه معلومة لا علم لي بها لأنني لا اسأل الموظفين لأية جهة أو جماعة ينتمون؟كما طبقت هذه المبادئ على علاقتي بالعاملين معي في الشركات التي كنت أديرها فكنت أغرس في فكرهم أنهم غير مدينين لي في مواقعهم في الشركة، وأنهم إنما يحتلون مواقعهم بحكم كفاءتهم وإخلاصهم. لذلك ليس عليهم من حرج أن يكون لهم رأي يختلف عن رأيي بل أن بإمكان أي منهم أن يكتب رأيه المخالف تحريرياً على أن يبقى رأيه داخل الشركة فقط.
  1. يقول السيد عطا في كتابه أنه (أي مصطفى رجب) أمكر من أن يسعى إلى الحيلولة دون انسحاب عنصر (يقصد نفسه) يبدو انه وجد فيه نداً، رغم صداقتي له ودعمي الدائم لشركة الإعادة منذ تأسيسها. ولعله لم يكن وحده من المتربصين والطامعين بإزاحتي)؟هذا كلام غريب فمن المعروف عني أنني لم أفكر يوماً أن أزاحم أحداً على موقعه بل لم أشعر يوماً أن أحداً يزاحمني على موقعي. ثم أنني أعمل في إعادة التأمين وهو يعمل في التأمين المباشر فأين مني من الطامعين بإزاحته ولماذا التربص به؟ فقد كنت ولا زلت أكن له كل مودة وتقدير واحترام لا لشيء إلا لكفاءته وإخلاصه في عمله. وأعتقد أن هذا الكلام هو من قبيل التخيلات.وفي هذا السياق أقول:للتدليل على أنني لا أفكر في مزاحمة أحد على موقعه، أقدم ما طبقته في الشركات التي كنت أديرها:-لقد اتبعت سياسة قلما تتبناها الإدارات العربية في الشركات التي تعهد إليها إدارتها وهي تحضير الخلف المناسب. وقد طبقت هذه السياسة في بغداد وبيروت وأبو ظبي فكان انتقال الإدارة حينما يحين موعد رحيلي عن الشركة انتقالاً هادئاً. وقد اثبتوا جميعاً حسن ظني بهم. هذه السياسة منطلقة من قاعدة أؤمن بها أن المدير الناجح ليس هو الذي يحقق الأهداف فقط بل الذي يُعدُ من يخلفه عند رحيله كذلك.
  2. ولتوضيح وجهة نظري متى وأين يجب اتخاذ قرارات حدية أسرد الواقعة الآتية: – تغيّر نظام الحكم ذات مرة في بغداد وحينما أتيت إلى مكتبي في الشركة التي كنت أديرها علمت أن ثلاثة من المدراء الفنيين في الشركة قد ألقي القبض عليهم في الليلة السابقة.كان هذا الإجراء بالنسبة لي إجراءً مؤلماً يتطلب أن أفهم أسبابه كما أنه يؤثر على السمعة الدولية للشركة تلك السمعة التي كانت تشكل جزءاً كبيراً من رأسمال الشركة.اتصلت بوكيل وزارة الداخلية الجديد وكنت على معرفة به ورجوته إعلامي عن أسباب اعتقالهم حيث أنني لم ألمس أي نشاط سياسي لهم طيلة فترة عملهم في الشركة. وعدني بالاستفسار والعودة إلىّ. مضت ساعتان وإذا به يتصل بي ويبلغني أنه لا توجد أشياء خطيرة وأنه سيطلق سراحهم بعد بضعة أيام. أجبته أنه حيث لا يوجد ما يبرر اعتقالهم فإنني سأذهب إلى بيتي وأعود للعمل حينما يطلق سراحهم. أجابني أن الأمر لا يستدعى اتخاذ هذا الموقف. أبلغته أنني أشعر أنني مسؤول عنهم وحيث أنك تقول إنه لا توجد أمور خطيرة فلا أستطيع تحمل بقائهم قيد الاعتقال دون جريمة أو شبهة جدية وذهبت إلى بيتي. في اليوم التالي اتصل بي وكيل الوزارة وأبلغني أنه سيتم إطلاق سراح أثنين وقد أطلق سراحهما فعلاً وسينظر في أمر الثالث في اليوم اللاحق. أبلغته أنني سأعود للعمل اليوم وآمل أن يطلق سراح الثالث يوم غد وبالفعل تم إطلاق سراحه في اليوم اللاحق. حينما قصصت ما جرى على أحد الأصدقاء عاتبني على موقفي وقال إنك تعرض نفسك لمشاكل أنت في غنى عنها! أسوق هذه الحادثة لأدلل على أن المسؤول يفترض به أن يتخذ موقفاً حدياً حينما تقتضي دواعي الواجب والضمير أن يتخذه، وليس عليه أن يتخذ موقفاً حدياً في أمر يعود القرار النهائي فيه إلى جهة رسمية أخرى وضمن اختصاصها وإلا كان مندفعاً حيث لا يجدي تسمية الاندفاع بطولة.وأخيراً وبصرف النظر عما أكتبه أنا أو ما يكتبه غيري فإن التاريخ وحده هو الذي يحكم على الأشخاص ومواقفهم وليس ما يكتبون هم عن أنفسهم.20/3/2017* مؤسس ومدير عام شركة إعادة التأمين العراقية (1980-1960)

[1] عطا عبد الوهاب، سلالة الطين (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004)، ص 375 وما بعدها لها علاقة بموضوع هذه الورقة. يمكن الاطلاع عليه باستخدام هذا الرابط:

https://books.google.co.uk/books?id=dKRdXZ5QVzQC&pg=PT252&lpg=PT252&dq=%D8%B9%D8%B7%D8%A7+%D8%B9%D8%A8%D8%AF+%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%A8+%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89+%D8%B1%D8%AC%D8%A8&source=bl&ots=KEPe6bVopK&sig=pV964UFP73kcD0GrIXvuWNi3PfE&hl=en&sa=X&ved=0ahUKEwjXzub11L3SAhVLL8AKHaODDlQQ6AEIOTAH#v=onepage&q=%D8%B9%D8%B7%D8%A7%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%A8%20%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89%20%D8%B1%D8%AC%D8%A8&f=false

(المحرر)

 

Abdulbaki Redha: On the Abolition of Insurance Agencies in the 1960s

من رسائل الأستاذ عبد الباقي رضا

 تطورات موضوع إلغاء وكالات التأمين واستبدالها بنظام المنتجين

 

 

تقديم

 

يسرني أن أنشر نص رسالتين من الأستاذ عبد الباقي رضا والأستاذ بهاء بهيج شكري، بعد الحصول على موافقتهما، يخص موضوع إلغاء نظام وكالات التأمين واستبداله بنظام المنتجين بعد صدور قرار تأميم شركات ووكالات التأمين في 14 تموز 1964. وقد كان هذا الموضوع مثار نقاش، وربما سوء فهم، بين أركان التأمين العراقي آنذاك لوظيفة توزيع المنتجات التأمينية والقنوات المناسبة لها. النصين المنشورين هنا يوفران خلفية أولية لمناقشة الموضوع. وأظن بأن د. مصطفى رجب سيدلو بدلوه أيضاً خاصة وأن الأستاذ عطا عبد الوهاب تعرَّض لموقف الدكتور من الوكالات ونظام المنتجين في كتابه سلالة الطين.

 

آمل استلام المزيد من المعلومات عن هذا الموضوع تمهيداً لمناقشته في سياقه التاريخي. وقد ذكر لي الأستاذ بهيج في رسالة قصيرة له مؤخراً “ان الموضوع يحتاج إلى بحث أكثر تفصيلاً من النواحي القانونية والفنية والإدارية، وربما أجد الوقت لإعداد بحث كهذا في المستقبل القريب.”

 

مصباح كمال

27 آذار 2017

 

 

رسالة الأستاذ عبد الباقي رضا

 

1 آذار 2017

 

عزيزي الأخ الوفي الأستاذ مصباح

 

صباح الخير

 

توضيحاً لتطورات موضوع الوكالات[1] أروي لك الاحداث كما أتذكر. مع قرارات التأميم في 14/7/1964 تولى الأستاذ عطا عبد الوهاب إدارة التأمين الوطنية، وكان يشغل قبلها إدارة شركة بغداد للتأمين. حين صدر قرار تعيينه ضمن التعيينات الجديدة كان خارج العراق والتحق بإدارة التأمين الوطنية فور عودته واستمرت حتى 31/1/1966. واستمر الدكتور مصطفى رجب في إدارة شركة اعادة التأمين العراقية. كان لهما دور أنشط وأعلى في شؤون المؤسسة العامة للتأمين في عهد رئاسة المرحوم طالب جميل للمؤسسة لقدمهما في الخدمة وعلاقتهما الشخصية برئيس المؤسسة حيث كان بقية المدراء العامين، من أمثالي، مستجدين في مراكزهم الجديدة ويفتقرون إلى ميزة العلاقات الشخصية وتأثيرها.

 

تقرر إلغاء الوكالات بناء على دراسة مقدمة من الأستاذ عطا والدكتور مصطفى لا أتذكر اني اطلعت عليها أو عرفت مضمونها.

 

استقال المرحوم طالب جميل من رئاسة المؤسسة وبعد فترة قصيرة تولى رئاستها وكالةً الدكتور خالد الشاوي لفترة وجيزة ثم عين المرحوم كليمان شماس رئيساً أصيلاً.

 

كان تغيير وزاري قد حصل بتعيين المرحوم عبد الرحمن البزاز رئيساً للوزارة التي جاءت بسياسات مختلفة في الجانب الاقتصادي، وكان اختيار الشماس من القطاع الخاص أحد مؤشراتها فقد كان الشماس يعمل في وكالة شركة يونيون الفرنسية للتأمين[2] منذ أمد غير قصير. في اجتماع مجلس إدارة المؤسسة مساء يوم 31/1/1966، وكنت أحضره باعتباري مدير عام المؤسسة وسكرتير مجلس إدارتها، فوجئنا بطلب رئيس المؤسسة إعادة دراسة موضوع وكالات التأمين بهدف العودة إليها. خلال مناقشة الموضوع ظهر موقف الدكتور مصطفى مؤيداً لرئيس المؤسسة مما أثار غضب الأستاذ عطا. وبعد بعض الأخذ والرد تناول الأستاذ عطا ورقة وكتب استقالته وترك الاجتماع غاضباً ولم تنفع محاولات اقناعه بعدم الانسحاب. بناءً عليه قرر المجلس نقلي من المؤسسة إلى ادارة التأمين الوطنية فامتثلت للقرار وباشرت عملي الجديد في اليوم التالي مباشرة والذي امتد إلى 4/3/1978.

 

بلغني أن الدكتور مصطفى قام بزيارة إلى دار الأستاذ عطا بعد الاجتماع مباشرة لإقناعه بالعدول عن الاستقالة إلا أنه لم يفلح وأصر الأستاذ عطا على موقفه وابتعد عن أي عمل حكومي.

 

لا أتذكر الآن أية تفاصيل عن أسلوب عمل الوكالات أو المنتجين والضوابط التي تنظمه مع الأسف.

 

عوداً إلى قول الأستاذ بهاء (ان عبد الباقي هو الذي وضع القانون العراقي [قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005] بالتعاون مع الخبير الامريكي لشؤون التأمين [Mike Pekins] بالاسترشاد بالقانون الأردني)[3] أود أن أبين الآتي:

 

لم أجتمع بأي خبير أمريكي في شؤون التأمين اطلاقاً ولكني اجتمعت بمن كان متابعاً لشؤون المصارف ثم بالشخص الذي كُلّف بإعادة إحياء سوق الاوراق المالية الذي كان لي دور في إعداد قانونه ثم في تأسيسه وأشغلت عضوية مجلس إدارته كخبير منذ تشكيله في 1992 حتى إيقاف أعماله من قبل الأمريكان سنة 2003. وقد عرض عليَّ منصب (مساعد رئيس الهيئة – Assistant-Commissioner) في هيئة الأوراق المالية التي تأسست بالأمر الموقت رقم 74 لسنة 2004 فسألت عمن سيكون الـ Commissioner الذي أكون أنا مساعده فلم يعجبهم السؤال! ولم أندم على سؤالي.

 

أما قانون التأمين[4] فأتذكر أن مشروعاً عرض عليَّ يوم كان السيد عادل عبد المهدي وزيراً للمالية فكتبت عنه مذكرة طويلة، مع الأسف لم أحتفظ بالمشروع ولا بمذكرتي، وحيث تسنى لي فيما بعد الاطلاع على القانون الأردني الذي وجدته أفضل من المشروع تكلمت مع الصديق السيد عدنان الجنابي الذي كان يشغل منصب وزير دولة – على ما أتذكر- في وزارة الدكتور أياد علاوي – وهو نائب حالياً – وبيَّنتُ له أفضلية اعتماد القانون الأردني وتعريقه بما ينسجم مع متطلباتنا وصياغاتنا القانونية. نُقل هذا الرأي إلى الدكتور علاوي فقبل به وكلفني العمل عليه مع الدكتور فاضل محمد جواد الذي كان قد عين تواً مستشاراً قانونياً في مجلس الوزراء (يعمل حالياً في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية). في هذا الوقت حان موعد سفري إلى الولايات المتحدة فسلمت ما عندي إلى الدكتور فاضل ليقوم هو بالمهمة. إلى هنا انتهى دوري بالنسبة لقانون التأمين العراقي.

 

أكرر مع الاعتذار اني لا أتذكر أية تفاصيل عن نظام المنتجين فقد مضى عهد طويل على تركي إدارة الشركة.

 

أتمنى لك التوفيق في جهدك الفريد في (نبش) تاريخ قطاع التأمين واستخراج ما غاب منه من الذاكرة، ولك أطيب تحياتي.

 

عبد الباقي

 


 

ملحق 1

رسالة مصباح كمال إلى الأستاذ عبد الباقي رضا

 

أستاذي العزيز عبد الباقي

 

تحية طيبة

 

كما تلاحظ أدناه فقد تخاطبتُ مع الأستاذ بهاء بهيج شكري بشأن نظام الوكالات التأمينية ونظام المنتجين، على أثر رسالة استلمتها منه حول أسباب استقالة الأستاذ عطا عبد الوهاب من شركة التأمين الوطنية وموقف الأخير من هذين النظامين ومن د. مصطفى رجب.

 

أنا مهتم بالجانب التاريخي للموضوع والحجج الاقتصادية والفنية التي كانت وراء إلغاء نظام الوكالات واستبداله بنظام المنتجين.  وبما أن هذا الأخير ارتبط بإداراتك أرى أن تكتب ما يفيد في توضيح خلفيات الموضوع ووضعه في نصابه، كما يقال، وبذلك تملأ فراغاً في تاريخ تطور قطاع التأمين في عهدك.

 

فيما يخص موضوع وكلاء التأمين ووسطاء التأمين ووسطاء إعادة التأمين، كما يرد في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (الأمر رقم 10)، الذي أتى الأستاذ بهاء على ذكره في آخر رسالته، فإن التعليق عليه رهن باختيارك.

 

بانتظار الرد، أتمنى لك أطيب الأوقات.

 

مصباح

27 شباط 2017

 


 

ملحق 2

رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري لمصباح كمال

 

عمان 27 شباط 2017

 

الأخ مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

إذا جزء الموضوع حسب اقتراحك فإن المتبقي منه يتعلق بصحة اعتماد نظام المنتجين أو عدم صحته، وهذا موضوع مستقل لا علاقة له بعطا عبد الوهاب فقط وإنما طبقه عبد الباقي رضا أيضاً، لذا يجب أن يكون هذا البحث بحثاً مستقلاً.

 

ولا أخفى عليك فإني اعتقد أن هذا النظام يتعارض مع أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين الذي يفهم من عموم نصوصه أنه لا يجوز لأي شخص طبيعي أو شخصية اعتبارية ممارسة أي نشاط تأميني دون الحصول على ترخيص من السلط المعينة بموجب القانون، علماً بأن المقصود بالوكلاء هم ليسوا وكلاء الشركات الأجنبية بل هم الوكلاء الذين أجيزوا من قبل الديوان بالتعامل مع الشركات العراقية، كوكالة مجيد الياسين مثلاً وغيرها من الوكالات.

 

لهذا فأنا اقترح أن توجه سؤالاً إلى السيد عبد الباقي رضا باعتباره كان مديراً عاماً لشركة التأمين الوطنية، التي تبنت في زمانه نظام المنتجين، عن ماهية هذا النظام والعلاقة الوظيفية والمالية بين المنتج والشركة، وهل يخضع المنتج لشرط الحصول على رخصة ممارسة عمل الوساطة، وهل أن تبني هذا النظام يتفق مع أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين الذي حدد الوسطاء بالوكلاء (Agents) والسماسرة (Brokers) (علما بأن عبد الباقي هو الذي وضع القانون العراقي بالتعاون مع الخبير الأمريكي لشؤون التأمين بالاستشراد بالقانون الأردني). إن إجابة عبد الباقي ستكون باباً للمناقشة والبحث في كلا النظامين، الوكلاء والمنتجين، من الناحيتين القانونية والمالية.

 

هذا هو رأي، مع التقدير.

 

بهاء شكري

[1] أنظر رسالتي إلى الأستاذ عبد الباقي رضا حول موضوع إلغاء وكالات التأمين في الملحق 1 في نهاية هذه الورقة.

[2] كان وكيل شركة يونيون الفرنسية للتأمين L’Union de Paris (أصبحت فيما بعد جزءاً من مجموعة أكسا AXA) هو السيد إدوار فرام الذي يمتد تاريخ وكالته إلى ثلاثينيات القرن العشرين. أنظر: مصباح كمال “وكالات التأمين في العراق عام 1936: محاولة في التوثيق”، مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/05/1936-19-2012-1936-1936-883.html

[3] أنظر رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري لمصباح كمال بتاريخ 27 شباط 2017 في الملحق 2 في نهاية هذه الورقة.

[4] للتعرف على المزيد من التفاصيل أنظر: مصباح كمال، قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014).

A View on the Implementation of Health Insurance in Iraq

افكار حول تفعيل التأمين الصحي في العراق

 

مصباح كمال

 

http://iraqieconomists.net/ar/2017/03/01/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%81%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%aa%d9%81%d8%b9%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5/

 

 

مقدمة

 

كان السيد مصطفى الهاشمي، محرر الصفحة الاقتصادية لجريدة الصباح، قد كتب لي رسالة بتاريخ 22 شباط 2017 طالباً الإجابة على مجموعة من الأسئلة حول التأمين الصحي في العراق وقد استجبت، شاكراً له طلبه. وقام من جانبه بإعادة صياغة إجاباتي، ونشرها في الصباح الاقتصادي تحت عنوان “دعوات إلى تفعيل التأمين الصحي.” (الصباح، 27 شباط 2017):

http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=132512

 

أشكر زميلي السيد منذر عباس الأسود على تزويدي بنسخة من نص المقابلة المنشورة.

 

فيما يلي النص الكامل للمقابلة الذي اعتمد عليه السيد مصطفى الهاشمي.

 

مصباح كمال

1 آذار 2017

 

 

النص الكامل للمقابلة

 

 

هل تعتقدون ان الوقت مناسب للعمل بالتأمين الصحي في العراق؟

 

عرضت الحكومة في برنامجها المنشور في جريدة الصباح (أيلول 2014) اعتماد نظام التأمين الصحي للمواطنين كافة وتطبيق نظام طبيب الأسرة. إلا أن هذا النظام لم يجد تطبيقاً له حسب المعلومات المتوفرة لدينا. ربما هناك في أروقة الحكومة المختلفة من يعمل على صياغة تفاصيل هذا النظام.

 

قد يقال بأن الحرب ضد داعش، والعجز في الموازنة، ولجوء العراق إلى الاستدانة من الخارج تجعل من الشروع بنظام التأمين الصحي، غير محدد الملامح حتى الآن، عبئاً على القدرات المالية المحدودة للدولة في الوقت الحاضر. لكننا نرى أن تطبيق المشروع، بعد أن تتوضح معالمه، يمكن أن يبدأ كخطة تجريبية محدودة النطاق في إحدى المحافظات. مثل هذه الخطة ستكون تمريناً أساسياً للتعرف على مشاكل التطبيق وإيجاد الحلول والضوابط المناسبة لها. كما يمكن للمشروع أن يتخذ تطبيقه صفة الإلزام على الشركات العاملة في العراق والتي تستخدم عدداً معيناً من العمال لتوفير التأمين الصحي لهم– وهو ما أقدمت عليه بعض الحكومات، الإمارات العربية على سبيل المثل. ويمكن الاستفادة من تجارب ماضية كالضمان الصحي الذي كانت وزارة النفط تطبقه على منتسبيها لقاء أقساط (استقطاع بسيط) من المرتبات.

 

إن الصحة، كالتعليم، حاجة أساسية وليس من المناسب الاستمرار في تأجيل الاهتمام بها بحجة أن الوقت غير مناسب.

 

وهل تعتقدون ان المؤسسات الصحية والمستشفيات قادرة على التعامل بموجبه – من وجهة نظركم؟ علماً كان لي حديث قبل سنتين مع أحد المسؤولين في وزارة الصحة بهذا الخصوص وقال لي لا يوجد مثل هذا التنسيق بين الوزارة والتأمين الوطنية.

 

المؤسسات الصحية والمستشفيات العائدة للدولة تعمل دون المستوى المطلوب في توفير خدماتها غير المرتبطة بالتأمين. هناك حاجة لتطوير النظام الصحي الحكومي، ويمكن لأصحاب الاختصاص تقديم أفكارهم بشأنه ومنها تطوير وتوسيع استخدام تكنولوجيا المعلومات. ولكن قبل الحكم على قدرة هذه المؤسسات والمستشفيات للتعامل مع متطلبات نظام التأمين الصحي يجب التعريف بهذا النظام ونطاقه.

 

ربط النظام الصحي المرجو بشركة التأمين الوطنية العامة، كما يبدو من السؤال حول انعدام التنسيق بين وزارة الصحة وهذه الشركة، قد يجابه باعتراض شركات التأمين الخاصة خاصة وأن العديد من هذه الشركات، وكذلك التأمين الوطنية ذاتها، تمارس أشكالاً من التأمين الصحي التجاري. ولعل أحدث وأوسع ممارسة له هو التعاون بين مستشفى الكفيل التخصصي في كربلاء وشركة الرهام للتأمين (شركة خاصة) منذ أيار 2016 على توفير ما أعلن عنه بأنه تامين صحي شامل لقاء قسط تأمين سنوي بمبلغ (175) ألف دينار عراقي للفرد الواحد يغطي العلاج الكامل للفرد وبحدود تعويضية للنفقات الطبية والعلاجية قد تصل الى (6) ملايين دينار.

 

ويبدو أن سوق التأمين الصحي التجاري بدأ يتطور في العراق ويتوقع له أن يكون رافداً أساسياً للنشاط التأميني مثلما حصل في المملكة العربية السعودية وغيرها من أسواق التأمين العربية التي تعمل على استبعاد دور الدولة في تقديم الرعاية الصحية.

 

وماهي الآليات المطلوب اتباعها من قبل شركات التأمين الحكومية بغية انجاح هذا النظام وتوسيع العمل به في عموم العراق؟

 

تقوم شركتي التأمين العامتين، التأمين الوطنية والتأمين العراقية، ببيع وثائق التأمين الصحي الجماعي والفردي لتغطية تكاليف العمليات الجراحية، ضمن مبلغ التأمين، في المستشفيات الأهلية في العراق، وتمتد لتشمل الرقود في المستشفى لأغراض المعالجة … الخ.

 

سوق التأمين الصحي في العراق قائم على المنافسة بين الشركات كافة، ويمكن لهذه المنافسة أن تعمل على إشاعة الوعي بأهمية التأمين الصحي وخاصة بين أفراد الفئات الميسورة وتلك التي تملك ما يكفي من الدخل للإنفاق على شراء الحماية التأمينية (الطبقات الفقيرة غير معنية بالتأمين لأنها لا تملك ما يكفي لمواجهة متطلبات المعيشة). ويمكن اللجوء إلى إجراءات محددة لتوسيع استخدام التأمين الصحي ومنها: جعل التأمين إلزامياً على الشركات التي تستخدم عدداً معيناً من العمال، إعفاء أقساط التأمين المسددة لشراء الحماية التأمينية من قبل هذه الشركات من ضريبة الدخل، تشجيع الجمعيات والنقابات على شراء التأمين الصحي لأعضائها مقابل أقساط تأمين تنافسية، إلزام شركات القطاع العام بتوفير التأمين الصحي لمنتسبيها (مع الاهتمام بإشكالية العجز المالي التي تعاني منها هذه الشركات)، وإلزامية التأمين على الوزارات والإدارات المحلية للتأمين على منتسبيها.

 

22 شباط 2017