Swiss Re: Modern business models need modern risk transfer

الشركة السويسرية لإعادة التأمين تختار النهج الشامل لمعالجة المخاطر غير الملموسة في العالم

 

 

ترجمة: مصباح كمال

 

صدر مؤخراً العدد الجديد من تقرير سيغما Sigma 5/2017 الذي تنشره الشركة السويسرية لإعادة التأمين تحت عنوان التأمين التجاري: الابتكار لتوسيع نطاق التأمين.  يمكن قراءة النص الإنجليزي لهذا التقرير باستخدام هذا الرابط:

http://institute.swissre.com/research/overview/sigma/5_2017.html?utm_medium=email&utm_source=sigma+Newsletter%2c+11+October+2017&utm_campaign=sigma+4&0F4DBC&&&&#inline

 

وقد نشرت مجلة Global Reinsurance تلخيصاً للتقرير ترجمناه لفائدة من لا يقرأ باللغة الإنجليزية.

https://www.globalreinsurance.com/news/modern-business-models-need-modern-risk-transfer-says-swiss-re/1425250.article?guid=bf37c184-3e6d-422e-bdf5-768caf7ea742&utm_source=Adestra&utm_medium=email&utm_campaign=17778

 

سيلاحظ القارئ الحصيف بأنني قد أضفت بعض الكلمات للترجمة زيادة في التوضيح

 

 

إن التغييرات في هياكل الأعمال صارت تؤثر على نظرة صناعة التأمين وكيفية تأمينها للخطر وفقاً لأحدث تقرير لسيغما صادر من الشركة السويسرية لإعادة التأمين.

 

فمع الابتعاد عن التصنيع ونماذج الأعمال الأخرى التي تتطلب أصولا مادية، يرى قطاع الشركات قيمة في التخفيف من آثار انقطاع سلسلة التوريد supply chain disruption، والتقلبات في الإيرادات والتدفقات النقدية.

 

وقالت الشركة في أحدث تقرير لها تحت عنوان “التأمين التجاري: الابتكار لتوسيع نطاق التأمين”: “مع تحول قطاع الشركات من الوفر في الأصول المادية للحصول على قيمة أكبر من الأصول غير الملموسة والخدمات، فإن الحلول التأمينية الجديدة والمبتكرة أخذت هي الأخرى تتحول من توفير أغطية التأمين للأصول والميزانية العمومية إلى أغطية لحماية المخاطر التي تتعرض لها الإيرادات والتدفقات النقدية”.

 

وفقاً لسويس ري، فإن هذه التغييرات في نموذج الأعمال ترجع إلى حد كبير إلى التغيرات التكنولوجية والتحول الرقمي.  وتقول الشركة في تقريرها: “إن بعض الشركات الصناعية والتجمعات الصناعية الضخمة تحقق أرباحاً أكبر من بيع الخدمات مثل الصيانة مقارنة ببيع السلع المادية التي تنتجها، وبعضها أخذ بالتحول من بيع المواد المُنتجة لبيع أو تأجير وظائف تلك المواد (على سبيل المثل، بيع انتاج الطاقة من توربينات الرياح بدلاً من التوربينات نفسها.”

 

وقال كيرت كارل كبير الاقتصاديين في سويسرا: “إن أنواعاً جديدة من الحلول توفر الحماية من مجموعة واسعة من المخاطر، وتُوسّع تغطية التأمين من المخاطر التي تتعرض لها الأصول الملموسة نحو تغطية الأصول غير الملموسة”.

 

وطبقاً لما ذكره كارل، فإن الأغطية الشاملة (الكُلّيّانيّة) holistic covers التي تجمع بين مخاطر متعددة ومسببات مترابطة لها هي الطريق إلى الأمام لمعالجة مجموعة متزايدة من المخاطر غير الملموسة للشركات في العالم.

 

وأضاف: “بالإضافة إلى توفير تغطية لمخاطر متعددة، تُوفّر الحلول الشاملة تحويلاً ذا كفاءة للمخاطر [لشركات التأمين] نظراً لتركيز هذه الحلول على التوزيع المشترك لجميع المخاطر.”

 

11 تشرين الأول 2017

Advertisements

Academic and Professional Study of Insurance in Iraq

الدراسة التخصصية الأكاديمية للتأمين في العراق

 

 

مصباح كمال

 

نشرت هذه الورقة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

Actuarial and Insurance Studies in Iraq

 

تقديم

 

ترجع خلفية هذه الورقة إلى سؤالين أثارهما معي السيد مصطفى رشيد الهاشمي، محرر الصفحة الاقتصادية لجريدة الصباح: “لماذا لم يخصص ضمن مناهج الدراسات التخصصية الاقتصادية مادة للتأمين؟  باعتقادكم هل ان وجود مثل هذه المناهج في الدراسات الاكاديمية من شأنه ان يجدد دماء قطاع التأمين لاسيما إذا ما تم توظيف المتفوقين في مادة الرياضيات والرياضيات الاكتوارية؟”

 

12 أيلول 2017

 

استفدت من جوابي المختصر على هذين السؤالين، بعد تنقيحه والإضافة إليه، في كتابة هذه الورقة.

 

غياب التأمين في مناهج الدراسات التخصصية؟

 

1       لماذا لم يخصص ضمن مناهج الدراسات التخصصية الاقتصادية مادة للتأمين؟

 

إن الجواب عند من ينظم ويقرر مناهج الدراسات التخصصية، وبدلاً من التكهن نقدم بعض الملاحظات ذات الطابع التاريخي تلقي قليلاً من الضوء على ما كان موجوداً في مجال الدراسات التأمينية.

 

ليست لدينا معلومات تفصيلية عن مناهج تدريس مادة التأمين في المؤسسات الأكاديمية العراقية.  هناك دراسة جيدة بعنوان “الدراسة الأكاديمية للتأمين في العراق” للمرحوم مروان هاشم القصاب يمكن الرجوع إليها للتعرف على جوانب للموضوع.[1]

 

لقد كانت مادة التأمين حاضرة وبدرجات متفاوتة في مناهج دراسة الاقتصاد منذ خمسينيات القرن الماضي في كلية التجارة وفيما بعد في كلية الإدارة والاقتصاد، وكذلك في مؤسسة المعاهد الفنية/معهد الإدارة الرصافة/قسم التأمين.

 

ومن المفيد أن نذكر أن فترة ازدهار قطاع التأمين في سبعينيات القرن الماضي شهد تعاوناً مثمراً بين المؤسسة العامة للتأمين الملغاة وبين جامعة بغداد تمثَّل في تأسيس الدراسة الأكاديمية للتأمين في قسم الدراسات العليا في كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة بغداد.  وللتعريف بهذه الدراسة نقتبس من كراس كتبه د. جمال عبد الرسول غانم:

 

تعتبر دراسة الدبلوم العالي بإدارة التأمين أعلى دراسة تخصصية في التأمين في العراق.  مدة الدراسة فيها سنتان تقويميتان، ويتخلل الدراسة تدريب عملي في قطاع التأمين العراقي ومنشآته، وتغطي الساعات النظرية كل فروع التأمين إضافة إلى بعض الساعات لمواد غير أساسية (غير تأمينية) تفيد رجل التأمين في عمله. [2]

 

ويضيف د. غانم:

 

تتكون البحوث من جوانب نظرية مع دراسة تطبيقية في قطاع التأمين العراقي، وقد أشرف على تلك البحوث أساتذة هم في معظمهم يحتلون مواقع قيادية في قطاع التأمين العراقي، وعليه فإن بحوث الدبلوم العالي بإدارة التأمين تشكل مصدراً هاماً للمعنيين بالتأمين.[3]

ونكتشف من فهارس البحوث بأنها قد توزعت على التأمين البحري-بضائع، التأمين البحري-سفن، التأمين من الحريق، التأمين على الحياة، التأمين الهندسي، تأمين السيارات-التكميلي، تأمين السيارات-الإلزامي، تأمين الطيران والفضاء، التأمين من الحوادث، التأمين الزراعي، تخطيط التأمين، الإدارة المالية للتأمين، إدارة الخطر، اقتصاديات التأمين، إعادة التأمين، ومواضيع تأمينية متفرقة.

 

استمرت دراسة الدبلوم العالي للفترة 1975-1982:

 

تخرجت الدورة الأولى لهذه الدراسة عام 1975 وآخر دورة تخرجت عام 1982 وتوقف القبول في هذه الدراسة بعد ذلك.[4]

 

لماذا توقف القبول في هذه الدراسة؟  لم نعثر على معلومات للجواب على هذا السؤال لكننا نجازف بالقول إنه بعد تخرج 74 طالباً يحملون شهادة الدبلوم العالي في التأمين لم يعد استمرار هذه الدراسة مناسباً فقد كان العدد كافياً لملء المواقع الإدارية والفنية الكبيرة في قطاع التأمين، وكانت وقتها يضم ثلاث شركات حكومية هي شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية وشركة إعادة التأمين العراقية.  تخريج أعداد جديدة من حملة هذه الشهادة كان سيكون فائضاً عن حاجة الشركات، وربما يؤدي إلى تدهور معنويات بعض حاملي الشهادة لعدم توفر الموقع المناسب لاختصاصهم.

 

وهنا ينهض سؤال: هل أن قطاع التأمين بحاجة إلى حملة الشهادات العليا في التأمين أم إلى أشخاص على درجة جيدة من التعليم ويتمتعون بمعارف ومهارات مهنية تفيد الأداء اليومي لأعمال الشركات بكفاءة؟[5]  لقد ساهمت مؤسسة المعاهد الفنية، معهد الإدارة/الرصافة الذي ضمَّ قسماً متخصصاً بالتأمين في تكوين كادر وسطي للعمل، بعد التخرج، في شركات التأمين أو أقسام التأمين في شركات القطاع العام وبعض الوزارات المعنية بالصناعة والطاقة.  يكتب المرحوم مروان القصاب بهذا الشأن من موقف نقدي:

 

كان لابد من رفد كادر وسطي من الموظفين المتعلمين أكاديميا في شركات التأمين أو أقسام التأمين في الشركات الحكومية مثل قسم التأمين في شركة الخطوط الجوية العراقية أو شركة ناقلات النفط أو وزارة التجارة … الخ لتغطي حاجتها من الموظفين على إدارة خدمة التأمين كمؤمن أو مؤمن له.

 

وبالرغم من ان هذا المعهد قد خرج أكثر من 2400 طالب خلال ثلاثة عقود فهو لم يحقق هدفه الذي ذكرناه أعلاه.  ويبدو ان معظم الطلبة الملتحقين بهذا المعهد من أصحاب المعدلات المنخفضة والذين لا يملكون خيارات متعددة ولم تكن الرغبة في التعلم هي هدفهم بل إبعاد تأريخ الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية للطلبة وكخيار أفضل من الجلوس في البيت بالنسبة للطالبات ما عدا قليل منهم شق طريقه في هذا المجال عمليا وبنجاح وخصوصا في الدورات الأولى.

 

ويبدو ان المختصين في اقتصاديات التعليم والتخطيط وجدوا ان التكاليف المدفوعة والجهد المبذول لإعداد هؤلاء الطلاب لا يوازي الفائدة والمردود المتوقع منهم.  وبدلا من مناقشة هذه المشكلة بشكل جدي من قبل المعنيين بالموضوع تم إغلاق هذا القسم ودمجه مع الأقسام المالية والمصرفية.  (تم غلق القسم عام 2008).[6]

 

وقد تمَّ إعادة فتح فرع التأمين في المعهد العالي للدراسات المالية والمحاسبية في جامعة بغداد أمام طلبة الماجستير.  ويقوم في الوقت الحاضر عدد من الطلاب والطالبات بمتابعة دراساتهم للماجستير في مادة التأمين في هذا المعهد وبعض الجامعات.[7]

تخصصات تأمينية مفقودة

 

2       هل ان وجود مثل هذه المناهج في الدراسات الاكاديمية من شأنه ان يجدد دماء قطاع التأمين لاسيما إذا ما تم توظيف المتفوقين في مادة الرياضيات والرياضيات الاكتوارية؟

 

من المؤسف أن العديد من خريجي الدراسات العليا للتأمين قد هاجروا خارج العراق أو تقاعدوا عن العمل، ولذلك فإن التراكم المعرفي الجماعي في مجال التأمين تأثر سلباً بغيابهم.  وحسب المعلومات القليلة المتوفرة لدينا فإن مناهج دراسة التأمين لم تتوسع لتشمل دراسة إدارة الخطر أو الرياضيات الاكتوارية.  هذين الموضوعين، إدارة الخطر والعلوم الاكتوارية، يمكن لهما أن يدخلا مقترباً جديداً للتعامل الأكاديمي والتطبيقي مع التأمينات العامة وتأمينات الحياة وكذلك إعادة التأمين.  ولكي لا يُساء فهمنا فإن موضوع إدارة الخطر قد تسلل إلى الجامعات العراقية في ثمانينيات القرن الماضي[8] لكنه ظلَّ أسيراً لفهم ضيق له وحصره ضمن الإطار التأميني.  كما أن العلوم الاكتوارية هي الأخرى لم تمتد لتشمل رياضيات التأمين على الحياة، والاحتياطيات المختلفة التي تحتفظ بها شركات التأمين في فروع التأمين المختلفة.  لقد أوفدت شركة التأمين الوطنية عدداً من موظفيها لدراسة العلوم الاكتوارية في المملكة المتحدة لكنه ليس معروفاً إن قام هؤلاء بهذه الدراسة فعلاً أم تحولوا لدراسة فروع علمية أخرى.  (أنظر الملحق).

 

ليس لدينا شك بأن وجود خبير اكتواري صاحب معرفة علمية وتدريب عالٍ في شركات التأمين يمكن أن يشكل نقلة نوعية في عمل هذه الشركات.  على سبيل المثل، يمكن التقليص من الركون إلى التجربة والخطأ في تحديد احتفاظات شركة التأمين، والاستفادة من هذه المعرفة المتخصصة، خارج قطاع التأمين، في دراسة التوقعات المستقبلية، والتغيرات في التركيبة السكانية، وصناديق التقاعد والضمان، واستثمارات الدولة وغيرها.[9]

 

يمكن النظر إلى موضوع الدراسة الأكاديمية للتأمين، وكذلك التدريب المهني المتواصل، على أنه جزء من عملية أو ميل لتحويل مؤسسة التأمين، كمؤسسة مفتوحة يمكن أن يعمل فيها أي شخص يحمل شهادة في العلوم الطبيعية والإنسانية وغيرها، كما هو الحال في الوقت الحاضر، إلى مؤسسة شبه مغلقة، في المدى الطويل، يقتصر العمل فيها على من له تخصص نظري أو عملي في التأمين أو ما يتعلق به.  وهذا الميل أو العملية هو ما يجري التأكيد عليها في أسواق التأمين المتقدمة، من خلال التدريب المهني المستمر للعاملين والعاملات وغيره، لإضفاء الصفة المهنية الاحترافية على العمل في قطاع التأمين.

 

ومع ذلك فإن قطاع التأمين لا يمكن له أن يستغني عن تخصصات أخرى كالعلوم الطبية والاكتوارية في التأمين على الحياة، والهندسة والإحصاء وخبراء الاستثمار والعاملين في إدارة الأفراد وتكنولوجيا المعلومات والحقوقيين وغيرهم.  ولذلك نشهد أن شركات التأمين وشركات وساطة التأمين تضم في كوادرها من درس التاريخ أو الفلسفة أو الجغرافية أو اللغة السويدية أو الروسية لكنه تدرَّب ليصبح “أستاذاً” في ممارسة الفرع التأميني الذي اختص به.

 

اعتماداً على معطيات واقع النشاط التأميني في العراق في الوقت الحاضر يمكن القول بأن التحول المُرتجى (تجديد دماء قطاع التأمين) سيستغرق زمناً طويلاً ما لم نشهد تطوراً كبيراً في حجم أعمال التأمين المكتتبة (مليار دولار على الأقل خلال سنة أو سنتين مع زيادة مدروسة لرأسمال شركات التأمين)، وفي استيعاب التأثيرات التكنولوجية الرقمية الهائلة التي تتسلل بقوة في إدارة المصانع والخدمات وما تجرّه من اختلالات في عمليات الإنتاج، لأسباب داخلية أو خارجية، وتعقيدات في التعامل مع مطالبات التعويض الناشئة عنها.  إضافة إلى ذلك، من الضروري تغيير سياسة الاستخدام في شركات التأمين العامة (وهي رب العمل الأكبر في قطاع التأمين) والتخلص من العمالة الفائضة، غير المنتجة، فيها والموجودة لأسباب غير فنية.

 

وفي تقديرنا، هناك إمكانيات بشرية واعدة في العراق، رغم قلتها وتناثرها، بحاجة إلى عناية وتطوير والاستفادة منها لوضع أسس التحول في دراسة التأمين في المؤسسات الأكاديمية والمهنية ولوضع برامج للتدريب المهني.  نخلص من هذا إلى أن حال مناهج دراسة التأمين يعكس الواقع الحقيقي للنشاط التأميني، ودليلنا على ذلك هو التطور النوعي في دراسة التأمين في حقبة ازدهار التأمين في سبعينيات القرن الماضي، والتدريب المهني الكثيف التي كانت المؤسسة العامة للتأمين (الملغاة) تقوم به لإعداد كوادر شركات التأمين، وكذلك التدريب خارج العراق وخاصة لدى شركات إعادة التأمين العالمية.  تُرى هل هناك الآن تعاون وتنسيق حقيقي بين شركات التأمين، ممثلة بجمعية التأمين العراقية، وبين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لدراسة مدى الحاجة إلى التخصصات التأمينية ولوضع خطة لتدريس مادة التأمين، وهل هناك سياسة وبرنامج وطني للتدريب؟[10]

 

مصباح كمال

16 أيلول 2017

 


 

ملحق

مشروع الدراسة الأكاديمية والمهنية للتأمين خارج العراق

 

سأروي حكاية، قد تكون مملّة لكنها تضمُّ، في رأي، بعض المعلومات المفيدة.

 

بتاريخ 4 كانون الأول 2011 علمت من إدارة شركة التأمين الوطنية أن مجلس الوزراء قد قام بتخصيص خمس عشرة بعثة دراسية إلى المملكة المتحدة للحصول على شهادة الماجستير في العلوم المتخصصة بالتأمين.  وقد سررت بهذا التطور وعبَّرت عن تمنياتي أن تتضافر الجهود لإنجاح الهدف المرتجى والحصول على المعارف العلمية المتخصصة بما يخدم الاقتصاد العراقي ويساهم في تطوير قطاع التأمين.

 

جاءت هذه المعلومة عقب تبادل رأي مع إدارة الشركة في لقاءات في لندن، واستلامي لدعوة من رابطة الأكاديميين العراقيين في المملكة المتحدة للاستجابة لرسالة وجهتها الملحقية الثقافية العراقية تطلب فيها تحديد التخصصات العامة والدقيقة لدراسة المبتعثين في الملكة المتحدة.  استجابة لهذه الدعوة اقترحت تخصيص بضع بعثات دراسية جامعية للحصول على شهادة الماجستير في العلوم الاكتوارية Actuarial Science والتأمين وإدارة الخطر Insurance & Risk Management وكذلك الدراسة المهنية للحصول على زمالة معهد التأمين القانوني (مركزه في لندن) Chartered Insurance Institute (CII) أو على شهادات أخرى يمنحها هذا المعهد.

 

سرّني أن الملحقية الثقافية تعاملت بإيجابية مع ما اقترحت وكتبت بتاريخ 13 كانون الأول:

 

وجه السيد المستشار الثقافي الدكتور عبد الرزاق عبد الجليل العيسى بأننا سنعمل للحصول على قبول للعدد الذي يحدد من قبلكم مع التخصص العام والدقيق.

 

ولكوني لست صاحب قرار في الموضوع أعلمت الملحقية الثقافية بما وردني من شركة التأمين الوطنية لتأخذ علماً به وإن تطلب الأمر التنسيق مع الملحقية خاصة إذا كانت شركة التأمين الوطنية ستساهم في تمويل بعضٍ من هذه البعثات الدراسية.  وبادرت بالكتابة إلى إدارة شركة التأمين الوطنية بتاريخ 19 كانون الأول 2011 مع نسخة لرئيس ديوان التأمين وكالة، مرفقاً نسخة من رسالتي إلى الملحقية الثقافية أدناه، مع رجاء لإعلامي إن كانت لدى الشركة أية ملاحظات أو إضافات لخدمة مشروع تطوير الدراسة الأكاديمية والمهنية للتأمين.

 

الأعزاء في الملحقية الثقافية

 

تحية طيبة

 

التقيت يوم أمس مع السيد صادق الخفاجي، المدير العام ورئيس مجلس إدارة شركة التأمين الوطنية، وأعلمني أن البعثات الدراسية التي أقرتها وزارة المالية ووافق عليها مجلس الوزراء لا تشمل العلوم ذات العلاقة بالتأمين، وانه بصدد ترتيب إجازات دراسية، بالتنسيق مع شركة التأمين العراقية وشركة إعادة التأمين العراقية، لعدد من العاملين في الشركات الثلاث لدراسات عليا (ماجستير) في المملكة المتحدة.  وقد فهمت منه بأن الوزارة معنية باختصاصات أخرى تقع خارج دائرة التأمين.

 

وقد اقترحت عليه أن تكون الإجازات الدراسية فيما يخص الدراسة الجامعية مقتصرة على العلوم الاكتوارية وإدارة الخطر على أن يقترن ذلك بدراسات ذات طابع مهني توفر مهارات آنية عملية إضافة إلى المعرفة القانونية والإدارية والمبادئ والممارسات التي تنتظم فروع التأمين المختلفة.  ويمكن أن تتخذ الدراسة المهنية شكل الدراسة للحصول على زمالة معهد التأمين القانوني (مركزه في لندن) Chartered Insurance Institute (CII) أو على شهادات أقل درجة من الزمالة.  حملة هذه الشهادات سيعملون، كما أرى، في قطاع التأمين العراقي الذي يتحمل تكاليف الدراسة.

 

واقترح عليكم العمل على تخصيص بضع بعثات دراسية جامعية للحصول على شهادة الماجستير في العلوم الاكتوارية Actuarial Science والتأمين وإدارة الخطر Insurance & Risk Management، وكلتاهما متوفرتان في لندن وخارجها.  حملة شهادة العلوم الاكتوارية يمكن أن يعملوا في وزارة المالية، وزارة التخطيط، الضمان الاجتماعي، صندوق التقاعد، استثمارات الدولة والمجالات الأخرى التي تقوم على الاحتمالات والتوقعات المستقبلية.  وبالطبع يمكن أن يعملوا في شركات التأمين أيضاً وبخاصة في حقل التأمين على الحياة.

 

وقد يكون من المناسب قيامكم بالتنسيق المباشر (أو عن طريق وزارة التعليم العالي) مع شركة التأمين الوطنية، شركة التأمين العراقية وشركة إعادة التأمين العراقية (وكلها تابعة للدولة) أو من خلال ديوان التأمين العراقي (جهاز الإشراف على نشاط التأمين التابع لوزارة المالية) فيما يخص دراسة التأمين وإدارة الخطر لتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة لتمويل الدراسة الجامعية الأولية والعليا.

 

آمل أن تكون هذه الملاحظات مفيدة.

 

مع التقدير.

 

مصباح كمال

 

لم يردني أي رد من الملحقية الثقافية.  تبادلت بعض الرسائل مع إدارة شركة التأمين الوطنية بشأن الدراسة الاكتوارية لكن التواصل توقف ولم أشأ أن أكون مصدراً للإزعاج.  علمت فيما بعد أن عدداً من طلبة البعثات يواصلون دراسة الماجستير في بريطانيا، واكتشفت أن البعض منهم ليس له معرفة كافية باللغة الإنجليزية، ومجال الدراسة بعيد عن إدارة الخطر أو العلوم الاكتوارية.  ربما تم اختيارهم دون توفرهم على المؤهلات الأساسية المطلوبة للدراسة في الخارج، وليس هذا بغريب على معظم الحكومات العراقية منذ 1968 وحتى الوقت الحاضر مع استثناءات قليلة.

 

إذا كان قطاع التأمين مفتقراً إلى سياسة، تخطيط، لدراسة التأمين على مستويات مختلفة وبرنامج للتدريب المهني، داخل وخارج العراق؛ وإذا كان حاجته لموظفات وموظفين بمؤهلات تعليمية مناسبة ليس محدداً كيف يتسنى للمؤسسات التعليمية والبحثية، الأكاديمية والمهنية، إعداد المناهج التخصصية؟  لكن هذا الحال هو من حال العراق.

 

يذكر الأستاذ عبد الباقي رضا في رسالة لي حكايته عندما رُشح، بعد تخرجه عام 1955 من كلية التجارة والاقتصاد، لبعثة تحت عنوان (محاسبة التأمين) لدراسة الماجستير في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وحين كلف مترجم الوزارة لترجمة هذا العنوان والطلب من الملحق الثقافي في واشنطن الحصول على قبول لي لدراسة هذه المادة، ظهر أن الجهة التي طلبت هذا التخصص هي (دائرة العمل والضمان الاجتماعي) فكتبت وزارة المعارف إليها تسأل عن طبيعة هذا التخصص فجاء الجواب (دراسة المحاسبة بصورة عامة ومحاسبة التأمين بصورة خاصة).  بناء عليه طلبت الوزارة من الملحق الثقافي الحصول على قبول في إحدى الجامعات لدراسة (Accounting & Insurance).  التحقت بالجامعة في ايلول 1957 فأخبرني الأستاذ المختص بأن دراسة المحاسبة في الـ postgraduate يكون في إدارة الأعمال.  وحيث أن الملحقية الثقافية العراقية طلبت أن أدرس التأمين إضافة إلى الدراسة العليا في المحاسبة فإن عليَّ تلقي دروس في التأمين في مرحلة البكالوريوس.  هكذا بدأت بدراسة التأمين على الحياة صباحاً والدراسة العليا في المحاسبة مساءً.

 

انتهى الفصل الأول وكان عليَّ مواصلة دراسة التأمين في الفصل الثاني فكانت المادة (تأمين الحريق والحوادث).  حين بدأت دراسة هذه المادة استغربت من علاقة هذه المادة بالعمل والضمان الاجتماعي فراجعت استاذي حوله فسأل عن الجهة التي عينت تخصصي وحين أخبرته انها (العمل والضمان الاجتماعي) كان رد فعله العجيب هو O boy you are on the wrong track! وان الاختصاص المطلوب لهذه الدائرة هو علم آخر اسمه actuarial science وهذا الاختصاص غير موجود في جامعتنا وان خلفيتي الأكاديمية لا تساعد في متابعة التخصص الذي يتطلب رياضيات وليس محاسبة.

 

عدت إلى بغداد في أيلول 1959 وراجعت العمل والضمان الاجتماعي فرحبوا بي للتعيين محاسباً في أحد فروعها، ولدى مراجعة الإدارة العامة لمعرفة حقيقة التخصص المطلوب واستخراج اولياته وجدنا تقريراً من خبير أمريكي يقول ان الدائرة بحاجة إلى actuary وترجمت الكلمة إلى (محاسب تأمين) كما في قاموس أنطون إلياس أنطوان.

 

هكذا أُخفقت أول محاولة لتزويد العراق بخبير اكتواري وحتى الآن يخلو العراق منه![11]

 

 

مصباح كمال

16 أيلول 2017

[1] مروان هاشم القصاب، مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق (مكتبة التأمين العراقي، ط2، 2014)، ص 26-40.  الكتاب متوفر عندي بصيغته الإلكترونية (بي دي إف) يمكنني إرسال نسخة منه لمن يرغب.

[2] جمال عبد الرسول غانم (إعداد)، فهارس بحوث الدبلوم العالي في إدارة التأمين (بغداد: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مؤسسة المعاهد الفنية، معهد الإدارة/الرصافة، قسم إدارة التأمين، 1983)، ص 1.

 

[3] د. جمال عبد الرسول غانم، مصدر سابق، ص 2.

[4] المصدر نفسه، ص 1.

 

[5] أ. د. محمد الربيعي” “لمن تقرع الأجراس … للتعليم الأكاديمي أم التعليم المهني؟” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2015/02/24/%d8%a3-%d8%af-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%b9%d9%8a-%d9%84%d9%85%d9%86-%d8%aa%d9%82%d8%b1%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%b1%d8%a7%d8%b3-%d9%84%d9%84%d8%aa%d8%b9/

 

[6] مروان القصاب، مصدر سابق، ص 31-32.

 

[7] لا تتوفر لدينا معلومات عن دراسة التأمين في إقليم كردستان-العراق.

لم نطلع على أطروحات الماجستير في المعهد العالي للدراسات المالية والمحاسبية لنكوّن رأياً عنها وهل أنتجت معرفة علمية أم اجتراراً مهذباً لما هو متوفر من معرفة تأمينية.

 

[8] سليم الوردي، إدارة الخطر والتأمين (بغداد، د.ن، 1999)، ص 4-5.  النسخة الإلكترونية (مكتبة التأمين العراقي، 2016)، ص 10-11، متوفرة في المكتبة الاقتصادية لشبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/07/Salim-A.-Al-Wardi-Risk-managment-in-insurance-industry-.pdf

 

[9] من المؤسف، وحسب علمنا، أن الدولة في العراق لا تضمّ دائرة لخبير اكتواري ليساعد أصحاب القرار في رسم السياسات اعتماداً على تحليلات علمية.  للتعرّف على مثل هذه الدائرة في المملكة المتحدة Government Actuary’s Department راجع:

https://www.gov.uk/government/organisations/government-actuarys-department/about

 

[10] هناك حاجة لدراسة اقتصاديات ربط التعليم الجامعي والمهني في مجال التأمين مع حاجة قطاع التأمين.  يمكن لجمعية التأمين العراقية البدء بمثل هذه الدراسة أولاً تمهيداً للدراسة المشتركة.

 

للتعرّف على دور ديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية وسياسة التدريب وبعض إشكاليتها أنظر: مصباح كمال، “التدريب المهني بين الجمعية والديوان: ملاحظات أولية،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2011/12/03/training-professional-development/

 

[11] عبد الباقي رضا، رسائل في السيرة الذاتية والتأمين (عنوان مقترح لكتاب غير منشور يضم مجموعة من رسائل الأستاذ عبد الباقي رضا)، ص 21-22.  الرسالة مؤرخة في 22 تموز 2011.

Is there a cost to the economy in the absence of insurance?

هل هناك تكلفة للاقتصاد عندما يكون التأمين غائباً؟  ملاحظات أولية

مصباح كمال

نشر المقال أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين

Cost to Economy whre Insurance is Absent

مقدمة

 

أُثير هذا السؤال معي قبل بضع سنوات من قبل أحد زملائي في الشركة التي كنت أعمل فيها كجزء من دراسة كان يعدّها لدائرة رسمية في إحدى الدول العربية تعمل على إدخال أشكال جديدة من التأمين، وخاصة في مجال المسؤوليات التي تمسُّ الناس والمجتمع.  وقتها كتبت ملاحظاتي باللغة الإنكليزية، كما طُلب مني.  وقد استهديت مؤخراً إلى هذه الملاحظات أثناء البحث في موضوع آخر، وبعد قراءتي السريعة لها وجدت أنه من المفيد أن أكتبها باللغة العربية لعلني بذلك أفتح “شهية” بعض المهتمين بالشأن التأميني لعرض أفكارهم النقدية عنها.

 

أبقيت على الإطار العام ومقترب تناول الموضوع كما كان في الأصل الإنكليزي مع بعض الإضافات.  أرجو أن تقرأ هذه الملاحظات كمحاولة أولية للاقتراب من الموضوع.

 

استطراد

 

لا أظن بأن هذا السؤال قد أثير في سوق التأمين العراقي أو لقى اهتماماً عميقاً من المعنيين بالنشاط التأميني في العراق.  وقد يعود ذلك لضآلة الدور الذي تلعبه مؤسسة التأمين في الاقتصاد وفي الحياة العامة وطغيان الريع النفطي على الخطاب الاقتصادي.[1]  وفي العادة يثار السؤال عندما تحصل كوارث طبيعية أو بشرية في بلد ما لتقدير آثارها على الاقتصاد الوطني.  فالمعروف أن الكوارث الطبيعية، الجسيمة في حجم الأضرار والخسائر التي تحدثها، تجلب معها أثاراً اقتصادية سلبية في المدى القصير (سنتين أو أكثر بقليل)، مثلما تجلب أيضاً آثاراً سلبية في المدى الطويل على النمو الاقتصادي والتنمية.  وهناك آراء تقول بأن الآثار السلبية لمثل هذه الكوارث هي ليست دائماً حتمية وخاصة في البلدان التي تشهد تحولات اقتصادية متمثلة بالنمو السريع، والتوسع الحضري وما يرتبط بهذا التحضر من تغيرات تقنية واجتماعية (ولكل هذا آثار على الطلب على حماية التأمين في أعقاب الكوارث، مثلما يساهم التأمين، في حالة وجوده قبل الكوارث، في التعويض عن آثارها).  وهناك من يقول بأن الكوارث الطبيعية تعمل لصالح النظام الرأسمالي.[2]

 

ومع ذلك فإن تكلفة غياب التأمين للاقتصاد الوطني لا ينحصر في وقوع الكوارث الطبيعية كما سنحاول تبيانه في الملاحظات التالية.  إن هذه الملاحظات ليست شاملة ولا تستنفد ما يمكن للتحليل الاقتصادي أن يقدمه.

 

ملاحظة عامة حول بعض الآثار الاقتصادية لغياب التأمين

 

إن شركات التأمين، جنبا إلى جنب مع صناديق المعاشات التقاعدية والصناديق التبادلية، هي واحدة من أكبر المؤسسات الاستثمارية في أسواق الأسهم والسندات والعقارات ومن المتوقع أن تأثيرها المحتمل على التنمية الاقتصادية ستزداد بدلا من الانخفاض بسبب ظهور بعض الظواهر الحديثة كتزايد عدد المسنين وخاصة في المجتمعات الغربية (مما يتطلب تكوين صناديق أكبر للمعاشات التقاعدية والبحث عن أنماط جديدة للاستثمار والمحافظة على قيمة الأموال المتراكمة من التآكل بسبب التضخم النقدي والتقلبات في أسعار العملات الصعبة).

 

ويعتبر التأمين في اقتصادات الدول الغربية المتقدمة حجر الزاوية في الاقتصاد فهو الذي يسدد، على سبيل المثل، تكاليف المحامين والمحاكم والمحكمين (في حالات التنازع على الحقوق والالتزامات بين أطراف عقد التأمين)؛ وتكاليف العناية الصحية والعمليات الجراحية (عند وقوع حوادث تؤدي إلى إصابات بدنية، أو عندما يتعرض المؤمن عليه لمرض يستدعي المعاينة والعلاج)؛ وتكاليف تصليح الأضرار واستبدال المكائن وخسارة الإيراد (عندما يتعرض مصنع لحريق أو انفجار أو ينهار مشروع قيد الإنشاء أو قيد الاختبار) …الخ.[3]

 

هذا على مستوى الأفراد والشركات (الطلب على التأمين)، ولكن التأمين هو جزء من القطاع المالي ويمكن أن يكون له تأثيراً هاماً على النمو الاقتصادي، فقد بينت بعض الدراسات التجريبية، التي تعتمد على عينات كبيرة من البلدان في الستينيات إلى الثمانينيات، أن تنمية القطاع المالي، بضمنه التأمين، يمكن أن يكون له تأثيراً اقتصادياً هاماً على النمو.[4]  في واحدة من هذه الدراسات قام كاتبيها بتحليل المجالات المختلفة التي يظهر فيها تأثير قطاع التأمين على النمو الاقتصادي: [5]

تحويل الأعباء المالية للمخاطر (تَحمُّل قطاع التأمين للمخاطر نيابة عن أشخاص اقتصادية أخرى وبما يساعد هؤلاء على تحقيق استقرار في تدفق إيراداتهم، وتقليل التقلبات في هذه الإيرادات، ودعم نشاطهم الاقتصادي وبالتالي النشاط الاقتصادي العام من خلال الترابطات بين الكيانات الاقتصادية).

 

توفير مدخرات بديلة (من خلال توسيع نطاق الاستثمار الذي من شأنه أن يزيد من فعّالية الوساطة المالية وبالتالي يساعد في النمو الاقتصادي).

 

الاستثمار (التوظيفات الرأسمالية في أعيان مادية أو أسهم وسندات، وبالتالي المساهمة في زيادة الحجم الإجمالي للاستثمار وتعميق أسواق رأس المال).

 

مجالات النفوذ المؤسسية (كالتأمين عبر المصارف).

 

مع ملاحظة أن قطاع التأمين يخضع لإشراف الأجهزة الرقابية المتخصصة والقواعد القانونية، وهذه تؤثر على استثماراتها وأشكال الاستثمار.

 

وهكذا عندما يكون التأمين غائباً، فإن أثره الاقتصادي سيتخذ شكل انخفاضٍ في الاستثمار، وبالتالي يؤدي إلى نمو أقلّ للاقتصاد.

 

التكلفة المباشرة للاقتصاد والمجتمع: مثال عدم التأمين على المسؤولية المهنية

 

ما هي التكلفة المباشرة للاقتصاد والمجتمع عندما لا تقوم الشركات والتنظيمات الأخرى بإجراء التأمين، على سبيل المثل، من أخطاء المسؤولية المهنية أو ترتيب حماية تأمينية كافية من هذه المسؤولية[6] آخذين بنظر الاعتبار حجم الانفاق الكبير على شراء التأمين من المسؤولية؟  في عام 2013 شكَّل هذا الانفاق في سوق لندن، على سبيل المثل، حوالي 16% (2,855bn باون) من إجمالي أقساط التأمين (17,445bn) المكتتبة من قبل شركات التأمين.[7]

 

إن التأثير الرئيسي لعدم شراء هذا التأمين أو عدم كفاية ما يُشترى منه هو أن هذه الشركات قد لا تستطيع أن تصمد أمام المطالبات القانونية بالتعويض التي قد تجابهها بسبب أخطاء مهنية، خاصة إذا كانت هذه الشركات حديثة النشأة أو في مراحلها الأولى من التطور، والمطالبات القانونية ضدها كبيرة.  فالشركة غير المؤمن عليها (الشركة التي لا تشتري التأمين) أو الشركة ذات التأمين الناقص (الشركة التي لا تشتري تأميناً كافياً) تُعرّض نفسها وبشدة للخطر (إضعاف قاعدتها المالية) عند وقوع حادث وقيام مطالبة ضدها لا تستطيع مواجهة أعبائها المالية (أي التعويض عنها) ويعيق قدرتها على القيام بأعمالها بشكل اعتيادي أو حتى إنهاء وجودها بالمرة.

 

لذلك من المرجَّح أن تتوقف الشركة نهائياً عن العمل إذا وقع حادث خطير دون أن يكون لديها تغطية تأمينية كافية، أو إذا توقفت الشركة عن العمل ولا توجد وسيلة لدى المُطالب بالتعويض، أي الشخص الثالث المتضرر، للحصول على تعويض من الشركة.  لذلك يمكن لهذه الحالة أن تؤدي إلى نتيجة/نتائج غير مباشرة، تأثير الدومينو، وهي أن الطرف المتضرر ربما لن يسعى إلى تعيين محامين/ممثلين قانونين له للمطالبة بحقوقه بالتعويض عمّا أصابه بسبب نشاط الشركة، كما أن الطرف المتضرر ربما لن يتمكن من التماس العلاج الطبي إذا لم يكن بمقدوره تحمّل مصاريفه.  وبالتالي فإن الطرف المصاب سيصبح أقل إنتاجية مما يؤثر على عمله وربما قدرته على كسب رزقه.

 

وتسعى المؤسسات المهنية للحصول على الحماية التأمينية لأعضائها لأن أنشطتها تؤثر على الناس والممتلكات.

 

يمكن التكهن بأن الناتج المحلي الإجمالي سيعاني انخفاضاً في حالة عدم وجود تأمين، وبالتالي فإن غياب التأمين من المسؤولية المهنية (وفروع تأمينية أخرى) سيؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي.  هناك إذاً أثر سلبي، سواء أكان اجتماعياً أو اقتصادياً، في حالة عدم شراء التأمين أو عدم توفره أو عدم كفايته.

 

التكلفة الاقتصادية لغياب التأمين بوجه عام

 

إضافة إلى ما أوردناه أعلاه بشأن التأمين من المسؤولية المهنية، يمكن توسيع نطاق النظر في التكلفة الاقتصادية لغياب التأمين من مسؤوليات أخرى كالمسؤولية الناشئة من المنتجات والمسؤوليات البيئية.  فأنشطة الشركات، العامة أو الخاصة، لها تأثير على الناس والممتلكات والبيئة.  والمسألة هنا هي كيفية قياس التكلفة التي يتعين على الاقتصاد الوفاء بها في غياب التأمين.

 

إن الشركات الرأسمالية تشتري حماية التأمين لتمويل:

 

  • التلف أو الضرر المادي الذي قد تلحق بأصولها المادية
  • خسارة الدخل (توقف العمل) نتيجة حادث عرضي
  • المسؤولية القانونية تجاه الغير الناشئة من نشاط الشركة

 

وذلك لضمان البقاء كمؤسسة عاملة وضمان استمرارية الأعمال.  وفي غياب شركات التأمين، على الشركات أن توفر الوسائل المناسبة لتمويل الخسائر المحتملة.  وقد تشمل هذه الوسائل (1) إيرادات التشغيل، ولكن إذا كانت الخسارة كبيرة فإن هذه الإيرادات لن تكون كافية لتمويل أعمال تصليح واستبدال المكائن والمعدات والمباني لتحقيق هذا الهدف.  (2) بدلاً من ذلك، قد تلجأ الشركات إلى الاقتراض من المصارف ولكن القروض قد لا تكون متاحة بسهولة أو متاحة ولكن بشروط صارمة ومكلفة.  وعلى أي حال، فإن الشركة التي تعاني من خسارة جسيمة كبيرة في الممتلكات والدخل لن تكون عميلاً جذاباً للإقراض.  (3) ومن ناحية أخرى، يمكن تخصيص صندوق خاص لتغطية تكاليف تمويل الخسارة، أو اللجوء إلى التأمين الذاتي أو تأسيس شركة تأمين مقبوضة.

 

وقد تمَّت تجربة هذه الحلول كبديل للتأمين في دول عديدة ولكن من الأنسب، اقتصادياً ومن منظور التوفير في التكاليف، نقل عبء الخسارة إلى شركة تأمين مقابل دفع قسط (كلفة معلومة ابتداءً في معظم الحالات يمكن إدراجها في ميزانية الشركة).

 

إن شركات القطاع العام لا تختلف عن الشركات الخاصة في تعرّضها للخسائر والالتزامات التي تواجهها.  وهذا هو السبب في أنها تلجأ أيضاً إلى التأمين التجاري والتأمين الذاتي (من خلال شركة تأمين تبادلية لتأمين الممتلكات والمسؤوليات القانونية، كما هو الحال مع البلديات في بعض البلدان).

 

 

 

غياب التأمين وإمكانية تعرض الاقتصاد إلى تكاليف مختلفة

 

في حالة عدم وجود حماية تأمينية، يتعين على أولئك الذين يعانون من نتائج الخسارة (المنتجات المعيوبة، والأضرار البيئية وغيرها) اللجوء إلى المحاكم للمطالبة باسترداد تكاليف هذه الخسارة من مسببها.  ويمكن للشركات الخاصة أن تقوم بتسوية مطالبة الطرف المتضرر بالتراضي دون اللجوء إلى المحاكم، أو من خلال التحكيم، أو ينتهي الأمر، عند عدم توفر السيولة أو فائض في الدخل لتعويض المتضررين، إلى وضع الشركة تحت إدارة قيِّم أو التصفية.

 

في حين يتعين على المؤسسات والشركات العامة، عند غياب التأمين، أن تدفع التعويضات من ميزانياتها العادية أو أن تطلب من خزانة الدولة (وزارة المالية) تمويل التزاماتها تجاه أطراف ثالثة.  وفي الواقع، فإن هذا الوضع يستلزم تحويل الموارد المالية، التي ربما تكون شحيحة، التي تُنفق على الأشغال العامة، والرعاية الاجتماعية، والاستثمارات الإنتاجية الأخرى، لتعويض المتضررين.  وهذا شكل من أشكال الخسارة للاقتصاد.

 

وبالمثل، عندما لا يكون هناك تأمين، فإن الأخطار الطبيعية والبشرية التي تسبب أشكالاً مختلفة من الأضرار بالممتلكات العامة (المباني والمصانع الطرق والجسور وغيرها من المنشآت) تتطلب إعادة البناء أو الإصلاح التي يجب أن تُموّل تكاليفها من قبل السلطات المحلية أو المركزية.  وهذا استنزاف للمالية العامة يمكن الحد منه والتخفيف من آثاره من خلال التأمين.

 

وفي حالة عدم وجود تأمين (أي عندما لا يوجد طلب على منتجات التأمين)، تتقلص محفظة الاكتتاب لشركات التأمين، وبالتالي فإن الأموال (الأقساط المتراكمة) التي ستكون متاحة لأغراض الاستثمار تأخذ بالتقلص.  وبالتالي فإن دور شركات التأمين كوسيط مالي سيضعف أو يتوقف ومن ثم سيتأثر نمو الاقتصاد.

 

إضافة إلى ذلك، عندما يتقلص حجم أقساط التأمين لدى شركات التأمين، ستتقلص بالنتيجة الضرائب والرسوم (ضريبة الدخل، الضريبة المفروضة على أقساط التأمين، رسم الطابع) التي تقوم وزارة المالية بجبايتها من هذه الشركات.

 

ومن شأن انخفاض الطلب على التأمين وبالتالي تقلّص الإنتاج في شركات التأمين أن يؤدي إلى تقليص الطلب على عمالة جديدة لا بل التخلص من أي عمالة فائضة عن الحاجة في هذه الشركات.  هذا الوضع يزيد من تكلفة إعانات البطالة والرعاية الاجتماعية للمسرَّحين من العمل.

 

ومن أجل احتواء أوجه التكاليف الاجتماعية الخارجية external diseconomies الناشئة من النشاط الصناعي والتجاري، تتدخل الدولة لوضع حدود وضوابط، على سبيل المثال، على التلوث الذي تنتجه الشركات الصناعية وغيرها.  وتتدخل الدولة أيضاً في جعل بعض التأمينات إلزامياً بسبب هذه التكاليف الخارجية؛ يعني هذا تحويل عبء التعامل مع التلوث على المسبب.

 

ماذا يعني غياب التأمين للاقتصاد سؤال كبير بحاجة إلى من يبحث فيه على المستوى النظري، وتقدير تكاليف هذا الغياب على الاقتصاد الوطني.

 

20 أيلول 2017

[1] حاولت دراسة التأمين في الكتابات الاقتصادية العراقية وإبراز بعض الجوانب الاقتصادية لمؤسسة التأمين في كتابي التأمين في الكتابات الاقتصادية العراقية (مكتبة التأمين العراقي، 2014).  الكتاب متوفر في المكتبة الاقتصادية لشبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2014/05/Insurance-in-Iraqi-Economic-Writings-1.pdf

 

[2] Real-World Economic Review Blog:

https://rwer.wordpress.com/2012/11/06/why-natural-disasters-are-good-for-capitalism/

 

Evening Standard, Monday 11 September 2017.

https://www.pressreader.com/uk/london-evening-standard-west-end-final-b/20170911/281547996052249

 

[3] هذا العرض السريع لا يستفد دور قطاع التأمين في الاقتصادات الغربية كوسيط مالي، وكممول غير مباشر للتقدم العلمي والتكنولوجي ويكفي أن نذكر كمثل تأمين مشاريع تطوير وإطلاق الأقمار الصناعية.

[4] Peter R. Haiss and Kjell Sümegi, The Relationship of Insurance and Economic Growth – A Theoretical and Empirical Analysis, Emprica, Journal of Applied Economics and Economic Policy, Vol. 35, No. 4, pp. 405-431, 2008

 

وقد تناولنا دور الأصول المالية والوساطة المالية لشركات التأمين في فصل من كتابنا التأمين في كوردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 12-33.

[5] Haiss and Sümegi, op. cit.

 

[6] اختيار تأمين المسؤولية المهنية كان ضمن ما طلب مني التعليق عليه. يمكن تطبيق التحليل على فروع أخرى كالتأمين على مصنع من خطر الحريق.

[7] International Underwriting Association of London, London Company Market Statistical Report, October 2014.

file:///C:/Users/Misbah%20Kamal/Downloads/Company_Market_Statistics_Report_2014.pdf

الأرقام والنسب التي أوردناها لا تضم إحصائيات سوق لويدز.

Fronting Insurance Policies

وثائق تأمين الواجهة

السادة / وزارة المالية – ديــوان التأمين المحترمين

 

الموضوع: وثائق الواجهة[1]

 

تحية طيبة

 

اشارة إلى كتابيكم المرقمين 360 والمؤرخين 24/12/2012 و2/5/2013 يسرنا ان نبدي رأينا في هذا الموضوع كما يلي:

 

الواجهة تعني ان تقوم شركة التأمين بإصدار وثيقة التأمين بشكل اعتيادي وتضمينها كافة التفاصيل الضرورية عند اصدار وثيقة تأمين مشابهة بالشكل الاعتيادي والفرق بين الحالتين هو عند اصدار وثيقة تامين بالشكل الاعتيادي، تحتفظ الشركة المصدرة بجزء من مبلغ التأمين وتسند الباقي إلى الاتفاقية وفي حالة وجود فائض تقوم الشركة المصدرة بتغطيته اختياريا حسب معرفتها وتكون هذه الشركة مسؤولة قانونا وتعاقديا تجاه المؤمن له ويقع تحت طائلة مسؤوليتها اي تعويض بالكامل بغض النظر عن موقف معيدي التأمين، اما عند اصدار وثيقة على اساس الواجهة (On Fronting Basis) فتتم اعادة التأمين بالكامل لدى شركة أو شركات اعادة التأمين من قبل المؤمن له وبمعرفته أو من قبل من ينوب عنه، (الوسيط مثلا)، و في حالة تلكؤ المعيد عن التسديد لا تتحمل الشركة الواجهة اي مسؤولية. وكي تتحرر الشركة الواجهة من المسؤولية بشكل واضح وصريح يشترط ان تكون هذه الوثيقة خاضعة إلى اتفاقية عــــــدم الاضرار Hold Harmless Agreement (H.H.A) موقعة من كل الاطراف: المؤمن (الشركة الواجهة) والمؤمن له ومعيد التأمين، ويحتفظ بنسخة أصلية منها في ملف الوثيقة لدى الشركة الواجهة.

 

هذا وان الغرض من إصدار الوثيقة على اساس الواجهة يأتي للالتفاف على القوانين والأنظمة السارية، في البلد الذي يتواجد فيه محل التأمين، التي تقضي بوجوب التأمين على الاموال الموجودة في البلد لدى شركة مسجلة في نفس البلد. علما بان هذا الاشتراط مطبق في جميع الدول العربية والإقليمية وفي بعض دول العالم. ومن فوائده ما يلي:-

 

  1. ضمان عدم تسرب نسب كبيرة من اقساط التأمين كعملة صعبة إلى خارج البلد.
  2. ضمان حقوق المؤمن لهم والمستفيدين من التعويض بشكل مناسب وقانوني وفقا لشروط الوثيقة لآن التأمين لدى شركات أجنبية فيه محاذير عدم تسديد التعويضات المستحقة لأسباب شتى منها على سبيل المثال أن اغلب اتفاقيات اعادة التأمين تنص على وجوب ان ينصب التأمين على ممتلكات تعود ملكيتها إلى الاشخاص المواطنين أو المؤسسات والشركات الوطنية أو المقيمين في البلد المعني دون غيرهم، فإذا تم التأمين على اموال موجودة في البلد لدى شركات اجنبية اتفاقياتها الخاصة بإعادة التأمين تشترط النص اعلاه عندها ربما ستعجز شركة التأمين الاجنبية عن التسديد بسبب رفض المعيد للتعويض لمخالفته لشروط الاتفاقية وربما أيضا تمتنع الشركة الاجنبية عن تسديد التعويض لأي سبب مستغلين عدم معرفة المؤمن لهم بشروط وثائق التأمين، وسيكون من الصعب على المؤمن له اتباع الطرق القانونية لاستحصال التعويض من المؤمن الاجنبي وبالأخص إذا كانت اللغة تختلف عن لغة المؤمن له، (هناك حالات مشابهة). بينما التأمين لدى شركات وطنية تعمل داخل البلد وفي حالة تلكؤها أو امتناعها عن التسديد يستطيع المؤمن له وبسهولة اللجوء إلى التحكيم ومقاضاة الشركة لدى المحاكم المختصة ودون تكبد مصاريف اضافية كالسفر إلى بلد الشركة الاجنبية وقد يتعرض للاحتيال وما اكثره في أيامنا هذه.

 

لهذه الاسباب يجب تجنب التأمين على اساس الواجهة حفاظا على حقوق المؤمن لهم وتحقيقا للمصلحة العامة بإصدار تعليمات بهذا الخصوص ولكن مع وجوب المرونة بحيث يمكن الموافقة بشكل خاص بإجراء التأمين على اساس الواجهة بنطاق ضيق وعند الضرورة وحسب ما تقتضيه المصلحة العامة مع وجوب ضمان حقوق البلد في استيفاء الضرائب والرسوم المقررة وكذلك أن تطبق الشروط الضرورية لتحصين الشركات المصدرة لمثل هذه الوثائق. وبسبب ظروفنا الخاصة نؤكد من الضروري جواز اصدار وثائق التأمين على اساس الواجهة بالشروط ادناه عند الضرورة فقط وفي حالة الخشية من عدم اصدار الوثيقة بشكل مطلق داخل البلد لأسباب قانونية تسمح بذلك أو غير قانونية.

 

لذا نرتأي اصدار تعليمات ملحقة بجواز اصدار الوثيقة على اساس الواجهة بعد الحصول على موافقة ديوان التأمين وعند توفر الشروط التالية:-

 

1- إذا اجازت القوانين السارية إجراء التأمين لدى الشركات الأجنبية كما هو الحال في قانون الاستثمار.

2- ادراج تفاصيل الوثيقة بالكامل في سجلات الاصدار للشركة المصدرة مع اعتبار قسط التأمين بالكامل من الاقساط المكتتب بها، وبهذه الطريقة يتم ضمان استيفاء الرسوم المقررة للدولة كرسم الطابع ورسم تجديد اجازة مزاولة العمل التأميني وكذلك ضريبة الدخل في حال تحقيق ارباح سنوية.

3- ان تحدد العمولة للشركة المصدرة بمبلغ مجزي.

4- إخضاع الوثيقة إلى اتفاقية عدم الاضرار Hold Harmless Agreement موقعة من قبل الشركة المصدرة والمؤمن له ومعيد التأمين بشكل مؤكد مع الاحتفاظ بنسخة اصلية منها لدى الشركة الواجهة.

 

بهذه الطريقة مع الرقابة من اجل التصحيح اعتقد اننا سنضمن مصالح قطاع التأمين والمصلحة العامة. وللأهمية نؤيد عقد اجتماع برعاية الديوان للمناقشة وإغناء الموضوع بما هو مفيد.

 

مع التقديــــــــــر.

 

منعم الخفاجي

المدير المفوض

[1] كتب الزميل منعم الخفاجي هذه الرسالة عندما كان مديراً مفوضاً لإحدى شركات التأمين الخاصة في بغداد بعد قيام ديوان التأمين بتوزيع رسالة أواخر سنة 2012 على شركات التأمين يقضي بعدم جواز إصدار وثائق الواجهة. وقد ارتأينا نشر رسالة زميلنا الآن في إطار الحديث الجاري حول ترتيبات الواجهة وما يرتبط بها من احتفاظ بنسبة من الأخطار المكتتبة من قبل شركة التأمين المصدرة لوثيقة التأمين. نأمل أن يستثير نشر هذه الرسالة اهتمام شركات التأمين وكذلك ديوان التأمين. وقد كان لنا مساهمة في الموضوع بعنوان “ترتيبات الواجهة: محاولة أولية لتقييم نقدي،” التأمين العربي، العدد 95، 2007، ص 25-32. (المحرر)

Absence of Insurance, Social Market Economy in the Workshop on Maximising State Revenue

غياب التأمين وخطاب اقتصاد السوق الاجتماعي في ورشة “توجهات تعظيم موارد الدولة”

 

 

نشر هذا التعليق أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/08/Absence-of-Insurance-in-Maximising-State-Revenues-Workshop.-Final.pdf

 

 

من خلال قراءة تقرير السيد ليث محمد رضا عن ورشة “توجهات تعظيم موارد الدولة” التي نظمها منتدى بغداد الاقتصادي بالمشاركة مع الأمانة العامة لمجلس الوزراء في 2 آب/أغسطس 2017،[1] المنشور في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين لاحظتُ غياب ذكر ورقة عن قطاع التأمين في أعمال الورشة. ولكن ربما حضر ممثلٌ عن القطاع ضمن “نخبة من المسؤولين المعنيين والشخصيات الاقتصادية المحلية،” وربما ساهم في المناقشات الجارية.

 

مناقشة سريعة لموضوع التأمين في ورقة السيد فارس آل سلمان

 

مع ذلك جرى ذكرٌ للتأمين في ورقة رئيس منتدى بغداد الاقتصادي السيد فارس آل سلمان: (تعظيم موارد الدولة … أفكار وتجارب ناجحة(. وجاء في التقرير أن السيد آل سلمان أكد “على ضرورة تحديد هوية الاقتصاد العراقي والعقيدة الاقتصادية، مع وضع رؤية حقيقية طموحة للخارطة الاستثمارية ووضع الاولويات وطرق استقطاب التمويل، والتركيز على الصناعات التجميعية والصناعات التحويلية من خلال الشراكة بين القطاع العام والخاص.” وهذه تأكيدات مهمة تستحق اهتماماً من الاقتصاديين رغم أنها معروضة بصيغ مختلفة منذ ما يزيد عن عقد.[2]

 

وفيما يخص موضوع هذا التعليق يقول كاتب التقرير أن آل سلمان أشار” إلى أهمية الدعم الحكومي الذكي، من خلال تشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة من خلال انشاء المناطق الصناعية وصناديق دعم الصادرات، وتحريك قطاع المال والتأمين والعقارات وخدمات الاعمال، والتشييد والبناء، والتجارة والمطاعم والفندقة وتوفير الكهرباء.” (التأكيد من عندنا).

 

لا يسع المرء، في ظل تهميش قطاع التأمين، إلا أن يشكر السيد فارس آل سلمان على إدراجه للتأمين ضمن إشارته لما سمّاه الدعم الحكومي الذكي. تفيد هذه الإشارة، ضمناً، إلى عدم وجود دعم حقيقي لقطاع التأمين المكوّن حالياً من شركات تأمين عامة وخاصّة (قد يكون الإلزام بالتأمين على الصناعات الصغيرة والمتوسطة، مثلاً، مُضمراً في هذا الدعم الحكومي الذكي). وربما يأخذ السيد آل سلمان على عاتقه توسيع رؤيته بشأن ما ذكره عن هذا الدعم وعن التأمين لإفادة صانعي القرار ممن لهم علاقة بالواقع الحالي لقطاع التأمين وتطويره. نعرف أن هيئة الاستشاريين في مجلس الوزراء استعان ببعض الاقتصاديين للنظر في مستقبل القطاع وآفاق تطوره إلا أن شيئاً من دراساتهم ودراسات آخرين ارتبطوا بهم لم يظهر للعلن ليكون موضوعاً للمناقشة المفتوحة. (منذ أيام “المستبد بأمره” بول بريمر الثالث بقي التأمين، الذي اعتبره يتيم القطاع المالي، مهملاً). وحسب علمي، ليس هناك موقفٌ حكومي رسمي واضح تجاه مصائر القطاع دونكم وجود سياسة لقطاع التأمين، وهو موضوع ناقشناه في كتابات سابقة.

 

عوداً إلى أطروحة السيد آل سلمان بشأن الدعم الحكومي الذكي لقطاع التأمين، أرى أنها تستدعي التفكير بمفردات الدعم (في مجال التشريع، تعديل ما هو قائم منه وإضافة الجديد، والتعليمات الرسمية الخاصة بتأمين عقود الدولة مثلاً) والأطراف التي تقوم بها رسماً وتنفيذاً ومتابعةً. مثل هذا الدعم مطلوب بحد ذاته لكن هناك دور لقطاع التأمين ذاته: شركات التأمين العامة والخاصة، جمعية التأمين العراقية وديوان التأمين. لم نقرأ عن مبادرات محددة من هؤلاء لتفعيل القطاع وإخراجه من وضعه الحالي. لم يمارس القطاع ضغطاً على الحكومة لتعديل قانون تنظيم أعمال التأمين مثلاً، أو الضغط لتطبيق شرط التأمين في شروط المقاولة لأعمال الهندسة المدنية والكهربائية والميكانيكية والكيمياوية في العراق.[3]

 

إن الشكوى من حالة التطور البطيء للقطاع مستمرة لكن الحلول المقترحة تظل غارقة في العمومية، أو لا تُترجم إلى مشاريع قانونية تُعرض على الحكومة لتبنيها وعرضها على البرلمان، وحتى ما تتبناه الحكومات في برامجها لا تتجسد في قوانين أو تعليمات ملزمة يمكن أن تحدث نقلة في نشاط القطاع التأميني (يرد في بالنا هنا التأمين الصحي وتأمين المسؤولية المهنية). نفهم أن البيئة الاقتصادية الحالية، والقوانين المنظمة للنشاط التأميني، وثقافة التأمين المتدنية، وضعف مهنية ممارسة النشاط اليومي في شركات التأمين، وقصور الحكومة في التشريع لإلزامية بعض أنواع التأمين … الخ كلها تعمل في غير صالح القطاع. لكن السؤال الكبير هو: إلى متى يستمر هذا الوضع؟

 

اقتصاد السوق الاجتماعي وما يعنيه بالنسبة للنشاط التأميني وإعادة هيكلة المصارف الحكومية

 

جاء في التقرير أن الدكتور ماجد الصوري، الذي قام بإدارة الورشة، “دعا إلى تحديد هوية واضحة للاقتصاد العراقي، وتحديد استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ووضع الخطط اللازمة لتنفيذها وفق جدول زمني، وتحديد مسؤوليات التنفيذ، والمتابعة والرقابة على تنفيذها (الخطة الجديدة تبنت اقتصاد السوق الاجتماعي).” وهو بهذا يقترب من تأكيدات السيد فراس آل سلمان التي أوردها كاتب التقرير، لكنه يربط ما ذكره باقتصاد السوق الاجتماعي. وهذه الأفكار كانت قيد التداول منذ 2003.

 

وقد كتبنا في مقال سابق ما يعنيه اقتصاد السوق الاجتماعي لنشاط التأمين.[4] نود هنا اقتباس ما كتبنا بدلاً من الإحالة إلى المصدر خاصة وأنه لم يلق اهتماماً من الغير وقت النشر:

 

ماذا يعني ذلك [اقتصاد السوق الاجتماعي] بالنسبة للنشاط التأميني؟ ربما يعني خروج الدولة من السوق التجاري للتأمين. ويقتضي هذا خصخصة شركات التأمين وإعادة التأمين التابعة لها، وحصر دورها (دور الدولة) بتوفير أنماط من التأمين الاجتماعي، أو تطوير ما هو قائم منها، كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية، أو تكوين مُجمّع تأميني لمقابلة الخسائر والأضرار المادية المترتبة على الكوارث أو خطر الإرهاب. وقد يكون هذا المجمع ممولاً من الميزانية العامة أو من مساهمة الشركات أو رسوم مفروضة على وثائق تأمين معينة، وقد يكون مشروعاً مشتركاً بين شركات التأمين والدولة. لكننا نستبق ما سيسفر أو لا يسفر عنه المستقبل.

 

يعني ذلك أيضاً ضمان الدولة للمنافسة (منع الاحتكار) بين شركات التأمين، وتوفير الشروط لتحقيق تكافؤ الفرص بين الكيانات الاقتصادية (عدم تفضيل شركة تأمين على غيرها في التأمين على الأصول المادية والمسؤوليات المادية) وتعطيل سيطرة فئة على مقاليد النشاط التأميني (الاندماج بين مجموعة من شركات التأمين بهدف السيطرة على السوق لتعظيم أرباحها)، وتدخل الدولة عند فشل شركات التأمين في أداء دورها (دور اضطراري ربما قد تلجأ إليه عند إفلاس شركة تأمين للحفاظ على حقوق حملة وثائق التأمين كما هو الحال بالنسبة للمودعين في المصارف). وقد يضاف إلى هذه السياسات تدخل الدولة لتوجيه الإنفاق والاستثمار لتلبية حاجات اجتماعية (وهو ما تمارسه الدولة من خلال الإنفاق العام الذي يخلق فرص جديدة لشراء أغطية التأمين، وتحديد مجالات استثمار صناديق التأمين، والسياسة الضريبية الخاصة بالنشاط التأميني ومنها عدم فرض ضريبة على عقود التأمين على الحياة لتشجيع الادخار، أو وثائق التأمين الصحي لتقليل الضغط على الخدمات الصحية التي تقدمها الدولة).

 

وبودنا هنا أن نربط مسألة اقتصاد السوق الاجتماعي مع ما أشار إليه الدكتور الصوري حول “أهمية اعادة هيكلة جريئة للمؤسسات المالية في العراق وبالذات المصارف الحكومية، ومن ذلك دمج المصارف الحكومية التجارية في مصرف واحد، وكذلك جميع المصارف المتخصصة في مصرف تنموي كبير، وضبط التجارة الخارجية والمنافذ الحدودية، البرية والجوية والبحرية، التي تعتبر مجالا حيويا للفساد المالي، وعاملا مهما في عرقلة الانتاج المحلي والتنمية الاقتصادية، وتوفير البيئة الملائمة لتطوير القطاع الخاص الانتاجي والخدمي في جميع المجالات والعمل على تمكينه من التعاون مع القطاع العام.”

 

لقد حصر الدكتور الصوري اعادة الهيكلة الجريئة للمؤسسات المالية في العراق بالمصارف الحكومية وأهمل ذكر شركات التأمين الحكومية (شركة التأمين الوطنية، شركة التأمين العراقية، شركة إعادة التأمين العراقية) وشركات التأمين الخاصة (يقرب عددها من ثلاثين شركة)، التي هي أيضاً بحاجة إلى إعادة هيكلة – رغم أن هذه الشركات مؤسسات مالية وسيطة تقوم باستثمار فوائضها المالية في رأسمال عيني أو أوراق مالية (أسهم وسندات)، وهي بذلك ليست بعيدة عن واحدة من الوظائف التي يقوم بها القطاع المصرفي. ربما جاء هذا الإهمال لصغر حجم أعمال هذه الشركات مقارنة بأعمال المصارف الحكومية، أو أن إعادة الهيكلة ستطال الشركات الحكومية عاجلاً أو آجلاً.

 

إن خلق الكيانات المصرفية الكبيرة من خلال عمليات الدمج من شأنه أن يؤدي إلى تزايد الاستقطاب بين المصارف الحكومية المدمجة والمصارف الخاصة، واستمرار سيطرة المصارف الحكومية على مجمل الأعمال المصرفية ما لم يرتبط الدمج بقيود وقواعد انضباطية تحول دون قيام وضع شبه احتكاري، وهو ما لا يرغب به دعاة ومروجي الاقتصاد الحر على المستوى النظري. مثل هذا الوضع لا يتماشى مع متطلبات خلق اقتصاد السوق الاجتماعي الذي وصفنا بعض ملامحه بالنسبة لقطاع التأمين. ذات الأمر، الاستقطاب والميل إلى وضع شبه احتكاري، ينطبق على دمج شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية (صدر قرار من وزارة المالية في آذار 2017 يقضي بدمج الشركتين لكن إجراءات الدمج، حتى الآن، ليست معروفة لنا).

 

نأمل أن يأخذ منتدى بغداد الاقتصادي على عاتقه متابعة ما أورده رئيسها السيد فارس آل سلمان عن التأمين من خلال التعاون والتنسيق مع غرفة تجارة بغداد وجمعية التأمين العراقية، والقيام بالدراسات المناسبة[5] وصياغة المقترحات. ونتمنى أن تتجاوز المقترحات وضع قائمة طويلة بها دون أن تقترن بالأرقام والحجج لكيلا تضيع في عمومياتها.

 

مصباح كمال

4 آب/أغسطس 2017

[1] موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/08/Laith-Mohammad-Ridha-Workshop-Report.pdf

 

[2] أنظر، على سبيل المثل، صبري زاير السعدي، نموذج اقتصادي جديد للعراق: الرؤيا المستقبلية وشركات الدولة الكبرى والريع النفطي (Saarbrucken: Noor Publishing, 2017)

[3] أنظر: وزارة التخطيط، بغداد، شروط المقاولة لأعمال الهندسة المدنية، المادة الخامسة والعشرون “عدم قيام “المقاول” بالتأمين،” ص 198-199. وكذلك وزارة التخطيط، بغداد، شروط المقاولة لأعمال الهندسة الكهربائية والميكانيكية والكيمياوية، المادة السادسة عشرة، “العناية “بالأعمال” والتأمين والتعويضات،” ص 261-264.

 

أنظر أيضاً:

مصباح كمال، “شركة عامة لا تؤمن على عقودها،” نشرت في المواقع التالية:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/03/Misbah-Kamal-Avoiding-Construction-Project-Insurance.pdf

 

https://www.academia.edu/22932124/State-Owned_Company_Avoiding_Insurance_of_a_Construction_Project

 

[4] مصباح كمال، “التأمين: موضوع مهمل في الكتابات الاقتصادية العراقية،” مجلة الثقافة الجديدة، العدد 336، 2010، ص36-49.

[5] يمكن الاستفادة من الطاقات المحلية وتكليفها مقابل أجر مناسب لإجراء المسوح والدراسات.

Insurance in Iraq’s Free Zones

التأمين في المناطق الحرة

 

مصباح كمال

 

نشر هذا التعليق أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2017/07/01/%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%88%d9%82-%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%b6%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%86%d8%a7%d8%b4%d8%b7-%d9%85%d8%af%d9%86%d9%8a/

 

نشر الأستاذ فاروق يونس حواراً افتراضياً شيّقاً ومفيداً بين ناشط مدني وخبير اقتصادي حول المناطق الحرة (موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين)[1] وقد ضمَّ الحوار فقرة ذكر فيها التأمين على لسان الخبير جواباً على سؤال عن فوائد المناطق الحرة منها: تنشيط “المؤسسات المالية والمصرفية وخاصة شركات التأمين والنقل.”

 

وذكر التأمين أيضاً في ختام الحوار جواباً على أطروحة أن اقامة المناطق الحرة في العراق يساعد على تكيف الشركات التجارية مع اقتصاد السوق:

 

الخبير – نعم؛ إن نشوء ونمو وتطور المناطق الحرة يتوقف على مدى توفر الخدمات المساندة كخدمات المطارات والسكك الحديد وخدمات النقل البحري ومكاتب الشحن والتخليص الكمركي وليس بإمكان المستثمرين العاملين في المناطق الحرة ممارسة عملهم في الاستيراد والتخزين والتصنيع واعادة التصدير دون وجود خدمات تأمين وخدمات مصرفية وخدمات اتصالات حديثة.

 

حسب المعلومات المتوفرة فإن المناطق الحرة الثلاث في خور الزبير والقائم ونينوى لا تضم شركات تأمين عراقية أو فروع لشركات تأمين أجنبية، إذ أن الموقع الرسمي للهيئة العامة للمناطق الحرة[2] يخلو من إشارة لوجود شركات تأمين في هذه المناطق. وقبل سنوات (كانون الثاني 2012) أكد الخبير الاقتصادي باسم أنطوان لجريدة الحياة بمناسبة قيام الهيئة العامة للمناطق الحرة وضع خطة لاستحداث مناطق حرة جديدة وإحياء المناطق القائمة[3]:

 

عدم إمكانية تسمية المناطق التي استحدثها النظام السابق بالمناطق الحرة بالمعنى الحقيقي، فالعراق لا يملك البيئة المناسبة لقيام تلك المناطق من حيث القوانين التي تحمي نشاطها والقوانين المشجعة على الاستثمار ودخول الأموال من الخارج. وقال: «لا يملك العراق الخبرات الكافية لإدارة تلك المناطق ولا البنية التحتية مثل المصارف التي تعمل بأنظمة حديثة، كما أن البلاد تخلو من شركات التأمين الرصينة». وسأل: «كيف ستعمل المناطق الحرة والأجهزة الأمنية حتى الآن غير قادرة على وضع حد لنشاط عصابات ومافيات السلب؟ من سيحمي الأموال التي سيستثمرها رجل الأعمال المحلي أو العربي أو الأجنبي؟”

 

بعد وزن الأمور خلال الفترة من 2102، عندما قيَّم الأستاذ باسم أنطوان أوضاع المناطق الحرة، وخالفته في مسألة وجود شركات تأمين رصينة، وحتى الوقت الحاضر فإننا لم نشهد تطوراً حقيقياً في هذه الأوضاع. لذلك فإن ما أكَّد عليه يظل صحيحاً.

 

كما أن مجلس إدارة الهيئة العامة للمناطق الحرة لم يحدد “الاجراءات الخاصة بأمور التأمين في المناطق الحرة” كما تقضي بذلك الفقرة 6 من المادة 4 من القانون رقم (3) لسنة 1998، قانون الهيئة العامة للمناطق الحرة.

 

يعني هذا، إن صحَّت المعلومات المتوفرة، بأن الهيئة لم تنجز الكثير لما هو مطلوب منها بموجب القانون سواء في مجال التأمين أو غيره. يعني ذلك أنها متخلفة مقارنة بما هو موجود في الأردن والإمارات العربية المتحدة (المنطقة الحرة في جبل علي تضم شركتين للتأمين) وغيرها من البلدان العربية. ولكي نكون منصفين علينا أن نذكر بأن موقع الهيئة يذكر توقيع عقدين مع شركتين محلتين (لا تضم الكثير من التفاصيل) تعملان في التجارة العامة في خور الزبير– أي أن الشركات المصنعة غائبة في الوقت الحاضر. كما أن الخراب الذي صنعه داعش في غرب العراق ونينوى قد أوقف عمل هاتين المنطقتين، وقد يمضي وقت طويل قبل أن تستطيعا تحقيق شيء من الجاذبية للاستثمار. والأمل معقود على تعزيز دور الدولة الاتحادية في “وضع حد لنشاط عصابات ومافيات السلب” التي ذكرها الأستاذ باسم أنطوان، وكذلك الفساد المالي والإداري، لجذب الاستثمار الصناعي والتجاري للمناطق الحرة بفضل مزايا هذه المناطق.

 

أتمنى أن يقوم أصحاب الاختصاص بتقديم مشروع لإدماج دور المناطق الحرة ضمن مشروع إعادة بناء المناطق المنكوبة بعد دحر داعش منها، مثلما أتمنى على شركات التأمين العراقية التفكير جدياً بسبل التواجد في المناطق الحرة.

 

مصباح كمال

14 تموز 2017

 

[1] فاروق يونس*: حوار افتراضي بين ناشط مدني رئيس جمعية مجتمع مدني وخبير اقتصادي

[2] http://freezones.mof.gov.iq/

[3] مصباح كمال، “البلاد تخلو من شركات التأمين الرصينة: مناقشة لرأي اقتصادي،” مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/03/belittling-iraqi-insurance-companies.html

 

Baha Baheej Shukri: Letters on Islamic Sharia & the Contract of Insurance

رسائل بهاء بهيج شكري في الشريعة الإسلامية وعقد التأمين

 

 

نشرت هذه الرسائل لأول مرة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/07/الشريعة-الإسلامية-والتأمين-منقحة-2.pdf

 

 

الرسالة الأولى

عقد الضمان وعقد التأمين

 

تموز في ٢٨ حزيران ٢٠١٧

 

الاخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

في التعقيب على بحثكم المتعلق بموقف الشريعة الإسلامية من عقد التأمين،[1] أرى من الضروري قبل أن أخوض في صلب البحث أن أناقش مسألتين وردت في البحث. الأولى، تتعلق بما درج عليه بعض المشرعين وبعض الباحثين من الخلط بين نظام الضمان ونظام التأمين، والثانية تتعلق بموقف الإمامين محمد بن عابدين الحنفي ومحمد عبده من عقد التأمين.

 

الخلط بين نظام الضمان ونظام التأمين

 

ففيما يتعلق بالمسألة الأولى، فإننا لو رجعنا إلى قانون التجارة البحرية اللبناني الصادر سنة ١٩٤٧ وقانون التجارة البحرية السوري الصادر سنة ١٩٥٠ لتبين لنا ان كلا المشرعين المذكورين قد وصفا عقد التأمين البحري بعقد الضمان البحري والمؤمن بالضامن والمؤمن له بالمضمون، وهذا خلطٌ غير مقبول بين عقد التأمين وعقد الضمان، غير ان المشرع الاردني الذي اقتبس نصوص القانون السوري وضمَّنها في قانون التجارة البحرية الاردني الصادر سنة ١٩٧٢، قد انتبه إلى هذا الخطأ فاستبدل عبارة عقد الضمان بعبارة عقد التأمين وكلمة الضامن بكلمة المؤمِن وكلمة المضمون بكلمة المؤمَن له، وحسناً فعل.

 

ولم يقتصر الأمر على بعض المشرعين بل تورط بعض الباحثين بهذا الخلط بين عقد الضمان وعقد التأمين كالدكتور إنطاكي والدكتور نهاد السباعي إذ اعتبرا قول شخص لآخر أسلك هذا الطريق فهو آمن فإذا سُلِبَ مالُكَ فأنا ضامن.

 

أقول: إنهما اعتبرا ضمان خطر الطريق مؤشراً على قبول الشريعة الإسلامية لعقد التأمين. والفرق بين نظام الضمان ونظام التأمين هو أن الأول ينقل عبء الخسارة من عاتق شخص إلى عاتق شخص آخر. فعقد الكفالة عقد ضمان ينقل عبء الدين من عاتق المدين إلى عاتق الكفيل إذا عجز المدين عن سداد الدين لأي سبب كان، كما يتحقق الضمان في حالة التعدّي على الغير فيلتزم المتعدّي بتعويض المعتدى عليه، أي أن ينقل الخسارة التي لحقت بالمضرور إلى عاتقه، وهذا النظام عُرف في صدر الدولة الإسلامية وتمَّ التعامل به بين المسلمين منذ فجر الإسلام وتضمنته القواعد الكلية للشريعة الإسلامية.

 

أما نظام التأمين فهو لا ينقل الخسارة من عاتق المؤمن له إلى عاتق المؤمن، بل يتمُّ بموجبه توزيع الخسارة التي تصيب القلَّة من الناس على الكثرة منهم فيخف بل ينعدم أثرها، والمؤمن هو مهندس عملية التوزيع يقوم بها على ضوء ما يعرف بقانون الأعداد الكبيرة.

 

ولم يعرف هذا النظام في صدر الدولة الإسلامية، بل هو نظام طارئ ودخيل عليها، لذلك قوبل بالرفض من فقهاء الشريعة الإسلامية.

 

موقف محمد بن عابدين ومحمد عبده من عقد التأمين

 

أما المسالة الثانية، فإن الإمام محمد بن عابدين الحنفي المتوفى سنة ١٢٥٢ هجرية، وهو أول من تصدّى للإفتاء ببطلان عقد التأمين البحري في كتابه (رد المحتار على الدر المختار) وسبب بطلانه لكونه يتضمن التزاماً بما لا يلزم.

 

أما ما نُسب للأمام محمد عبده من انه أجاز التأمين على الحياة فهو غير دقيق لأن السؤال الذي وُجّه له يتعلق بعقد المضاربة وليس بعقد التأمين، بل هو من القائلين بتحريم عقود التأمين (أنظر الدكتور احمد سعيد شرف الدين “عقود التأمين وضمان الاستثمار” – ص ١٨٦).

 

اكتفي بهذا القدر من المبحث على أن أعود في رسالة قادمة لشرح موقف المذاهب الإسلامية المختلفة من نظام التأمين وعقوده.

 

مع التقدير.

 

بهاء بهيج شكري

 

 

الرسالة الثانية

موقف المذاهب الإسلامية من عقد التأمين

 

عمان في ٢٩ حزيران ٢٠١٧

 

الاخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

إكمالاً لبحث التأمين في الشريعة الإسلامية، وحسب وعدي لك بأن أبحث موقف المذاهب الإسلامية المختلفة من نظام وعقد التأمين، أرى من الضروري أن أوضح في البداية بأن العديد من رجال الدين من المذاهب السنية الأربعة سارع بتتبع خطى الإمام محمد بن عابدين الحنفي بإصدار الفتوى بتحريم عقود التأمين على اختلاف أنواعها، ولا اريد اطالة البحث بذكر أسماءهم ودولهم. كما أرى من الضروري أيضاً، وقبل أن أبين فتاوى المذاهب السنية الأربعة، ان أتناول بالبحث موقف المذهب الظاهري، وهو مذهب سني متشدد نشأ في الأندلس، ومن ابرز أئمته الإمام بن حزم الأندلسي، وهو قد أفتى بتحريم ليس عقد التأمين فقط، بل كل عقد لم يكن موضع تعامل عند هبوط الوحي، حيث قال في فتواه (لا يجوز إحداث عقد لم يرد به شرع، لأننا إن أحدثناه ولم نجعله ملزماً لم يكن ذَا اثر مفيد، وإن ألزمنا به أنفسنا فأوجبنا على أنفسنا المضي فيه، فقد أحدثنا ما لم يوجّبه الله عليها …… لذلك فإن الأصل في العقود التحريم والخروج من التحريم إلى الإباحة لابد أن يكون بنص، فإذا كان العقد لم يرد به نص فلا يترتب أثره الشرعي ولا يعمل به). والمقصود بالنص هنا هو نص قرآني أو حديث نبوي صحيح. وعلى رأي الظاهرية هذا فإن جميع العقود التي استحدثت بعد انقطاع الوحي ووفاة الرسول عليه الصلاة والسلام هي عقود باطلة لا يترتب عليها أثر ملزم، وأنهم وان كانوا لم يذكروا عقد التأمين بالتسمية إلا أنه، حسب فتواهم، مشمول بالتحريم لأنه عقد مستحدث لم يرد على إباحته نص في القرآن ولا في السنة النبوية الصحيحة.

 

غير أن الحنابلة والمالكية على الرغم من عدم إقرارهم بشرعية عقد التأمين، لم يتفقوا مع الظاهرية في أسباب البطلان فذهب كلٌ من الإمام احمد بن حَنْبَل والإمام بن تيمية بأن الآية الكريمة “يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود” من سورة المائدة لم تحصر وجوب الوفاء بعقود محدودة بل شملت كل اتفاق اساسه التراضي بين الطرفين لقوله تعالى “إلا ان تكون تجارة عن تراضٍ منكم”. كما ان السنة الشريفة قد قصرت التحريم على الشروط التي تحرم الحلال وتحل الحرام لقوله عليه الصلاة والسلام (المسلمون على شروطهم الا شرطا أحلَّ حراماً أو حرَّمَ حلالاً) لذلك ينحصر التحريم، حسب رأي الحنبلية والمالكية، بعقود الغرر والعقود التي تنطوي على الربا وهذا ما هو متوفر في عقد التأمين حسب رأيهم.

 

أما الحنفية والشافعية فقد قسموا الشروط إلى شروط صحيحة وباطلة وفاسدة، فالشرط الصحيح هو ما كان موافقاً لمقتضى العقد أو أقره الشارع أو جرى به العرف إذ الثابت بالعُرف عندهم كالثابت بالنص “فما يراه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن” وواجب الوفاء به، والشرط الباطل هو ما لا تقتضيه طبيعة العقد وليس فيه منفعة للطرفين، والشرط الفاسد هو ما لا تقتصيه طبيعة العقد وفيه منفعة لأحد العائدين، فإذا وجد الشرط الفاسد في عقود المعاوضات بطل العقد، ويخلصون من ذلك إلى بطلان عقد التأمين لفساد شروطه بحيث يكسب المؤمن إذا تخلف الحادث المؤمن منه ويكسب المؤمن له إذا تحقق الحادث.

 

ولغرض توحيد رأي المذاهب الأربعة في المسائل المختلف عليها عقد مجمع الفقه الإسلامي اجتماعاً في مكة المكرمة في شعبان سنة ١٣٩٨ هجرية المصادف تموز ١٩٧٨ ميلادية حيث افتى بأكثرية ساحقة بتحريم التأمين التجاري لأنه:

 

١: من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش، لأن المستأمن (المؤمن له) لا يستطيع ان يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ فقد يدفع قسط التأمين ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة مطلقاً فلا يأخذ شيئاً.

٢: انه ضرب من ضروب المقامرة لما فيه من الغرم بلا جناية ومن الغُنم بلا مقابل.

٣: انه يشتمل على ربا الفضل والنساء.

٤: انه من الرهان المحرَّم، فلم يبح الشرع الرهان الا ما فيه نصرة للإسلام.

٥: فيه أخذ مال الغير بلا مقابل.

٦: انه إلزام بما لا يلزم شرعاً.

 

أما الجعفرية فقد ذهبوا إلى القول بشرعية عقد التأمين فاعتمد أكثريتهم على تفسير الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) في سورة المائدة، فميزوا بين ما إذا كانت “اللام” في كلمة العقود الواردة في الآية الكريمة هي لام عهدية أي تخص العقود المعهودة والمتعارف عليها عند نزول الآية الكريمة، أم انها لام جنسية تشمل كل ما يصدق عليه وصف العقد، فذهب أكثريتهم إلى القول بأنها لام جنسية موضحين ذلك بأن النصوص الشرعية في الكتاب والسنة لم تحصر أنواع العقود بل أمرت المؤمنين بالوفاء بها وأحلت لهم التجارة عن تراض ولم تحدد نوعها والالتزام بجميع شروط العقد الا ما احلَّ حراماً أو حرَّم حلالا،ً و يخرج هذا الفريق إلى القول بأن عقد التأمين هو من العقود المستحدثة التي ينصرف إليها قوله تعالى أوفوا بالعقود.

 

كما ذهب فريق اخر من الجعفرية بتحليل عقد التأمين بإنزاله منزلة عقود أخرى فأنزله بعضهم منزلة عقد الضمان وآخرون منزلة الهبة المشروطة بعوض وفريق ثالث بمنزلة عقد الصلح.

 

ونتيجة لفتوى المذاهب السنية بتحريم عقد التأمين أحجم رأس المال الخاص السني، عدا العلماني، عن الاستثمار في تأسيس شركات تجارية للتأمين. ولسد هذا الفراغ ظهر ما يُعرف بشركات التأمين الإسلامي، والتي ستكون موضوع رسالة قادمة.

 

وتقبل فائق التقدير.

 

بهاء بهيج شكري

 

الرسالة الثالثة

شركة التأمين الإسلامي

 

عمان في الأول من تموز ٢٠١٧

 

الاخ العزيز مصباح المحترم

 

تحية طيبة

 

ذكرتُ في رسالتي المؤرخة ٢٨ حزيران ٢٠١٧ انه نتيجة لفتاوي تحريم عقد التأمين التجاري أحجم البعض من أصحاب رؤوس الأموال في القطاع الخاص عن استثمار أموالهم في تأسيس شركات تأمين تجارية، وقد فكَّرَ البعض من هؤلاء بعد التشاور مع بعض رجال الدين من المذاهب الأربعة في إيجاد شركات بديلة عن شركات التأمين التجارية تُصاغ عقودها بطريقة تحجب عنها فتاوى التحريم، فكان هذا البديل هو ما عُرفَ بشركة التأمين الإسلامي أو التأمين التكافلي، فتأسست أولى هذه الشركات في السودان سنة ١٩٧٩ وبعد ذلك تأسست شركات أخرى في بعض الدول العربية الأخرى ومنها المملكة الاردنية الهاشمية، ولكن لم تؤسس، حسب علمي، حتى الآن شركة مماثلة في العراق على الرغم من ان الفقرة الرابعة من المادة (١٣) من قانون تنظيم أعمال التأمين العراقي الصادر بموجب الامر رقم ١٠ لسنة ٢٠٠٥ قد أجازت لما أطلَقت عليها “كيانات التأمين التكافلي” العمل في العراق بعد حصولها على ترخيص من ديوان التأمين. وفي التطبيق العملي يشترط ان يكون لكل شركة إسلامية هيئة للرقابة الشرعية، تلتزم إدارة الشركة بما تقدمه الهيئة من مشورة سواء في عمليات التأمين المباشر أو عمليات اعادة التأمين.

 

وعلى ضوء. شروط عقد التأمين الإسلامي والبحوث التي سطرها الباحثون الإسلاميون، فإن هذا التأمين يقوم على ركنين أساسيين: الأول، إن شركة التأمين لا تُمارس التأمين أصالةً بل وكالةً عن المؤمن لهم، حيث يعتبر كل واحد منهم مؤمنا للآخرين ومؤمنا له من قبلهم. والركن الثاني، هو ركن التبرع، فالمؤمن له مُلزَمٌ بأن يتبرع بمبلغ من المال كي يساهم بتعويض الضرر الذي يصيب الآخرين، وفي حالة عدم كفاية المبالغ المتبرع بها فإن الشركة تغطي الفرق، وتعتبره قرضاً حسناً يحق لها أن ترجع به على المؤمن لهم لتسترده منهم، وبالنتيجة لا تتحمل الشركة أية خسارة.  وفيما يلي سنحاول مناقشة الأسس التي يقوم عليها هذا التأمين.

 

أولا – الوكالة

 

في تكييف العلاقة بين المؤمن لهم وشركة التأمين، وصفت بأنها علاقة وكالة بأجر وان عقود التأمين الإسلامي لا تبرم بين طالبي التأمين والشركة، بل تبرم بين طالبي التأمين أنفسهم مع بعضهم البعض، فيكون كل منهم مؤمِناً له من قبل الآخرين ومؤمَناً للآخرين، وينحصر دور شركة التأمين بكونها وكيلة عنهم في إبرام العقود بينهم، فقد نصّتْ شروط وثيقة التأمين الإسلامي على ان الشركة (تدير العمليات التأمينية بوصفها وكيلا عن حملة الوثائق بأجر معلوم، فهي ليست طرفا أصيلا في عقد التأمين).  وجاء فيها أيضاً (يعتبر قبول حامل هذه الوثيقة التعامل مع الشركة موافقة صريحة منه على اعتبار الشركة وكيلاً عنه بأجر معلوم لإدارة عمليات التأمين).

 

وفي مناقشتنا ذلك سنجزئ المناقشة إلى فقرتين، الأولى تتعلق بالناحية القانونية والثانية تتعلق بالناحية الشرعية.

 

فمن الناحية القانونية

 

١- على الرغم من ان عقد الوكالة هو من العقود الرضائية التي تنعقد بارتباط الإيجاب بالقبول، الا انه نظرا لما يتضمنه من تخويل للغير بإدارة شؤون الموكل فقد اشترط القانون ان يكون الإيجاب صريحا ومحددا لصلاحيات الوكيل، وان القوانين الإجرائية قد اشترطت لنفاذ عقد الوكالة ان يكون مُصدقاً من قبل الكاتب العدل، لذلك لا يجوز قانونا ان يكون الإيجاب بإبرام عقد الوكالة مفترضا ومفروضا من قبل الوكيل، فالشرط الذي تضمنته وثيقة التأمين الإسلامي بهذا الخصوص هو شرط إذعان باطل لا اثر له في التعامل بين الطرفين بل ويترتب على وجوده في العقد بطلان العقد أصلا.

 

٢- نصت القوانين المدنية ومنها الفقرة الأولى من المادة (٩٣٠) من القانون المدني العراقي والفقرة الأولى من المادة (٨٣٤) من القانون المدني الاردني على (ان يكون الموكل ممن يملك التصرف بنفسه فيما وُكّلَ به) وهذا الشرط غير متوفر في الوكالة المشار اليها في شروط التأمين الإسلامي لان قوانين تنظيم أعمال التأمين قد حصرت ممارسة أعمال التأمين بالشركات المساهمة دون الأفراد، لذلك فالشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يتعاقد مع شركة التأمين الإسلامي لا يملك الحق بممارسة أعمال التأمين وغير مجاز بممارستها وفقا للقانون كي يوكّل الشركة الإسلامية بممارستها نيابة عنه، (لا اريد ان أخوض هنا في موضوع إجازة الشركات الإسلامية، والاخطاء التي ارتكبتها اجهزة تنظيم أعمال التأمين في بعض الدول التي توجد فيها شركة تأمين إسلامي، لان ذلك قد يخرجنا عن موضوع موقف الشريعة الإسلامية من عقد التأمين)، ولعدم توفر هذان الشرطان في الوكالة محل البحث، فإنها تعتبر باطلةً ولا حُكمَ لها من الناحية القانونية.

 

أما من الناحية الشرعية

 

قد سبق أن أوضحتُ بأن الحنفية والشافعية يقسمون الشروط إلى شرط صحيح وشرط باطل وشرط فاسد والشرط الفاسد هو ما لا تقتضيه طبيعة العقد وفيه منفعة لأحد العاقدين، وإذا وجد في عقد معاوضة بَطُلَ العقد، فشرط الوكالة المنصوص عليه في وثيقة التأمين الإسلامي لا تقتضيه طبيعة عقد التأمين وفيه منفعة لشركة التأمين تتمثل في الأجر الذي تتقاضاه مقابل وكالتها عن المؤمن لهم، فهو شرط فاسد يترتب على وجوده في عقد التأمين بُطلان العقد.

 

أما الحنبلية فقد اعتبروا الشرط الذي يجعل العقد عقدين في عقد واحد شرطا فاسدا يترتب عليه بطلان العقد (انظر الشيخ منصور بن ادريس الحنبلي – كشاف القناع على متن الاقتناع – ج ٣ ص ١٩٥)، وهو ما ينطبق على شرط الوكالة في وثيقة التأمين الإسلامي الذي يجعل من عقد التأمين عقد وكالة وعقد تأمين في عقد واحد.

 

يتضح مما تقدم ان شرط الوكالة المفترضة هو شرط باطل شرعا وقانونا، وبذلك ينهار أهم ركن من أركان التأمين الإسلامي.

 

ثانيا – فكرة التبرع الإلزامي

 

يقول الباحثون الإسلاميون في وصفهم العلاقة القائمة بين أطراف التأمين الإسلامي ان ما يدفعه المؤمن له من قسط التأمين إنما يدفعه على سبيل التبرع لترميم الخسارة التي تلحق ببقية المؤمن لهم بسبب وقوع الحوادث المؤمن منها ويصفون هذا التبرع بأنه (تبرع إلزامي تتطلبه طبيعة عقود التأمين الإسلامي)، ويستندون في تبرير إلزامية التبرع إلى المذهب المالكي.

 

وفي مناقشة ذلك نقول، ان القول بإلزامية التبرع يجمع بين نقيضين لا رابط بينهما، هما الإلزام والتبرع. كما ان المذاهب الإسلامية جميعا بما في ذلك المذهب الظاهري والمذهب الجعفري لم تبحث في إلزامية التبرع بل بحثت في إلزامية الوعد، وهناك فرق ظاهر بين الوعد والتبرع. فالتبرع فعلٌ نافذ يتم طواعية والوعد قولٌ بفعل مؤجل. وقد اجمعت المذاهب مع اكثرية المالكية على عدم إلزامية الوعد، وقد خرجت أقلية من المالكية على هذا الاجماع بالقول بإلزامية الوعد، لذلك لا يصلح رأي هذه الأقلية من المالكية الذي ليس له علاقة بالتبرع ان يكون سندا شرعيا للادعاء بإلزامية التبرع.

 

فضلا عن ذلك فإن المؤمن له عندما يدفع قسط التأمين إنما يقوم بالوفاء بالتزام مترتب بذمته نتيجة تعاقده مع المؤمِن فإن قصده لم ينصرف إلى التبرع بل إلى الوفاء بالتزام بذمته والقاعدة الكلية في الشريعة الإسلامية تقول “الأمور بمقاصدها”، وبهذا ينهار الركن الثاني من أركان التأمين الإسلامي.

 

ومن المقارنة بين شركة التأمين التجارية والشركة الإسلامية نجد ان كُلاً من الشركتين تهدف إلى الربح وان مصادر ربح الشركة الإسلامية أكثر من مصادر ربح الشركة التجارية، كما ان الشركة التجارية هي التي تتحمل الخسارة إذا قصر رصيد التغطية عن تغطية كافة الخسائر، اما الشركة الإسلامية فلا تتحمل ذلك بل ان المؤمن لهم هم الذين يتحملون هذه الخسارة.

 

وبنتيجة دراسة معمقة لطبيعة عمل الشركات الإسلامية نبين لي انها لا يمكن ان تعتبر كيان تأمين تبادلي لان كيانات التأمين التبادلي لا تهدف إلى الربح، كما انها لا تعتبر وكيلة عن أعضاءها، بل مُنَظِمَة لعلاقتهم التعاونية. وكذلك لا يمكن اعتبارها جمعية تأمين تعاوني، لان جمعيات التأمين التعاوني هي الأخرى لا تهدف إلى الربح. وأنها تؤمن لحملة أسهمها فقط بشروط ملاءمة، كما أن الشركات الإسلامية لم تلتزم بالضوابط التي رسمها المجمع الفقهي في اجتماعه الأخير في مكة المكرمة لنوع التأمين التعاوني الذي لا تشوبه المحرمات.

 

هذا ما وددت ان اختصر به البحث في موضوع عقد التأمين في الشريعة الإسلامية، علما بأن هناك الكثير مما يجب قوله ولكن المجال لا يتسع له في هذه الرسائل.

 

وتقبل فائق تقديري.

 

بهاء بهيج شكري

 

الرسالة الرابعة

مناقشة شبهات تحريم التأمين

 

عمان ٧ تموز ٢٠١٧

 

الاخ العزيز مصباح المحترم

 

قبل ان أنهي موضوع التأمين في الشريعة الإسلامية، ارى ان أوضح بأني شخصياً أميز بين موقف الشريعة الإسلامية بنصوص أحكامها المبينة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والقواعد الكلية، وبين الفتاوى التي تصدر عن بعض رجال الدين على اختلاف مذاهبهم والتي تتحكم في صدورها عنهم اهواء عاطفية أكثر من كونها مبنية على قناعة موضوعية. مثال ذلك، ما قاله الإمام محمد بن عابدين الحنفي من ان عقد التامين البحري مُحَرَّم لأنه يتضمن التزاما بما لا يلزم، فهو اكتفى بأن وصف هذا العقد بهذا الوصف دون ان يشرح لماذا يرى انه التزام بما لا يلزم، ولو كان الإمام الحنفي قد ربط بين حاجة رؤوس الأموال المستثمرة من قبل المسلمين في التجارة البحرية الى الحماية من الكوارث البحرية كي تستمر في انتاج ثمارها وبين ما يوفره لها عقد التامين البحري من الحماية الضرورية لما اصدر فتواه المذكورة، ولا يبرر تلك الفتوى كون عقد التامين البحري مبرما مع شخص حربي، أي غير مسلم، لان الشريعة الإسلامية لم تمنع المسلم من التعامل مع غير المسلم إذا كان في ذلك مصلحة للمسلم.

 

وقد حاول مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة إعطاء تفسير لهذه الفتوى بالقول بأن المؤمن يأخذ قسط التامين ولا يعمل شيئاً في مقابله، فالمجمع في هذا التفسير لم يأخذ باعتباره كون المؤمن هو مهندس عملية نشر الخسارة التي تلحق بالقلة على الكثرة ليخف أو ينعدم أثرها وهو عمل فني لا يستطيع القيام به إلا من كان من ذوي الخبرة به، كما ان المؤمن لا يأخذ قِسط التامين لنفسه بل لتكوين رصيد تغطية الخسائر المُحتملة.

 

ومن أمثلة هذه الفتاوى أيضاً، الفتوى الصادرة عن الهيئة الشرعية في احدى الدول العربية بحرمة استلام شركة التأمين المباشر عمولة وعمولة أرباح من شركة إعادة التأمين، دون ان تتبين تلك الهيئة الشرعية ان وصف المبلغ الذي تدفعه شركة إعادة التامين لشركة التأمين المباشر بالعمولة هو وصف مجازي لان ذلك المبلغ هو جزء من أقساط التأمين المستحقة لشركة إعادة التأمين من شركة التأمين المباشر، وان شركة اعادة التأمين بوصفها دائناً لتلك الاقساط قد تنازلت للمدين عن جزء منها، وان الشريعة الإسلامية لم تحرم على المدين قبول تنازل الدائن عن جزء من دينه له. اما عن عمولة الأرباح، فإن الأرباح المذكورة ليست ثمرة استثمار غير شرعي، بل هي نتيجة مقاصَّة بين اقساط التامين المستحقة لمعيد التأمين ومبالغ التعويضات المستحقة عليه، فإن زاد مجموع الاقساط على التعويضات كان هناك ربح لاتفاقية اعادة التأمين، وان الشريعة الإسلامية لم تُحرّم على طرفي العقد الاتفاق على تقاسم الربح الناجم عن العقد المبرم بينهما.

 

وباستثناء بيع الغرر الذي حرّمته السنة الشريفة بتسميته فإن السور القرآنية الكريمة والسنة الشريفة لم تسم العقود المحرمة، بل يستفاد تحريم بعض العقود من تعلقها بأمور حرمها القرآن الكريم كعقد الاتجار بالخمور وبالخنازير والعقود المرتبطة بممارسة الفحش.

 

أما ما يتعلق ببيع الغرر الذي حرمته السنة الشرفية كبيع السمك في الماء والطير في الهواء ذلك لان كلا من صياد السمك وصياد الطيور لا يملك السمك أو الطير إلا بعد نجاحه في صيده فبيعه قبل ذلك هو ما يوصف ببيع الغرر، أي بيع الشخص لما لا يملك، وحيث ان السنة الشريفة قد خصَّت بيع الغرر بالتحريم، فإن ذلك لا ينسحب على العقود الأخرى حتى لو شابها بعض الغرر.  اما وصف عقد التأمين بكونه من عقود الغرر لأنه حسب وصف بعض الفقهاء يتعلق بمجهول يحتمل الوجود والعدم، فهو وصف غير دقيق، لان احتمال الحوادث المؤمن منها لا يعتمد على المصادفة وإنما هو مبنيٌ على حسابات احصائية دقيقة تُمكّن المؤمن من تقدير احتمال وقوع حادث معين خلال فترة زمنية معينة، وهو لم يُبْنَ على المصادفة والجَهالة الفاحشة، فالحادث المؤمن منه يوصف بأنه ممكن الحدوث ولكنه غير مؤكد، وهذا ما ينفي صفة الغرر المطلق عن عقد التأمين.

 

وقبل ان نناقش شبهة الربا التي ألصقت بعقد التامين، يجب ان نحدد المقصود بالربا، فقد عرَّفه الفقهاء بأنه “زيادة أحد البدلين المتجانسين من غير ان يقابل هذه الزيادة عِوَض”. وقد نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد). والربا نوعان، وفقا لقواعد الفقه الإسلامي، هما:

 

ربا الفضل وربا النساء، ويتحقق ربا الفضل في معاوضة مال بمال إذا تضمنت فضل مال لا يقابله عِوَض، اما ربا النساء فهو فضل مال في مقابلة الاجل اي تأخير الوفاء، وقد ذهب مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة الى الافتاء بحرمة عقد التامين التجاري لأنه (يشتمل على ربا الفضل والنساء، فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود فهو ربا الفضل والمؤمن يدفع ذلك للمستفيدين بعد مدة فيكون ربا نساء وكلاهما محرم بالنص والإجماع). وقد كان هذا الموضوع محل نقاش طويل بين الفقهاء، وانا لا اريد الاطالة بالرد، فأقول إن الربا بنوعيه إنما يكون في عقود المعاوضة إذ يجب ان تتطابق قيمة البدلين وتتم المعاوضة في وقت واحد، اما التأمين فهو ليس عقد معاوضة (Commutative Contract) بل هو عقد تعويض (Contract of Indemnity) لذلك لا يشترط فيه تساوي البَدَلين وتزامن المبادلة.

 

هده هي اهم الشبهات التي تمسَّك بها الفقهاء للإفتاء بتحريم عقد التامين، وأكرر القول هنا بأن الله عز وجل لم يسم العقود المحرمة والمحللة في كتابة الكريم، بل أشار للمسائل المحرمة فتكون العقود التي ترتبط بها محرمة شرعا بدلالة النص. كما ان السنة الشريفة قد حرمت بيع الغرر، وفي ما عدا ذلك فإن جميع العقود تعتبر مباحة لقوله عليه الصلاة والسلام (المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا). وإذا تفحصنا شروط عقد التأمين لم نجد فيها ما يحلل الحرام أو يحرم الحلال، وان فتاوى الفقهاء بتحريم عقد التامين هي مجرد اجتهاد والاجتهاد لا يرقى الى منزلة النص الشرعي.

 

ونخلص من ذلك الى ان الشريعة الإسلامية وان لم تذكر عقد التامين بالتسمية إلا انها لم تتضمن أية دلائل ضمنية على تحريمه، لذلك يعتبر مشمولا بعبارة التجارة عن تراض في الآية الكريمة “إلا ان تكون تجارة عن تراض بينكم”.

 

هذا ما وددتُ ان أضيفه الى رسائلي الثلاثة السابقة إكمالاً للبحث.

 

وتقبل فائق تقديري.

 

بهاء بهيج شكري

[1] ترجع خلفية هذه الرسائل إلى تعليق كتبه الأستاذ فاروق يونس نشر في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بتاريخ 9 آذار 2015 حول كتابي أوراق في تاريخ التأمين في العراق-نظرات انتقائية، وقمت بدوري بالتعليق عليه في نفس الموقع تحت عنوان “هل هناك عقد للتأمين في الفقه الإسلامي؟”:

http://iraqieconomists.net/ar/2015/03/08/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a/

وقد أرسلت في وقت لاحق نسخة من تعليقي إلى الأستاذ بهاء بهيج شكري، فكتب هذ الرسائل التي اتفقنا على نشرها كي لا تظل حبيسة بيننا.

 

ولمن يرغب الاطلاع على تحليل وتقييم واسعين لموضوع التأمين في الشريعة الإسلامية عليه أن يرجع إلى كتاب الأستاذ بهاء بهيج شكري بحوث في التأمين (عمّان: دار الثقافة، 2012)، ص 83-255.

[مصباح كمال]

 

Misbah Kamal: Insurance Brokerage & Insurance Development

قراءة نقدية لرسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري:

حول نظام السمسرة وتطور طرق إبرام عقود التأمين

 

 

أثار الأستاذ بهاء بهيج شكري في رسالته[1] عدداً من القضايا بعضها ذات بعد تاريخي، وقدّم معلومات عنها وحججاً تفسيرية حول طرق إبرام عقود التأمين ونظام الرقابة على وكالات التأمين الأجنبية والعلاقة مع شركات وساطة إعادة التأمين العالمية. وبودي هنا تقديم بعض الإيضاحات والإضافات.

 

[1] البحث التاريخي الناقص للتأمين

 

ربما تتنفق معي بأن تاريخ التأمين في العراق وفي العالم العربي لم يُبحث على المستوى الأكاديمي، ولا يتعدّى ما نقرأه عن هذا التاريخ سوى الإشارات العابرة أو المعلومات السريعة المقدمة بدون إحالة إلى مصادر يمكن للباحث والقارئ المهتم الرجوع إليها ودراستها. وأنا لا أدعي معرفة بمنهج البحث التاريخي، أعني الأدوات التي يستخدمها المؤرخ المحترف في التعامل مع المصادر والأدلة، بما فيها الأدلة الأركيولوجية (الأثرية)[2]، بغرض البحث وكتابة تاريخ الماضي. وربما تبدو الإشارة إلى الأدلة الأثرية غريبة في مجال التأمين، وهي كذلك في ظاهرها إلا أن الحفر في أثريات التأمين القديمة (قوانين التأمين، وثائق التأمين، مستندات شركات التأمين، إعلاناتها التجارية، تقاريرها وحساباتها السنوية، محاضر جلسات مجالس الإدارة … الخ)، بافتراض توفرها لدى شركات التأمين، تُشكّل، بالإضافة إلى المذكرات غير المنشورة والكتب التاريخية المطبوعة، والمقالات المتناثرة في الصحف العربية مادة أساسية للبحث.

 

لذلك أزعم بأن معظم ما نذكره عن تاريخ كيانات التأمين والنظم المتعلقة بها، بما فيها القوانين المنظمة للنشاط التأميني، ليست مُسندة بأدلة تاريخية.

 

[2] استمرار بقاء وكالات شركات التأمين الأجنبية

 

يُخبرنا الأستاذ بهاء، من موقف العارف بتفاصيل موضوعه ويحاجج بأن التأمين

 

لم يمارس في البلاد العربية الا في أواسط القرن التاسع عشر. وكانت هذه البلاد عبارة عن ولايات تابعة للدولة العثمانية وقد ابتدأت ممارسته من قبل الوكلاء التجاريين لشركات التأمين الاجنبية. وحيث ان عقد التأمين لم يكن من ضمن العقود المسماة في الشريعة الاسلامية وحيث انه من عقود الغرر، فقد جوبه برفض قاطع من قبل فقهاء المذاهب السنية الأربعة وافتي بتحريمه بحجة انه عقد قمار محرم شرعا وعقد ربوي يتضمن اكل مال الغير بالباطل. وكان من نتيجة هذه الفتاوى ان أحجم اصحاب رؤوس الأموال العرب عن استثمار اموالهم في تأسيس شركات تأمين الامر الذي أدى الى بقاء وكلاء الشركات الاجنبية هم وحدهم الجهة التي تسيطر على أسواق التأمين العربية حتى بعد ان انفصلت هذه الولايات عن الدولة العثمانية لتصبح دولا مستقلة صوريا.

 

وهو هنا يقدم لنا تفسيراً مقنعاً لاستمرار بقاء وكلاء شركات التأمين الأجنبية في أسواق التأمين العربية إذ أن الإيديولوجيا الدينية المهيمنة، رغم بدء التحول نحو العلمانية في الدولة العثمانية[3] والحكم الوطني فيما بعد، كانت تحول دون الاستثمار في تأسيس شركات التأمين. ومن المؤسف، أن تاريخ وكالات شركات التأمين الأجنبية، كما أرى، لم يخضع للبحث ضمن التطور الاقتصادي للبلاد العربية. وبالنسبة للعراق فإننا نشير إلى هذه الوكالات ولكن دون أن نعرف عنها الكثير.[4]

 

ويمضي الأستاذ بهيج بالقول، اعتماداً على ما ذكره، أن أسواق التأمين العربية:

 

لم تؤسس فيها شركات تأمين عربية الا في النصف الثاني من القرن العشرين، فكان هذا هو السبب الذي جعل المشرعين العرب يركزون على وكلاء التأمين في قوانين الرقابة على اعمال التأمين التي شرعت خلال النصف الاول من القرن العشرين، فالزموهم بالحصول على ترخيص من سلطة الرقابة كي يتمكنوا من ممارسة نشاطهم وبشرط ان يودع الوكيل في المصرف الذي تعينه السلطة المذكورة وديعة مالية معينة عن كل فرع من فروع التأمين التي أجيز بممارستها،[5] ولم أرَ في تلك القوانين المذكورة اي ذكر للوسيط “السمسار”.

 

تشير بعض الكتابات العربية إلى تأسيس شركات تأمين عربية في النصف الأول من القرن العشرين. فشركة مصر للتأمين أسسها الاقتصادي الوطني المصري طلعت حرب باشا، الذي يعتبر رائداً للنشاط التأميني الوطني في مصر، سنة 1934.[6] وتأسست شركة التأمين العربية في فلسطين سنة 1944 (انتقلت من مركزها الرئيسي في يافا إلى بيروت سنة 1948).[7] كما تأسست شركة الرافدين للتأمين في بغداد سنة 1946 برأسمال أجنبي (60%) ورأسمال عراقي (40%).[8] تاريخ هذه الشركات بانتظار من يقوم بكتابته بالرجوع إلى أثريات التأمين، وكذلك تاريخ نشوء وتطور شركات وساطة التأمين العربية.[9]

 

ويثير الأستاذ بهاء قضية مهمة عندما يقول انه في غياب شركات التأمين العربية فإن “المشرعين العرب يركزون على وكلاء التأمين في قوانين الرقابة على اعمال التأمين التي شرعت خلال النصف الاول من القرن العشرين.” يعني هذا أن الدولة بدأت تنتبه إلى أهمية النشاط التأميني في الاقتصاد الوطني، وكذلك تنظيم عمل المؤسسات الاقتصادية.

 

[3] وسيط التأمين في قانون التأمين العراقي

 

يقول الأستاذ بهاء إن وسيط التأمين لا يرد له ذكر في القانون العراقي [قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005]:

 

وعندما اقتبس المشرع العراقي نصوص القانون الاردني لم يشر الى وسيط التأمين. لهذا فان ديوان التأمين العراقي له الحق في ان يتردد في منح الوسيط الأجنبي رخصة ممارسة العمل في العراق لجهالة طبيعة هذا العمل ولعدم ورود ذكر لوسيط التأمين في القانون العراقي، علما بأننا نعتقد ان هذا الوسيط الأجنبي هو وسيط اعادة تأمين “سمسار اعادة تأمين” وليس وسيط تأمين مباشر.

 

للوهلة الأولى يبدو هذا القول صحيحاً فالمادة 2-ثامناً- مُكرّسة لتعريف وسيط اعادة التامين (وليس وسيط التأمين المباشر) إذ يرد في التعريف بأنه “الشخص المجاز من الديوان ليمارس الوساطة بين شركة التأمين وشركة اعادة التأمين.”

 

لكننا نلاحظ بأن الفصل الأول من الباب السادس مخصص لوكلاء ووسطاء وخبراء التأمين، فالمادة 76 من هذا الفصل تنص على أنه:

 

لا يجوز لأي شخص أن يمارس أعمال وسيط تأمين أو وسيط إعادة التأمين إلا بعد حصوله على ترخيص من الديوان وفق الشروط التي يحددها رئيسه بتعليمات يصدرها لهذه الغاية تتضمن تنظيم أعماله وتحديد مسؤوليته وإجراءات ومتطلبات ترخيصه والمؤهلات المطلوبة.

 

فضلاً عن ذلك فإن التعليمات رقم (10) لسنة 2006 الصادرة من ديوان التأمين[10] هي “تعليمات إجازة وسيط التأمين وتنظيم أعماله وتحديد مسؤولياته.” ويرد في المادة 1-أولاً:

 

لا يجوز لأي شخص ممارسة أعمال وسيط التأمين أو وسيط إعادة التأمين في العراق إلا بعد حصوله على إجازة من ديوان التأمين بذلك …” (التأكيد من عندي)

 

وحسب البيانات الصادرة من ديوان التأمين كما في 31 كانون الأول 2016 كان هناك 9 وسطاء تأمين ووسطاء إعادة تأمين بينهم 5 وسطاء تأمين و 4 وسطاء إعادة التأمين وهؤلاء يمثلون شركات وساطة تأمين أجنبية. لكن حجم النشاط الذي تقوم به شركات الوساطة هذه ليست معروفة، وليست هناك أية إحصائيات خاصة بها، كما لا يعرف عدد العاملين فيها.

 

[4] هل هناك وسطاء في أسواق التأمين العربية؟

 

يثير الأستاذ بهاء تحدياً في قوله إن

 

… أسواق التأمين العربية، فيما عدا ما يتعلق بإعادة التأمين، لا تتعامل بنظام السمسرة، وان اتفاقيات وساطة التأمين التي اشرتَ لها في هامش البحث اما انها تتعلق بسمسرة اعادة التأمين او انها مجرد حبر على ورق، وإذا كنت تعرف اي سوق عربي يتعامل بنظام سمسرة التأمين المباشر، أرجو ان تدلني عليه لأصحح معلوماتي.

 

حسب علمي فإن أسواق التأمين في المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، فلسطين، المملكة العربية السعودية، اليمن، عُمان، قطر، دولة الإمارات العربية، الكويت، الأردن، لبنان، سوريا، العراق، تتعامل، بدرجات متفاوتة مع وسطاء التأمين المباشر. وهناك قوانين تنظم عمل الوسطاء. عدد وسطاء التأمين المباشر ليس متوفراً عندي[11] ويلعب وسطاء التأمين في كل من المغرب ولبنان دوراً كبيراً في إنتاج الأعمال لشركات التأمين. ففي سنة 2015 أنتج وسطاء التأمين في لبنان أزيد من 234 مليون دولار.[12]

 

وعلى العموم فإن سماسرة التأمين المباشر هم الأكثر عدداً في هذه الأسواق. إن حضور السماسرة في أسواق التأمين العربية يتعمق بفضل تزايد دورهم في الوصول إلى المؤمن لهم المرتقبين، وهم بذلك يلعبون دوراً مهماً في ترويج الحماية التأمينية بين الأفراد والشركات، وبالتالي فإنهم يساهمون في زيادة الطلب على الحماية التأمينية. ولم يأتي تأسيس رابطة وسطاء التأمين العرب سنة 2008 تحت مظلة الاتحاد العام العربي للتأمين من فراغ وإنما لتزايد دورهم والميل لدى البعض منهم لإضفاء المهنية professionalisation على عملهم.

 

من تجربتي الشخصية في العمل في شركة وساطة للتأمين وإعادة التأمين في سوق لندن أستطيع التأكيد أن للشركة ومن خلال ذراعها العالمي، ومنذ عدة سنوات، شركتي وساطة مسجلتان في دولة الإمارات العربية، إحداهما تمارس أعمال وساطة التأمين داخل الإمارات، والأخرى تمارس أعمالها من خلال تواجدها في مركز دبي المالي العالمي (DIFC).

 

[5] في تعليل أسباب تقلص عدد شركات وساطة التأمين في الأسواق الغربية

 

يثير الأستاذ بهاء هنا مسألة ذات طابع إشكالي:

 

اما بخصوص سمسرة اعادة التأمين، فاني اتفق معك بان بعض شركات السمسرة الانجليزية قد تمت تصفيتها، ولكن السبب في ذلك لم يكن لجوء شركات التأمين المباشر لممارسة التجارة الإليكترونية لإسناد محافظ أخطارها، بل السبب في رأي، هو ان الذهنية التأمينية في بداية القرن العشرين كانت ضعيفة جدا في الدول العربية ودوّل العالم الثالث، كما ان الخبرة الفنية لدى اجهزة شركات التأمين تكاد ان تكون منعدمة في ذلك الوقت، لهذا لم يكن امام هذه الشركات الا اللجوء لسماسرة اعادة التأمين لإسناد اخطار محافظها، ولكن بعد ان اتسعت الذهنية التأمينية في أواخر القرن العشرين وزادت خبرة الأجهزة الفنية للشركات …. حمل بعض هذه الشركات على القيام بإسناد اخطار محافظها لشركات اعادة التأمين المتخصصة مباشرة، وابرز مثال على ذلك هو شركة التأمين الوطنية التي قطعت علاقتها بشركة سمسرة اعادة وباشرت الاسناد المباشر لشركات اعادة التأمين المتخصصة، فإحجام الشركات العربية وشركات العالم الثالث عن الاستعانة بالخبرات الاجنبية هو سبب ظاهرة تصفية شركات السمسرة.

 

لا أرى رابطة حقيقية بين ظاهرة تصفية [عملية استحواذ ودمج] شركات وساطة إعادة التأمين وتقلص عددها في بعض أسواق التأمين العالمية ومنها سوق لندن، وتضاؤل طلب أسواق التأمين العربية وأسواق دول “العالم الثالث” لخدمات هؤلاء الوسطاء، بفضل ما يسميه الأستاذ بهاء اتساع الذهنية التأمينية في هذه الأسواق. القبول بهذا الرأي معناه أن سوق لندن، مثلاً، ما كان له أن يتطور لولا الطلب الوارد على حماية إعادة التأمين من أسوق التأمين العربية. وفي هذا اختزال فظ للتحولات التي شهدتها سوق لندن بضمنها سوق لويدز. صحيح أن احتفاظ الأسواق العربية[13] بالأخطار آخذ بالازدياد التدريجي (بفضل تأسيس المجمعات، وزيادة رأس المال والاحتياطيات، وتأسيس شركات وطنية لإعادة التأمين وغيرها) وبالتالي فقد تقلّص طلبها في السنوات الأخيرة لاتفاقيات إعادة التأمين الاتفاقي النسبي واقتصر هذا الطلب على الاتفاقيات غير النسبية التي تحتاج إلى معرفة فنية إضافة إلى معرفة بأسواق إعادة التأمين المتخصصة بالأشكال المختلفة لهذه الاتفاقيات، وبعضها على درجة عالية من التعقيد، وخاصة في مجال آليات تحويل الأخطار البديلة alternative risk transfer (ART)، بحيث يصبح الاعتماد على وسيط إعادة التأمين الدولي ضرورياً للوصول إلى الأسواق المتخصصة ولتفكيك طلاسم هذه الآليات التي تجمع بين إعادة التأمين وأدوات أسواق رأس المال. لكن معظم شركات التأمين العربية لا تستخدم آليات تحويل الأخطار البديلة.

 

علينا أن نتذكر أن الطلب على إعادة التأمين، قبل تطور الطلب المحلي على ما يعرف بوثائق التأمين الشخصي personal line insurances ممثلة في السنوات القليلة الماضية في بعض الأسواق العربية بالتأمين الصحي، كان عالياً بسبب عدم توازن المحفظة الاكتتابية لشركات التأمين العربية. وكان اللجوء إلى الحماية الإعادية وسيلة لتحقيق درجة من التوازن في المحفظة.

 

في دراسة ظاهرة تقلص عدد وسطاء التأمين في أسواق التأمين الغربية، وقد ركّزتُ على سوق لندن في هامشي رقم 5 على رسالتك،[14] لا يمكننا التغاضي عن الدور الكبير الذي يلعبه التطور التكنولوجي عموماً وتطور تكنولوجيا المعلومات في ردم الفجوة بين المؤمن لهم وشركات التأمين وخاصة، وكما ذكرتُ، بالنسبة لوثائق التأمين النمطية كتلك التي نجدها في التأمين على السيارات والمساكن. وفي السنوات القليلة الماضية ظهرت مواقع إلكترونية تُعرف باسم aggregators تُمكّن طالب التأمين، من خلال إكمال استمارة تضمُّ عدداً من الأسئلة، الحصولَ على عروضٍ للتأمين من عدة شركات وتصنف هذه العروض بدءاً بأوطأ الأسعار ويترك لطالب التأمين اختيار ما يراه مناسباً له. هذا النمط من تسويق المنتج التأميني لم يكن ليتحقق لولا تطور استخدامات تكنولوجيا المعلومات.

 

ثم انني ركزت على التقلّص الكبير، وهو يقرب من بضعة آلاف، في عدد وسطاء التأمين، القليل جداً منهم يعمل في مجال إعادة التأمين. إن أغلب هؤلاء الوسطاء يشكّلون شركات صغيرة تدير أعمالها في مواقع الشوارع الرئيسية في المدن high street brokers وتضم بضعة أفراد، وليس لهذه الشركات علاقة بشركات التأمين العربية وطلبها لإعادة التأمين.

 

إن تأثير تكنولوجيا المعلومات والفضاء السِيبراني في ازدياد ووصل الأمر إلى ان جباية أقساط التأمين وتسديد التعويضات وحتى التفاوض بين الوسيط ومكتتب التأمين صار يتم عن بعد من خلال التواصل الإلكتروني.

 

إضافة إلى ذلك فإن النظام الرأسمالي معروف بميله نحو التركّز، وتمثل ظاهرة الاستحواذ والاندماج تعبيراً لهذا الميل. الهدف الأول والأكبر للشركات الرأسمالية هو تحقيق أقصى الأرباح ولن يتمّ ذلك بوجود المنافسة القوية. ولذلك فإن الحد من المنافسة يصبح مطلباً مهماً لصاحب رأس المال أو من يمثله في إدارة الشركة. ونعرف أن الحكومات في الدول الرأسمالية تعمل بدورها إلى الحد من التوجّه نحو الاحتكار، لكن الحكومة البريطانية، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، لم تتحرك عندما تم الاستحواذ على شركات وساطة تأمين إنكليزية عريقة من قبل شركات أمريكية بحيث أن أكبر ثلاث شركات وساطة تأمين أمريكية في سوق لندن تخضع في الوقت الحاضر لملكية رأس المال الأمريكي.

 

فيما يخص قطع شركة التأمين الوطنية علاقتها بشركة سمسرة اعادة التأمين ومباشرتها الاسناد المباشر لمحافظها لدى شركات إعادة التأمين المتخصصة (وأظن أن ذلك كان في أوائل ستينيات القرن الماضي) فإنه لم يستمر طويلاً ولم يُلغي اعتماد الشركة على وسطاء إعادة تأمين آخرين لترتيب اتفاقيات إعادة التأمين غير النسبية للشركة كاتفاقيات وقف الخسارة، وكذلك بعض أعمال إعادة التأمين الاختياري.

 

أشكر الأستاذ بهاء بهيج شكري على رسالته وإثارة قضايا مهمة في تطور صناعة التأمين العربية والتي وفَّرت الفرصة لمناقشتها بهدف البناء على ما أفاد به. ولعل من هم أصغر عمراً منا وأكثر معرفة يساهمون في تطوير دراسة بعض القضايا المطروحة في هذه الرسالة.

 

5 حزيران 2017

[1] الرسالة منشورة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/05/رسالة-بهاء-بهيج-شكري-إلى-مصباح-كمال-20-أيار-2017-نظام-الوكالات-والمنتج….pdf

 

[2] ظهر هذا التعبير في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وربما في غيرها من أسواق التأمين، في سياق البحث عن وثائق التأمين التي تغطي المسؤوليات القانونية للشركات الصناعية تجاه العاملين أو الأطراف الثالثة فيما يتعلق بالإصابات الناتجة عن التعرض المستمر للأسبستوس، وبعضها يرجع إلى أربعينيات ولغاية سبعينيات القرن الماضي، لتمكين هذه الشركات بمطالبة شركات التأمين للتعويض عن الإصابات البدنية والأضرار التي نشأت أسبابها قبل عدة عقود. للتعرف على موضوع أركيولوجيا وثائق التأمين راجع:

https://www.irmi.com/articles/expert-commentary/insurance-archaeology-a-strategic-imperative-for-policyholders-and-insurers

وبالنسبة للآثار التأمينية لمرض الأسبستية (التليف الرئوي بسبب استنشاق جسيمات الاسبستوس) asbestosisوخاصة المسؤوليات الضخمة التي تحمّلتها سوق لويدز راجع:

Adam Raphael, Ultimate Risk (London: Corgi Books, 1995), pp 129-159.

[3] أنظر: مصباح كمال، “التأمين كمؤسسة علمانية: نظرة تاريخية موجزة،” الثقافة الجديدة، العدد المزدوج 378-379، تشرين الثاني 2015، ص 104-114. نشر المقال أيضاً في مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2015/12/insurance-as-secular-institution.html

[4] ربما تكون محاولتي اليتيمة في اقتفاء بعض المعلومات عن هذه الوكالات في العراق هي الأولى من نوعها. أنظر: مصباح كمال، “وكالات التأمين في العراق عام 1936: محاولة في التوثيق،” مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/05/1936-19-2012-1936-1936-883.html

وكذلك: مصباح كمال: “اليهود والنشاط التأميني في العراق: التأمين في ذاكرة عزرا حكّاك،” مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2016/11/jews-insurance-activity-in-iraq.html

وتظل هذه المحاولات غير مكتملة وتحتاج إلى من يحفر في أثريات التأمين لإشباع الموضوع.

 

[5] أنظر بهذا الشأن أحكام قانون شركات التأمين رقم 74 لسنة 1936 في مقالنا “إطلالة على بواكير التأمين والرقابة على النشاط التأميني في العراق،” مجلة الثقافة الجديدة، العدد 331، 2009. نشر أيضاً في مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2009/09/331-2009-44-52.html

 

[6] الاتحاد المصري للتأمين، صناعة التأمين في مصر عبر قرن ونصف (القاهرة: الاتحاد، 2014)، ص 26-27. يرد في الكتاب أسماء شركات تأمين أخرى.

 

[7] “التأمين في لبنان…تاريخ عريق وآفاق من غير حدود!” فصل في كتاب جوزف زخور، كتابات في التأمين وإعادة التأمين (بيروت: ج. زخور وشركاه، 1998)، ص 11-12.

 

[8] لم أعثر على تفاصيل هذه الشركة: أسماء المساهمين العراقيين في رأس المال، مديرها العام، عدد العاملين، أنواع التأمين التي كانت تكتتب بها … الخ.

 

[9] لا نعرف من كان أول وسيط تأميني عربي لكن المرحوم جاد قبّان نشر مذكراته بالإنكليزية لتوثيق دوره الرائد في وساطة التأمين في لبنان: Jad G. Kabban, Memoirs of a Pioneer Arab Insurance Broker (Jounieh, published privately, 2004).

أنظر: جوزف زخور، “جاد قبان .. إرث تزهو به “يو آي بي”” مجلة البيان، العدد 399، شباط/فبراير 2005، ص 95. ويرد في هذا التأبين أن جاد قبان بعد عودته إلى لبنان من المملكة العربية السعودية، حيث كان يعمل مع شركة الزيت الأمريكية أرامكو، “التحق بشركة اوفرسيز بروكرج سرفيسز (OBS) التي كان أطلقها رجل الأعمال الأمريكي اللبناني الأصل الكس نادر، وهي الشركة التي أدخلت وساطة التأمين بوجهها الحديث إلى لبنان …”

[10] الوقائع العراقية، العدد 4038 الصادرة بتاريخ 26 آذار 2007.

[11] ليست هناك معلومات منشورة عن عدد الوسطاء في أسواق التأمين العربية سوى ما نشره بنك معلومات التأمين العربي وهي للفترة 2010-2011:

http://insurabia.jo/websiteDocs/BrokersAndAgents/wosata-ar.pdf

 

[12] http://www.meinsurancereview.com/Magazine/ReadMagazineArticle/aid/38542/Lebanon-Independent-brokers-generate-234-mln-in-premiums-in-2015

 

[13] Abdul Zahra Abdulla Ali, Insurance Development in the Arab World: Available Domestic Retention Capacity and Demand for International Reinsurance (London: Graham Trotman, 1985).

[14] http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/05/رسالة-بهاء-بهيج-شكري-إلى-مصباح-كمال-20-أيار-2017-نظام-الوكالات-والمنتج….pdf ص 4

Baha Baheej Shukri: Ottoman Insurance Law 1905

من رسائل بهاء بهيج شكري:

قانون السيكورته العثماني

 

 

نشرت هذه الرسالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

من رسائل بهاء بهيج شكري*: قانون السيكورته العثماني

 

 

عمان في ٢١ حزيران ٢٠١٧

 

الأخ العزيز مصباح المحترم[1]

 

بعد التحية

 

قبل البدء في البحث في قانون السيكورتة العثماني، أجد من الضروري ان أمهد للبحث بتوضيح الفرق بين التأمين البحري والتأمين البري، وعلاقة نظام التأمين بنظام النقل البحري، ثم ألقي نظرة سريعة على تطور تقنين نظام التأمين في البلاد العربية.

 

إن نطاق التأمين البحري ينحصر بتغطية النقل الدولي، سواء أكان نقلاً بحرياً صرفاً (Maritime Transport) او نقلا متعدد الوسائط (Multimodal Transport)، وهو ينفرد بقواعد قانونية خاصة به غير القواعد القانونية التي تحكم عقد النقل البحري بصنفيه، وعلى الرغم من ذلك فان قواعد العقدين يجمعهما تشريع واحد هو قانون التجارة البحرية. اما ما يتعلق بالتأمين البري فهو لا علاقة له بعملية النقل إلا بقدر تعلق الأمر بالنقل البري الصرف (Inland Transport) وقواعده القانونية لا تنضوي تحت نفس النظام القانوني الذي تنضوي تحته النصوص القانونية التي تحكم عقد النقل البري، فعقد التأمين البري يخضع للتقنين المدني وعقد النقل البري يخضع للتقنين التجاري.

 

لقد كنت ان أوضحت في رسالة سابقة انه على الرغم من ان التأمين البحري بشكله المتطور كان قد مورس من قبل اللومبارد في منتصف القرن الرابع عشر الا انه لم يُعرف في ولايات السلطنة العثمانية الا في منتصف القرن التاسع عشر حيث اتسع نطاق التجارة البحرية بين السلطنة العثمانية والدول الأوربية، فأصبحت الفرصة مؤاتية لشركات التأمين الاوربية ان تبعث وكلاء عنها الى السلطنة العثمانية ليستقروا فيها بعد حصولهم على موافقة السلطان ويباشروا إصدار عقود التأمين البحري لتغطية ما يستورده ويصدره تجار الولايات العثمانية، التي يطلق عليها دار الإسلام، من والى الدول الأوربية، التي يطلق عليها دار الحرب.

 

وبالرغم من فتوى تحريم عقد التأمين البحري باعتبار كونه عقداً يتضمن الإلزام بما لا يلزم حسب ما وصفه به الامام محمد بن عابدين الحنفي، فقد استمر عمل وكلاء التأمين بإبرام عقوده. ومن اجل إيجاد قواعد قانونية تنظم مختلف أنشطة التجارة البحرية وتضع حداً لفتوى تحريم عقد التأمين البحري قامت السلطنة العثمانية بتشريع قانون التجارة البحرية العثماني في ٦ ربيع اول سنة ١٢٨٠ هجرية المصادف ١٣ تشرين اول سنة ١٨٨٣ ميلادية. وقد تضمن القانون المذكور في الفصل السابع منه النصوص القانونية المتعلقة بعقد النقل البحري، وفي الفصل الحادي عشر القواعد القانونية المتعلقة بعقد التأمين البحري، وقد كان هذا القانون محفّزا لوكلاء شركات التأمين بزيادة نشاطهم وتوسيع دائرة هذا النشاط في مختلف ولايات السلطنة.

 

ونظراً للترابط بين التجارة البحرية الدولية والتجارة الداخلية الاقليمية فقد ازدهرت هذه التجارة الاخيرة شاملة عقود البيع والخزن والنقل الداخلي للبضائع بين الولايات والتعاملات المصرفية، مما اضطر السلطنة العثمانية الى تشريع قانون آخر لتنظيم القواعد القانونية للتجارة البرية، فشرع قانون التجارة البرية العثماني في جمادي الثاني سنة ١٣٢٣ هجرية. وقد جاء هذا القانون محفّزاً آخر لوكلاء شركات التأمين الاجنبية لينوعوا من نشاطهم كي يشمل تأمين النقل البري الداخلي للبضائع بين ولايات السلطنة وتأمين الممتلكات الاخرى المنقولة والعقارية من حوادث الحريق والسرقة والحوادث الأخرى. وقد نبَّه هذا التصرف، من قبل الوكلاء، السلطنة العثمانية الى ان قانون التجارة البرية العثماني جاء خالياً من القواعد القانونية التي تنظم عقد التأمين البري، فبادرت لتشريع ذيل لقانون التجارة البرية العثماني يتضمن القواعد المذكورة ووصف هذا الذيل بكونه قانون السيكورتاه وأُلحق بقانون التجارة البرية العثماني في ٢٩ محرم ١٣٢٤ هجرية المصادف ٩ آب ١٩٠٥.

 

بعد هذه النبذة التاريخية عن ظروف تشريع القانون المذكور، اعود لدراسة مختصرة لأحكامه، فقد نصّت المادة الاولى منه على تعريف عقد التأمين بكونه يغطي الأموال المنقولة وغير المنقولة من الاتلاف (الخسائر) من كافة المهالك، ومن الواضح ان هذا القانون هو قانون تأمين بري ولا علاقة له بالتأمين البحري واشير الى انه جاء ذيلا لقانون التجارة البرية، كما تضمن في نهايته مادة خاصة اطلق عليها “المادة المخصوصة” نصّت صراحة على ان “الأحكام الواردة في حق الضمان البحري المذكورة في قانون التجارة البحرية تبقى مرعية الإجراء” وهذا يضع حداً لكل جدل حول طبيعة ونوع هذا القانون، ويؤكد كونه قانون تأمين بري.

 

وفي عودة لتعريف عقد التأمين الذي يتعلق به، فإن هذا العقد، كما جاء في المادة الاولى من القانون، يغطي الممتلكات المنقولة (Moveable Property) اي الأموال القابلة للنقل من حيّز مكاني الى آخر، كالأثاث البيتية والبضائع وغيرها، كما يغطي ايضاً الأموال غير المنقولة (Immoveable Property) اي الممتلكات العقارية، وان نطاقه لا يتحدد بحادث معين، بل يشمل “”كافة المهالك”” اي كافة الاخطار التي يحتمل ان تتعرض لها الأموال المنقولة وغير المنقولة، فيدخل ضمن ذلك خطر الحريق والسرقة وأخطار النقل الداخلي وخيانة الأمانة والمسؤولية المدنية وأي حادث اخر قابل للتأمين منه. وكررت المادة الثانية منه قاعدة إثبات عقد التأمين، بان يكون العقد تحريرياً، اي لا يمكن اثباته بالقرائن او البينة الشخصية، بل لابد من وجود وثيقة تأمين “”بوليصة”” لإثباته.

 

وفيما عدا المادة التاسعة من القانون، فقد تناولت المواد من ٣ الى ١٩ النص على الضوابط العامة لعقد التأمين منها تحديد مبلغ التأمين، وسقف مسؤولية المؤمن ووجوب توفر المصلحة التأمينية والتأمين الزائد والناقص والمكرر، وحق المؤمن في الرجوع على المتسبب بالضرر (Subrogation) وغير ذلك من ضوابط عقد التأمين. اما المادة التاسعة فقد تعلقت بالتأمين الزراعي فنصت على إمكانية التأمين على ضياع الفائدة المتوقعة من المحاصيل الزراعية والأثمار. وتولت المادة (٢٠) منه النص على إمكانية تغطية مسؤولية المؤمن له المُحتملة في حادث الحريق عما يلحق بالمبنى المجاور بسبب احتراق المبنى العائدة له.  ونصت المادة (٢١) على تحديد تاريخ سريان عقد التأمين، ونصت المادة (٢٢) على كيفية احتساب قيمة الخسارة في حالة الحريق الجزئي للممتلكات المؤمنة. اما المادة (٢٣) فتعلقت باحتساب الخسارة في التأمين الزراعي، واختصت المادتان (٢٤) و (٢٥) ببيان شروط تأمين النقل البري الداخلي.

 

لقد بقي هذا القانون وما زال ساري المفعول في العراق حتى كتابة هذه السطور وكذلك الحال بالنسبة لقانون التجارة البحرية العثماني. فبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى انتقلت ولاياتها للانتداب الانجليزي والفرنسي، وكانت ولاية الموصل وبغداد والبصرة التي يتكون من مدنها قطر العراق من نصيب بريطانيا العظمى، ولم تحاول السلطة الانجليزية تغيير الأنظمة القانونية التي كانت سائدة في الولايات المذكورة في زمن السلطنة العثمانية. وبموجب القانون الأساسي الذي شرع سنة ١٩٢٥ بقيت القوانين العثمانية نافذة في العراق ما لم يتم الغاؤها. ومنذ ذلك التاريخ وحتى هذا اليوم لم يلغ قانون التجارة البحرية العثماني، فيبقي هو الواجب التطبيق في جميع مسائل التجارة البحرية ومنها التأمين البحري، ما عدا قواعد النقل البحري التي تعتبر ملغاة بموجب قانون النقل العراقي.

 

اما قانون التجارة البرية العثماني فقد تم الغاؤه مجزأ على مراحل، فقد الغيت المواد من ٤٠ الى ٥٣ بموجب تعديل صدر سنة ١٣٣٤ هجرية، كما ألغيت المواد من (١) الى (٩) ومن (٢٣) الى (٤٦) بموجب المادة (٥١٠) من قانون التجارة العراقي رقم ٦٠ لسنة ١٩٤٣، وألغيت المواد من (١٠) الى (٣٩) بموجب المادة (٣٢١) من قانون الشركات رقم (٣١) لسنة ١٩٥٧. وأخيراً، ألغيت بقية المواد المتعلقة بالإفلاس بموجب المادة (٧٢٣) من قانون التجارة رقم (١٤٩) لسنة ١٩٧٠.

وبقي ذيل القانون العثماني “السيكورتاه” لم يشمله الالغاء، والدليل على استمرار نفاذه حتى الآن فإن لدي، وضمن مجموعتي الخاصة التي تركتها مع الأسف في بغداد، قراراً صادراً سنة ١٩٨٦، على ما اذكر، من الهيئة العامة لمحكمة تمييز العراق استندت فيه الى المادة (١٧) من قانون السيكورتة العثماني التي تتعلق بحق المؤمن بعد دفعه التعويض الى المؤمن له أنْ يرجع على المتسبب بالضرر لاسترداد ما دفعه من تعويض، حيث ان وكيل المدعى عليه حاول ان يدفع الدعوى بالتمسك بان حق الحلول ينحصر بالتأمين ضد الحريق وان الدعوى المقامة على موكله لا صلة لها بالتأمين ضد الحريق، وقد كسب الدعوى بداءة واستئنافاً الا ان الهيئة العامة لمحكمة تمييز العراق نقضت قرار محكمة الاستئناف معللة قضاءها، بان المادة (١٠٠٧) من القانون المدني قد نصت بان المسائل التي لم يرد ذكرها في القانون المدني تنظمها القوانين الخاصة، وان قانون السيكورتاه هو قانون خاص وان المادة (١٧) منه جاءت مطلقةً ولم تحصر حق الرجوع بالتأمين ضد الحريق.

 

هذا كل ما اعرفه عن هذا القانون.

 

وفي الختام أرجو قبول فائق تقديري.

 

بهاء بهيج شكري

 

ملاحظة: إن السيد ….. السامرائي (نسيت اسمه الاول) هو أول من نشر قانون التجارة البحرية العثماني وقانون السيكورتاه العثماني، في مجموعته للقوانين التجارية التي نشرها في العهد الملكي.[2]

 

[1] ترجع خلفية هذه الرسالة إلى رسالة سابقة للأستاذ بهاء بتاريخ 20 حزيران 2017 ذكر فيها الآتي: “لقد لفت انتباهي اهتمامك بقانون السيكورتة العثماني والذي يطلق عليه ايضا “قانون شركات الضمان”، فأرجو إعلامي بما تريد بحثه في هذا القانون، عسى ان يكون بمقدوري التعاون معك في ذلك.” وكتبتُ له بأنني حقاً كنت مهتماً بقانون السيكورتاه العثماني لسنة 1905 وأنني كتبت عنه مقالة اعتماداً على بعض المعلومات التي كانت متوفرة لي، نشرته في مجلة التأمين العراقي، (http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2011/04/ottoman-insurance-law-1905.html ونشرت ترجمته الإنكليزية في موقع History of Iraq

(http://iraqshistory.blogspot.co.uk/2011/04/ottoman-insurance-companies-act-1905.html

والمقالة متوفرة أيضاً كفصل في كتابي أوراق في تاريخ التأمين في العراق: نظرات انتقائية (منشورات شركة التأمين الوطنية 2011) ويمكن قراءته باستخدام هذا الرابط:

https://www.academia.edu/4261042/History_of_Insurance_in_Iraq_Selected_Perspectives_-_by_Misbah_Kamal

 

وكتبت أيضاً: “إن توفر الوقت لقراءة هذه المقالة ستكتشف بعض الأسئلة التي تنتظر الجواب ومنها: نفاذ قانون السيكورتاه أو توقف العمل به، معرفة أمثلة حقيقية عن تطبيق القانون في المحاكم العراقية للفصل في النزاعات بين المؤمن لهم وشركات التأمين بافتراض وجود مثل هذه الأمثلة وغيرها.  في ظني أن لديك معلومات ضافية، تاريخية وقانونية، حول خلفيات هذا القانون ومصائره.”

 

رسالة الأستاذ بهاء هذه أغنت الكتابة عن هذا القانون بما هو جديد في التطور القانوني. آمل أن يكون هذا القانون موضوعاً لبحث أكاديمي لنتعلم منه شيئاً عن تاريخ النشاط التأميني في العراق ضمن معطيات التطور الاقتصادي للعراق في أوائل القرن العشرين الذي جاء القانون كاستجابة له. (مصباح كمال)

[2] أتمنى أن يقوم أحد القراء المهتمين بتوفير الاسم الكامل للمؤلف، وعنوان الكتاب، وتاريخ نشره، إتماماً للفائدة العلمية ومساعدة الباحثين في الموضوع. (م.ك.)

Absence of Insurance in the USAID Governance Strengthening Project

غياب التأمين في مشروع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لتعزيز الحوكمة

 

 

مصباح كمال

 

 

نشرت نسخة أولية من هذه الورقة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

مصباح كمال *: غياب التأمين في مشروع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لتعزيز الحوكمة

 

(1)

 

نشرت شبكة الاقتصاديين العراقيين (دليل توزيع الأدوار والمسؤوليات بين (المحافظين ومدراء الدوائر))، المُعد من قبل مشروع تعزيز الحوكمة المموَّل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.[1] وكانت الوكالة قد أحالت عقد إعداد هذا الدليل على شركة كيمونكس الدوليةChemonics International وهي شركة أمريكية مقرها في واشنطن ولها عقود عديدة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وكانت بعض العقود التي نفذتها موضعاً لانتقاد دائرة المفتش العام للوكالة ذاتها.[2]

 

يستحق هذا التع45ليق الدراسة من قبل المختصين بالحكومات (الإدارات) المحلية خاصة وأنه ليس معروفاً إن ساهمت أية جهة عراقية في استقصاء الأوضاع المحلية أو كتابة الدليل.

 

(2)

 

يغطي الدليل (211 صفحة)

 

  • توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع الصحة.
  • توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع التعليم.
  • توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع الإسكان والإعمار.
  • توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع البلديات.

 

وهناك خيط مشترك في جميع هذه الفصول يضم الوظائف الفنية والتخصصية، والوظائف الإدارية والمالية، والوظائف القانونية. ويأتي العرض من خلال تبويب المقترحات في جداول كل منها يضم حقلاً لوصف الوظيفة، وحقلاً للصلاحيات المقترحة لمدير كل دائرة، وحقلاً للصلاحيات المقترحة للمحافظ. لا يضم الدليل مدخلاً عاماً لعرض خلفية الدليل، والفترة التي تم فيها إعداده، والأفكار والتطبيقات العملية المعتمدة، إلا أن بعض فصول الدليل تشير إلى خلفيات قانونية مع شيء من التعليق من باب التقديم.

 

(3)

 

تصفّحتُ هذا الدليل على عجل بهدف الاطلاع على محتوياته والتحري عن حضور التأمين في الصلاحيات المقترحة لمدراء الدوائر في المحافظات أو الصلاحيات المقترحة للمحافظين. لا يرد في الدليل أي ذكر للتأمين بمعناه الاصطلاحي رغم أن المحافظات لها ممتلكات مختلفة وتتولى إدارتها ويمكن أن تتعرض لأضرار مادية أو مسؤوليات قانونية تجاه مستعمليها أو المستفيدين منها أو غيرها من أطراف ثالثة.

 

سأركز فيما يلي، باختصار وكمثل، على بعض ما ورد في توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع الصحة، فيما يخص غياب التأمين تحديداً.

 

(4)

 

يرد في الصفحة (8) بشأن وظيفة “التعاقد لتنفيذ المشاريع الاستثمارية وتشييد المستشفيات وباقي المؤسسات الصحية” الصلاحيات المقترحة التالية لمدير الصحة:

 

  • صياغة عقود المشاريع الاستثمارية.
  • توقيع وتنفيذ العقود حسب تعليمات تنفيذ الموازنة.
  • اقتراح بناء المراكز الصحية وفق الضوابط المركزية المُعدة من وزارة الصحة وإنشاء مصارف الدم في المحافظات ضمن معايير وزارة الصحة وإنشاء وتهيئة مستلزمات مراكز الإسعاف الفوري وكل ما يتعلق بها من معدات ضمن معايير معتمدة وبالتنسيق مع وزارة الصحة وإنشاء مراكز تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة ومصانع الأطراف الصناعية وتوفير المستلزمات الخاصة بذلك.
  • تهيئة المتطلبات للمشاريع الصحية والتي تدخل ضمن الخطة الاستثمارية وحسب متطلبات وزارة التخطيط وإعداد المتطلبات وتخصيص قطع الأراضي وإدراج المشاريع ومن ثم وثائق المناقصة.
  • تشكيل دوائر المهندس المقيم واقتراح منْح الصلاحيات الإدارية والفنية والمالية.
  • تدقيق ومصادقة المخططات وجداول الكميات لكافة المشاريع الصحية (عدا مستشفيات 200 سرير فما فوق والمراكز التخصصية).

 

كل هذه المقترحات يمكن أن تكون موضوعاً للتأمين الهندسي. صحيح أنه يمكن للمحافظة، عند صياغة عقود المشاريع الإنشائية، أن تحوّل مسؤولية التأمين على المقاول الذي يقوم بالأعمال الإنشائية لكن ذلك لا يعفيها من مهمة الإشراف على الأعمال وضمان حسن تقدمها وغيرها من المهام التي تقع على عاتقها كرب عمل.

 

وتحت عنوان “الوظائف الفنية والتخصصية” (ص 10) يذكر الدليل الصلاحيات المقترحة لمدير عام الصحة وهي:

 

  • تحديد المخاطر وتقييمها.
  • إعداد خطة طوارئ سنوية وتحديثها.
  • تحديد الكلف المالية التقديرية لخطة الطوارئ.

 

“تحديد المخاطر وتقييمها” هي من بين الإجراءات المستخدمة في إدارة أخطار المنشآت إضافة إلى إجراءات أخرى (منع هذه المخاطر أو التقليل من فرص وقوعها أو التخفيف من آثارها. ومنها أيضاً التفكير بسبل تحويل الأعباء المالية المترتبة على تحقق هذه المخاطر من خلال صندوق مالي مخصص للطوارئ (وهو ما يشبه التأمين الذاتي) أو من خلال تحويل هذه الأعباء إلى شركات التأمين لقاء قسط تأمين معلوم.

 

خطة الطوارئ السنوية annual contingency plan وكذلك الكلف المالية التقديرية لها علاقة بالتأمين أيضاً، إن كان المراد منها هو ضمان توفير الخدمات عند تحقق مخاطر توقف العمل.

 

وسؤالي هو: لماذا لا يجد التأمين حضوراً له ضمن الصلاحيات المقترحة للمدير أو المحافظ؟

 

نجد غياب التأمين أيضاً في بالنسبة لوظيفة “إدارة الأملاك والتصرف بها” (ص 25) إذ يحدد الدليل الأدوار والمسؤوليات المقترحة لمدير هذه الدائرة كما يلي:

 

  • شطب الموجودات المفقودة والمتضررة والتالفة لأي سبب كان إذا كانت قيمتها الدفترية لا تزيد عن 5,000,000 خمسة ملايين دينار [الصلاحية المقترحة للمحافظ هي 50,000,000 مليون دينار].
  • تأجير الأبنية للمراكز الفرعية.
  • تقديم المشورة الفنية والقانونية [و] متابعة شؤون أملاك الدائرة.
  • تأجير العمال والآليات والمعدات بالأسعار السائدة.

 

جميع هذه الفقرات لها بُعدٌ تأميني: شطب الموجودات معناه خسارة تامة بالإمكان التعويض عنها إن كانت الموجودات المفقودة والمتضررة والتالفة خاضعة لحماية تأمينية. تأجير الأبنية يترتب عليه مسؤولية قبل المالك أو المستأجر يمكن أن يكون موضوعاً للتأمين كممتلكات مادية ومسؤوليات قانونية لقاء اشغال الممتلكات. وقل مثل ذلك عن تقديم المشورة الفنية والقانونية التي يمكن أن تكون موضوعاً لوثيقة التأمين من المسؤولية المهنية. وكذا الحال بالنسبة لتأجير العمال والآليات والمعدات إذ يتوجب تحديد الطرف المسؤول عن الإصابات التي قد تلحق بالعمال أو الأضرار التي تلحق بالآليات والمعدات نتيجة لحوادث غير متوقعة.

 

(5)

 

يحتل التأمين مكانة مهمة ضمن الوظائف التي تقوم بها الحكومات المحلية في البلدان المتقدمة. البعض منها تؤمن على المخاطر المادية والمسؤوليات الناشئة عن أداء وظائفها من خلال التأمين الذاتي، أي أنها لا تلجأ إلى سوق التأمين التجاري؛ أو تتعاون فيما بينها لتكوين شركة تبادلية mutual تقوم بالوظيفة التي تقدمها شركات التأمين التجاري؛ أو تلجأ إلى سوق التأمين التجاري المفتوح لتشتري منه ما تحتاجه من حماية تأمينية.

 

كان بإمكان الشركة الاستشارية التي أعدت الدليل الاستفادة من تجربة شركات التأمين التبادلية في الولايات المتحدة الأمريكية المتخصصة بالتأمين على ممتلكات الإدارات المحلية، أو تجربة بعض الدول الأوروبية.

 

كان من المستحسن إضافة إدارة الخطر والتأمين إلى الوظائف الفنية والتخصصية إلى الدليل وعرض الصلاحيات المقترحة تجاهها لكل من مدير الدائرة والمحافظ. صحيح أن إدارة، مكتملة في تنظيمها وإدارتها، كهذه ليست موجودة في أجهزة الدولة وشركات القطاع العام، والقطاع الخاص أيضاً، إلا أن إدخالها في الدليل كان سيشكل بادرة مهمة لتأسيس الإدارة المناسبة وتكون بذلك مثالاً يمكن الاحتذاء به وتطويره في المستقبل من قبل أطراف أخرى. ربما هناك طاقات كامنة في المحافظات يمكن الاستفادة منها، بعد تدريب مناسب، للعمل في إدارة الخطر والتأمين.

 

ترى هل أن غياب الوظيفة التأمينية في الدليل جاء لقناعة مُعدّي الدليل أن هذه الوظيفة ليست موضوعاً للحوكمة التي ترغب بها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية؟ أم أنه جاء نتيجة سهو؟

 

مصباح كمال

11 حزيران 2017

[1] لقراءة النص الكامل لهذا الدليل أنظر:

مشروع تعزيز الحوكمة في العراق (تقدم): دليل توزيع الأدوار والمسؤوليات بين (المحافظين ومدراء الدوائر)

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Chemonics