Absence of Insurance in the USAID Governance Strengthening Project

غياب التأمين في مشروع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لتعزيز الحوكمة

 

 

مصباح كمال

 

 

نشرت نسخة أولية من هذه الورقة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

مصباح كمال *: غياب التأمين في مشروع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لتعزيز الحوكمة

 

(1)

 

نشرت شبكة الاقتصاديين العراقيين (دليل توزيع الأدوار والمسؤوليات بين (المحافظين ومدراء الدوائر))، المُعد من قبل مشروع تعزيز الحوكمة المموَّل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.[1] وكانت الوكالة قد أحالت عقد إعداد هذا الدليل على شركة كيمونكس الدوليةChemonics International وهي شركة أمريكية مقرها في واشنطن ولها عقود عديدة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وكانت بعض العقود التي نفذتها موضعاً لانتقاد دائرة المفتش العام للوكالة ذاتها.[2]

 

يستحق هذا التع45ليق الدراسة من قبل المختصين بالحكومات (الإدارات) المحلية خاصة وأنه ليس معروفاً إن ساهمت أية جهة عراقية في استقصاء الأوضاع المحلية أو كتابة الدليل.

 

(2)

 

يغطي الدليل (211 صفحة)

 

  • توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع الصحة.
  • توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع التعليم.
  • توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع الإسكان والإعمار.
  • توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع البلديات.

 

وهناك خيط مشترك في جميع هذه الفصول يضم الوظائف الفنية والتخصصية، والوظائف الإدارية والمالية، والوظائف القانونية. ويأتي العرض من خلال تبويب المقترحات في جداول كل منها يضم حقلاً لوصف الوظيفة، وحقلاً للصلاحيات المقترحة لمدير كل دائرة، وحقلاً للصلاحيات المقترحة للمحافظ. لا يضم الدليل مدخلاً عاماً لعرض خلفية الدليل، والفترة التي تم فيها إعداده، والأفكار والتطبيقات العملية المعتمدة، إلا أن بعض فصول الدليل تشير إلى خلفيات قانونية مع شيء من التعليق من باب التقديم.

 

(3)

 

تصفّحتُ هذا الدليل على عجل بهدف الاطلاع على محتوياته والتحري عن حضور التأمين في الصلاحيات المقترحة لمدراء الدوائر في المحافظات أو الصلاحيات المقترحة للمحافظين. لا يرد في الدليل أي ذكر للتأمين بمعناه الاصطلاحي رغم أن المحافظات لها ممتلكات مختلفة وتتولى إدارتها ويمكن أن تتعرض لأضرار مادية أو مسؤوليات قانونية تجاه مستعمليها أو المستفيدين منها أو غيرها من أطراف ثالثة.

 

سأركز فيما يلي، باختصار وكمثل، على بعض ما ورد في توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع الصحة، فيما يخص غياب التأمين تحديداً.

 

(4)

 

يرد في الصفحة (8) بشأن وظيفة “التعاقد لتنفيذ المشاريع الاستثمارية وتشييد المستشفيات وباقي المؤسسات الصحية” الصلاحيات المقترحة التالية لمدير الصحة:

 

  • صياغة عقود المشاريع الاستثمارية.
  • توقيع وتنفيذ العقود حسب تعليمات تنفيذ الموازنة.
  • اقتراح بناء المراكز الصحية وفق الضوابط المركزية المُعدة من وزارة الصحة وإنشاء مصارف الدم في المحافظات ضمن معايير وزارة الصحة وإنشاء وتهيئة مستلزمات مراكز الإسعاف الفوري وكل ما يتعلق بها من معدات ضمن معايير معتمدة وبالتنسيق مع وزارة الصحة وإنشاء مراكز تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة ومصانع الأطراف الصناعية وتوفير المستلزمات الخاصة بذلك.
  • تهيئة المتطلبات للمشاريع الصحية والتي تدخل ضمن الخطة الاستثمارية وحسب متطلبات وزارة التخطيط وإعداد المتطلبات وتخصيص قطع الأراضي وإدراج المشاريع ومن ثم وثائق المناقصة.
  • تشكيل دوائر المهندس المقيم واقتراح منْح الصلاحيات الإدارية والفنية والمالية.
  • تدقيق ومصادقة المخططات وجداول الكميات لكافة المشاريع الصحية (عدا مستشفيات 200 سرير فما فوق والمراكز التخصصية).

 

كل هذه المقترحات يمكن أن تكون موضوعاً للتأمين الهندسي. صحيح أنه يمكن للمحافظة، عند صياغة عقود المشاريع الإنشائية، أن تحوّل مسؤولية التأمين على المقاول الذي يقوم بالأعمال الإنشائية لكن ذلك لا يعفيها من مهمة الإشراف على الأعمال وضمان حسن تقدمها وغيرها من المهام التي تقع على عاتقها كرب عمل.

 

وتحت عنوان “الوظائف الفنية والتخصصية” (ص 10) يذكر الدليل الصلاحيات المقترحة لمدير عام الصحة وهي:

 

  • تحديد المخاطر وتقييمها.
  • إعداد خطة طوارئ سنوية وتحديثها.
  • تحديد الكلف المالية التقديرية لخطة الطوارئ.

 

“تحديد المخاطر وتقييمها” هي من بين الإجراءات المستخدمة في إدارة أخطار المنشآت إضافة إلى إجراءات أخرى (منع هذه المخاطر أو التقليل من فرص وقوعها أو التخفيف من آثارها. ومنها أيضاً التفكير بسبل تحويل الأعباء المالية المترتبة على تحقق هذه المخاطر من خلال صندوق مالي مخصص للطوارئ (وهو ما يشبه التأمين الذاتي) أو من خلال تحويل هذه الأعباء إلى شركات التأمين لقاء قسط تأمين معلوم.

 

خطة الطوارئ السنوية annual contingency plan وكذلك الكلف المالية التقديرية لها علاقة بالتأمين أيضاً، إن كان المراد منها هو ضمان توفير الخدمات عند تحقق مخاطر توقف العمل.

 

وسؤالي هو: لماذا لا يجد التأمين حضوراً له ضمن الصلاحيات المقترحة للمدير أو المحافظ؟

 

نجد غياب التأمين أيضاً في بالنسبة لوظيفة “إدارة الأملاك والتصرف بها” (ص 25) إذ يحدد الدليل الأدوار والمسؤوليات المقترحة لمدير هذه الدائرة كما يلي:

 

  • شطب الموجودات المفقودة والمتضررة والتالفة لأي سبب كان إذا كانت قيمتها الدفترية لا تزيد عن 5,000,000 خمسة ملايين دينار [الصلاحية المقترحة للمحافظ هي 50,000,000 مليون دينار].
  • تأجير الأبنية للمراكز الفرعية.
  • تقديم المشورة الفنية والقانونية [و] متابعة شؤون أملاك الدائرة.
  • تأجير العمال والآليات والمعدات بالأسعار السائدة.

 

جميع هذه الفقرات لها بُعدٌ تأميني: شطب الموجودات معناه خسارة تامة بالإمكان التعويض عنها إن كانت الموجودات المفقودة والمتضررة والتالفة خاضعة لحماية تأمينية. تأجير الأبنية يترتب عليه مسؤولية قبل المالك أو المستأجر يمكن أن يكون موضوعاً للتأمين كممتلكات مادية ومسؤوليات قانونية لقاء اشغال الممتلكات. وقل مثل ذلك عن تقديم المشورة الفنية والقانونية التي يمكن أن تكون موضوعاً لوثيقة التأمين من المسؤولية المهنية. وكذا الحال بالنسبة لتأجير العمال والآليات والمعدات إذ يتوجب تحديد الطرف المسؤول عن الإصابات التي قد تلحق بالعمال أو الأضرار التي تلحق بالآليات والمعدات نتيجة لحوادث غير متوقعة.

 

(5)

 

يحتل التأمين مكانة مهمة ضمن الوظائف التي تقوم بها الحكومات المحلية في البلدان المتقدمة. البعض منها تؤمن على المخاطر المادية والمسؤوليات الناشئة عن أداء وظائفها من خلال التأمين الذاتي، أي أنها لا تلجأ إلى سوق التأمين التجاري؛ أو تتعاون فيما بينها لتكوين شركة تبادلية mutual تقوم بالوظيفة التي تقدمها شركات التأمين التجاري؛ أو تلجأ إلى سوق التأمين التجاري المفتوح لتشتري منه ما تحتاجه من حماية تأمينية.

 

كان بإمكان الشركة الاستشارية التي أعدت الدليل الاستفادة من تجربة شركات التأمين التبادلية في الولايات المتحدة الأمريكية المتخصصة بالتأمين على ممتلكات الإدارات المحلية، أو تجربة بعض الدول الأوروبية.

 

كان من المستحسن إضافة إدارة الخطر والتأمين إلى الوظائف الفنية والتخصصية إلى الدليل وعرض الصلاحيات المقترحة تجاهها لكل من مدير الدائرة والمحافظ. صحيح أن إدارة، مكتملة في تنظيمها وإدارتها، كهذه ليست موجودة في أجهزة الدولة وشركات القطاع العام، والقطاع الخاص أيضاً، إلا أن إدخالها في الدليل كان سيشكل بادرة مهمة لتأسيس الإدارة المناسبة وتكون بذلك مثالاً يمكن الاحتذاء به وتطويره في المستقبل من قبل أطراف أخرى. ربما هناك طاقات كامنة في المحافظات يمكن الاستفادة منها، بعد تدريب مناسب، للعمل في إدارة الخطر والتأمين.

 

ترى هل أن غياب الوظيفة التأمينية في الدليل جاء لقناعة مُعدّي الدليل أن هذه الوظيفة ليست موضوعاً للحوكمة التي ترغب بها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية؟ أم أنه جاء نتيجة سهو؟

 

مصباح كمال

11 حزيران 2017

[1] لقراءة النص الكامل لهذا الدليل أنظر:

مشروع تعزيز الحوكمة في العراق (تقدم): دليل توزيع الأدوار والمسؤوليات بين (المحافظين ومدراء الدوائر)

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Chemonics

 

Baha Baheej Shukri: Letter on the Brokerage System & Insurance Contracting

من رسائل بهاء بهيج شكري:

رسالة حول نظام السمسرة وتطور طرق إبرام عقود التأمين

 

 

نشرت أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

من رسائل بهاء بهيج شكري: رسالة حول نظام السمسرة وتطور طرق إبرام عقود التأمين

 

 

عمان في ٢٠ حزيران ٢٠١٧

 

الأخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

أمل ان لا أثقل عليك برسائلي المتكررة، وعذري في ذلك هو أنك انت الذي تحملني على مراسلتك، بما تثيره من مسائل تتطلب المناقشة، فقد اثرت في هوامشك على رسالتي المتعلقة بنظام الوكلاء ونظام السمسرة[1] بعض المسائل المتعلقة بنظام السمسرة وتطور طرق إبرام عقود التأمين، وهي مسائل تتطلب تبادل وجهات النظر. وتوضيحا لوجهة نظري بهذا الخصوص أقول:

 

إن الشريعة الاسلامية هي من أقدم الشرائع التي ربطت بين التطور المجتمعي والتطور التشريعي، فجاء في احدى القواعد الكلية “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الازمان”، والمقصود بالأحكام هي القواعد التشريعية والعرفية وقواعد التعاملات المهنية. ففي صدر الدولة الاسلامية حيث كان عدد العقود محدودا، جرى العرف على ان يبرم العقد فيما يدعى بـ “مجلس العقد” حيث يجلس المتعاقدان وجها لوجه ويتبادلان الإيجاب والقبول. غير ان تطور المجتمع الاسلامي بعد الفتوحات الاسلامية وتعامل المسلمين مع مجتمعات غير إسلامية، أدى الى زيادة عدد العقود وتنوعها بتنوع طبيعة التعامل بين المسلمين وسواهم، فأصبح موضوع “مجلس العقد” موضوعا نظريا فقط، باستثناء عقد الزواج الذي ظَلَّ إبرامه حتى هذا اليوم مرتبطا بمجلس للعقد يتبادل فيه الطرفان الإيجاب والقبول وذلك لان الاشهار هو ركن رابع من أركان عقد الزواج ولا يتحقق الا بمجلس للعقد حيث يلتقي فيه الطرفان مع العاقد وبحضور شاهدين على الأقل. اما بقية العقود، وخصوصا تلك المتعلقة بالنشاط التجاري، فكان اغلبها يبرم بين طرفين يختلفان موطنا، فهي اما ان تتم بالمراسلة او بتوسط الوكلاء. وحيث ان هذه العقود تختلف في مسائلها التفصيلية وآثارها فقد أصبحت الحاجة ملحة لتشريع قواعد تتناول تفاصيل وآثار كل عقد من هذه العقود المستحدثة اذ لم يعد كافيا ان يوصف العقد بأركانه الثلاثة.

 

وبتقدم الزمن ونشوء النظام المصرفي واختراع الهاتف والجهاز البرقي ثم اختراع التلكس ثم الفاكس، حدثت طفرة في ممارسة التجارة الدولية الامر الذي تطلب تحديد ضوابط العقود التي تبرم بين غائبين سواء اكانا متحدين موطنا او مختلفين موطنا، فجاءت القوانين المدنية التي شرعت بعد ذلك، كالقانون المصري والسوري والعراقي والاردني واللبناني، التي حلت محل الشريعة الاسلامية، بالضوابط الخاصة بهذا النوع من العقود، فنصت المادة (٨٨) من القانون المدني العراقي على ان “يعتبر التعاقد بالتلفون او بأية طريقة مماثلة قد تم بين حاضرين فيما يتعلق بالزمان وبين غائبين فيما يتعلق بالمكان” فمن حيث الزمان يعتبر العقد مبرما من لحظة استلام الموجب بواسطة وسيلة التخابر قبول الطرف الاخر، ومن حيث المكان، فان اتحد الطرفان موطنا خضع العقد لقانون موطنهما اما اذا اختلفا موطنا خضع العقد لقانون بلد إبرامه او بلد تنفيذه ما لم يتفق الطرفان على خضوعه لقانون اجنبي.

 

ولم يقف التطور عند هذا الحد، فقد تم اختراع ما يعرف بالعقل الالكتروني “الكومبيوتر”، فنشأت بعد وضعه موضع الاستعمال تجارة جديدةً أطلق عليها “التجارة الالكترونية “Electronic Trade”، وباستخدام هذا النوع من التجارة أصبح بإمكان الشخص وهو جالس في كرسيه بمواجهة شاشة الكومبيوتر ان يمارس مختلف انواع النشاط التجاري وان يدفع ويقبض ويربح ويخسر دون ان يغادر كرسيه. ولإعطاء الصبغة الشرعية للعقود الالكترونية شرع العديد من القوانين، نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر قانون المعاملات الالكترونية الأردني رقم (٨٢) لسنة ٢٠٠١ وقانون تنظيم التوقيع الالكتروني المصري رقم (١٥) لسنة ٢٠٠٤ وقانون التجارة الالكترونية البحريني لسنة ٢٠٠٤ وقانون المعاملات والتجارة لإمارة دبي لسنة ٢٠٠٢ وقانون المعاملات والتجارة التونسي ٢٠٠٥.

 

لذلك فإن ما سبق وذكرته في أحد هوامشك بان البعض من عقود التأمين يبرم في الوقت الحاضر بالهاتف أو الفاكس او الكومبيوتر، هو امر اعتيادي ازاء هذا التطور المجتمعي، علما بان نظام السمسرة المطبق في السوق الانجليزي والأمريكي لم يفرض بموجب قانون، لذلك يجوز لأي طالب تأمين ان يسند خطره بشكل مباشر الى المؤمن الذي يختاره او ان يبرم العقد بواسطة الهاتف او الكومبيوتر، ولا يخرج عن هذا الجواز سوى مؤسسة اللويدز.

 

وإذا انتقلنا من التعميم الى التخصيص، وتناولنا عقد التأمين بالبحث، فعلى الرغم من ان التأمين البحري قد مورس بشكله المتطور من قبل اللومبارد في شمال إيطاليا في أواسط القرن الرابع عشر الميلادي ونقل بواسطتهم الى المملكة المتحدة، الا انه لم يمارس في البلاد العربية الا في أواسط القرن التاسع عشر. وكانت هذه البلاد عبارة عن ولايات تابعة للدولة العثمانية وقد ابتدأت ممارسته من قبل الوكلاء التجاريين لشركات التأمين الاجنبية. وحيث ان عقد التأمين لم يكن من ضمن العقود المسماة في الشريعة الاسلامية وحيث انه من عقود الغرر، فقد جوبه برفض قاطع من قبل ففقهاء المذاهب السنية الأربعة وافتي بتحريمه بحجة انه عقد قمار محرم شرعا وعقد ربوي يتضمن اكل مال الغير بالباطل. وكان من نتيجة هذه الفتاوى ان أحجم اصحاب رؤوس الأموال العرب عن استثمار اموالهم في تأسيس شركات تأمين الامر الذي أدى الى بقاء وكلاء الشركات الاجنبية هم وحدهم الجهة التي تسيطر على أسواق التأمين العربية حتى بعد ان انفصلت هذه الولايات عن الدولة العثمانية لتصبح دولا مستقلة صوريا ولم تؤسس فيها شركات تأمين عربية الا في النصف الثاني من القرن العشرين، فكان هذا هو السبب الذي جعل المشرعين العرب يركزون على وكلاء التأمين في قوانين الرقابة على اعمال التأمين التي شرعت خلال النصف الاول من القرن العشرين، فالزموهم بالحصول على ترخيص من سلطة الرقابة كي يتمكنوا من ممارسة نشاطهم وبشرط ان يودع الوكيل في المصرف الذي تعينه السلطة المذكورة وديعة مالية معينة عن كل فرع من فروع التأمين التي أجيز بممارستها، ولم أرَ في تلك القوانين المذكورة اي ذكر للوسيط “السمسار”. ولم يطرأ اي تغيير على هذا الوضع في العراق حتى بعد تأسيس شركة التأمين الوطنية وشركات التأمين الخاصة في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي اذ بقي وكيل الانتاج، حتى عند تشريع قانون شركات ووكلاء التأمين لسنة ١٩٦٠، هو فارس الميدان في عملية تسويق عقود التأمين وازداد دوره اهميةً بعد تصفية وكالات التأمين الاجنبية بموجب قانون التأميم.

 

وفي أواخر القرن العشرين ظهر اسم وسيط التأمين الى جانب اسم وكيل التأمين في القانون الأردني لمراقبة اعمال التأمين رقم (٣٠) لسنة ١٩٨٤ غير ان التعريف الذي أورده المشرع الاردني لوسيط التأمين لم يبرز صفة عمل الوسيط بما يميزه عن وكيل التأمين حيث ورد التعريف بان الوسيط “هو الشخص الذي يعمل وسيطا بين المؤمن والمؤمن له” ولم يختلف التعريف المنصوص عليه في قانون تنظيم اعمال التأمين الاردني رقم (٣٣) لسنة ١٩٩٩ الذي حل محل القانون رقم (٣٠) لسنة ١٩٨٤ اذ جاء بأن الوسيط “هو الشخص المرخص من الهيئة لممارسة اعمال الوساطة بين المؤمن والمؤمن له”. وعندما اقتبس المشرع العراقي نصوص القانون الاردني لم يشر الى وسيط التأمين. لهذا فان ديوان التأمين العراقي له الحق في ان يتردد في منح الوسيط الأجنبي رخصة ممارسة العمل في العراق لجهالة طبيعة هذا العمل ولعدم ورود ذكر لوسيط التأمين في القانون العراقي، علما بأننا نعتقد ان هذا الوسيط الأجنبي هو وسيط اعادة تأمين “سمسار اعادة تأمين” وليس وسيط تأمين مباشر.

 

ولم يتضح ان المقصود بالوسيط هو “السمسار” الذي هو “وسيط إسناد” وليس “وسيط انتاج” الا عند تشريع قانون التأمين السوري الصادر بموجب المرسوم التشريعي رقم (٤٣) لسنة ٢٠٠٥ حيث جاء تعريف الوسيط بانه “الشخص المخول من قبل طالب التأمين لقاء اجر للتباحث مع شركة التأمين وإتمام عقد التأمين نيابة عنة”. ونعتقد ان المقصود بعبارة “إتمام عقد التأمين” هو معاونة طالب التأمين في اختيار الغطاء والشروط التي تتلاءم مع متطلبات التغطية المطلوبة.

 

وسواء اتضح مدلول وسيط التأمين ام لم يتضح، فان أسواق التأمين العربية، فيما عدا ما يتعلق بإعادة التأمين، لا تتعامل بنظام السمسرة، وان اتفاقيات وساطة التأمين التي اشرت لها في هامش البحث اما انها تتعلق بسمسرة اعادة التأمين او انها مجرد حبر على ورق، وإذا كنت تعرف اي سوق عربي يتعامل بنظام سمسرة التأمين المباشر، أرجو ان تدلني عليه لأصحح معلوماتي.

 

اما بخصوص سمسرة اعادة التأمين، فاني اتفق معك بان بعض شركات السمسرة الانجليزية قد تمت تصفيتها، ولكن السبب في ذلك لم يكن لجوء شركات التأمين المباشر لممارسة التجارة الإليكترونية لإسناد محافظ أخطارها، بل السبب في رأي، هو ان الذهنية التأمينية في بداية القرن العشرين كانت ضعيفة جدا في الدول العربية ودوّل العالم الثالث، كما ان الخبرة الفنية لدى اجهزة شركات التأمين تكاد ان تكون منعدمة في ذلك الوقت، لهذا لم يكن امام هذه الشركات الا اللجوء لسماسرة اعادة التأمين لإسناد اخطار محافظها، ولكن بعد ان اتسعت الذهنية التأمينية في أواخر القرن العشرين وزادت خبرة الأجهزة الفنية للشركات نتيجة التطور المجتمعي الذي بانت بوادره بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حمل بعض هذه الشركات على القيام بإسناد اخطار محافظها لشركات اعادة التأمين المتخصصة مباشرة، وابرز مثال على ذلك هو شركة التأمين الوطنية التي قطعت علاقتها بشركة سمسرة اعادة وباشرت الاسناد المباشر لشركات اعادة التأمين المتخصصة، فإحجام الشركات العربية وشركات العالم الثالث عن الاستعانة بالخبرات الاجنبية هو سبب ظاهرة تصفية شركات السمسرة.

 

هذا ما أردت مناقشته وأرجو المعذرة إذا كنت قد أتعبتك بهذا السرد الطويل.

 

وتقبل خالص التقدير.

 

بهاء

 

[1] نشرت هذه الرسالة تحت عنوان “رسالة حول نظام الوكلاء ونظام المنتجين في التأمين” في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/05/رسالة-بهاء-بهيج-شكري-إلى-مصباح-كمال-20-أيار-2017-نظام-الوكالات-والمنتج….pdf

 

آمل أن يتقدم المهتمون بنظم توزيع المنتجات التأمينية، من خلال الوكلاء أو السماسرة، بمناقشة الأفكار الواردة في هذه الرسائل خاصة وأن هناك تداخلاً بين القانون المنظم لعمل الوكلاء والسماسرة ونشاطهم في أرض الواقع. وأنا من الذين يميلون إلى اعتبار القوانين التنظيمية، وبشكل عام، انعكاساً للواقع المعاش بضمنه الأفكار، الإيديولوجيات، الاقتصادية المهيمنة. وكما قلت في دراسة سابقة حول “قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه) العثماني: دراسة تمهيدية” فإن القانون هو بمثابة “الوسيلة لتدوين الممارسات الجيدة القائمة والتخلص من الممارسات السيئة.”

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2011/04/ottoman-insurance-law-1905.html

(مصباح كمال)

 

Insuring Cyber Risks

التأمين على الأخطار السِيبرانية

 

 

مصباح كمال

 

 

من باب التقديم: القرصنة الإلكترونية في العراق؟

 

كنت قد أرسلت قبل فترة بعض الأوراق الخاصة بتأمين الأخطار الإلكترونية (السيبرانية) إلى أحد زملائي من ممارسي التأمين في بغداد للتعريف بهذه الأخطار والتنبيه إلى قيام شركات التأمين العراقية الاهتمام بها والتمهيد لتغطيتها. وكان رأي زميلي أن مثل هذه الأخطار قليلة أو معدومة في العراق لكنني اختلفت معه بهذا الشأن، فأرسلت له خبراً نشرته شفق نيوز بتاريخ 30 أيار 2017 تحت عنوان “قراصنة يخترقون الامن الوطني ويتركون رسالة بعنوان “الاستهتار””[1] للتأكيد على وجود أشكال من الأخطار السيبرانية في العراق.

 

وقد نقلتُ له رأياً يقول إنه حتى لو كان الكمبيوتر المحمول أو الهاتف النقّال غير متصل بالإنترنت، وهما في الغالب يحملان معلومات شخصية وحساسة، فإن احتمال ضياعه أو سرقته يظلُّ قائماً، وبالتالي خسارة المعلومات أو التلاعب بها من قبل من سرقها. إن أي جهاز إلكتروني – سواء كان ذلك جهاز كمبيوتر، خادم إلكتروني، نظام تحكم، نظام أمن إلكتروني، أو هاتف نقّال – إذا كان مثل هذا الجهاز متصلاً بالإنترنت أو بشبكة من أجهزة الكومبيوتر والبرمجيات، فإن التجربة تدلّ على إمكانية الوصول إليه من الخارج، أي من غير صاحبه، أو اختراقه. والمعروف أن جميع الشركات، وكذلك الحكومات، تقريباً لديها معلومات حسّاسة أو تستخدم أدوات تتصل من خلالها بشبكة داخلية أو خارجية أو الإنترنت. مع أخذ هذا الواقع بعين الاعتبار، فإن جميع الشركات هي تحت رحمة المعلومات والتكنولوجيا التي يستخدمونها. إزاء هذا الوضع فإن وظيفة التأمين السيبراني cyber insurance هي حماية الأعمال التجارية والحكومية وغيرها، عند فقدان المعلومات أو سرقتها أو تلفها أو تعرّضها للقرصنة والابتزاز بالتعويض المالي عنها.

 

بعد قليل من النقاش اقتنع صاحبي بصحة رأي.

 

وها نحن نقرأ المزيد عن القرصنة الإلكترونية في العراق، فقد نشرت السومرية نيوز/بغداد الخبر التالي:

 

“تعرض موقعان إلكترونيان رسميان لوزارة الشباب والرياضة ووزارة البلديات، الجمعة، لاختراق أدى الى توقفه وظهور عبارات كتبها المخترق. … وتوعد “الهاكر” بتنفيذ عمليات اختراق لمواقع رسمية أخرى، حيث كتب على موقع إحدى الوزارتين عبارة “سوف تكون هذه البداية”.

 

وكان الموقع الإلكتروني الرسمي لجهاز الأمن الوطني العراقي قد تعرض، الثلاثاء الماضي، لاختراق أدى الى توقفه وظهور عبارات كتبها المخترق انتقد فيها “المحاصصة والفساد” و”التعيينات التي لا تمت بصلة للجهاز.”

 

وأعلن جهاز الامن الوطني، أمس الخميس، عن اعتقال الشخص الذي اخترق موقعه الالكتروني بعد اقل من 24 ساعة من قيامه بعملية الاختراق.”[2]

 

مثل هذه العمليات تبدو الآن غير خطيرة، بسبب طبيعتها غير المالية وغير الابتزازية، لكنها تنبئ بوجود قدرات كامنة يمكن أن يستغلها ذوي النوايا الإجرامية للابتزاز المالي للشركات والدوائر الرسمية وغيرها. وأرى لذلك أن تقوم جمعية التأمين العراقية برصد مثل هذه العمليات لتكوين قاعدة بيانات أولية عن عددها وطبيعتها وآثارها المادية وغير المادية (التأثير على الإنتاج، وعلى تقديم الخدمات، والانتقاص من السمعة وغيرها)، والاستفادة من تجارب أسواق التأمين الأخرى، والإعداد لتأمين الأخطار السيبرانية.

 

تعرض هذه الورقة موقف التأمين من بعض جوانب الأخطار السيبرانية والتعريف بها، وقد كتبت معظمها قبل شهرين أو أكثر.

 

الوثيقة التقليدية لتأمين الأجهزة والمعدات الكهربائية والإلكترونية

 

لو تفحَّصنا أي كتاب منهجي في التأمين صدر قبل بضع سنوات لما عثرنا فيه على ذكر للأخطار الإلكترونية (الأخطار السيبرانية) والتأمين من آثارها.

 

لكن التأمين على المعدات الإلكترونية كان معروفاً وتميل الشركات الغربية إلى شرائه، وكانت النماذج التقليدية لوثيقة التأمين تغطى الخسائر والأضرار المادية العرضية والمفاجئة التي تلحق بالأجهزة والمعدات الإلكترونية أو الكهربائية كالحاسبات الآلية وأجهزة معالجة البيانات الإلكترونية والأجهزة الطبية ومعدات الاتصالات والمعدات الملاحية والميكروفيلم ووسائل حفظ وتخزين المعلومات للبيانات الرقمية والمعلومات المُخزَّنة، شاملةً تكلفة إعادة المعالجة واستعادة المعلومات المفقودة وإعادة تخزين أو نقل المعلومات التي كانت موجودة على وسائل الحفظ والتخزين والتي تُفقد من جراء الحادث والناتجة عن الحريق والانفجار والقصور في الدورة الكهربائية.

 

وكانت الوثيقة التقليدية تُوسع لتشمل، إضافة للبيانات الرقمية المخزَّنة، زيادة تكلفة التشغيل، أي النفقات الإضافية المترتبة على تكلفة استئجار أو استخدام أجهزة إلكترونية بديلة لمعالجة البيانات، ورسوم النقل للموظفين خارج الموقع المعتاد للعمل بسبب حادث، بالإضافة إلى نفقات الإقامة بعيداً عن قاعدتهم، والعمل الليلي أو العمل في أيام العطل.

 

نشوء الأخطار الجديدة والاستجابة التأمينية لها

 

ومع التقدم التكنولوجي الهائل والسريع ظهرت أخطار جديدة تكاد أن تكون غير منظورة تخلق في مجموعها بيئة تتصف بغياب الأمان. على سبيل المثل، الانتهاكات breaches التي تحصل بسبب المخاطر السيبرانية ومنها إهمال الموظفين وضعف تقنية السيطرة على المعلومات، اختراقات القراصنة (hackers هاكرز) للمنظومة الإلكترونية، البرمجيات الخبيثة malware، أجهزة الكمبيوتر المسروقة أو المفقودة لمستخدمي الشركة، ورسائل البريد الإلكتروني المرسلة بالخطأ. ويمكن إضافة التالي:

 

1- سرقة المعلومات الشخصية للأفراد، والمعلومات السرّية للشركات، كأرقام بطاقات الدفع الإلكتروني، وأرقام حسابات العملاء في البنوك وفي الشركات وغيرها.

 

2- انتهاك حرمة الحياة الخاصة، أو ارتكاب جرائم السبّ والقذف والسرقة والنصب، أو الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، أو استخدام المعلومات المسروقة لأغراض المنافسة غير المشروعة، أو تقليد العلامات والأسماء التجارية.

 

3- الاستيلاء على المواقع الالكترونية بالكامل مما يؤدى إلى تعطيل العمل أو تباطئه، واقتران ذلك بالابتزاز (طلب الفدية) من الشركات صاحبة هذه المواقع. وهذه تعرف باسم القرصنة للحصول على الفدية ransomware attacks حيث يلجأ القراصنة إلى تشفير البيانات بحيث لا يمكن الوصول إليها إلا بعد تسديد فدية.

 

هناك نمط آخر من الأخطار المرتبطة بانتشار ما يعرف بأجهزة إنترنت الأشياء the internet of things والخدمات المرتبطة بها التي يمكن أن تتعرض لتحكم القراصنة في أنظمة القيادة ذاتية التحكم في السيارات والأجهزة الطبية والمصانع وغيرها، وهذه النظم تزداد انتشاراً.

 

يمكن التغلب على هذه الانتهاكات أو التقليل من آثارها باعتماد وسائل معينة كتشفير البيانات أو التغيير المستمر للأرقام السرية أو اسم الدخول للموقع.

 

إلا أن اتباع وتطبيق وسائل إدارة الخطر ربما لن تكون كافية وفعّالة في القضاء نهائياً على هذه الانتهاكات وما يترتب عليها من آثار. هناك إذاً فجوة في الحماية الأمر الذي استدعى اللجوء إلى الحماية التأمينية ضد هذه المخاطر.

 

وقد اتخذت الحماية شكل إضافة ملحق لتوسيع غطاء وثائق التأمين التقليدية أو الاكتتاب بوثائق تأمين متخصصة بالأخطار الإلكترونية: وثيقة التأمين ضد أخطار القرصنة الإلكترونية للتعويض عن آثار التسلل إلى انظمة الكمبيوتر بهدف استنساخها أو تخريبها. فالتسلل يؤدي إلى أضرار مادية بالغة للشركة المغطاة بالتأمين، مع قيام فرصة للقراصنة لاستخدام النظام الالكتروني للشركة لإلحاق الاذى بالغير مما يُرتب مسؤولية مدنية للشركة تجاه الغير. الغطاء التأميني الشائع يحمي المؤمن له من مخاطر القرصنة بكل أنواعها بما فيها الفيروسات أو سرقة المعلومات أو تدمير قاعدة البيانات لأغراض إجرامية أو تخريبية. وتحاول شركات التأمين الاستجابة لتحدي أكبر وهو سرقة حقوق الملكية الفكرية والابتكارات، وسرقة المخترعات قيد الإنجاز. وهذا ما يُذكّر بالتجسس الصناعي التقليدي.

 

تحديات

 

وتواجه شركات التأمين تحدياً لما يُعرف بالمخاطر السيبرانية “الصامتة” “silent” cyber risk، أو الالتزامات التأمينية التي يمكن أن تنشأ عن وثائق تأمين (للممتلكات أو المسؤولية المهنية أو المسؤولية المدنية وغيرها) تنطوي على تغطيات واسعة صُممت لغرض مختلفٍ تماماً لا علاقة لها أصلاً بمثل هذه المخاطر. ولذلك يتعيّن على شركات التأمين التعرّف على وتقييم مثل هذه المسؤوليات الدفينة.

 

من التحديات الأخرى المرتبطة بتطور التأمين على المخاطر السيبرانية هو غياب نموذج قياسي لوثيقة التأمين يمكن أن تكون بمثابة الوثيقة المرجعية الأساسية ومن ثم تخضع للتعديل والتوسيع في نطاق التغطية التي توفرها. إن غياب مثل هذا النموذج يحمل معه أفخاخاً للمؤمن له المرتقب فهو لا يعرف إن كان قسط التأمين الذي يدفعه عادلاً أو أن غطاء التأمين كافياً أو أن لغة وثيقة التأمين ذات طابع يقيني لما هو مشمول أو مستثنى من غطاء التأمين.

 

وهناك التطور والتعقيد المستمر في وسائل القرصنة.

 

الحاجة للغطاء التأميني[3]

 

إن الشركات التجارية والصناعية وغيرها، وبغض النظر عن حجمها، صارت تعتمد على بنية تحتية تتمثل بتكنولوجيا المعلومات information technology وبدرجات متفاوتة بين تنظيم وآخر. إزاء هذا الوضع فإنها قد تتعرض لمخاطر عديدة من بينها توقف الأعمال، وخسارة الدخل، وإدارة الضرر وما يتطلبه من إصلاح، وربما التعرّض أيضاً إلى تضرر سمعتها reputational damage في حالة فشل أو توقف معدات أو أنظمة تكنولوجيا المعلومات لأسباب فنية أو أسباب خارجية.

 

وفي حين أن وثائق التأمين على الممتلكات، أو توقف الأعمال أو المسؤولية المهنية قد توفر تغطية محدودة ضد المخاطر السيبرانية، فإن الشركات بدأت وعلى نحو متزايد تُقْدِمُ على شراء وثائق التأمين السيبراني المتخصصة لاستكمال ترتيبات التأمين القائمة، وخاصة في الحالات التالية على سبيل المثل:

 

  • إذا كانت الشركة تحتفظ بمعلومات حسّاسة خاصة بالعملاء: الأسماء والعناوين أو المعلومات المصرفية الخاصة بهم.
  • تعتمد بشكل كبير على أنظمة تكنولوجيا المعلومات ومواقع في الإنترنت لتسيير أعمالها.
  • تتعامل مع معلومات بطاقة الدفع الإلكتروني للعملاء كجزء من نظام البيع أو تقديم الخدمة.الغطاء الأساسي لوثيقة تأمين المخاطر السيبرانيةيغطي التأمين السيبراني الخسائر المتعلقة بتضرر أو فقدان المعلومات من أنظمة وشبكات تكنولوجيا المعلومات. وتشمل أيضاً تقديم مساعدة للمؤمن له وإدارة آثار الحادث المُسبب للضرر أو الفقدان، وهذه المساعدة، التي يمكن أن تُقدم من خلال فنيين محترفين، تكون ضرورية عندما يواجه المؤمن له خطر تضرر السمعة أو الامتثال للوائح التنظيمية الرقابية.وتندرج المخاطر السيبرانية عموماً في فئتين: مخاطر الطرف الأول (المؤمن له) ومخاطر الطرف الثالث (المسؤولية المدنية). وهناك وثائق لتأمين أي من هاتين الفئتين أو كليهما معاً.يغطي تأمين الطرف الأول موجودات الشركة، وقد تشمل:
  • خسارة أو تضرر الموجودات الرقمية ومنها البيانات الرقمية والبرمجيات.
  • توقف الأعمال بسبب تعّطل الشبكة network downtime.
  • الابتزاز السِيبراني عندما يقوم طرف ثالث بتهديد المؤمن له بإتلاف أو إشهار البيانات الرقمية في حالة عدم دفع فدية.
  • تكاليف إخطار العملاء عندما يكون هناك شرط قانوني أو تنظيمي لإخطارهم بانتهاك الأمان أو الخصوصية.
  • تضرر السمعة الناشئة من انتهاك البيانات التي تؤدي إلى خسارة الملكية الفكرية أو خسارة العملاء.
  • سرقة النقود أو الموجودات الرقمية من خلال سرقة المعدات أو السرقة الإلكترونية.يغطي تأمين الطرف الثالث موجودات الغير وعلى وجه التحديد موجودات العملاء، وقد تشمل الآتي:
  • انتهاكات الأمان والخصوصية، والتحقيق/التحرّي، وتكاليف الدفاع والتعويض عن الأضرار المدنية المرتبطة بها.
  • مسؤولية وسائط الإعلام المتعددة، لتغطية تكاليف التحقيق والدفاع وتعويض الأضرار المدنية الناشئة عن التشهير أو انتهاك الخصوصية أو الإهمال في النشر في وسائل الإعلام الإلكترونية أو المطبوعة.
  • فقدان بيانات الطرف الثالث، بما في ذلك دفع تعويضات للعملاء بسبب حرمانهم من الوصول إلى أماكن عملهم، وفشل البرمجيات أو الأنظمة الإلكترونية التابعة لهم.

 

توسّع متوقع في الطلب على الحماية التأمينية

 

من المتوقع أن ينتشر التأمين على المسؤولية المدنية المترتبة على أعمال القرصنة الإلكترونية في الغرب خاصة بعد أن تمكَّن قراصنة من التسلل الى الانظمة الإلكترونية للوزارات والمؤسسات وحتى المستشفيات في دول عديدة من بينها بعض الولايات الأميركية وإسرائيل وإيران وبريطانيا حيث استولى القراصنة على برامج الانتاج والخدمات وغيرها من المعلومات السرية، وقاموا في بعض الحالات بتخريب الانظمة الالكترونية وتعطيل الإنتاج أو تقديم الخدمات.

 

ويظل موضوع التأمين على أجهزة إنترنيت الأشياء تحدياً لشركات التأمين في بحث كيفية توفير الحماية التأمينية اللازمة، وتحديد سعر مناسب لها، ووضع شروط معقولة. وتكمن الصعوبة الأساس في غياب البيانات التاريخية وإحصاءات الخسائر حول أخطار الهجمات الإلكترونية غير التقليدية على هذه الأجهزة وقلّة المعرفة المتوفرة حول الخسائر الاقتصادية والإصابات الشخصية التي قد تنجم عنها.

 

مثل هذا النوع من التأمين قد يلقى رواجاً في العالم العربي الذي يفتقر الى أنظمة متطورة تحمي الشركات والمؤسسات التجارية والحكومية ضد اختراق القراصنة لبرامجها الالكترونية، خاصة وأن الاتجاه العام هو السير في الاعتماد أكثر فأكثر على المعطيات الالكترونية بواسطة الهواتف النقالة أو الألواح والحواسيب والإنترنت من قبل الأفراد والشركات والدفع المستمر نحو ما صار يُعرف بالحكومة الإلكترونية.

 

الأخطار الإلكترونية تُصنّف على أنها من الأخطار الناشئة التي تُعقد من أجلها اللقاءات والندوات في الغرب وفي بعض البلدان العربية. وتُقدر التكلفة الإجمالية للأخطار الإلكترونية بحوالي ثمانية مليار دولار (2015) وهي في ازدياد. ويرد في البال هنا جريمة سرقة هويات ومعلومات بطاقات ائتمانية لعملاء شركة “سوني”، وهو ما كبَّدها خسائر معنوية وماديه كبيرة، بعضها صار موضوعاً للتقاضي أمام المحاكم من قبل عملاء سوني بسبب هذه الحادثة.

 

إن الطلب على تأمين الأخطار الإلكترونية يأتي في الوقت الحاضر من البنوك والمؤسسات المالية لأنها مُؤتمنة على الحسابات الشخصية للعملاء وتخشى من فقدان البيانات الخاصة بهم من هجمات القراصنة. والملاحظ أن هذا الطلب يرد ضمن وثائق التأمين من الجرائم المصرفية.

 

ملاحظة حول الوضع في أسواق التأمين العربية

 

هذا النوع من التأمين ليس منتشراً في العالم العربي إلا بحدود معينة في بعض البلدان ومنها دولة الإمارات العربية المتحدة. ولا يجد له طلباً في سوق التأمين العراقي.

 

وتجابه شركات التأمين العربية صعوبة بتغطية كل المخاطر المالية التي تترتب على مخاطر الاختراق الالكتروني، لأن هذه المخاطر غير محددة النتائج، فيما يتعلق بالتبعات المالية التي تترتب على فقد البيانات أو استغلالها من قبل القراصنة، وليس هناك خبرة تعويضية كافية عنها. ولذلك فإن التأمين لا يغطي في الوقت الحاضر خسارة الملكية الفكرية والإصابات الشخصية التي تنتج عن تحكم القراصنة في نظام التحكّم الذاتي في سيّارة إلكترونية. في حين أن جميع وثائق التأمين المتاحة حالياً تغطي تكاليف خسارة المستهلكين لمعلوماتهم الشخصية بسبب القرصنة.

 

ولأجل بناء الخبرة يمكن البدء بعرض تأمين يغطي كلفة إعادة تشغيل الموقع الإلكتروني، وتكاليف استرداد البيانات التي قد تترتب على إساءة استخدام هذه البيانات من قبل المخترق، أو ما يترتب من تعويضات على المطالبات القانونية المرفوعة من المتضررين ضد صاحب الموقع نتيجة حصول الاختراق.

 

ويتعيّن على قطاع التأمين القيام بحملات توعية لتعريف الشركات الخاصة والعامة والمؤسسات الحكومية بأهمية التأمين من الجرائم الإلكترونية. وما يساعدها بهذا الشأن هو الأخبار حول تصاعد عدد الجرائم الإلكترونية في أنحاء مختلفة من العالم.

 

على شركات التأمين أن لا تقصر عملها التوّعوي على المصارف والشركات النفطية والغازية وشركات الطيران بل التوجه إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم أيضاً، فجميعها تعتمد، وبدرجات متفاوتة، على بنية تحتية من تكنولوجيا المعلومات، مختلفة في تعقيدها.

 

تنظيم الرقابة على حوادث الاختراق وتسريب المعلومات

 

واحدة من القضايا التي تستوجب الاهتمام من الأجهزة الرقابية، كما هو الحال في قوانين بعض الدول ومنها الولايات الأمريكية، الكشف عن جميع حوادث الاختراق وتسريب البيانات. إن تقديم مثل هذه المعلومات ستساعد الشركات، ومنها شركات التأمين، على التعرّف على مدى تكرر الحوادث وتكلفة إصلاحها، مثلما تساعد أجهزة الدولة المعنية بالكشف عن مقترفي الجرائم السيبرانية.

 

إن الحماية التأمينية لن توقف أو تنهي هذه الجرائم لكنها تساهم في الكشف عن مكامن الخلل في إدارة الأخطار السيبرانية التي تتعرض لها الشركات ومختلف المؤسسات العامة والخاصة، وسبل التحوط منها أو من بعضها، وبالطبع التعويض عن الخسائر المترتبة على هذه الأخطار. آمل أن تحفز هذه الورقة ممارسي التأمين في العراق على التفكير في موضوع الأخطار السيبرانية واستباق الحلول التأمينية لها.

 

4 حزيران 2017

[1] http://www.shafaaq.com/ar/Ar_NewsReader/0523eb1d-aa10-424b-8f3b-9fc0e9fd9559

[2] http://www.alsumaria.tv/news/205781/%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A-%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%8A%D9%86/ar#

[3] اعتمدنا في كتابة هذا القسم على المعلومات المنشورة في موقع جمعية شركات التأمين البريطانية:

https://www.abi.org.uk/Insurance-and-savings/Products/Business-insurance/Cyber-risk-insurance

Baha Baheej Shukri on Insurance Agents & Producers

من رسائل بهاء بهيج شكري:

رسالة حول نظام الوكلاء ونظام المنتجين في التأمين

 

 

نشرت هذه الرسالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

 

http://iraqieconomists.net/ar/2017/05/27/%d9%85%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a8%d9%87%d8%a7%d8%a1-%d8%a8%d9%87%d9%8a%d8%ac-%d8%b4%d9%83%d8%b1%d9%8a-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85/

 

 

عمان في ٢٠ مايس ٢٠١٧

 

الأخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

كما وعدتك أعود لبحث نظام الوكلاء ونظام المنتجين على ضوء القانون المقارن. وكتمهيد للبحث يجب العودة إلى استقالة السيد عطا عبد الوهاب من شركة التأمين الوطنية احتجاجاً على قرار المؤسسة العامة للتأمين بإعادة العمل بنظام الوكلاء بعد أن كان قد اعتمد نظام المنتجين، فالسيد عطا لم يُبين في كتابه سلالة الطين[1] ماهية نظام المنتجين ولم يُبين طبيعة علاقة المنتج بالشركة، وهل انه يعمل براتب أم لقاء عمولة، وما هي الأسباب الفنية والقانونية التي جعلته يتخذ قرار اعتماد المنتجين بدلاً من الوكلاء، بل اكتفى بالقول بأن نظام المنتجين هو أكثر فائدة من نظام الوكالات للمؤمن لهم وللشركة دون أن يُبين نوع هذه الفائدة. وحيث انه ذكر في كتابه المذكور ان السيد عبد الباقي رضا الذي حلَّ محله في ادارة شركة التأمين الوطنية كان قد زاره بعد فترة من الزمن بعد استقالته من شركة التأمين الوطنية وأخبره بأنه عاد وألغى نظام الوكلاء وأحل نظام المنتجين محله، وعند سؤال السيد عبد الباقي عن ماهية نظام المنتجين الذي طبقه بدلاً من نظام الوكلاء أجاب بأنه لا يتذكر لأن الموضوع مضت عليه فترة طويلة من الزمن.[2]

 

وبالرجوع إلى موقف مجلس إدارة المؤسسة العامة التأمين، نجد أن قرارها بالعودة إلى نظام الوكلاء كان قراراً مرتجلاً لم يُبْنَ على دارسة قانونية وفنية للنظامين، بل انه في رأينا كان قراراً متحيزاً لأن رئيس المؤسسة السيد كليمان شماس كان قبل تأميم الشركات وكيلاً لشركة تأمين أجنبية[3] وبعد تصفية وكالات التأمين الأجنبية بموجب قانون التأميم تحوَّل إلى وكيل عن الشركات العراقية فمن مصلحته الشخصية العودة إلى نظام الوكلاء، فأيده جميع أعضاء المجلس دون مناقشة أو اعتراض تطبيقا لقاعدة “الناس على دين ملوكهم” علماً انهم كانوا أعضاء في مجلس إدارة شركة التأمين الوطنية عند تقديم السيد عطا عبد الوهاب اقتراحه باستبدال نظام الوكلاء بنظام المنتجين فوافقوا عليه دون اعتراض. فكان هذا التحول المفاجئ دون دراسة وتدقيق هو الذي أدى إلى استقالة السيد عطا عبد الوهاب. وهذا ما يجعلني أميل إلى الاعتقاد بأن هذا الموضوع لم ينَلْ ما يستحقه من البحث من جميع الأطراف، لا من الناحية الفنية ولا من الناحية القانونية، علما بأن نصوص قانون شركات ووكلاء التأمين الذي كان ساري المفعول حينذاك لا تختلف عن نصوص القانون المقارن بهذا الشأن والتي حصرت ممارسة أعمال الوساطة بوكيل التأمين، وأضافت إليه قوانين أخرى، صدرت بعد ذلك، شخصاً آخر وصفته بالوسيط.

 

لقد سبق لي أن بحثت موضوع وسطاء التأمين وأهمية دورهم في نظام التأمين بشكل مفصل في كتابي بحوث في التأمين الصادر عن دار الثقافة للنشر والتوزيع سنة ٢٠١٢ (صفحة ٣٠١ – ٣٢٧). وأحاول أن ألخص الموضوع بقدر تعلق الأمر بالوكلاء والوسطاء والمنتجين على ضوء التشريع العربي المقارن والتطبيق العملي في المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

 

لقد حصرت القوانين المتعلقة بتنظيم أعمال التأمين خدمات الوساطة بشخصين، كما قلت، هما وكيل التأمين وبشخص آخر أطلق عليه وسيط التأمين. فوكيل التأمين هو الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي تتوفر فيه الشروط المنصوص عليها في التعليمات الصادرة بموجب قوانين الإشراف والرقابة على تنظيم أعمال التأمين وينوب عن شركة التأمين بموجب تخويل رسمي في التوسط بينها وبين طالب التأمين في إبرام عقد التأمين. وينقسم الوكلاء إلى صنفين. الأول وكلاء إنتاج ينحصر عملهم بالتوسط بين شركة التأمين وطالب التأمين في إبرام العقد، دون أن يكون لهم حق التفاوض نيابة عن شركة التأمين، كما ليس لهم حق التدخل في تسوية طلب التعويض نيابة عنها. والصنف الثاني من الوكلاء هم وكلاء الإصدار، وهذا الصنف يكون مخولاً من قبل شركة التأمين ضمن سقف معين في سند الوكالة بالتعاقد نيابة عنها مع طالب التأمين وإصدار وثيقة التأمين موقعة من قبله وتسوية طلبات التعويض دون الرجوع إليها، ويشترط كي يمارس أي من الصنفين واجباته أن يكون مزوداً بسند وكالة مصدق يُبين حدود صلاحياته وأن يكون مجازاً بممارسة وكالة التأمين من الجهة الرقابية.

 

ولا يشترط ان يكون وكيل التأمين من أي من الصنفين خبيراً في نظام وعقد التأمين، بل يكفي أن يكون ملماً بالفواصل العامة لكل من نظام التأمين وعقوده. وقد اختلف موقف التشريع العربي من طبيعة الرابطة العقدية بين الوكيل وشركة التأمين، ففي الوقت الذي اشترطت فيه جميع قوانين تنظيم أعمال التأمين بان ينفرد الوكيل بشركة تأمين واحدة، أجاز المشرع العراقي في الفقرة الثانية من المادة (75 – أولاً) من قانون سنة ٢٠٠٥) “ان يكون الوكيل وكيلا لأكثر من مؤمن واحد.” وتنحصر العلاقة المالية بين الوكيل وشركة التأمين، بتقاضي الوكيل عمولة بنسبة يتفق عليها من قسط تأمين العقد الذي ينجح توسطه في إبرامه، باستثناء وكيل التأمين على الحياة الذي تكون عمولته عن السنة الأولى بنسبة من مبلغ التأمين. ثم تنخفض عن سنوات امتداد العقد لتصبح نسبة من قسط سنة التمديد. وفي جميع الأحوال لا يتقاضى الوكيل راتبا من شركة التأمين. وقد استقر التعامل على هذه العلاقة المالية وفقا لجميع القوانين انفة الذكر.

 

وفي التطبيق العملي في العراق، فإن جميع الوكلاء العراقيين الذين أجيزوا من قبل الجهة الرقابية هم وكلاء انتاج وليسوا وكلاء إصدار. أما وكالات الشركات الأجنبية التي كانت عاملة في العراق قبل تصفيتها بموجب قانون التأميم فقد كانت وكالات إصدار، حيث كان الوكلاء من قبل الشركات الأجنبية هم وكلاء تصدير ينوبون عنها بإبرام عقود التأمين وتسوية طلبات التعويض وتسديدها دون الرجوع إليها.

 

اما الوسيط الثاني في عملية وساطة التأمين والذي انفرد المشرع السوري واللبناني والأردني والعراقي بالنص عليه وأطلق عليه تسمية الوسيط، فهو ما يعرف في سوق التأمين الانجليزي والأمريكي وبعض الاسواق الأوربية بـ “السمسار” (Broker). فكلمة السمسار هي الترجمة القانونية واللغوية الدقيقة لكلمة (Broker). ووفق ما جاء في المعاجم اللغوية ان “السمسار” هو من يتوسط بين طرفين في إبرام عقد بينهما دون أن يكون وكيلاً رسمياً عن أي منهما، وان “السمسرة” هي عمل وساطة مشروعة وهي بموجب القانون التجاري المقارن، عملاً تجارياً مطلقاً.

 

أما لماذا فضَّل المشرع العربي أن يسمي السمسار بالوسيط دون أن يطلق عليه اسمه الحقيقي (السمسار) فذلك، وحسب رأينا الشخصي، لأن هناك حساسية لدى المتلقي العربي من كلمة سمسار لأنها تطلق من قبيل الخطأ الشائع على الشخص الذي يتوسط في الجمع بين الرجل والمرأة لعمل الفحشاء، وهذا خطأ شائع، فمثل هذا الشخص يسمى، وفق ما جاء في قواميس اللغة العربية، (قواداً) وليس (سمساراً) وعمله لا يعتبر تجارياً بل هو عمل باطل لمخالفته للآداب العامة.

 

وبالرغم مما نصت عليه بعض قوانين تنظيم أعمال التأمين، فإن نظام السمسرة غير معمول به في أسواق التأمين العربية[4] وأبرز سوقين في التعامل بنظام السمسرة هو السوق الانجليزي والسوق الامريكي، ففي هذين السوقين ليس هناك اتصالاً مباشراً بين طالب التأمين والمؤمن،[5] بل على طالب التأمين أن يعهد بطلبه إلى السمسار الذي يتولى دراسة الطلب ويحدد المؤمنين المتخصصين بمنح التغطية المطلوبة ثم ينظم ما يعرف بقسيمة السمسار (Slip) ويقوم نيابة عن طالب التأمين دون تخويل رسمي مصدق بتمرير القسيمة على المؤمنين الذين يختارهم مبتدئاً بأبرز واحد منهم فيعرض عليه الطلب ويناقشه في شروط التغطية ومقدار قسط التأمين، فيؤشر هذا المؤمن النصيب الذي يقبل تغطيته وبذيله بالحروف الأولى من توقيعه، وبذلك يعتبر هو المؤمن القائد، ثم يقوم السمسار بتمرير القسيمة على بقية المؤمنين الذين يؤشرون عليها أنصبتهم وفقا للشروط التي تم الاتفاق عليها بين السمسار والمؤمن القائد، علماً بأن التغطية في هذه الأسواق لا تنحصر بمؤمن واحد بل يشتر ك بها عدة مؤمنين.

 

ويختلف السمسار عن الوكيل في أنه خبير بجميع مفاصل نظام التأمين وعقوده، وان عمله يعود بالنفع المادي والمعنوي على كل من طالب التأمين والمؤمن، وقد وصفه أحد الباحثين الإنجليز بانه خادم لسوق التأمين، علماً بأن مؤسسة اللويدز لها مجموعة السماسرة الخاصة بها.

 

وتجب الملاحظة هنا بأن السمسار ليس منتجاً لعقود التأمين، فلا علاقة لعمله بعملية تسويق عقود التأمين، فهو لا يتوسط بين طالب التأمين والمؤمن في إبرام عقد التأمين ولا يتصل بطالبي التأمين لهذا الغرض، بل ان طالبي التأمين هم الذين يتصلون به لإسناد الخطر المطلوب التأمين منه، فالسمسار هو “وسيط إسناد” وليس “وسيط انتاج.”

وينقسم السماسرة إلى فصيلتين، الأولى تتولى التوسط في الإسناد المباشر بين طالب التأمين والمؤمن، والثانية تتولى إسناد أعمال التأمين بين المؤمن المباشر ومعيد التأمين.

 

مما تقدم يتضح ان جميع القوانين المتعلقة بتنظيم أعمال التأمين بما في ذلك قانون شركات ووكلاء التأمين [رقم 49 لسنة 1960] العراقي الذي كان نافذ المفعول قبل نشر قانون سنة ٢٠٠٥ في الجريدة الرسمية، قد حصرت التوسط في إنتاج عقود التأمين بوكيل التأمين الذي تتوفر فيه الشروط المنصوص عليها في التعليمات الصادرة بموجب القانون ويكون مخولاً بتوكيل رسمي مصدق ممنوح له من قبل الشركة التي يرتبط بها ويكون مجازاً بممارسة عملية التوسط والإنتاج من قبل السلطة الرقابية. ولا يوجد في هذه القوانين مكان لما وصف “بنظام المنتجين والمنتج”، بل ان من يمارس عمل الوساطة ممن لا تتوفر فيه شروط الوكيل المذكورة سواء أكان مرتبطاً بالكادر الوظيفي لشركة التأمين أو من خارج هذا الكادر، يعتبر وفقاً للنصوص العقابية التي تضمنتها جميع قوانين الرقابة على، وتنظيم اعمال التأمين، مرتكبا لجنحة عمدية معاقب عليها بالغرامة.

 

وبالعودة إلى أسباب استقالة السيد عطا عبد الوهاب، نقول لو أن المؤسسة العامة للتأمين كانت قد درست بالاشتراك مع السيد عطا عبد الوهاب ومشاركة السيد عبد الباقي رضا الذي كان مديراً عاما للمؤسسة، نصوص قانون شركات ووكلاء التأمين [رقم 49 لسنة 1960] بشكل معمق، لتبين لها أن نظام المنتجين لم يكن له مكان في القانون، وبنتيجة ذلك كان سيتراجع السيد عطا عبد الوهاب عن قراره باعتماد نظام المنتجين، لأنه رجل قانون قبل أن يصبح رجل تأمين. كما أن السيد عبد الباقي لم يكن يعمد إلى تطبيق نظام المنتجين عندما خلف السيد عطا عبد الوهاب في إدارة شركة التأمين الوطنية، بعد أن تبين له أن هذا النظام يتعارض مع حكم القانون.[6]

 

مع التقدير.

 

بها شكري

* الهوامش من وضع مصباح كمال. تنشر هذه الرسالة بعلم الأستاذ بهاء بهيج شكري.

 

[1] عطا عبد الوهاب، سلالة الطين (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004).

 

[2] الإشارة هنا هي لرسالة الأستاذ عبد الباقي رضا المؤرخة 1 آذار 2017. راجع النص في “من رسائل الأستاذ عبد الباقي رضا: تطورات موضوع إلغاء وكالات التأمين واستبدالها بنظام المنتجين،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/05/Letter-1-March-2017-insurance-agents-company-producers.pdf

 

[3] كان السيد كليمان شماس يعمل في وكالة السيد إدوار فرام (1905-1955) الذي كان وكيلاً لشركة يونيون الفرنسية للتأمينUNION DES ASSURANCES DE PARIS في العراق (التي عُرفت فيما بعد (1968) باسم UAP ومنذ 1985 باسم أكسا AXA). ويمتد تاريخ وكالته إلى ثلاثينيات القرن العشرين. أنظر: مصباح كمال “وكالات التأمين في العراق عام 1936: محاولة في التوثيق،” مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/05/1936-19-2012-1936-1936-883.html

[4] نظام السمسرة موجود في أسواق التأمين العربية، وبفضل هذا الوجود تم تأسيس رابطة وسطاء التأمين العرب في دمشق (17 حزيران 2008) تحت مظلة الاتحاد العام العربي للتأمين. وكان أعضاء أول مجلس إدارة للرابطة يضم ممثلين عن الأردن، الإمارات المتحدة، البحرين، تونس، سورية، لبنان، مصر. تضم الرابطة وسطاء التأمين من الأفراد والشركات.

 

وبالنسبة لسوق التأمين العراقي هناك، حسب البيانات الصادرة من قبل ديوان التأمين، تسع وسطاء للتأمين وإعادة التأمين بعضهم يمثلون فروعاً لشركات وساطة أجنبية. ويُشاع أن الديوان قد قام بتعليق ترخيص مزاولة اثنين أو ثلاثة من الوسطاء المسجلين لديه لعدم التزامهم بالقانون أو التعليمات المنظمة لعمل الوسطاء.

 

وينظم عمل الوسطاء بموجب تعليمات رقم 10 لسنة 2006 – إجازة وسيط التأمين وتنظيم أعماله وتحديد مسؤولياته – الصادرة من ديوان التأمين.

 

[5] رغم أن هذه الصورة ما زالت قائمة إلا أنها خضعت للتغيير بفضل التطور الكبير في تكنولوجيا المعلومات الذي خلق وسيلة جديدة لشركات التأمين للوصول إلى المؤمن لهم المرتقبين مثلما وفرَّ لهؤلاء سرعة الاتصال بشركات التأمين للحصول على المنتج التأميني وبالسعر المرغوب وخاصة في مجال التأمين على السيارات والمساكن. وقبل التوسع في استخدام الإنترنيت في الوقت الحاضر لأغراض بيع التأمين أو البحث عنه من قبل طالبيه كان هناك وما زال نظام البريد والهاتف الأرضي التقليدي ومن ثم الهاتف النقال.

 

للتعرف على بعض مظاهر تطور البيع المباشر للتأمين في الولايات المتحدة الأمريكية، أنظر:

Insurance Information Institute:

http://www.iii.org/issue-update/buying-insurance-evolving-distribution-channels

 

من الملاحظ تقلص عدد وسطاء التأمين وإعادة التأمين في أسواق التأمين الأوروبية ومنها سوق التأمين البريطاني التي شهدت اختفاء ما يقرب من 7,000 شركة وساطة، صغيرة وكبيرة سواء تلك التي تعمل مع شركات التأمين أو تلك المعتمدة من سوق لويدز في لندن، منذ ثمانينيات القرن الماضي بحيث أن من بقي منها يقدر بما يقرب من 3,000 شركة، وهبوط العدد ما زال مستمراً. وقد جاء هذا التقلص نتيجة لعدة أسباب، ومنها: نزوع شركات الوساطة الكبيرة إلى استبعاد الشركات المنافسة من سوق التأمين من خلال عمليات الاستحواذ والاندماج، للحفاظ على حصتها من الأعمال في السوق وهامش أرباحها. ومنها أيضاً دخول شركات الوساطة الأمريكية الكبيرة إلى سوق لندن، منذ أوائل الثمانينيات، من خلال هذه العمليات، للتعامل مع شركات التأمين العاملة في سوق لندن London Market وسوق لويدز Lloyd’s مباشرة بدلاً من المرور من خلال وسطاء سوق لندن. (كان ما يقرب من 25% من الأعمال التي تكتتب بها النقابات الاكتتابية في سوق لويدز صادرة من الولايات المتحدة). وساهم تطور تكنولوجيا المعلومات في تقليص عدد شركات الوساطة لأن هذه التكنولوجيا قد خلقت قناة جديدة لتوزيع المنتج التأميني.

[6] من رأي أن العقلانية الاقتصادية كانت المحرك الأساس في تبني نظام المنتجين ذلك أن تأميم شركات التأمين قد قضى على المنافسة الذي يستدعي دوراً لوسطاء التأمين في المفاضلة بين شركة وأخرى وبين منتج تأميني لهذه الشركة أو تلك، وفي تقديم خدمة استشارية مهنية للعملاء. وعلى أي حال فإن الموضوع يستحق المزيد من الدرس من خلال الكشف عن الدراسات والمذكرات التي كتبت بشأنه آنذاك.

Notes on Insurance in the Monetary & Fiscal Context

ملاحظات أولية لعرض التأمين في السياق النقدي والمالي

 

على هامش كتاب لهب عطا عبد الوهاب:

سرعة تداول النقود بين النظرية الاقتصادية والتطبيق العملي[1]

 

 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

مصباح كمال : ملاحظات أولية لعرض التأمين في السياق النقدي والمالي

 

 

[1]    مقدمة

 

هذا كتاب مهم في موضوعه، سرعة تداول النقود، قدمه المؤلف بأستاذية ونأمل، أن ينتبه إليه المختصون. هو ليس كتاباً في التأمين لكنه يضم إشارات سريعة عابرة للتأمين في بعض المواضع سنقوم بإبرازها في هذه الورقة بقدر ما تسمح به إمكانياتنا في فهم الظواهر الاقتصادية المالية والنقدية منها بشكل خاص. هذه الورقة ليست معنية بسرعة تداول النقود ولذلك فهو لا يشكل موضوعاً للتعليق لكننا سنستفيد من بعض نصوص الكتاب والمفاهيم الواردة فيها لعرض بعض جوانب التأمين مع الإشارة، قدر الإمكان، إلى واقع النشاط التأميني في العراق.

 

لولا هذا الكتاب الذي أهداه المؤلف لي لما بادرت إلى كتابة هذه الورقة لوضع التأمين ارتباطاً بالنظام النقدي والمالي. فله أجزل الشكر على هديته الكريمة وعلى توفير فرصة الكتابة عن جوانب من النشاط التأميني.

 

لتوفير السياق المناسب لتعليقاتنا سنقتبس نصوصاً طويلة من الكتاب، لإظهار ورود إشارة للتأمين فيها، وفي هذا فائدة أيضاً لمن لا يتوفر على نسخة من الكتاب.

 

تضم محاولتنا عرض الموضوعات التالية:

 

  • هل هناك علاقة بين كلفة الاحتفاظ بالنقد وشراء التأمين؟
  • تخفيض الضرائب والطلب على التأمين
  • التأمين كمؤسسة مالية وسيطة غير مصرفية
  • ضيق نطاق الأسواق النقدية والمالية واستثمار شركات التأمين
  • السوق النقدية المنظمة، الوعي المصرفي/الوعي التأميني، النضج المالي/النضج التأميني

 

[2]   هل هناك علاقة بين كلفة الاحتفاظ بالنقد وشراء التأمين؟

 

التغيرات في معدلات الفائدة وأثرها على التأمين

تحت عنوان العوامل التي تؤثر على كلفة الاحتفاظ بالنقد تناول المؤلف (1) التغيرات التي تطرأ على معدلات الفائدة و (2) التغيرات التي تطرأ على المستوى العام للأسعار.

 

(1) التغيرات التي تطرأ على معدلات الفائدة

إن ارتفاع معدلات الفائدة على الموجودات البديلة للنقود (كالودائع الزمنية والسندات الحكومية) ستدفع بالأفراد نحو الاقتصاد في أرصدتهم النقدية لتكلفة الفرصة opportunity cost المرتفعة للاحتفاظ بالنقود (والتي لا تدر عائداً مقارنة بعوائد الموجودات غير النقدية). ومن هنا ميل الأفراد إلى تخفيض أرصدتهم النقدية بدلاً من تفضيل السيولة، الأمر الي سيفضي إلى ارتفاع في سرعة تداول النقود. (ص 28)

 

لا يرد في هذا النص أي ذكر للتأمين لكننا اقتبسناه لإبراز مدى تأثير معدلات الفائدة على بعض جوانب التأمين. لا نظن أن ارتفاع معدلات الفائدة سيخلق ميلاً لدى الأفراد لتخفيض أرصدتهم النقدية وإنفاقها، أو بعض منها، على شراء وثائق التأمين كموجودات بديلة للنقود، باستثناء بعض أشكال التأمين على الحياة. فشركات التأمين المتخصصة بأعمال التأمين على الحياة تطرح للبيع وثائق تأمين ادخارية (وهي غير الشهادات الادخارية، أوعية استثمارية تطرحها البنوك، إذ أن وثائق التأمين الادخارية تغطي خطر وفاة صاحب وثيقة التأمين) لجذب عملاء جدد. فمن آثار ارتفاع معدلات الفائدة الضغط على شركات التأمين على الحياة لطرح منتجات جديدة بعوائد استثمارية أعلى تتناسب مع هذا الارتفاع في محاولة لجذب الأفراد لشراء وثائق التأمين كبديل أو مكمل للاستثمار في الشهادات الادخارية. وكذلك العمل على تخفيض أقساط التأمين بفضل ارتفاع العوائد الاستثمارية، ويأتي هذا مقترناً بحالة التنافس بين الشركات للإبقاء على عملائهم وجذب الجدد منهم.

والمعروف أن ارتفاع معدلات الفائدة يُحسّن من العوائد الاستثمارية على وثائق التأمين على الحياة، ومن هنا ربما الميل لاقتناء وثائق التأمين على الحياة إذ أن معدل الفائدة على هذه الوثائق تراكمي ويحتسب على أساس مبلغ التأمين وليس القسط المسدد. فعند حلول أجل الوثيقة أو وفاة صاحبها فإن شركة التأمين تسدد له أو لورثته مبلغ التأمين إضافة إلى الفائدة على هذا المبلغ.

 

ويساهم ارتفاع معدلات الفائدة إيجابياً في تحسين ربحية شركات التأمين على الحياة وغير الحياة (ما يعرف بالتأمينات العامة) من خلال العوائد على الأرصدة المستثمرة.

 

مقابل ذلك فإن انخفاض معدلات الفائدة، كما هو حاصل في الاقتصادات الغربية منذ عدة سنوات، يؤثر سلباً على العوائد الاستثمارية وربحية شركات التأمين وصناديق التقاعد. وتتفق الدراسات المختصة على استمرار النظرة المستقبلية السلبية لغالبية أسواق التأمين على الحياة على الصعيد العالمي.[2]

 

التغيرات في المستوى العام للأسعار وأثرها على التأمين

 

(2) التغيرات التي تطرأ على المستوى العام للأسعار

إن الارتفاع في المستوى العام للأسعار وتوقع الجمهور استمراراً في ارتفاعه مستقبلاً بحيث أن الأخير يمكن أن ينظر إليه باعتباره نذيراً لتضخم متوقع – هو عامل مهم يمكن أن يؤثر على سرعة تداول النقود على المدى القصير والطويل معاً – من خلال تأثيره على “كلفة الاحتفاظ بالنقود”، إذ أن ارتفاع الأسعار سيعني انخفاضاً في القيمة الحقيقية للقوة الشرائية للنقود الأمر الذي سيدفع الأفراد نحو شراء السلع الآن (بدلاً من تفضيل السيولة). (ص 28-29)

 

الملاحظ أن الانخفاض في القيمة الحقيقية للقوة الشرائية للنقود تدفع الأفراد نحو شراء السلع بدلاً من الاحتفاظ بالنقود. المنتج التأميني هو سلعة بمعنى ما ينطوي عليه من منافع (التعويض عند حصول ضرر أو خسارة) يحصل عليها حامله لإشباع حاجاته (التحوط من الأخطار المحيطة به والتخفيف من عدم التأكد بما يخبئه المستقبل). ليس لدينا دراسة تفيد في شرح العلاقة بين انخفاض القوة الشرائية للنقود (التضخم) والإقبال على شراء المنتجات التأمينية. إن هذا الإقبال، لو كان قائماً حقاً، فإنه يساهم، إلى حدٍ ما، في الحدِّ من الضغوط التضخمية الناشئة من وفرة (زيادة) كمية النقود في التداول العام، وذلك لأن الإقبال على شراء الحماية التأمينية يعمل على حجز أرصدة نقدية ربما كانت ستنفق على شراء سلع مادية وخدمات أخرى.

 

إن الانخفاض في القوة الشرائية للنقود، من المنظور التأميني، يترجم نفسه في زيادة كلفة شراء حماية إعادة التأمين من الخارج (بسبب تدني سعر صرف العملة الوطنية)، وإلى خسارة أو هبوط في قيمة موجودات شركات التأمين، وكذلك هبوط قيمة وثائق التأمين على الحياة (مدخرات المؤمن لهم) وتآكل قيمة الأموال المادية المؤمن عليها وما ينشأ عنها من اختلاف في تسوية مطالبات تعويض الأضرار المادية بسبب التباين في مبالغ التأمين عند ابتداء التأمين وعند تسوية المطالبة.

 

الادخار الفردي لأغراض التقاعد، وخاصة في الاقتصادات الغربية، هو الآخر يتأثر سلبياً من انخفاض القوة الشرائية للنقود إذ يظل هاجس انخفاض معدلات الفائدة في المستقبل وقت بلوغ مرحلة التقاعد عاملاً مؤرقاً للعاملين والعاملات، خاصة مع التحول من نظام التقاعد على أساس المنفعة المحددة defined benefit إلى نظام الاشتراكات defined contribution والاعتماد على الأسواق المالية (أي الاعتماد على أداء استثمارات صناديق التقاعد) في توفير المعاشات التقاعدية.[3]

 

وقد لوحظ في سنوات الحصار الاقتصادي على العراق (2003-1990) هبوط قيمة موجودات شركات التأمين، وخشيةً من استمرار هذا الهبوط بادرت شركات التأمين إلى تحويل جزء[4] من الأرصدة النقدية المتراكمة لديها لشراء الأصول العينية كالعقارات. وقد كتبنا التالي بشأن هذا الموضوع في دراسة سابقة[5] نقتبس منه ما يلي:

 

أدت العمليات العسكرية والعقوبات الاقتصادية وتوسع النظام في طبع النقود الورقية إلى إضعاف قيمة الدينار العراقي. وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن التضخم المفرط أدى إلى تدهور قيمة رأسمال شركات القطاع واحتياطياتها بحيث جعلها مكشوفة للإفلاس إن هي تعرضت لخسائر كبيرة لا تقوى على التعويض عنها اعتماداً على مواردها الذاتية وتلك التي توفرها شركة إعادة التأمين العراقية.[6] لذلك لجأ القطاع مبكراً إلى استبدال الأصول النقدية الآيلة إلى الهبوط الحاد في قيمتها إلى أصول مادية من خلال الاستثمار في العقارات لميل أقيامها إلى الزيادة. ليست هناك معلومات دقيقة موثقة منشورة عن هذا الأمر، ولا على القيود القانونية على الأرصدة النقدية التي يجب على شركات التأمين الاحتفاظ بها في جميع الحالات للوفاء بالالتزامات تجاه حملة وثائق التأمين، ونسبة الاستثمارات العينية وما يمكن استثماره في أسهم الشركات التجارية وغيرها.

 

حسب المعلومات المتوفرة لدينا فإن المحفظة الاستثمارية للشركات الحكومية الثلاث (شركة التأمين الوطنية، شركة التأمين العراقية وشركة إعادة التأمين العراقية) تضم الفقرات التالية وبنسب متباينة: عقارات، أوراق مالية حكومية وغير حكومية، إيداعات في البنوك، قروض مضمونة (وأخرى غير مضمونة)، أسهم وودائع داخل وخارج العراق. والمعروف عن الشركات الثلاث أنها تمتلك مباني عديدة بعضها مستخدمة كمقرات لها والبعض الآخر مؤجر للغير.

[3]   تخفيض الضرائب والطلب على التأمين

 

يتناول المؤلف في المبحث الثاني من المحور الرابع في الكتاب (ص 108-114) وسائل السلطات النقدية في التأثير على سرعة تداول النقود، ويحصر هذه الوسائل بالآتي: زيادة الانفاق الحكومي، تخفيض الضرائب، إعادة تسديد الدين العام، تخفيض معدلات الفائدة، الاقناع الأدبي والدعاية، إزالة القيود على الشراء بالأقساط، توفر “السلع المغرية، والزيادة في تكرار المدفوعات.

 

تناولنا تأثير معدلات الفائدة في الفقرات الأولى من هذه الورقة، وسنحصر التعليق هنا بتخفيض الضرائب. وبهذا الشأن، ودائماً ضمن موضوع سرعة تداول النقود، يقول المؤلف:

 

إن أي تخفيض في الضرائب المباشرة – دون أن يرافقها تخفيض مماثل في الانفاق العام – ستعمل على رفع القوة الشرائية لأفراد المجتمع… كما أن تخفيضاً في الضرائب غير المباشرة، حيث سيغري الانخفاض في الأسعار الأفراد إلى الشراء والانفاق. على سبيل المثال، قيام الدولة بتخفيض ضريبة المشتريات (على السيارات مثلاً) الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة الطلب عليها. (ص 111)

 

لا توجد ضرائب على إصدار وثائق التأمين في العراق، كما هو الحال في العديد من البلدان الأوروبية.[7] هناك فقط، في الوقت الحاضر، جباية لرسم الطابع، بنسب مختلفة، على وثائق التأمين على الحياة والحوادث الشخصية، والتأمين البحري، والتأمين غير البحري.

فرض الضريبة أو زيادتها على وثائق التأمين قد تدفع باتجاه التقليل من الطلب على شراء الحماية التأمينية، مثلما قد يؤدي إلغاء الضريبة أو التقليل من نسبتها إلى زيادة الإقبال على الانفاق على الحماية التأمينية. ما لم يكن شراء التأمين إلزامياً فإن زيادة الضريبة على وثائق التأمين تؤثر سلبياً على شراء التأمين وقد يدفع باتجاه التهرب والتغاضي عن التأمين. بالطبع، هناك عوامل عديدة تؤثر على شراء الحماية التأمينية والضريبة المفروضة عليها هي واحدة منها إلى جانب حجم الدخل النقدي المتوفر لدى الأفراد، وتأصل أعراف التدبر تجاه ما يخبئه المستقبل، وترجيحات تكلفة الفرصة opportunity cost وغيرها.

وتتمتع وثائق التأمين على الحياة بمعاملة تفضيلية من قبل دوائر الضريبة، فالمبالغ التي تدفع للمستفيدين من وثيقة التأمين، مثلاً، لا تخضع غالباً للضريبة.

 

وبالنسبة لشركات التأمين فإن أقساط التأمين المكتسبة تخضع للضريبة (صافي الأرباح الاكتتابية)، وكذلك عوائد الاستثمار، ونتائج الأعمال السنوية. وهناك رسوم أخرى تدفع لديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية وغيرها، وهي مصدر شكوى البعض.[8]

 

[4]   التأمين كمؤسسة مالية وسيطة غير مصرفية

 

يكتب المؤلف تحت عنوان ثانوي، التطورات المؤسسية في الأسواق النقدية، ما يلي:

 

ويُشار بهذا الصدد إلى النمو الواسع والمضطرد في “المؤسسات المالية الوسيطة غير المصرفية* Nonbank Financial Intermediaries في الاقتصادات الصناعية من منتصف الخمسينات كأحد العوامل التي أضعفت من فاعلية السلطات المركزية في السيطرة على المعروض النقدي لما تتمتع به من مطلوبات هذه المؤسسات من سيولة عالية بحيث “أتاحت للجمهور” منفذاً جديداً وفعالاً للاقتصاد بأرصدته النقدية إذ بدلاً من الاحتفاظ بأرصدتهم النقدية عاطلة يمكن للجمهور من تحويلها إلى الالتزامات التي تصدرها هذه المؤسسات (ودائع الادخار، حصة في مؤسسات الادخار والإقراض، بوالص التأمين … الخ) والتي تدر عائداً كبيراً من ناحية كما يمكن قلبها إلى نقد بسهولة وبأدنى كلفة أو خسارة ممكنة من ناحية أخرى. (ص 121)

 

* ويذكر في هامش بأن أهم المؤسسات الوسيطة غير المصرفية “مؤسسات الادخار thrift institutions مثال ذلك بنوك الادخار، مؤسسات الادخار والإقراض بالإضافة إلى اتحادات الائتمان وشركات التأمين، والتي تعمل “كوسيط” في نقل الأرصدة النقدية من المقرضين النهائيين (الدائنين النهائيين) إلى المقترضين النهائيين.

 

تُصنف شركات التأمين والصناديق التقاعدية والتبادلية وغيرها كمؤسسات مالية وسيطة غير مصرفية. سنحصر تعليقنا فيما يلي بشركات التأمين. لقد شهدت العقود الأخيرة قبل الألفية الثانية قيام شركات إعادة التأمين الكبرى ووسطاء التأمين في المراكز العالمية للتأمين، كسوق لندن وبرمودا، ابتكار وتطوير أدوات بديلة لتحويل الأخطار alternative risk transfer (ART) خارج الأنماط التقليدية لآليات التأمين. وقد أنصبَّتْ هذه الأدوات على التعامل مع الأخطار الكبيرة ذات الطبيعة الكارثية، كالزلازل والفيضانات والمسؤوليات القانونية كتلك المرتبطة بالأسبستوس التي تعود أصولها إلى ما قبل النصف الثاني من القن العشرين، التي ولَّدت خسائر لشركات التأمين تقدر بعدة مليارات في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. لم يكن ابتداع الوسائل لتمويل الخطر risk financing ضمن الآليات التقليدية كافية، كخيارات تجزئة مبالغ الأخطار الكبيرة المؤمنة إلى شرائح layered options وغيرها لتسهيل تغطيتها بأسعار اقتصادية معقولة. وهكذا نشأ التحول نحو الاستفادة من سوق رأس المال (استخدام السندات bonds لتغطية الخسائر المترتبة على الكوارث، وخيارات البيع المستقبلية futures/put options) والتوريق الذي بدأ في سبعينيات القرن الماضي[9] securitization وغيرها.[10]

 

وعلى مستوى الأفراد كانت جمعيات بناء المساكن تمارس دورها في تقديم القروض لشراء دور السكن ثم بدأت في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، في بريطانيا، بتقديم خدمات مصرفية للأفراد. واستمر التداخل بين العمل المصرفي والتأميني حتى أن المصارف أخذت تمارس نشاطاً تأمينياً bancasssurance (بدأ في فرنسا في ثمانينيات القرن الماضي وانتشر في أوروبا وخارجها). وبذلك أصبحت البنوك قنوات توزيعية مهمة للمنتجات التأمينية، مثلما أخذ بعض البنوك بممارسة التأمين المباشر والبعض الآخر أسس كيانات لوساطة التأمين خاصة بها. وقد شهدت بعض البلدان العربية تبني نموذج التأمين عبر المصارف.

 

ويذكر المؤلف، فيما يخدم أطروحته في سرعة تداول النقود، الميل المتزايد لدى “الجمهور” لتحويل الأرصدة النقدية إلى المؤسسات غير المصرفية لقاء الالتزامات التي تقدمها (ودائع الادخار، حصة في مؤسسات الادخار والإقراض، بوالص التأمين … الخ). (ص 121). ما يعنينا هنا هو الإشارة إلى وضع بوالص التأمين بين هذه الالتزامات التي “تدر عائداً كبيراً من ناحية كما يمكن قلبها إلى نقد بسهولة وبأدنى كلفة أو خسارة ممكنة من ناحية أخرى.” إقحام بوالص التأمين هنا ربما أنصبَّ على بعض وثائق التأمين على الحياة التي تتضمن عنصراً ادخارياً مرتبطاً أيضاً بالأرباح التي تحققها شركة التأمين على استثماراتها لصندوق أقساط التأمين، وكذلك صندوق التقاعد الفردي المربوط بأرباح الشركة. وخلاف ذلك فإن وثائق التأمين لا تدر العوائد لحَمَلتها

 

أما موضوع قلب بوالص التأمين إلى نقد بسهولة وبأدنى كلفة ممكنة، فهو يحتاج إلى تكييف بسبب وجود ضوابط على هذا القلب، أي إلغاء بوالص التأمين، إذ أن ما يحصل عليه حامل البوليصة من قسط التأمين الذي سدده ابتداءً أو على دفعات لا يعادل هذا القسط بالكامل ذلك لأن شركة التأمين تتكبد مصاريف إدارية في الاكتتاب وفي إصدار بوليصة التأمين، كما أنها تكون مسؤولة عن تعويض حامل البوليصة عن الضرر أو الخسارة المُبلَّغ عنها قبل تاريخ قيامه بإشعار شركة التأمين بالإلغاء. ومن المعروف أن معظم بوالص التأمين تُطبق ما يُعرف بجدول المدة القصيرة Short Rate Cancellation Table.

 

[5]      ضيق نطاق الأسواق النقدية والمالية واستثمارات شركات التأمين

 

تحت هذا العنوان الثانوي يذكر المؤلف أن هذه الأسواق في البلدان النامية تتميز “بالضيق والذي يرجع إلى قلّة التعامل بالأوراق التجارية، وقلة ما يصدر من أذونات الخزينة، واقتصار الأسواق المنظمة فيها أساساً على البنوك التجارية …” ويلاحظ بالنسبة لسوق رأس المال “محدودية البائعين والمشترين – مما يفيد انخفاض حجم المبادلات – غياب المتعاملين الذين يتحملون مخاطر تقلبات القيمة الرأسمالية للسندات.” ويلاحظ المؤلف أيضاً “أن أكثر من 80% من السندات [الحكومية] القابلة للتداول في الأسواق يحوزها البنك المركزي والبنوك التجارية وشركات التأمين …”[11] [التأكيد من عندي]

 

ما الذي يدفع شركات التأمين لحيازة السندات الحكومية؟ أولاً، عنصر الضمانة العالي لهذه السندات. وثانياً، سهولة بيعها في أسواق المال للحصول على السيولة النقدية المطلوبة لتعويض المطالبات الكبيرة عندما تكون الموارد النقدية داخل الشركة غير كافية. ويمكن وضع الموضوع في إطار القيود المفروضة على السياسة الاستثمارية لشركات التأمين. وقد كتبنا في دراسة سابقة عن:

 

“التقلبات في نتائج الأعمال نتيجة لخبرة الخسارة المتغيرة. وهذا يتطلب من شركة التأمين الإبقاء على احتياطات كبيرة زيادة عن احتياطاتها الفنية، إذ أن الأموال المتجمعة لديها يمكن أن تكون عرضة للنضوب خلال فترة زمنية قصيرة بسبب المطالبات بالتعويض (بعد كارثة مثلا). يقتضي مثل هذا الواقع من شركة التأمين الإبقاء على أموالها في حالة سيولة معقولة: كأن تكون بهيئة ودائع مصرفية قابلة للسحب الفوري أو سندات قصيرة الآجل يمكن تسييلها دون التعرض لخسارة كبيرة.

 

هناك بالطبع اعتبارات عديدة حول المفاضلة بين الأصول المالية القابلة للتسويق. فالمعروف أن الإبقاء على الأصول بهيئة نقد لا يوفر عائداً لشركة التأمين. كما أن الاستثمار في السندات الحكومية يكون مردوده محدوداً. مقابل ذلك فإن الاستثمار في الأسهم يمكن أن يوفر مكاسب رأسمالية capital gains لا تخضع للضريبة إلا عند تحقق هذه المكاسب. مثل هذا الاستثمار ينطوي على المخاطر التي تطرأ على سوق الأسهم، وهي ضمن قابلية التسويق الفوري تعتبر غير مناسبة لشركة التأمين. ولهذا فإن بعض شركات التأمين تميل إلى تنويع محافظها الاستثمارية كي تستطيع مواجهة التعويضات والحصول على عوائد معقولة.

 

ومن القيود التي تفرض نفسها على الاستثمار إمكانية انخفاض دخل أقساط التأمين. إن تقلص حجم الأعمال المكتتبة، لأي سبب كان، يعني أن التدفق النقدي لشركة التأمين لن يكون كافياً لبناء الاحتياطيات والاستثمار.

 

هناك القواعد الرقابية الانضباطية التي تفرض على شركات التأمين الإبقاء على هامش معين للملاءة المالية.[12] وهذا يعني إخضاع أصول الشركة لقواعد التقييم الرقابية كوضع حد أو سقف للأصول المالية التي يمكن للشركة أن تحتفظ بها والتي تتعرض لتقلبات كبيرة كالأسهم والسندات الطويلة الأجل والأصول العينية دون الإضرار بالسيولة النقدية للشركة كي تستطيع تسديد التعويضات في أوانها.

 

إضافة إلى ذلك يتوجب على شركة التأمين أن تأخذ بنظر الاعتبار النمو المتوقع في حجم الأعمال. فالتباطؤ في معدل النمو قد يؤدي إلى نتائج سلبية على التدفق النقدي. مقابل ذلك فإن المعدلات العالية في نمو حجم الأعمال لها مشاكلها الخاصة فقد تؤدي إلى مشاكل في تمويل الاحتياطيات الفنية (التي يجب تأسيسها) وكذلك زيادة هامش الملاءة المالية.

 

كما أن شركة التأمين قد تواجه عدم توفر حماية إعادة التأمين لأسباب عديدة: عدم توفر الطاقة الاستيعابية للمحافظ الاكتتابية للشركة، انسحاب شركات إعادة التأمين من الاكتتاب في بلد معين بسبب عدم الاستقرار …إلخ.

 

إن المحافظ الاستثمارية لشركات التأمين ليست متجانسة بسبب طبيعة الأعمال التي تكتتب بها. فالعقود التي تكتتبها شركات التأمينات العامة ذات آجال قصيرة، وعادة تمتد لسنة واحدة، في حين أن عقود شركات التأمين على الحياة قد تمتد لعدة عقود. وبفضل القدرات الاكتوارية المتوفرة لها تستطيع التنبؤ بحجم المسؤوليات التعاقدية التي تترتب على أعمالها بدقة أكبر من شركات التأمينات العامة، وبالتالي تستطيع توظيف احتياطياتها في أدوات مالية ذات أجل أطول.”[13]

 

[6]   السوق النقدية المنظمة، الوعي المصرفي/الوعي التأميني، النضج المالي/النضج التأميني

 

السوق النقدية المنظمة وغير المنظمة وموقع التأمين فيها

يُميّز المؤلف بين السوق النقدية المنظمة والسوق النقدية غير المنظمة. فالسوق النقدية المنظمة تشتمل “عادة على البنك المركزي والمصارف التجارية والمؤسسات المالية الأخرى مثل شركات التأمين.” وهذه تخضع لقوانين تحكم نشاطها من حيث التأسيس، وحجم رأس المال المطلوب، ورخصة مزاولة العمل ومؤهلات العاملين وغيرها. في حين أن السوق النقدية غير المنظمة “غير متجانسة، حيث تضم المرابين والتجار وأصحاب المتاجر، الأصدقاء والأقرباء، ملاك الأراضي، والذين يخرجون عن نطاق التحكم والرقابة المباشرة للبنك المركزي.” (ص 127-128).

 

ويلاحظ أن السوق غير المنظمة، على العموم وعلى شاكلة اقتصاد الظل أو السوق السوداء، تكاد أن تكون غير موجودة في قطاع التأمين[14] نظراً لطبيعة “السلعة” التأمينية غير المنظورة (وعد مستقبلي بالتعويض عن خسارة أو ضرر مادي قد يحصل أو لا يحصل في المستقبل)، وطبيعة الإنتاج التأميني الذي يوصف بأنه قلب أو عكس دورة الإنتاج inversion of the production cycle، فشركات التأمين تبيع منتجاتها وتستلم قسط التأمين عنها مقدماً قبل فترة من إنتاج السلعة المتمثل بتسوية وتسديد المطالبة بالتعويض. وبهذه الصفة فإن السلعة التأمينية ليست ذات جاذبية في السوق غير المنظمة، إذ أن الأنشطة غير المشروعة تقوم على البيع والربح والاستهلاك الاني وليس الانتظار للانتفاع من موضوعها في المستقبل.

 

الوعي المصرفي/الوعي التأميني

يقدم المؤلف عرضاً عن الوعي المصرفي ينطبق برأينا على قطاع التأمين فهو يقول:

 

إن النظام المصرفي في اقتصاد ما ينمو عندما تتأصل العادة المصرفية أو الوعي المصرفي في نفوس الأفراد وعندما تنتشر المؤسسات المصرفية في شتى ربوع البلاد في الاقتصادات التي يوجد فيها قطاع خاص “وأن ما يراد بالوعي المصرفي” هو زيادة ميل الأفراد الى التعامل مع البنوك بفتح حسابات إيداع مختلفة …” (ص 129-130)

 

وبتطبيق معطيات هذا العرض يمكن القول إن نظام التأمين يأخذ بالنمو عندما تتأصل العادة التأمينية أو الوعي التأميني، بعيداً عن القيم العشائرية (كالتسوية العشائرية لحوادث السيارات الذي بدأ في عهد الدكتاتورية وما يزال مستمراً)؛ وعندما تنتشر شركات التأمين وفروعها والوكالات والمنتجين في ربوع البلاد؛ وأن ما يراد بالوعي التأميني هو زيادة ميل الأفراد إلى التعامل مع شركات التأمين بشراء وثائق التأمين منها. والصورة الأخرى لهذا الوعي التأميني هي عادة التدبر للمستقبل.

 

هذا التطابق بين الوعي المصرفي والتأميني لا يستنفد مكونات الوعي التأميني، وبالأحرى الثقافة التأمينية. وقد كتبت في مكان آخر[15] ملاحظات بهذا الشأن يمكن أن تكون نواة لدراسة موسعة:

 

“يرُجِع البعض تدني الوعي التأميني إلى الحرب العراقية الإيرانية (1988-1980) والغزو العراقي للكويت (1990) وما تبعه من تحرير الكويت، والغزو الأمريكي للعراق (2003). ويمكن أن نضيف إليها سنوات العقوبات الدولية (2003-1990) التي ساهمت بشكل مباشر في تآكل دخل المواطنين وإفقارهم بحيث صار شراء الحماية التأمينية ترفاً لا يقدر عليه إلا قلة منهم. لكن هذه الإحالة لم تقترن بدراسة موثقة تجمع بين السبب والنتيجة إذ أنها وردت في سياق مقابلات صحفية سريعة، وغالباً ما يتركز التعليل على مقارنة بين الوضع القائم وما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي. لا تتوفر لدينا الإحصائيات لقياس مستوى الوعي التأميني في تطوره التاريخي فهذه مهمة بحثية تقع خارج إمكانياتنا الحالية.

 

يتعين علينا أن نتذكر بأن التأمين سلعة غير منظورة، هو وعدٌ بتعويض المؤمن له في المستقبل إن تعرَّض هو أو أسرته أو أمواله إلى ضرر. معظم الناس لا يستشعرون الحاجة لمثل هذا الوعد دونكم توفر القدرة المالية لديهم على شراء هذا الوعد. هم أكثر قناعة، بفعل الموروث الديني، وبقراءة سلبية له، بالقبول بالقضاء والقدر: “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.” (سورة التوبة، الآية 51)

 

ديوان التأمين مُلزم بقوة القانون للقيام بدوره في مجال زيادة الوعي التأميني. فقد جاء في المادة 6-البند 4 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 أن الديوان يهدف إلى:

 

تنظيم قطاع التامين والاشراف عليه بما يكفل تطويره وتامين سوق مفتوح وشفاف وامن ماليا، وتعزيز دور صناعة التامين في ضمان الاشخاص والممتلكات ضد المخاطر لحماية الاقتصاد الوطني ولتجميع المدخرات الوطنية وتنميتها واستثمارها لدعم التنمية الاقتصادية، وله في سبيل ذلك القيام بالمهام الاتية:

 

زيادة الوعي التأميني وإجراء الدراسات والبحوث التأمينية وطباعتها.

 

المعلومات المتوفرة لا تدل على أن الديوان قد قام بتنفيذ مهمة زيادة الوعي، أو إجراء الدراسات والبحوث التأمينية، وهذه من شأنها أن توسع دائرة الاهتمام بالتأمين خارج نطاق شركات التأمين.

 

ومن رأي أن ديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية، التي تمثل شركات التأمين، ليس لديها برنامج خاص بنشر ثقافة التأمين. صحيح أن بعض الشركات تلجأ إلى الإعلان التجاري أو الاتصال ببعض الشركات والمنظمات بهدف بيع وثائق التأمين لها أو التعاون معها بهذا الشأن فيما يخص أعضاء هذه التنظيمات، إلا أن هذا الجهد ينصبُّ على التعريف بشركة التأمين وبمنتجاتها من وثائق التأمين. وهذا الجهد يقابله ما تقوم به جمعية التأمين من خلال الندوات والمحاضرات التي تنحصر فائدتها بمنظميها وبعض المشاركين فيها.

 

فقر ثقافة التأمين يعكس نفسه في ضعف وربما أحياناً غياب الحملات الإعلانية المركزة، والمتخصصين الاستشاريين في شؤون التأمين، أو المحامين المتخصصين في تفسير عقود التأمين، ومقيّمي الأصول لأغراض التأمين، والكاشفين على الأخطار المعروضة للتأمين (ومعظم هؤلاء لا يرقون في مهاراتهم الفنية إلى ما هو متوقع منهم مهنياً وبالمقارنة مع ما هو متوفر عالمياً)، والصحفيين الذين يتمتعون بمعرفة تأمينية رفيعة.

 

ويجد هذا الفقر انعكاساً له في غياب مجلة تأمينية إلكترونية أو ورقية بعد توقف مجلة (رسالة التأمين) أواخر ثمانينيات القرن الماضي. مثلما ينعكس في غياب حملات أسبوعية أو شهرية، حسب الحاجة، لترويج منتجات تأمينية محددة. (لم تقم أية شركة لتأمين بنشر المعرفة عن تأمينات الحياة من خلال حملات خاصة للتوعية. مثال ذلك شريط فيديو للتوعية بتأمينات الحياة). وكذلك إجراء مسح ميداني حول الموقف من الخطر (الخطر الطبيعي، الخطر في المسكن وفي موقع العمل)، والوسائل التي يلجأ لها الناس للتدبر ضد آثار الخطر، ومكانة التأمين ضمن هذه الوسائل … الخ.

 

ونجده أيضاً بالحضور الضعيف أو الغائب عند وقوع حوادث كبيرة، قد تكون لها تداعيات تأمينية، كاحتلال داعش للموصل، وحادث التفجير الإرهابي في الكرادة، أو حوادث تفجير/انفجار عدد من آبار النفط. كما نجده في الصمت المطبق من قطاع التأمين عند وضع مشاريع لقوانين لها آثار تأمينية على سبيل المثل، مشروع قانون شركة النفط الوطنية العراقية ومشروع قانون صندوق الإعمار والتنمية العراقي. كما أن قطاع التأمين غائب عند إعداد موازنة الحكومة. ثم أن علاقة شركات الـتأمين والجمعية والديوان بوكالات الأنباء والصحف ضعيفة ويباشرها الصحفيون. وأكاد أن أجزم أن شركات التأمين والجمعية والديوان ليس له موظف مختص لإصدار البيانات الصحفية عن شؤون عامة ذات علاقة بالتأمين، أو إطلاق منتج تأميني، أو تنظيم فعالية معينة. بعبارة أخرى، فإنها تفتقر إلى التواصل مع الجمهور، ومع الشركات الصناعية والتجارية، والدوائر الحكومية وغير الحكومية.

 

وباختصار، فإن التأمين يكاد أن يكون غائباً في الحياة العامة إلا من خلال شراء نسبة صغيرة من السكان لوثائق التأمين، وهو موضوع يستحق من يبحث فيه. ولعله من المفيد الإشارة إلى أن الوعي بمؤسسات أخرى للدولة الحديثة لا تقتصر على التأمين بل تشمل أيضاً، على سبيل المثل، ما يمكن تسميته بضعف/غياب الوعي الضريبي.”

 

النضج المالي/النضج التأميني

يرتبط الوعي المصرفي/الوعي التأميني بأطروحة أخرى للكاتب ربط فيها “سرعة التداول الداخلية للنقود في البلدان العربية” بما اسماه “درجة النضج المالي Financial Deepening لهذه الأقطار.” يقول المؤلف في ص 141 نقلاً عن د. عبد المنعم السيد علي (دور الجهاز المصرفي والبنك المركزي في تنمية الأسواق المالية في البلدان العربية، دراسات استراتيجية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، العدد 16، أبو ظبي، 1988، ص 29-30)، “إن النضج المالي لاقتصاد ما يكمن [يمكن] قياسه من خلال المؤشرات التالية:

 

  1. أن يتوافر جهاز مصرفي واسع ذو موجودات لا تقل عن عشر الثروة القومية.
  2. أن ينجز قسم كبير من الأعمال عن طريقة مشروعات أو شركات مساهمة، مع فوائد عالية على السندات من الصنف الممتاز.
  3. ألا يقل متوسط الادخار غير الموزعة مصدراً أساسياً لتمويل التوسع في المشروعات.
  4. أن تشكل الأرباح غير الموزعة مصدراً أساسياً لتمويل التوسع في المشروعات.”

 

يمكن الاستفادة من هذه المؤشرات تأمينياً لتقييم النضج المالي للاقتصاد الوطني من خلال دراسة: توفر نظام تأميني واسع بأشكال مختلفة (عامة، خاصة، تعاونية، تبادلية/تكافلية)، يقوم بالتأمين على الأصول القائمة بأنواعها والمشاريع المختلفة تحت الإنشاء والمسؤوليات القانونية والتعاقدية، ويساهم في الاستثمارات، ضمن القواعد الرقابية المكيفة لعمل شركات التأمين، ويخلق المنتجات التي تساهم في تعظيم الادخار الفردي.

 

إضافة لمثل هذا الدراسة يمكن تقييم النضج المالي، وتحديداً مساهمة التأمين فيه، من خلال مؤشرين أساسين هما التغلغل التأميني والكثافة التأمينية بالاستفادة من البيانات الخاصة بعدد السكان والناتج المحلي الإجمالي وأقساط التأمين المكتتبة. لقياس التغلغل التأميني يُنسب دخل أقساط التأمين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو مؤشر يكشف مكانة التأمين في الاقتصاد الوطني فإذا ارتفعت هذه النسبة كان ذلك دليلاً على تزايد سرعة نمو قطاع التأمين مقارنة مع سرعة نمو الاقتصاد الوطني. أما الكثافة التأمينية فهي تؤشر على ما ينفقه الفرد على شراء الحماية التأمينية ويُمثّل ذلك بنسبة إجمالي أقساط التأمين المتحققة إلى عدد السكان.

 

 

 

 

[7]   من باب الختام – دراسة التأمين ضمن عناصر النظام المالي في العراق

 

من المعروف أن النظام المالي، وخاصة في الاقتصادات المتطورة، يضم عناصر عديدة: مؤسسات مالية (مصارف ومؤسسات مالية غير مصرفية)، أسواق المال (الأسواق التي يتم فيها تداول الأوراق المالية والسلع والأصناف القابلة للاستهلاك)، الأدوات المالية (موجودات مالية قابلة للتداول بما فيها المشتقات)، الخدمات المالية (الاتحادات الائتمانية، والبنوك، وشركات بطاقات الائتمان، وشركات التأمين، وساطة الأوراق المالية، وصناديق الاستثمار)، والهياكل المالية التحتية (الأنظمة التي تسهل حركة تسديد الالتزامات الآلي أو عبر المصارف والتحويل والمقاصة). والمعروف أيضاً أن شركات التأمين تحتل مكاناً ضمن المؤسسات المالية الوسيطة غير المصرفية، مثلما تصنف ضمن الشركات التي تتعاطى بالنقود وإدارتها. وقد تعرضنا إلى موضوع التداخل بين العمل المصرفي والتأميني.

 

النظام المالي في العراق ليس متطوراً ولا يتميز بالتعقيد في الوقت الحاضر، ونتمنى أن يقوم أحد الباحثين بدراسة مكانة التأمين ضمن هذا النظام ليكشف طبيعة ما هو قائم والدور المتوقع للتأمين ضمن هذا النظام وبخاصة في مجال التداخل والتقارب بين المصارف وشركات التأمين.

 

ومن المفيد التذكير هنا بأن القطاع المصرفي بحاجة إلى الحماية التأمينية من خلال الوثيقة المصرفية الشاملة Bankers Blanket Bond وتأمين الأخطار السِيبرانية Cyber Risks الآخذة بالنفاذ في التعاملات المالية تاركة وراءها خسائر مختلفة مادية ومعنوية على المصارف وعلى مصالح العملاء. وهذا موضوع يستحق هو الآخر بحثاً مناسباً.

 

9 أيار 2017

[1] لهب عطا عبد الوهاب، سرعة تداول النفود بين النظرية الاقتصادية والتطبيق العملي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999).

[2] فيما يخص النظرة المستقبلية السلبية أنظر:

https://www.moodys.com/research/Moodys-Low-interest-rates-market-volatility-change-global-life-insurance–PR_359018

حيث يرد في توقعات وكالة التصنيف “موديز” فيما يخص مخاطر الائتمان الرئيسية لشركات التأمين على الحياة ما يلي:

“historically low interest rates will remain the primary credit risk for global life insurance companies in 2017, continuing to depress the sector’s investment returns and profitability, and being the main driver for the outlook change to negative …”

أنظر أيضاً:

https://www.theguardian.com/business/2016/oct/05/low-interest-rates-pose-solvency-risk-to-insurers-and-pension-funds

 

[3] باتريك م. ليدتكي، كي-أووي شانز، التخطيط للتقاعد: التحديات والحلول التأمينية (بيروت: منتدى المعارف، 2015). ترجمة: تيسير التريكي ومصباح كمال.

 

[4] القيود الرقابية المفروضة على شركات التأمين تستوجب احتفاظها بسيولة نقدية مناسبة لمواجهة طلبات التعويض إذ أن تسييل الأصول العينية يستغرق وقتاً في حين أن المطالبات بالتعويض تستدعي التسوية الآنية والسريعة.

 

[5] مصباح كمال، “التأمين وعقوبات الأمم المتحدة”، فصل في الكتاب الجماعي دراسات في الاقتصاد العراقي (لندن: المنتدى الاقتصادي العراقي، 2002)، ص 82.

 

[6] في موازاة ذلك فإن عقود تأمين الحياة هي الأخرى تعرضت لهبوط حاد في أقيامها، وبالتالي فإن المؤمن عليهم هم الخاسرون الحقيقيون. ولا تتوفر لدينا معلومات عن قيام شركات التأمين بإعادة تقييم مبالغ التأمين، وعدد الوفيات وما ترتب عليها من تعويضات للورثة المستحقين أو المستفيدين من عقود التأمين على الحياة.

 

[7] بدأ تطبيق نظام جباية ضريبة على وثائق التأمين في المملكة المتحدة عام 1994 بواقع 2.5% واعتباراً من 1 حزيران/يونيو 2017 ستكون الضريبة 12% وتضاف إلى قسط التأمين.

[8] سعدون مشكل الربيعي، شركات التأمين الخاصة وقطاع التأمين العراقي (مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 46. نشر ككتاب إلكتروني وهو متوفر بصيغة بي دي إف لدى كاتب الورقة لمن يرغب الحصول على نسخة منه.

[9] Securitization – new opportunities for insurers and investors, Swiss Re: sigma, No. 7/2006.

[10] Alternative Risk Financing: Changing the Face of Insurance (London: Jim Bannister Development Limited in association with Aon Group and Zurich International, 1998),

[11] لهب عطا عبد الوهاب، مصدر سابق، ص 126.

[12] بسبب طبيعة العمل الذي تقوم به شركة التأمين ـ الالتزام بالوفاء بما تعاقدت عليه مع المؤمن له لتوفير الأمان المالي له أو لورثته في المستقبل عند وقوع حادث معين تصبح الملاءة المالية للشركة مسألة في غاية الأهمية. ولذلك يلجأ المُشرّع إلى تعريفها بصرامة قد لا تنطبق على الشركات التجارية الأخرى. ولهذا لن يكتفي التشريع أن تكون أصول الشركة كافية لتغطية المسؤوليات المتعاقد عليها بل يجب أن تزيد بهامش معين، وحسب معادلات معينة عن الأقساط والتعويضات، وخلافاً لذلك فإن شركة التأمين تُجبر على تصفية أعمالها وتتوقف عن الاكتتاب بأعمال جديدة. أنظر:

Jim Bannister, Insurance Solvency Analysis (London: LLP Ltd, 1997)

 

[13] مصباح كمال، التأمين في كوردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 26-28.

 

[14] نجد أشكال أولية لنشاطات اجتماعية ذات طابع تعاوني تضم بعض عناصر التأمين، كالبر بالوالدين، و”العونه” وقت الأضرار التي تحدثها عوامل الطبيعة، وما يعرف ب”ﮔعقدة العرب”.

 

اقتصاد الظل هو اقتصاد خفي غير رسمي وغير معلن يضم الأنشطة غير المدرجة في الحسابات القومية أو غير الخاضعة للرقابة والمتهربة من الضرائب، وهي بهذه الصفة أنشطة غير مشروعة.

[15] مصباح كمال، “مقابلة حول النشاط التأميني في العراق،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/01/Interview-Al-Sabah-with-Misbah-Kamal-final.pdf

Letter from Abdulbaki Redha on Abolition of Insurance Agencies in the 1960

من رسائل الأستاذ عبد الباقي رضا

 

تطورات موضوع إلغاء وكالات التأمين واستبدالها بنظام المنتجين

 

 

تقديم

 

يسرني أن أنشر نص رسالتين من الأستاذ عبد الباقي رضا والأستاذ بهاء بهيج شكري، بعد الحصول على موافقتهما، يخص موضوع إلغاء نظام وكالات التأمين واستبداله بنظام المنتجين بعد صدور قرار تأميم شركات ووكالات التأمين في 14 تموز 1964. وقد كان هذا الموضوع مثار نقاش، وربما سوء فهم، بين أركان التأمين العراقي آنذاك لوظيفة توزيع المنتجات التأمينية والقنوات المناسبة لها. النصين المنشورين هنا يوفران خلفية أولية لمناقشة الموضوع. وأظن بأن د. مصطفى رجب سيدلو بدلوه أيضاً خاصة وأن الأستاذ عطا عبد الوهاب تعرَّض لموقف الدكتور من الوكالات ونظام المنتجين في كتابه سلالة الطين.[1]

 

آمل استلام المزيد من المعلومات عن هذا الموضوع تمهيداً لمناقشته في سياقه التاريخي. وقد ذكر لي الأستاذ بهيج في رسالة قصيرة له مؤخراً “ان الموضوع يحتاج إلى بحث أكثر تفصيلاً من النواحي القانونية والفنية والإدارية، وربما أجد الوقت لإعداد بحث كهذا في المستقبل القريب.”

 

مصباح كمال

27 آذار 2017

 

 

رسالة الأستاذ عبد الباقي رضا

 

1 آذار 2017

 

عزيزي الأخ الوفي الأستاذ مصباح

 

صباح الخير

 

توضيحاً لتطورات موضوع الوكالات[2] أروي لك الاحداث كما أتذكر. مع قرارات التأميم في 14/7/1964 تولى الأستاذ عطا عبد الوهاب إدارة التأمين الوطنية، وكان يشغل قبلها إدارة شركة بغداد للتأمين. حين صدر قرار تعيينه ضمن التعيينات الجديدة كان خارج العراق والتحق بإدارة التأمين الوطنية فور عودته واستمرت حتى 31/1/1966. واستمر الدكتور مصطفى رجب في إدارة شركة اعادة التأمين العراقية. كان لهما دور أنشط وأعلى في شؤون المؤسسة العامة للتأمين في عهد رئاسة المرحوم طالب جميل للمؤسسة لقدمهما في الخدمة وعلاقتهما الشخصية برئيس المؤسسة حيث كان بقية المدراء العامين، من أمثالي، مستجدين في مراكزهم الجديدة ويفتقرون إلى ميزة العلاقات الشخصية وتأثيرها.

 

تقرر إلغاء الوكالات بناء على دراسة مقدمة من الأستاذ عطا والدكتور مصطفى لا أتذكر اني اطلعت عليها أو عرفت مضمونها.

 

استقال المرحوم طالب جميل من رئاسة المؤسسة وبعد فترة قصيرة تولى رئاستها وكالةً الدكتور خالد الشاوي لفترة وجيزة ثم عين المرحوم كليمان شماس رئيساً أصيلاً.

 

كان تغيير وزاري قد حصل بتعيين المرحوم عبد الرحمن البزاز رئيساً للوزارة التي جاءت بسياسات مختلفة في الجانب الاقتصادي، وكان اختيار الشماس من القطاع الخاص أحد مؤشراتها فقد كان الشماس يعمل في وكالة شركة يونيون الفرنسية للتأمين[3] منذ أمد غير قصير. في اجتماع مجلس إدارة المؤسسة مساء يوم 31/1/1966، وكنت أحضره باعتباري مدير عام المؤسسة وسكرتير مجلس إدارتها، فوجئنا بطلب رئيس المؤسسة إعادة دراسة موضوع وكالات التأمين بهدف العودة إليها. خلال مناقشة الموضوع ظهر موقف الدكتور مصطفى مؤيداً لرئيس المؤسسة مما أثار غضب الأستاذ عطا. وبعد بعض الأخذ والرد تناول الأستاذ عطا ورقة وكتب استقالته وترك الاجتماع غاضباً ولم تنفع محاولات اقناعه بعدم الانسحاب. بناءً عليه قرر المجلس نقلي من المؤسسة إلى ادارة التأمين الوطنية فامتثلت للقرار وباشرت عملي الجديد في اليوم التالي مباشرة والذي امتد إلى 4/3/1978.

 

بلغني أن الدكتور مصطفى قام بزيارة إلى دار الأستاذ عطا بعد الاجتماع مباشرة لإقناعه بالعدول عن الاستقالة إلا أنه لم يفلح وأصر الأستاذ عطا على موقفه وابتعد عن أي عمل حكومي.

 

لا أتذكر الآن أية تفاصيل عن أسلوب عمل الوكالات أو المنتجين والضوابط التي تنظمه مع الأسف.

 

عوداً إلى قول الأستاذ بهاء (ان عبد الباقي هو الذي وضع القانون العراقي [قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005] بالتعاون مع الخبير الامريكي لشؤون التأمين [Mike Pekins] بالاسترشاد بالقانون الأردني)[4] أود أن أبين الآتي:

 

لم أجتمع بأي خبير أمريكي في شؤون التأمين اطلاقاً ولكني اجتمعت بمن كان متابعاً لشؤون المصارف ثم بالشخص الذي كُلّف بإعادة إحياء سوق الاوراق المالية الذي كان لي دور في إعداد قانونه ثم في تأسيسه وأشغلت عضوية مجلس إدارته كخبير منذ تشكيله في 1992 حتى إيقاف أعماله من قبل الأمريكان سنة 2003. وقد عرض عليَّ منصب (مساعد رئيس الهيئة – Assistant-Commissioner) في هيئة الأوراق المالية التي تأسست بالأمر الموقت رقم 74 لسنة 2004 فسألت عمن سيكون الـ Commissioner الذي أكون أنا مساعده فلم يعجبهم السؤال! ولم أندم على سؤالي.

 

أما قانون التأمين[5] فأتذكر أن مشروعاً عرض عليَّ يوم كان السيد عادل عبد المهدي وزيراً للمالية فكتبت عنه مذكرة طويلة، مع الأسف لم أحتفظ بالمشروع ولا بمذكرتي، وحيث تسنى لي فيما بعد الاطلاع على القانون الأردني الذي وجدته أفضل من المشروع تكلمت مع الصديق السيد عدنان الجنابي الذي كان يشغل منصب وزير دولة – على ما أتذكر- في وزارة الدكتور أياد علاوي – وهو نائب حالياً – وبيَّنتُ له أفضلية اعتماد القانون الأردني وتعريقه بما ينسجم مع متطلباتنا وصياغاتنا القانونية. نُقل هذا الرأي إلى الدكتور علاوي فقبل به وكلفني العمل عليه مع الدكتور فاضل محمد جواد الذي كان قد عين تواً مستشاراً قانونياً في مجلس الوزراء (يعمل حالياً في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية). في هذا الوقت حان موعد سفري إلى الولايات المتحدة فسلمت ما عندي إلى الدكتور فاضل ليقوم هو بالمهمة. إلى هنا انتهى دوري بالنسبة لقانون التأمين العراقي.

 

أكرر مع الاعتذار اني لا أتذكر أية تفاصيل عن نظام المنتجين فقد مضى عهد طويل على تركي إدارة الشركة.

 

أتمنى لك التوفيق في جهدك الفريد في (نبش) تاريخ قطاع التأمين واستخراج ما غاب منه من الذاكرة، ولك أطيب تحياتي.

 

عبد الباقي

 


 

ملحق 1

رسالة مصباح كمال إلى الأستاذ عبد الباقي رضا

 

أستاذي العزيز عبد الباقي

 

تحية طيبة

 

كما تلاحظ أدناه فقد تخاطبتُ مع الأستاذ بهاء بهيج شكري بشأن نظام الوكالات التأمينية ونظام المنتجين، على أثر رسالة استلمتها منه حول أسباب استقالة الأستاذ عطا عبد الوهاب من شركة التأمين الوطنية وموقف الأخير من هذين النظامين ومن د. مصطفى رجب.

 

أنا مهتم بالجانب التاريخي للموضوع والحجج الاقتصادية والفنية التي كانت وراء إلغاء نظام الوكالات واستبداله بنظام المنتجين.  وبما أن هذا الأخير ارتبط بإداراتك أرى أن تكتب ما يفيد في توضيح خلفيات الموضوع ووضعه في نصابه، كما يقال، وبذلك تملأ فراغاً في تاريخ تطور قطاع التأمين في عهدك.

 

فيما يخص موضوع وكلاء التأمين ووسطاء التأمين ووسطاء إعادة التأمين، كما يرد في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (الأمر رقم 10)، الذي أتى الأستاذ بهاء على ذكره في آخر رسالته، فإن التعليق عليه رهن باختيارك.

 

بانتظار الرد، أتمنى لك أطيب الأوقات.

 

مصباح

27 شباط 2017

 


 

ملحق 2

رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري لمصباح كمال

 

عمان 27 شباط 2017

 

الأخ مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

إذا جزء الموضوع حسب اقتراحك فإن المتبقي منه يتعلق بصحة اعتماد نظام المنتجين أو عدم صحته، وهذا موضوع مستقل لا علاقة له بعطا عبد الوهاب فقط وإنما طبقه عبد الباقي رضا أيضاً، لذا يجب أن يكون هذا البحث بحثاً مستقلاً.

 

ولا أخفى عليك فإني اعتقد أن هذا النظام يتعارض مع أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين الذي يفهم من عموم نصوصه أنه لا يجوز لأي شخص طبيعي أو شخصية اعتبارية ممارسة أي نشاط تأميني دون الحصول على ترخيص من السلط المعينة بموجب القانون، علماً بأن المقصود بالوكلاء هم ليسوا وكلاء الشركات الأجنبية بل هم الوكلاء الذين أجيزوا من قبل الديوان بالتعامل مع الشركات العراقية، كوكالة مجيد الياسين مثلاً وغيرها من الوكالات.

 

لهذا فأنا اقترح أن توجه سؤالاً إلى السيد عبد الباقي رضا باعتباره كان مديراً عاماً لشركة التأمين الوطنية، التي تبنت في زمانه نظام المنتجين، عن ماهية هذا النظام والعلاقة الوظيفية والمالية بين المنتج والشركة، وهل يخضع المنتج لشرط الحصول على رخصة ممارسة عمل الوساطة، وهل أن تبني هذا النظام يتفق مع أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين الذي حدد الوسطاء بالوكلاء (Agents) والسماسرة (Brokers) (علما بأن عبد الباقي هو الذي وضع القانون العراقي بالتعاون مع الخبير الأمريكي لشؤون التأمين بالاستشراد بالقانون الأردني). إن إجابة عبد الباقي ستكون باباً للمناقشة والبحث في كلا النظامين، الوكلاء والمنتجين، من الناحيتين القانونية والمالية.

 

هذا هو رأي، مع التقدير.

 

بهاء شكري

[1] كتب د. مصطفى رجب مؤخراً مقالاً بعنوان “حيثيات إلغاء نظام وكالات التأمين وقضايا أخرى – تعليق على ما كتبه الأستاذ عطا عبد الوهاب في كتابه (سلالة الطين) عن فترة عمله في ميدان التأمين” وهذا هو رابط مقالته في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2017/03/31/%d8%af-%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89-%d8%b1%d8%ac%d8%a8-%d8%ad%d9%8a%d8%ab%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a5%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%a1-%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85-%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7/

 

[2] أنظر رسالتي إلى الأستاذ عبد الباقي رضا حول موضوع إلغاء وكالات التأمين في الملحق 1 في نهاية هذه الورقة.

[3] كان وكيل شركة يونيون الفرنسية للتأمين L’Union de Paris (أصبحت فيما بعد جزءاً من مجموعة أكسا AXA) هو السيد إدوار فرام الذي يمتد تاريخ وكالته إلى ثلاثينيات القرن العشرين. أنظر: مصباح كمال “وكالات التأمين في العراق عام 1936: محاولة في التوثيق”، مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/05/1936-19-2012-1936-1936-883.html

[4] أنظر رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري لمصباح كمال بتاريخ 27 شباط 2017 في الملحق 2 في نهاية هذه الورقة.

[5] للتعرف على المزيد من التفاصيل أنظر: مصباح كمال، قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014).

Baha’a Baheej Shukri: Letter on the Merger of NIC & IIC

من رسائل الأستاذ بهاء بهيج شكري:

رسالة حول دمج شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية

 

 تقديم

 

كنت قد نشرت ثلاث مقالات[1] في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين حول مشروع دمج شركة التأمين الوطنية العامة وشركة التأمين العراقية العامة، لقيت إحداها بعض التعليقات المهمة من زميلات وزملاء من قطاع التأمين العراقي. وقد كتبتُ هذه المقالات قبل قراءتي للأمر الوزاري الصادر من وزارة المالية برقم 3 بتاريخ 20 آذار 2017. تضمن الأمر الوزاري القصير فقرتين: (1) تكليف السيد صادق عبد الرحمن حسين الخالدي، مدير عام شركة التأمين الوطنية، بمهام رئيس ديوان التأمين وكالة. (2) تكليف السيدة [الآنسة] هيفاء شمعون عيسى، مدير عام شركة التأمين العراقية وكالةً بمهام مدير عام شركة التأمين الوطنية وكالة إضافة لوظيفتها “ولحين دمج الشركتين وفق القانون.” [التأكيد من عندي].

 

وتأتي رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري لتعالج الجانب القانوني لدمج الشركتين وبمقارنة لأحكام دمج شركات التأمين في قانون تنظيم أعمال التأمين الأردني والعراقي. أما لماذا المقارنة بين هذين القانونين فإن الجواب، وكما ذكره الأستاذ بهاء، فهو اقتباس نصوص القانون الأردني وتضمينها في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 المعروف بالأمر رقم 10.[2]

 

مصباح كمال

2 أيار 2017

 

نص رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري

 

عمان في الأول من مايس ٢٠١٧

 

الأخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

كان بودّي بعد الانتهاء من موضوع عطا عبد الوهاب والدكتور مصطفى رجب أن أعود لأكمل الحديث في موضوع دمج الشركتين الوطنية والعراقية، ولكن لعن الله الانفلونزا التي تحشر نفسها في حياة الإنسان في وقت غير مناسب فتقعده عن العمل.

 

وبعودتي لذات الموضوع أقول: إن المُشرّع الأردني قد عالج اندماج شركات التأمين معالجة مفصلة ودقيقة في قانون تنظيم أعمال التأمين رقم ٣٣ لسنة ١٩٩٩ المعدَّل بموجب القانون رقم ٦٧ لسنة ٢٠٠٢، وإن المشرع العراقي قد اقتبس نصوص القانون الأردني وضمَّنها في قانون تنظيم أعمال التأمين العراقي الصادر بموجب الأمر رقم ١٠ لسنة ٢٠٠٥، مع بعض الاختلاف في الصياغة ولكن دون إخلال بالمضمون.

 

وبالرجوع إلى المادة الأولى من القانون العراقي نجد انها قد نصَّت على خضوع جميع شركات التأمين الخاصة والعامة لأحكامه، ومعنى هذا ان ما ينطبق على الشركات الخاصة من إجراءات وضوابط عملية اندماجها مع بعضها ينطبق أيضاً على شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية.

 

ووفقا لأحكام القانون الأردني والعراقي فإن الاندماج إما أن يكون اتفاقياً بين شركتي تأمين، على أن يقترن ذلك بموافقة السلطة المشرفة على تنظيم أعمال التأمين، أو أن يُفرض بقرار من قبل تلك السلطة إذا تبيَّن لها أن ذلك سيودي إلى ضمان حقوق حملة وثائق التأمين، فقد جاء في المادة (٤١) من القانون الأردني والمادة (٤٧) من القانون العراقي بأنه (إذا توفرت لدى المدير العام (أي رئيس الديوان) معلومات وافية على أن الشركة لم تَفِ بالتزاماتها أو يُحتملُ تخلفها عن ذلك، أو عدم قدرة الشركة على الاستمرار بأعمالها، أو أن مجموع خسائر الشركة زادت على خمسين بالمائة من رأسمالها المدفوع، فعليه أن يحيل الأمر إلى المجلس لاتخاذ الإجراءات اللازمة لاندماج الشركة في شركة أخرى بموافقة الشركة التي ستدمج فيها). وفي جميع الأحوال، وفقاً لأحكام القانون الأردني والعراقي (لا يجور اندماج شركة تأمين إلا بشركة أخرى تُمارس نوع التأمين ذاته).

 

ولم يُعطِ القانون العراقي لوزير المالية أي دور في موضوع الاندماج سواء أكان اتفاقياً أم إجرائياً، أي أن الاندماج لا يتحقق قانوناً بأمر وزاري.

 

ونخرج مما تقدم إلى القول بأن اندماج شركة التأمين العراقية بشركة التأمين الوطنية إن لم يكن اندماجاً توافقياً بموافقة مجلس إدارة كلا الشركتين، فلا يجوز لرئيس الديوان أن يفرضه بقرار صادر عنه، إلا إذا ثَبُتَ أن شركة التأمين العراقية تعاني من خللٍ مالي يهدد مصالح حملة وثائقها.

 

وفي رأينا، انه طالما أن الشركتين العراقية والوطنية تخضعان لأحكام قانون سنة ٢٠٠٥، شأنهما في ذلك شأن الشركات الخاصة، فإن دمجهما إن لم يكن اتفاقياً لا يمكن أن يتمَّ إلا بموجب تشريع قانون خاص تُعدّل بموجبه المادة الأولى من قانون سنة ٢٠٠٥ بأن تستثنى الشركات العامة من أحكامه، ويتقرر اندماج الشركتين المذكورتين بموجب هذا القانون الخاص.

 

مع التقدير.

 

بهاء شكري

 

[1] المقالات الثلاثة هي:

مشروع دمج شركات التأمين العامة، عودة إلى مشروع دمج شركات التأمين العامة، قرار وزارة المالية بدمج شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية: تجاوز الإجراءات ومتطلبات القانون. يمكن قراءة المقالات باستخدام هذه الروابط:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/02/Misbah-Kamal-Merging-of-insurance-companies-project.pdf

 

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/11/Merger-of-State-Owned-Insurance-Companies-Further-Comment.pdf

 

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/04/Merger-of-NIC-IIC-lack-of-proper-procedures.pdf

 

[2] للتعرف على خلفية صياغة الأمر رقم 10 يمكن الرجوع إلى كتابي قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014). يمكن قراءة النص الإلكتروني للكتاب في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين باستخدام هذا الرابط:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2015/02/2005-Insurance-Law-critique-NIC-edition.pdf

في الصفحة 11-12 من الكتاب يجد القارئ توثيقاً للأستاذ عبد الباقي رضا حول اعتماد القانون العراقي على القانون الأردني. وهناك إشارات أخرى لهذا الموضوع في الصفحات 54، 61-62 وبعض الإشارات القصيرة في أماكن متفرقة من الكتاب.

محمد حسين جعفر، شهيد النزاهة

محمد حسين جعفر … شهيد النزاهة

 

 

قرأت بتأثر كبير ما كتبه كل من السيدة سحر الحمداني والسيد أسعد سعد برهان الدين[1] الذين ربطتني بهما زمالة عمل وود واحترام خلال عملنا في شركة التأمين الوطنية.

 

لقد حرَّكت الكتابة عن واحد من أعز أصدقاء عمري المرحوم محمد حسين جعفر في داخلي مشاعر دفينة أختزنها باعتزاز وحزن عن رجل تفتخر الرجولة أن ينتمي لها هذا الرجل.

 

لغرض توثيق بعض ما عايشته معه سأحاول أن استرجع بعضاً من الذكريات على مدى ما يقارب الثلاثين سنة ما بين تعرفي عليه واغتياله بأيدي غادرة وآثمة.

 

تعرفت على محمد حسين بعد فترة قصيرة من انضمامي لشركة التامين الوطنية في نهاية عام 1975. أعترفُ نادماً أن الود لم ينبت بيننا سريعاً على الرغم من أنه كان في مكتبٍ يجاور المكتب الذي كنت أعمل فيه في الطابق الخامس من البناية القديمة للشركة قرب ساحة النافورة رغم اننا من عمر مقارب ومن نفس الطائفة (للذين يحلو لهم هذا الكلام) لأن ذلك لم يكن يلعب دوراً في الصداقات حينئذ.

 

لم تكن تعجني نبرة صوته العالية ونظراته الجانبية الحادة وضخامة جسمه. لهذا بقت صداقتنا على مستوى منخفض لعدة سنوات.

 

الانعطاف في مسار صداقتنا حصل في بداية عام 1987. ففي 25 كانون الأول/ديسمبر 1986 تم اختطاف إحدى طائرات الخطوط الجوية العراقية عندما كانت في رحلة من بغداد إلى عمان من قبل خاطفين لبنانيين اثنين متعاطفين مع إيران.

 

فجَّر أحد الخاطفين قنبلة كان يخفيها بين ساقيه في قمرة القيادة. أدى الانفجار إلى كسر يد الكابتن وتضرر نظام الهيدروليك في الطائرة.

 

رغم محاولات الكابتن الشجاع لإنزال الطائرة يدوياً في مطار عرعر في السعودية إلا أن المحاولات باءت بالفشل. وأخيراً هبطت الطائرة في أرض زراعية مجاورة لمدرج المطار مما أدى الى تحطم الطائرة إلى ثلاثة أجزاء.

 

حسبما أذكر فإن عدد الضحايا كان 123 شخصاً غالبيتهم من العمال السودانيين والمصريين العاملين في العراق. عددٌ قليلٌ جداً من الركاب خرجوا سالمين ومنهم كابتن الطائرة وراكب أردني في الدرجة الأولى يعمل كمحامي (ولذلك قصة) في حين تحوَّل الكثير من الركاب إلى أشلاء متناثرة.

 

الأستاذ موفق حسن رضا، مدير عام شركة التأمين الوطنية في حينها، أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية، أمر بتشكيل لجنة للنظر في تسوية مطالبات الضحايا بدلاً من تركها لخبراء تسوية الخسائر في لندن كما هو معتاد لأن طائرات الخطوط الجوية العراقية كانت معادة تأمينيا مع سوق لويدز في لندن. الهدف من ذلك هو لضمان العدالة والحرفية في التسويات إضافة إلى تقليل كلفة تسوية المطالبات.

 

تسميتي كرئيس للجنة كانت بحكم وظيفتي كمدير فرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين، وأيضاً تسمية السيدة المرحومة هدى الصفواني بصفتها مديرة قسم تأمين الطيران.

 

أما الثقل القانوني لعمل اللجنة فقد أُسند إلى السيد محمد حسين جعفر من بين العديد من القانونيين في الشركة لما يتمتع به من خبرة قانونية وحرفية عالية وحيادية ونزاهة يشهد لها الجميع. كما تمَّ ضم المرحوم السيد زهير العاني، مدير التأمين في الخطوط الجوية العراقية، إلى اللجنة كممثل للمؤمن لها.

 

بدأت اللجنة عملها بوتيرة متسارعة لإنهاء المطالبات بأسرع ما يمكن. أول عمل قامت به اللجنة تحت إشراف الأستاذ موفق حسن رضا، ذو الخلفية القانونية من بريطانيا، أن قمنا بإلغاء حد المسؤولية المثبت على تذكرة السفر والبالغ 20,000 دولار (حوالي 6,000 دينار بالسعر الرسمي) على أساس أن الخطوط الجوية العراقية كانت مُهملة بدرجة كبيرة في تفتيش وكشف الخاطفين قبل صعودهما للطائرة، وبالتالي تمَّ فتح حدود المسؤولية ليتم تسوية بعض المطالبات بمبالغ تجاوزت عشرات الآلاف من الدنانير.

 

نعود لقصة المسافر الأردني، المحامي الذي حاول استمالة المرحوم محمد حسين جعفر على أساس أنهما من نفس الخلفية المهنية، حيث طالب بتعويض بمئات الآلاف من الدولارات. وكان أساس مطالبته هو أنه نتيجة حادث الاختطاف حصل له عجز جنسي وهو في عز رجولته!

 

كما هو متوقع من أبو اسيل، لما يتمتع به من نزاهة وإنصاف وحزم، رفض المطالبة وبشدّة وهدده باختبار عملي (أتركه لخيالكم). وبالتالي حكمت اللجنة بتعويض المسافر الأردني المحامي بمبلغ منصف لأنه لم يصب نتيجة الحادث بأذى جسدي.

 

أما إنسانية محمد حسين جعفر فقد تجسَّدت في تسوية العشرات من مطالبات الضحايا من المصريين والسودانيين بنزاهة وعدالة رغم عدم وجود من يدافع عن حقوقهم.

 

إن عملي في اللجنة مع أبو أسيل واكتشافي لجوهره السامي سارع في أن تنتقل صداقتنا إلى مرتبة عالية، وبدأنا مرحلة صداقة حميمية ربما للتعويض عن سنوات الصداقة الباهتة. لذلك فإن صداقتنا المتجددة أصبحت مضرب مثل في الشركة.

خلال تسنمه لمنصب المدير العام لشركة التأمين الوطنية في منتصف التسعينيات كنت أعمل حينها في اليمن. وكان يستثمر زياراتي إلى بغداد للتداول معي في الأمور المعقدة والاستشارة ولاسيما في إعادة التأمين.

 

كان المرحوم قليل الالمام باللغة الإنكليزية لكنه كان يتغلب على هذه المعضلة من خلال الاستعانة بمن يجيدها من المقربين له مثل الزميل العزيز مكي رزوقي مصطفى وآخرين. وبالتالي تغلَّب على هذا النقص في المهارة. يُضاف إلى ذلك خبرته الإدارية الطويلة التي مكنته من استثمار الطاقات المتوفرة في الشركة وبالتالي إدارة الشركة على أحسن ما يرام في ظل الظروف الصعبة.

 

إن اختيار المرحوم أبو أسيل كمدير عام لعقارات الدولة كان بسبب نزاهته أولاً وحسن إدارته ثانياً في ظل الفوضى التي سادت العراق بعد عام 2003.

 

لقد أسرني المرحوم أبو أسيل لأكثر من مرة من أنه لم يكن سعيداً بنقله من التأمين الوطنية إلى عقارات الدولة ولكن ليس باليد حيلة.

 

إن قناعتي بخصوص اغتيال المرحوم محمد حسين جعفر كان لإسكاته عن فضح السياسيين المتنفذين الذين كانوا يمارسون ضغوطاً كبيرةً عليه لتمليكهم عقارات الدولة مجاناً أو بسعر بخس ولاسيما المصادرة منها والتي كان يرفضها بشدة.

 

تلقيت خبر فاجعة اغتياله من صديقنا المشترك سعد البيروتي وأنا احتفل مع عائلتي بذكرى ميلاد ابنتي نسمة في صنعاء. وعندما أبلغتها بخبر استشهاده بكت نسمة بحرقة لأنها كانت تحبه بشكل خاص لأنه كان يداعبها كثيراً عندما كانت طفلة.

 

رحمك الله يا أبو أسيل يا شهيد النزاهة والطيبة، واللعنة على كلِ يدٍ ساهمت في اغتيالك، واسكنك الرحمن في جنات الخلد والنعم.

 

باقر المنشئ

18 نيسان 2017

الولايات المتحدة الامريكية

[1] سحر الحمداني والسيد أسعد سعد برهان الدين “في ذكر المرحوم محمد حسين جعفر: مدير عام شركة التأمين الوطنية (20 تشرين الثاني 1946 – 30 كانون الثاني 2001،” مرصد التأمين العراقي

Remembering Muhammad Hussain Jafar (1946-2001)

 

Remembering Muhammad Hussain Jafar (1946-2001)

في ذكر المرحوم محمد حسين جعفر

مدير عام شركة التأمين الوطنية (20 تشرين الثاني 1946 – 30 كانون الثاني 2001)

 

 

أسعد سعد برهان الدين وسحر الحمداني

 

 

عرفت المرحوم الأستاذ محمد حسين جعفر الجشعمي (2006-1946)، خريج كلية الحقوق، جامعة بغداد، عندما عُينت في شركة التأمين الوطنية/قسم الشؤون القانونية في أيلول 1977 حيث كان مدير القسم آنذاك المرحوم السيد عبد المنعم النهر (توفي سنة 2011؟) ومعاونته المرحومة سهير حسين جميل (بغداد 8 أيار 1938 – عمّان 21 تشرين الأول 2012) ثم المرحوم محمد حسين جعفر. كنا عدداً كبيراً من الموظفين والموظفات نعمل بتوجيه هؤلاء الأساتذة حيث كانوا خبراء في مجال القانون وإخوة كبار لنا في مساعدتنا وتصحيح أخطاءنا ونحن نخطو أولى خطواتنا في التأمين.

 

وعندما أتكلم عن المرحوم محمد، وكما كنا نناديه (أبو أسيل)، أتذكر جديته وحزمه وتمكنه من أداء متطلبات عمله، إضافة الى روح النكتة والدعابة التي يمتلكها، وحسن الأخلاق، ولطف المعاشرة.

 

في اليوم التالي لمباشرتي العمل ذهبنا مع المرحوم محمد وزملاء آخرين لتناول وجبة غداء في مطعم شعبي قرب الشركة حيث كنا نشوي الكباب بأنفسنا. ومن ضمن أصدقاء المرحوم محمد كان المرحوم عماد تكليف الفرعون، ابن الفرات الأصيل وصاحب الاخلاق العالية، والسيد عبد الرحمن الكيلاني، موسوعة الأطباء كما كنا نسميه إضافة لطيبته الفائقة. وكانت الشركة آنذاك بقيادة حازمة ومتميزة من قبل الأستاذ عبد الباقي رضا (شباط 1966- آذار 1978) أطال الله عمره بالصحة والعافية.

 

لا أنسى دور المرحومين محمد وعماد الفرعون في تدريبي على المرافعات أمام المحاكم.

 

انتقلت من الشركة إلى مجلس البحث العلمي سنة 1980 ولكن علاقتي استمرت مع اصدقائي في الشركة ومنهم أبو أسيل إلى أن اغتيل في فترة الحرب الطائفية في منطقة سكنه في حي الخضراء ذات الغالبية السنية على ايدي آثمة. ربما كان اغتياله لسبب طائفي أو ربما كان تصفية حسابات حيث انه خلال فترة عمله القصيرة في دائرة عقارات الدولة تعرض إلى ضغوطات قوية من بعض أصحاب النفوذ بشأن عقارات الدولة وهو لا يقبل غير الحق والصحيح في أداء واجبات عمله. ولهذا أحال نفسه على التقاعد، وكان ذلك قبل اغتياله بفترة قصيرة. ربما أرادوا إسكاته كي لا يتكلم عمّا تعرض له. ومن المفارقات أن القتلة المأجورين لم يكتفوا باغتياله بل سرقوا سيارته. لقد اختلطت الأمور والأسباب في تلك الفترة ولم يعد من السهل الكشف عن الدوافع وفاعلي الجريمة. لقد قتل أناس أبرياء كثر كانوا بعيدين عن السياسة والحكومة. وهنا اتذكر أحد الذين كان يسكن في منطقتنا منذ سنوات عديدة. كان موظفاً في بنك وجلّ اهتمامه هو أناقته. وضعوا عبوّة ناسفة في سيارته، انفجرت وقتلته. لماذا؟ هو السؤال عينه وراء ما نراه اغتيالاً لأبو أسيل.[1]

 

كان المرحوم أبو أسيل في حياته الشخصية محباً لعائلته وأولاده، حريصاً على تقديم الأكثر لهم حيث كانوا ما زالوا أطفالاً. كنا لا ننقطع عن تبادل الزيارات.

 

لا يمكن للمرء ان ينسى المرحوم محمد حسين جعفر والمرحوم عماد الفرعون الذي اغتالته هو الآخر يد اثيمة في هذا الزمن الذي يغادره الشرفاء بصمت. ومن المؤسف أننا لا نملك معلومات عن اغتيال المرحوم عماد الفرعون، وهو من عشيرة معروفة. لقد عشنا زمناً طائفياً في تلك الفترة لا نعرف فيها لماذا يقتل إنسان.

 

أسعد سعد برهان الدين

 

أتمنى أن نكون قد وفينا جزءً من حق من عاشرناهم في شركة التامين الوطنية وكانوا خير الناس سواء على صعيد العمل وكرمهم في تقديم المعلومة والنصيحة لنا نحن كموظفين جدد آنذاك أو على صعيد العلاقة الشخصية التي استمرت حتى بعد مغادرتنا الشركة.

 

بالطبع فرحنا جداً عندما اختير المرحوم أبو أسيل مديراً عاماً لشركة التامين الوطنية سنة 1996 وهو الذي نشأ فيها، مهنياً، وعمل بجد وإخلاص، فكان هذا الاختيار تتويجاً لسنوات من المثابرة، إضافة الى رفعة خلقه وانسانيته.

 

فاتحني أبو اسيل بعد صدور الأمر الإداري بتعيينه مديراً عاماً للشركة للعودة إلى الشركة وفعلاً عدت إلى عائلة التأمين بعد غياب سبع سنوات. وكنت في فرع التأمين البحري/التعويضات، وكان نشاط الفرع قليلاً ليس كالسابق، بسبب الظروف التي كان يمر بها العراق، ولكن المرحوم حاول ضمي إلى اللجان المتنوعة بالشركة حيث كان يرغب بتطوير الشركة وخاصة من ناحية إدخال الحاسوب في كل نشاطاتها وحتى حثّ الموظفين على تعلم الحاسوب وتوفير الفرصة لهم لأجل ذلك. الانتقاد الوحيد الذي سمعته عنه في حينه هو تردده في اتخاذ القرار. وأنا اعتقد أن هذا ليس مثلبةً بقدر ما هو تعبير عن حرصه المفرط والدقيق لاتخاذ القرار الصحيح سيما، وهو جديدٌ في إدارة الشركة، وتجنب العواقب السلبية. لقد عمل بجد وإخلاص في الشركة سنوات طويلة وساهم بشكل كبير في الارتقاء بها استكمالاً لما قام به أسلافه من المدراء العامين.

 

انتقلت للعمل في قسم الرقابة الداخلية في الشركة مع الأخ المرحوم ضرغام الغظنفري الذي كان مديراً الرقابة للداخلية (استشهد في 10 كانون الثاني 2008 في حادثة تفجير في منطقة زيّونه في بغداد وهو يقدم العزاء لأحدى العوائل. أعجز عن وصف دماثة خلقه وبرّه بأمه الذي تفرغ للعناية بها حتى أنه لم يتزوج). وكذلك كان أبو أسيل باراً جداً بوالدته والتي توفَّت قبله ببضعة أشهر، وهذا لطف من الله أن لا تشهد فقدانه. ولكني، بعد المباشرة، اضطررت لترك العمل لمرض ابني. ولا يمكن ان أنسى وقفة أبو أسيل وزوجته الكريمة معي في محنتي، نعم الاخوة التي أشعروني بها.

 

التواضع هي الصفة المحببة التي تمتع بها أبو أسيل حيث وهو مدير عام للشركة زارنا بنفسه لتقديم بطاقة الدعوة لعرس ابنته.

 

أود أن اكتب أكثر وأكثر عن أبي أسيل ولكن الذاكرة تعجز عن تذكر التفاصيل التي عشناها معا حيث كنا نتناقش في أمورنا الحياتية، ونتبادل الأفكار دائماً مع اختلافنا في التقييم إذ انه كان يحب النظام الملكي ويتفق مع زوجي في ذلك. ولا أنسى مدى السعادة التي شعرنا بها نحن أصدقاء المرحوم ومن ضمنهم الدكتور سليم الوردي عندما دخل ابنه جامعة صدام، كلية الطب، وكأنه ابننا جميعاً. وكان الاثنان تربطهما صداقة قوية.

 

كانت فترة إدارته للشركة قصيرة قد لا تتعدى الأربع سنوات امتدت من 20 تشرين الثاني 1996 لغاية 30 كانون الثاني 2001. إلا أنه نُقل إلى دائرة عقارات الدولة، حسبما اتذكر، والتي عانى فيها واضطر الى التقاعد وهو في قمة عطاءه. واعتقد أن إصراره على الحق والانصاف في التعامل كانت سببا في اغتياله.

 

لم يكتب المرحوم مقالات تأمينية وحقوقية متخصصة للنشر وكل ما قدمه من دراسات ومطالعات كانت في سياق العمل. من انجازاته تفعيل المكاتب الحدودية وزيادة إيراداتها بتأمين الترانزيت الذي كان مهملاً. كما أنه أوجد وثيقة تأمين على الحياة جماعية وتم تسويقها لدوائر الدولة ومنها وزارة النفط. واهتم بحوافز الموظفين وكان يتابعها ويسعى إلى زيادتها.[2]

 

أنا أسأل نفسي كل يوم، بعد الذي حصل لنا نحن العراقيين، أين ذهب ذلك الحب الذي كان يجمعنا على الخير ونتمناه لأصدقائنا وفرحنا لفرحهم وحزننا لحزنهم دون النظر إلى الطائفة وغيرها من الانتماءات الضيقة. هل سنعود يوما كما كنا؟ مع الأسف، أشك في ذلك لأننا ببساطة جيل منقرض ومشتت في منافي الأرض.

 

رحم الله أبو أسيل وأبقى ذكراه الطيبة في نفوسنا دائماً.

 

سحر الحمداني

 

كندا 22 نيسان 2013 – 27 آذار 2017

[1] لاستحضار أجواء الاقتتال الطائفي الجديد في العراق وبعض أشكاله وضحاياه، ذلك الذي بدأ بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003 واستمر لغاية 2008 وما يزال بدرجات متفاوتة، يمكن قراءة روايات برهان شاوي ومنها مشرحة بغداد (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012) ورواية متاهة قابيل (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2013). (المحرر)

[2] أشكر صديقتي السيدة عفيفة دارا على تزويدي بهذه المعلومات وغيرها.

ملاحظات حول مساهمة رئيس جمعية التأمين العراقية في

مناقشة ورقة الخبيرين النفطيين طارق شفيق واحمد موسى جياد: الدعوة لخارطة طريق جديدة

 

 

مصباح كمال

 

 

[1]

نشر مـعـهد التـقـدم للسياسات الإنمائية بتاريخ 2 نيسان 2017 تقريراً عن الندوة[1] التي عقدها لعرض ومناقشة الورقة التي قدمها الخبيران النفطيان طارق شفيق وأحمد موسى جياد[2] “والتي تضمنت مجموعة من الملاحظات والمعالجات الهادفة لوضع خطط وسياسات وحوكمة رشيدة للثروة النفطية في العراق.” وجاء في التقرير أن النائب الدكتور مهدي الحافظ ادار الندوة، وشارك في التعقيب على الورقة: النائب عدنان الجنابي، الرئيس السابق للجنة النفط البرلمانية، الخبير النفطي حمزة الجواهري، الخبير النفطي فؤاد الامير، وزير الموارد المائية الأسبق الدكتور عبداللطيف جمال رشيد، الدكتور محمد الحاج حمود الوكيل الأسبق لوزارة الخارجية، الخبير الاقتصادي عبدالله البندر، الخبير المصرفي سمير النصيري، الخبير المصرفي عبدالعزيز حسون، السيد هاشم الشماع، مدير ملتقى بغداد الفكري، المهندس ياسين عباس، الدكتور فلاح خلف الربيعي، الجامعة المستنصرية، السيد عبد الحسن الزيادي، رئيس جمعية التأمين.

 

[2]

من المسرّ أن نقرأ أن السيد عبد الحسن الزيادي قد ساهم في المناقشة بصفته رئيساً لجمعية التأمين العراقية وليس بصفته رئيساً لمجلس إدارة شركة الرهام للتأمين أو كونه مقاولاً مستقلاً. وقد قدَّم نفسه بصفته رئيساً للجمعية في مناسبة سابقة.[3]   وأرى في موقفه هذا فهماً أصيلاً لدوره كممثل لجميع شركات التأمين الأعضاء في الجمعية. مثل هذا الموقف يعزّز مكانة من يشغل موقع الرئاسة في الجمعية ويقصي أي تحيز لجهة أخرى يعمل فيها الرئيس بصفات أخرى.

 

[3]

كيف لخصَّ التقرير مساهمة السيد عبد الحسن الزيادي في الندوة؟ بعد التعريف به كرئيس لجمعية التأمين نقرأ التالي:

 

اشار إلى ان الحكومة تنتج النفط وتقوم بتصديره من دون ان تعطي للقطاع الخاص اي دور في هذه العملية .. داعيا إلى ان يسهم القطاع الخاص في عملية استثمار الغاز.

 

لقد تركّزت مساهمة رئيس الجمعية على غياب دور القطاع الخاص في إنتاج الحكومة للنفط وتصديره، ودعوته لمساهمة هذا القطاع في استثمار الغاز (وربما النفط الذي لم يذكره التقرير). وهو بهذا يلتقي مع الخبير المصرفي سمير النصيري الذي أكد، كما جاء في التقرير، على “رسم سياسة استراتيجية نفطية مثل باقي الدول، ورؤى اقتصادية تترافق مع السياسة النفطية لتقليل الاعتماد على النفط، مستبعدا تحقيق مثل هذه الاهداف في ظل عدم وجود مشاركة للقطاع الخاصة وعدم خصخصة وهيكلة للقطاعات الانتاجية وغياب هيكلية جديدة للاقتصاد.”

 

 

 

[4]

الكل يتحدث عن العصا السحرية المتمثلة بالقطاع الخاص والخصخصة لحل أزمة الاقتصاد العراقي. لكننا “نسمع جعجعة ولا نرى طحناً.” وهذا موضوع آخر يمكن أن يُدرس ضمن إطار المساهمة المحلية العراقية في صناعة النفط، في مختلف مراحلها، بشكل عام، وضمن عقود جولات التراخيص التي أهملت المحتوى المحلي local content.[4] أو، في أحسن الحالات، أضعفت من فاعليته في التطبيق العملي، كما هو الحال بالنسبة لشرط التأمين في العقد النموذجي لجولات التراخيص. لعله من المفيد هنا أن نقتبس ما كتبه الخبيران طارق شفيق وأحمد موسى جياد بشأن المحتوى المحلي. ففي معرض الحديث عن أخطاء رئيسية في عقود الخدمات طويلة الأجل كتبا أن

 

“اعتماد عقود طويلة الأجل، تخلو من نسبة محددة مسبقاً من “المحتوى المحلي،” (التعاقد من الباطن للشركات المحلية ومساعدتها على التنفيذ والعمل بكفاءة) يؤدي إلى تصدير جزء أكبر من الثروة الوطنية بينما يعيق نقل الدراية التكنولوجية للشركات الوطنية الخاصة. إن المحتوى المحلي مهم إلى درجة أن إيران وروسيا تطالبان بـمنح 51% للشركات المحلية وترتفع هذه النسبة إلى 70% في النرويج.”[5]

 

لا ندري إن كان السيد الزيادي يفكّر بهذا الجانب من الموضوع عندما قدَّم مساهمته. آمل أن يوضح موقفه لأن له علاقة أيضاً بجانب آخر ونعني به دور التأمين المحلي – وهو ما كان غائباً في مساهمته، اعتماداً على ما جاء في التقرير عن الندوة. لقد كان رئيس الجمعية أكثر تأثيراً في مساهمته في اللقاء الأول لمبادرة تأسيس المجلس الاقتصادي الأعلى عندما نُقل عنه الآتي:[6]

 

‌أ. بيّن ما تعرض له قطاع التامين في العراق من اجحاف بينما يشكل اولويات بناء اي استراتيجية اقتصادية.

‌ب. تأييده لتأسيس المجلس الاقتصادي الاعلى مع ضرورة ان يكون ممثلا بخبرات وكفاءات اقتصادية.

‌ج. تشريع القوانين الاقتصادية بما يمنح قطاع التامين دورا وطنيا بارزا لأهميته في كافة استراتيجيات البناء الاقتصادي.

 

وقد علقنا عليه في حينه، ولم نلقَ رداً منه أو من آخرين من المهتمين بالشأن التأميني.

 

[5]

رغم خصوصية الندوة فإن غياب أي ذكر للتأمين فيها يؤكد الإهمال الذي تعانيه مؤسسة التأمين في العراق من أصحابها ومن الغير. لقد كانت فرصة عقد هذه الندوة مناسبة جيدة لرئيس الجمعية لعرض موقف الجمعية من تأمين صناعة النفط في العراق خاصة وأن “المشاركون في الندوة [قرروا] رفع مذكرة تفصيلية إلى الرئاسات الثلاث ووزارة النفط لاطلاعهم بما تم التوصل اليه وماهي المقترحات المناسبة لوضع سياسية نفطية ناجحة في البلاد.” نقول هذا وفي بالنا أن السياسة النفطية يجب أن لا تخلو من اهتمامٍ بدور قطاع التأمين العراقي (ضمن إطار المحتوى المحلي) كجزء من الارتباطات الأمامية والخلفية forward & backward linkages رغم أن قانون الاستثمار والعديد من عقود الدولة لا تحدد دوراً مهماً لقطاع التأمين العراقي.

 

 

مصباح كمال

7 نيسان 2017

 

[1] أشكر الزميل الصديق جون ملكون على توفير نسخة من هذا التقرير.

[2] كتب النص أصلاً باللغة الإنجليزية ونشر في موقع Iraq Business News

http://www.iraq-businessnews.com/2017/03/21/towards-sound-oil-plans-policy-and-governance/

[3] راجع مصباح كمال “التأمين في اللقاء الأول لمبادرة تأسيس المجلس الاقتصادي الأعلى” في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2017/01/12/%d8%aa%d9%82%d8%b1%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%88%d9%84-%d9%84%d9%85%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%b1%d8%a9-%d8%aa%d8%a3%d8%b3%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84/

[4] كتبنا أكثر من مرة حول موضوع التأمين في عقود جولات التراخيص ولدى وزارة النفط والشركات التابعة لها. أنظر بهذا الشأن: مصباح كمال، وزارة النفط والتأمين: ملاحظات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، 2014). ص 45-57. مقدمة الكتاب منشورة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2014/03/19/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86/

 

لقراءة النص الكامل للكتاب يمكن استخدام هذا الرابط:

https://www.academia.edu/6476765/Ministry_of_Oil_and_Insurance_Critical_Remarks

 

[5] ترجمة مصباح كمال.

[6] أنظر الرابط في الهامش رقم 3.