Insurance in Iraq’s Free Zones

التأمين في المناطق الحرة

 

مصباح كمال

 

نشر هذا التعليق أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2017/07/01/%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%88%d9%82-%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%b6%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%86%d8%a7%d8%b4%d8%b7-%d9%85%d8%af%d9%86%d9%8a/

 

نشر الأستاذ فاروق يونس حواراً افتراضياً شيّقاً ومفيداً بين ناشط مدني وخبير اقتصادي حول المناطق الحرة (موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين)[1] وقد ضمَّ الحوار فقرة ذكر فيها التأمين على لسان الخبير جواباً على سؤال عن فوائد المناطق الحرة منها: تنشيط “المؤسسات المالية والمصرفية وخاصة شركات التأمين والنقل.”

 

وذكر التأمين أيضاً في ختام الحوار جواباً على أطروحة أن اقامة المناطق الحرة في العراق يساعد على تكيف الشركات التجارية مع اقتصاد السوق:

 

الخبير – نعم؛ إن نشوء ونمو وتطور المناطق الحرة يتوقف على مدى توفر الخدمات المساندة كخدمات المطارات والسكك الحديد وخدمات النقل البحري ومكاتب الشحن والتخليص الكمركي وليس بإمكان المستثمرين العاملين في المناطق الحرة ممارسة عملهم في الاستيراد والتخزين والتصنيع واعادة التصدير دون وجود خدمات تأمين وخدمات مصرفية وخدمات اتصالات حديثة.

 

حسب المعلومات المتوفرة فإن المناطق الحرة الثلاث في خور الزبير والقائم ونينوى لا تضم شركات تأمين عراقية أو فروع لشركات تأمين أجنبية، إذ أن الموقع الرسمي للهيئة العامة للمناطق الحرة[2] يخلو من إشارة لوجود شركات تأمين في هذه المناطق. وقبل سنوات (كانون الثاني 2012) أكد الخبير الاقتصادي باسم أنطوان لجريدة الحياة بمناسبة قيام الهيئة العامة للمناطق الحرة وضع خطة لاستحداث مناطق حرة جديدة وإحياء المناطق القائمة[3]:

 

عدم إمكانية تسمية المناطق التي استحدثها النظام السابق بالمناطق الحرة بالمعنى الحقيقي، فالعراق لا يملك البيئة المناسبة لقيام تلك المناطق من حيث القوانين التي تحمي نشاطها والقوانين المشجعة على الاستثمار ودخول الأموال من الخارج. وقال: «لا يملك العراق الخبرات الكافية لإدارة تلك المناطق ولا البنية التحتية مثل المصارف التي تعمل بأنظمة حديثة، كما أن البلاد تخلو من شركات التأمين الرصينة». وسأل: «كيف ستعمل المناطق الحرة والأجهزة الأمنية حتى الآن غير قادرة على وضع حد لنشاط عصابات ومافيات السلب؟ من سيحمي الأموال التي سيستثمرها رجل الأعمال المحلي أو العربي أو الأجنبي؟”

 

بعد وزن الأمور خلال الفترة من 2102، عندما قيَّم الأستاذ باسم أنطوان أوضاع المناطق الحرة، وخالفته في مسألة وجود شركات تأمين رصينة، وحتى الوقت الحاضر فإننا لم نشهد تطوراً حقيقياً في هذه الأوضاع. لذلك فإن ما أكَّد عليه يظل صحيحاً.

 

كما أن مجلس إدارة الهيئة العامة للمناطق الحرة لم يحدد “الاجراءات الخاصة بأمور التأمين في المناطق الحرة” كما تقضي بذلك الفقرة 6 من المادة 4 من القانون رقم (3) لسنة 1998، قانون الهيئة العامة للمناطق الحرة.

 

يعني هذا، إن صحَّت المعلومات المتوفرة، بأن الهيئة لم تنجز الكثير لما هو مطلوب منها بموجب القانون سواء في مجال التأمين أو غيره. يعني ذلك أنها متخلفة مقارنة بما هو موجود في الأردن والإمارات العربية المتحدة (المنطقة الحرة في جبل علي تضم شركتين للتأمين) وغيرها من البلدان العربية. ولكي نكون منصفين علينا أن نذكر بأن موقع الهيئة يذكر توقيع عقدين مع شركتين محلتين (لا تضم الكثير من التفاصيل) تعملان في التجارة العامة في خور الزبير– أي أن الشركات المصنعة غائبة في الوقت الحاضر. كما أن الخراب الذي صنعه داعش في غرب العراق ونينوى قد أوقف عمل هاتين المنطقتين، وقد يمضي وقت طويل قبل أن تستطيعا تحقيق شيء من الجاذبية للاستثمار. والأمل معقود على تعزيز دور الدولة الاتحادية في “وضع حد لنشاط عصابات ومافيات السلب” التي ذكرها الأستاذ باسم أنطوان، وكذلك الفساد المالي والإداري، لجذب الاستثمار الصناعي والتجاري للمناطق الحرة بفضل مزايا هذه المناطق.

 

أتمنى أن يقوم أصحاب الاختصاص بتقديم مشروع لإدماج دور المناطق الحرة ضمن مشروع إعادة بناء المناطق المنكوبة بعد دحر داعش منها، مثلما أتمنى على شركات التأمين العراقية التفكير جدياً بسبل التواجد في المناطق الحرة.

 

مصباح كمال

14 تموز 2017

 

[1] فاروق يونس*: حوار افتراضي بين ناشط مدني رئيس جمعية مجتمع مدني وخبير اقتصادي

[2] http://freezones.mof.gov.iq/

[3] مصباح كمال، “البلاد تخلو من شركات التأمين الرصينة: مناقشة لرأي اقتصادي،” مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/03/belittling-iraqi-insurance-companies.html

 

Baha Baheej Shukri: Letters on Islamic Sharia & the Contract of Insurance

رسائل بهاء بهيج شكري في الشريعة الإسلامية وعقد التأمين

 

 

نشرت هذه الرسائل لأول مرة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/07/الشريعة-الإسلامية-والتأمين-منقحة-2.pdf

 

 

الرسالة الأولى

عقد الضمان وعقد التأمين

 

تموز في ٢٨ حزيران ٢٠١٧

 

الاخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

في التعقيب على بحثكم المتعلق بموقف الشريعة الإسلامية من عقد التأمين،[1] أرى من الضروري قبل أن أخوض في صلب البحث أن أناقش مسألتين وردت في البحث. الأولى، تتعلق بما درج عليه بعض المشرعين وبعض الباحثين من الخلط بين نظام الضمان ونظام التأمين، والثانية تتعلق بموقف الإمامين محمد بن عابدين الحنفي ومحمد عبده من عقد التأمين.

 

الخلط بين نظام الضمان ونظام التأمين

 

ففيما يتعلق بالمسألة الأولى، فإننا لو رجعنا إلى قانون التجارة البحرية اللبناني الصادر سنة ١٩٤٧ وقانون التجارة البحرية السوري الصادر سنة ١٩٥٠ لتبين لنا ان كلا المشرعين المذكورين قد وصفا عقد التأمين البحري بعقد الضمان البحري والمؤمن بالضامن والمؤمن له بالمضمون، وهذا خلطٌ غير مقبول بين عقد التأمين وعقد الضمان، غير ان المشرع الاردني الذي اقتبس نصوص القانون السوري وضمَّنها في قانون التجارة البحرية الاردني الصادر سنة ١٩٧٢، قد انتبه إلى هذا الخطأ فاستبدل عبارة عقد الضمان بعبارة عقد التأمين وكلمة الضامن بكلمة المؤمِن وكلمة المضمون بكلمة المؤمَن له، وحسناً فعل.

 

ولم يقتصر الأمر على بعض المشرعين بل تورط بعض الباحثين بهذا الخلط بين عقد الضمان وعقد التأمين كالدكتور إنطاكي والدكتور نهاد السباعي إذ اعتبرا قول شخص لآخر أسلك هذا الطريق فهو آمن فإذا سُلِبَ مالُكَ فأنا ضامن.

 

أقول: إنهما اعتبرا ضمان خطر الطريق مؤشراً على قبول الشريعة الإسلامية لعقد التأمين. والفرق بين نظام الضمان ونظام التأمين هو أن الأول ينقل عبء الخسارة من عاتق شخص إلى عاتق شخص آخر. فعقد الكفالة عقد ضمان ينقل عبء الدين من عاتق المدين إلى عاتق الكفيل إذا عجز المدين عن سداد الدين لأي سبب كان، كما يتحقق الضمان في حالة التعدّي على الغير فيلتزم المتعدّي بتعويض المعتدى عليه، أي أن ينقل الخسارة التي لحقت بالمضرور إلى عاتقه، وهذا النظام عُرف في صدر الدولة الإسلامية وتمَّ التعامل به بين المسلمين منذ فجر الإسلام وتضمنته القواعد الكلية للشريعة الإسلامية.

 

أما نظام التأمين فهو لا ينقل الخسارة من عاتق المؤمن له إلى عاتق المؤمن، بل يتمُّ بموجبه توزيع الخسارة التي تصيب القلَّة من الناس على الكثرة منهم فيخف بل ينعدم أثرها، والمؤمن هو مهندس عملية التوزيع يقوم بها على ضوء ما يعرف بقانون الأعداد الكبيرة.

 

ولم يعرف هذا النظام في صدر الدولة الإسلامية، بل هو نظام طارئ ودخيل عليها، لذلك قوبل بالرفض من فقهاء الشريعة الإسلامية.

 

موقف محمد بن عابدين ومحمد عبده من عقد التأمين

 

أما المسالة الثانية، فإن الإمام محمد بن عابدين الحنفي المتوفى سنة ١٢٥٢ هجرية، وهو أول من تصدّى للإفتاء ببطلان عقد التأمين البحري في كتابه (رد المحتار على الدر المختار) وسبب بطلانه لكونه يتضمن التزاماً بما لا يلزم.

 

أما ما نُسب للأمام محمد عبده من انه أجاز التأمين على الحياة فهو غير دقيق لأن السؤال الذي وُجّه له يتعلق بعقد المضاربة وليس بعقد التأمين، بل هو من القائلين بتحريم عقود التأمين (أنظر الدكتور احمد سعيد شرف الدين “عقود التأمين وضمان الاستثمار” – ص ١٨٦).

 

اكتفي بهذا القدر من المبحث على أن أعود في رسالة قادمة لشرح موقف المذاهب الإسلامية المختلفة من نظام التأمين وعقوده.

 

مع التقدير.

 

بهاء بهيج شكري

 

 

الرسالة الثانية

موقف المذاهب الإسلامية من عقد التأمين

 

عمان في ٢٩ حزيران ٢٠١٧

 

الاخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

إكمالاً لبحث التأمين في الشريعة الإسلامية، وحسب وعدي لك بأن أبحث موقف المذاهب الإسلامية المختلفة من نظام وعقد التأمين، أرى من الضروري أن أوضح في البداية بأن العديد من رجال الدين من المذاهب السنية الأربعة سارع بتتبع خطى الإمام محمد بن عابدين الحنفي بإصدار الفتوى بتحريم عقود التأمين على اختلاف أنواعها، ولا اريد اطالة البحث بذكر أسماءهم ودولهم. كما أرى من الضروري أيضاً، وقبل أن أبين فتاوى المذاهب السنية الأربعة، ان أتناول بالبحث موقف المذهب الظاهري، وهو مذهب سني متشدد نشأ في الأندلس، ومن ابرز أئمته الإمام بن حزم الأندلسي، وهو قد أفتى بتحريم ليس عقد التأمين فقط، بل كل عقد لم يكن موضع تعامل عند هبوط الوحي، حيث قال في فتواه (لا يجوز إحداث عقد لم يرد به شرع، لأننا إن أحدثناه ولم نجعله ملزماً لم يكن ذَا اثر مفيد، وإن ألزمنا به أنفسنا فأوجبنا على أنفسنا المضي فيه، فقد أحدثنا ما لم يوجّبه الله عليها …… لذلك فإن الأصل في العقود التحريم والخروج من التحريم إلى الإباحة لابد أن يكون بنص، فإذا كان العقد لم يرد به نص فلا يترتب أثره الشرعي ولا يعمل به). والمقصود بالنص هنا هو نص قرآني أو حديث نبوي صحيح. وعلى رأي الظاهرية هذا فإن جميع العقود التي استحدثت بعد انقطاع الوحي ووفاة الرسول عليه الصلاة والسلام هي عقود باطلة لا يترتب عليها أثر ملزم، وأنهم وان كانوا لم يذكروا عقد التأمين بالتسمية إلا أنه، حسب فتواهم، مشمول بالتحريم لأنه عقد مستحدث لم يرد على إباحته نص في القرآن ولا في السنة النبوية الصحيحة.

 

غير أن الحنابلة والمالكية على الرغم من عدم إقرارهم بشرعية عقد التأمين، لم يتفقوا مع الظاهرية في أسباب البطلان فذهب كلٌ من الإمام احمد بن حَنْبَل والإمام بن تيمية بأن الآية الكريمة “يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود” من سورة المائدة لم تحصر وجوب الوفاء بعقود محدودة بل شملت كل اتفاق اساسه التراضي بين الطرفين لقوله تعالى “إلا ان تكون تجارة عن تراضٍ منكم”. كما ان السنة الشريفة قد قصرت التحريم على الشروط التي تحرم الحلال وتحل الحرام لقوله عليه الصلاة والسلام (المسلمون على شروطهم الا شرطا أحلَّ حراماً أو حرَّمَ حلالاً) لذلك ينحصر التحريم، حسب رأي الحنبلية والمالكية، بعقود الغرر والعقود التي تنطوي على الربا وهذا ما هو متوفر في عقد التأمين حسب رأيهم.

 

أما الحنفية والشافعية فقد قسموا الشروط إلى شروط صحيحة وباطلة وفاسدة، فالشرط الصحيح هو ما كان موافقاً لمقتضى العقد أو أقره الشارع أو جرى به العرف إذ الثابت بالعُرف عندهم كالثابت بالنص “فما يراه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن” وواجب الوفاء به، والشرط الباطل هو ما لا تقتضيه طبيعة العقد وليس فيه منفعة للطرفين، والشرط الفاسد هو ما لا تقتصيه طبيعة العقد وفيه منفعة لأحد العائدين، فإذا وجد الشرط الفاسد في عقود المعاوضات بطل العقد، ويخلصون من ذلك إلى بطلان عقد التأمين لفساد شروطه بحيث يكسب المؤمن إذا تخلف الحادث المؤمن منه ويكسب المؤمن له إذا تحقق الحادث.

 

ولغرض توحيد رأي المذاهب الأربعة في المسائل المختلف عليها عقد مجمع الفقه الإسلامي اجتماعاً في مكة المكرمة في شعبان سنة ١٣٩٨ هجرية المصادف تموز ١٩٧٨ ميلادية حيث افتى بأكثرية ساحقة بتحريم التأمين التجاري لأنه:

 

١: من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش، لأن المستأمن (المؤمن له) لا يستطيع ان يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ فقد يدفع قسط التأمين ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة مطلقاً فلا يأخذ شيئاً.

٢: انه ضرب من ضروب المقامرة لما فيه من الغرم بلا جناية ومن الغُنم بلا مقابل.

٣: انه يشتمل على ربا الفضل والنساء.

٤: انه من الرهان المحرَّم، فلم يبح الشرع الرهان الا ما فيه نصرة للإسلام.

٥: فيه أخذ مال الغير بلا مقابل.

٦: انه إلزام بما لا يلزم شرعاً.

 

أما الجعفرية فقد ذهبوا إلى القول بشرعية عقد التأمين فاعتمد أكثريتهم على تفسير الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) في سورة المائدة، فميزوا بين ما إذا كانت “اللام” في كلمة العقود الواردة في الآية الكريمة هي لام عهدية أي تخص العقود المعهودة والمتعارف عليها عند نزول الآية الكريمة، أم انها لام جنسية تشمل كل ما يصدق عليه وصف العقد، فذهب أكثريتهم إلى القول بأنها لام جنسية موضحين ذلك بأن النصوص الشرعية في الكتاب والسنة لم تحصر أنواع العقود بل أمرت المؤمنين بالوفاء بها وأحلت لهم التجارة عن تراض ولم تحدد نوعها والالتزام بجميع شروط العقد الا ما احلَّ حراماً أو حرَّم حلالا،ً و يخرج هذا الفريق إلى القول بأن عقد التأمين هو من العقود المستحدثة التي ينصرف إليها قوله تعالى أوفوا بالعقود.

 

كما ذهب فريق اخر من الجعفرية بتحليل عقد التأمين بإنزاله منزلة عقود أخرى فأنزله بعضهم منزلة عقد الضمان وآخرون منزلة الهبة المشروطة بعوض وفريق ثالث بمنزلة عقد الصلح.

 

ونتيجة لفتوى المذاهب السنية بتحريم عقد التأمين أحجم رأس المال الخاص السني، عدا العلماني، عن الاستثمار في تأسيس شركات تجارية للتأمين. ولسد هذا الفراغ ظهر ما يُعرف بشركات التأمين الإسلامي، والتي ستكون موضوع رسالة قادمة.

 

وتقبل فائق التقدير.

 

بهاء بهيج شكري

 

الرسالة الثالثة

شركة التأمين الإسلامي

 

عمان في الأول من تموز ٢٠١٧

 

الاخ العزيز مصباح المحترم

 

تحية طيبة

 

ذكرتُ في رسالتي المؤرخة ٢٨ حزيران ٢٠١٧ انه نتيجة لفتاوي تحريم عقد التأمين التجاري أحجم البعض من أصحاب رؤوس الأموال في القطاع الخاص عن استثمار أموالهم في تأسيس شركات تأمين تجارية، وقد فكَّرَ البعض من هؤلاء بعد التشاور مع بعض رجال الدين من المذاهب الأربعة في إيجاد شركات بديلة عن شركات التأمين التجارية تُصاغ عقودها بطريقة تحجب عنها فتاوى التحريم، فكان هذا البديل هو ما عُرفَ بشركة التأمين الإسلامي أو التأمين التكافلي، فتأسست أولى هذه الشركات في السودان سنة ١٩٧٩ وبعد ذلك تأسست شركات أخرى في بعض الدول العربية الأخرى ومنها المملكة الاردنية الهاشمية، ولكن لم تؤسس، حسب علمي، حتى الآن شركة مماثلة في العراق على الرغم من ان الفقرة الرابعة من المادة (١٣) من قانون تنظيم أعمال التأمين العراقي الصادر بموجب الامر رقم ١٠ لسنة ٢٠٠٥ قد أجازت لما أطلَقت عليها “كيانات التأمين التكافلي” العمل في العراق بعد حصولها على ترخيص من ديوان التأمين. وفي التطبيق العملي يشترط ان يكون لكل شركة إسلامية هيئة للرقابة الشرعية، تلتزم إدارة الشركة بما تقدمه الهيئة من مشورة سواء في عمليات التأمين المباشر أو عمليات اعادة التأمين.

 

وعلى ضوء. شروط عقد التأمين الإسلامي والبحوث التي سطرها الباحثون الإسلاميون، فإن هذا التأمين يقوم على ركنين أساسيين: الأول، إن شركة التأمين لا تُمارس التأمين أصالةً بل وكالةً عن المؤمن لهم، حيث يعتبر كل واحد منهم مؤمنا للآخرين ومؤمنا له من قبلهم. والركن الثاني، هو ركن التبرع، فالمؤمن له مُلزَمٌ بأن يتبرع بمبلغ من المال كي يساهم بتعويض الضرر الذي يصيب الآخرين، وفي حالة عدم كفاية المبالغ المتبرع بها فإن الشركة تغطي الفرق، وتعتبره قرضاً حسناً يحق لها أن ترجع به على المؤمن لهم لتسترده منهم، وبالنتيجة لا تتحمل الشركة أية خسارة.  وفيما يلي سنحاول مناقشة الأسس التي يقوم عليها هذا التأمين.

 

أولا – الوكالة

 

في تكييف العلاقة بين المؤمن لهم وشركة التأمين، وصفت بأنها علاقة وكالة بأجر وان عقود التأمين الإسلامي لا تبرم بين طالبي التأمين والشركة، بل تبرم بين طالبي التأمين أنفسهم مع بعضهم البعض، فيكون كل منهم مؤمِناً له من قبل الآخرين ومؤمَناً للآخرين، وينحصر دور شركة التأمين بكونها وكيلة عنهم في إبرام العقود بينهم، فقد نصّتْ شروط وثيقة التأمين الإسلامي على ان الشركة (تدير العمليات التأمينية بوصفها وكيلا عن حملة الوثائق بأجر معلوم، فهي ليست طرفا أصيلا في عقد التأمين).  وجاء فيها أيضاً (يعتبر قبول حامل هذه الوثيقة التعامل مع الشركة موافقة صريحة منه على اعتبار الشركة وكيلاً عنه بأجر معلوم لإدارة عمليات التأمين).

 

وفي مناقشتنا ذلك سنجزئ المناقشة إلى فقرتين، الأولى تتعلق بالناحية القانونية والثانية تتعلق بالناحية الشرعية.

 

فمن الناحية القانونية

 

١- على الرغم من ان عقد الوكالة هو من العقود الرضائية التي تنعقد بارتباط الإيجاب بالقبول، الا انه نظرا لما يتضمنه من تخويل للغير بإدارة شؤون الموكل فقد اشترط القانون ان يكون الإيجاب صريحا ومحددا لصلاحيات الوكيل، وان القوانين الإجرائية قد اشترطت لنفاذ عقد الوكالة ان يكون مُصدقاً من قبل الكاتب العدل، لذلك لا يجوز قانونا ان يكون الإيجاب بإبرام عقد الوكالة مفترضا ومفروضا من قبل الوكيل، فالشرط الذي تضمنته وثيقة التأمين الإسلامي بهذا الخصوص هو شرط إذعان باطل لا اثر له في التعامل بين الطرفين بل ويترتب على وجوده في العقد بطلان العقد أصلا.

 

٢- نصت القوانين المدنية ومنها الفقرة الأولى من المادة (٩٣٠) من القانون المدني العراقي والفقرة الأولى من المادة (٨٣٤) من القانون المدني الاردني على (ان يكون الموكل ممن يملك التصرف بنفسه فيما وُكّلَ به) وهذا الشرط غير متوفر في الوكالة المشار اليها في شروط التأمين الإسلامي لان قوانين تنظيم أعمال التأمين قد حصرت ممارسة أعمال التأمين بالشركات المساهمة دون الأفراد، لذلك فالشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يتعاقد مع شركة التأمين الإسلامي لا يملك الحق بممارسة أعمال التأمين وغير مجاز بممارستها وفقا للقانون كي يوكّل الشركة الإسلامية بممارستها نيابة عنه، (لا اريد ان أخوض هنا في موضوع إجازة الشركات الإسلامية، والاخطاء التي ارتكبتها اجهزة تنظيم أعمال التأمين في بعض الدول التي توجد فيها شركة تأمين إسلامي، لان ذلك قد يخرجنا عن موضوع موقف الشريعة الإسلامية من عقد التأمين)، ولعدم توفر هذان الشرطان في الوكالة محل البحث، فإنها تعتبر باطلةً ولا حُكمَ لها من الناحية القانونية.

 

أما من الناحية الشرعية

 

قد سبق أن أوضحتُ بأن الحنفية والشافعية يقسمون الشروط إلى شرط صحيح وشرط باطل وشرط فاسد والشرط الفاسد هو ما لا تقتضيه طبيعة العقد وفيه منفعة لأحد العاقدين، وإذا وجد في عقد معاوضة بَطُلَ العقد، فشرط الوكالة المنصوص عليه في وثيقة التأمين الإسلامي لا تقتضيه طبيعة عقد التأمين وفيه منفعة لشركة التأمين تتمثل في الأجر الذي تتقاضاه مقابل وكالتها عن المؤمن لهم، فهو شرط فاسد يترتب على وجوده في عقد التأمين بُطلان العقد.

 

أما الحنبلية فقد اعتبروا الشرط الذي يجعل العقد عقدين في عقد واحد شرطا فاسدا يترتب عليه بطلان العقد (انظر الشيخ منصور بن ادريس الحنبلي – كشاف القناع على متن الاقتناع – ج ٣ ص ١٩٥)، وهو ما ينطبق على شرط الوكالة في وثيقة التأمين الإسلامي الذي يجعل من عقد التأمين عقد وكالة وعقد تأمين في عقد واحد.

 

يتضح مما تقدم ان شرط الوكالة المفترضة هو شرط باطل شرعا وقانونا، وبذلك ينهار أهم ركن من أركان التأمين الإسلامي.

 

ثانيا – فكرة التبرع الإلزامي

 

يقول الباحثون الإسلاميون في وصفهم العلاقة القائمة بين أطراف التأمين الإسلامي ان ما يدفعه المؤمن له من قسط التأمين إنما يدفعه على سبيل التبرع لترميم الخسارة التي تلحق ببقية المؤمن لهم بسبب وقوع الحوادث المؤمن منها ويصفون هذا التبرع بأنه (تبرع إلزامي تتطلبه طبيعة عقود التأمين الإسلامي)، ويستندون في تبرير إلزامية التبرع إلى المذهب المالكي.

 

وفي مناقشة ذلك نقول، ان القول بإلزامية التبرع يجمع بين نقيضين لا رابط بينهما، هما الإلزام والتبرع. كما ان المذاهب الإسلامية جميعا بما في ذلك المذهب الظاهري والمذهب الجعفري لم تبحث في إلزامية التبرع بل بحثت في إلزامية الوعد، وهناك فرق ظاهر بين الوعد والتبرع. فالتبرع فعلٌ نافذ يتم طواعية والوعد قولٌ بفعل مؤجل. وقد اجمعت المذاهب مع اكثرية المالكية على عدم إلزامية الوعد، وقد خرجت أقلية من المالكية على هذا الاجماع بالقول بإلزامية الوعد، لذلك لا يصلح رأي هذه الأقلية من المالكية الذي ليس له علاقة بالتبرع ان يكون سندا شرعيا للادعاء بإلزامية التبرع.

 

فضلا عن ذلك فإن المؤمن له عندما يدفع قسط التأمين إنما يقوم بالوفاء بالتزام مترتب بذمته نتيجة تعاقده مع المؤمِن فإن قصده لم ينصرف إلى التبرع بل إلى الوفاء بالتزام بذمته والقاعدة الكلية في الشريعة الإسلامية تقول “الأمور بمقاصدها”، وبهذا ينهار الركن الثاني من أركان التأمين الإسلامي.

 

ومن المقارنة بين شركة التأمين التجارية والشركة الإسلامية نجد ان كُلاً من الشركتين تهدف إلى الربح وان مصادر ربح الشركة الإسلامية أكثر من مصادر ربح الشركة التجارية، كما ان الشركة التجارية هي التي تتحمل الخسارة إذا قصر رصيد التغطية عن تغطية كافة الخسائر، اما الشركة الإسلامية فلا تتحمل ذلك بل ان المؤمن لهم هم الذين يتحملون هذه الخسارة.

 

وبنتيجة دراسة معمقة لطبيعة عمل الشركات الإسلامية نبين لي انها لا يمكن ان تعتبر كيان تأمين تبادلي لان كيانات التأمين التبادلي لا تهدف إلى الربح، كما انها لا تعتبر وكيلة عن أعضاءها، بل مُنَظِمَة لعلاقتهم التعاونية. وكذلك لا يمكن اعتبارها جمعية تأمين تعاوني، لان جمعيات التأمين التعاوني هي الأخرى لا تهدف إلى الربح. وأنها تؤمن لحملة أسهمها فقط بشروط ملاءمة، كما أن الشركات الإسلامية لم تلتزم بالضوابط التي رسمها المجمع الفقهي في اجتماعه الأخير في مكة المكرمة لنوع التأمين التعاوني الذي لا تشوبه المحرمات.

 

هذا ما وددت ان اختصر به البحث في موضوع عقد التأمين في الشريعة الإسلامية، علما بأن هناك الكثير مما يجب قوله ولكن المجال لا يتسع له في هذه الرسائل.

 

وتقبل فائق تقديري.

 

بهاء بهيج شكري

 

الرسالة الرابعة

مناقشة شبهات تحريم التأمين

 

عمان ٧ تموز ٢٠١٧

 

الاخ العزيز مصباح المحترم

 

قبل ان أنهي موضوع التأمين في الشريعة الإسلامية، ارى ان أوضح بأني شخصياً أميز بين موقف الشريعة الإسلامية بنصوص أحكامها المبينة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والقواعد الكلية، وبين الفتاوى التي تصدر عن بعض رجال الدين على اختلاف مذاهبهم والتي تتحكم في صدورها عنهم اهواء عاطفية أكثر من كونها مبنية على قناعة موضوعية. مثال ذلك، ما قاله الإمام محمد بن عابدين الحنفي من ان عقد التامين البحري مُحَرَّم لأنه يتضمن التزاما بما لا يلزم، فهو اكتفى بأن وصف هذا العقد بهذا الوصف دون ان يشرح لماذا يرى انه التزام بما لا يلزم، ولو كان الإمام الحنفي قد ربط بين حاجة رؤوس الأموال المستثمرة من قبل المسلمين في التجارة البحرية الى الحماية من الكوارث البحرية كي تستمر في انتاج ثمارها وبين ما يوفره لها عقد التامين البحري من الحماية الضرورية لما اصدر فتواه المذكورة، ولا يبرر تلك الفتوى كون عقد التامين البحري مبرما مع شخص حربي، أي غير مسلم، لان الشريعة الإسلامية لم تمنع المسلم من التعامل مع غير المسلم إذا كان في ذلك مصلحة للمسلم.

 

وقد حاول مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة إعطاء تفسير لهذه الفتوى بالقول بأن المؤمن يأخذ قسط التامين ولا يعمل شيئاً في مقابله، فالمجمع في هذا التفسير لم يأخذ باعتباره كون المؤمن هو مهندس عملية نشر الخسارة التي تلحق بالقلة على الكثرة ليخف أو ينعدم أثرها وهو عمل فني لا يستطيع القيام به إلا من كان من ذوي الخبرة به، كما ان المؤمن لا يأخذ قِسط التامين لنفسه بل لتكوين رصيد تغطية الخسائر المُحتملة.

 

ومن أمثلة هذه الفتاوى أيضاً، الفتوى الصادرة عن الهيئة الشرعية في احدى الدول العربية بحرمة استلام شركة التأمين المباشر عمولة وعمولة أرباح من شركة إعادة التأمين، دون ان تتبين تلك الهيئة الشرعية ان وصف المبلغ الذي تدفعه شركة إعادة التامين لشركة التأمين المباشر بالعمولة هو وصف مجازي لان ذلك المبلغ هو جزء من أقساط التأمين المستحقة لشركة إعادة التأمين من شركة التأمين المباشر، وان شركة اعادة التأمين بوصفها دائناً لتلك الاقساط قد تنازلت للمدين عن جزء منها، وان الشريعة الإسلامية لم تحرم على المدين قبول تنازل الدائن عن جزء من دينه له. اما عن عمولة الأرباح، فإن الأرباح المذكورة ليست ثمرة استثمار غير شرعي، بل هي نتيجة مقاصَّة بين اقساط التامين المستحقة لمعيد التأمين ومبالغ التعويضات المستحقة عليه، فإن زاد مجموع الاقساط على التعويضات كان هناك ربح لاتفاقية اعادة التأمين، وان الشريعة الإسلامية لم تُحرّم على طرفي العقد الاتفاق على تقاسم الربح الناجم عن العقد المبرم بينهما.

 

وباستثناء بيع الغرر الذي حرّمته السنة الشريفة بتسميته فإن السور القرآنية الكريمة والسنة الشريفة لم تسم العقود المحرمة، بل يستفاد تحريم بعض العقود من تعلقها بأمور حرمها القرآن الكريم كعقد الاتجار بالخمور وبالخنازير والعقود المرتبطة بممارسة الفحش.

 

أما ما يتعلق ببيع الغرر الذي حرمته السنة الشرفية كبيع السمك في الماء والطير في الهواء ذلك لان كلا من صياد السمك وصياد الطيور لا يملك السمك أو الطير إلا بعد نجاحه في صيده فبيعه قبل ذلك هو ما يوصف ببيع الغرر، أي بيع الشخص لما لا يملك، وحيث ان السنة الشريفة قد خصَّت بيع الغرر بالتحريم، فإن ذلك لا ينسحب على العقود الأخرى حتى لو شابها بعض الغرر.  اما وصف عقد التأمين بكونه من عقود الغرر لأنه حسب وصف بعض الفقهاء يتعلق بمجهول يحتمل الوجود والعدم، فهو وصف غير دقيق، لان احتمال الحوادث المؤمن منها لا يعتمد على المصادفة وإنما هو مبنيٌ على حسابات احصائية دقيقة تُمكّن المؤمن من تقدير احتمال وقوع حادث معين خلال فترة زمنية معينة، وهو لم يُبْنَ على المصادفة والجَهالة الفاحشة، فالحادث المؤمن منه يوصف بأنه ممكن الحدوث ولكنه غير مؤكد، وهذا ما ينفي صفة الغرر المطلق عن عقد التأمين.

 

وقبل ان نناقش شبهة الربا التي ألصقت بعقد التامين، يجب ان نحدد المقصود بالربا، فقد عرَّفه الفقهاء بأنه “زيادة أحد البدلين المتجانسين من غير ان يقابل هذه الزيادة عِوَض”. وقد نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد). والربا نوعان، وفقا لقواعد الفقه الإسلامي، هما:

 

ربا الفضل وربا النساء، ويتحقق ربا الفضل في معاوضة مال بمال إذا تضمنت فضل مال لا يقابله عِوَض، اما ربا النساء فهو فضل مال في مقابلة الاجل اي تأخير الوفاء، وقد ذهب مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة الى الافتاء بحرمة عقد التامين التجاري لأنه (يشتمل على ربا الفضل والنساء، فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود فهو ربا الفضل والمؤمن يدفع ذلك للمستفيدين بعد مدة فيكون ربا نساء وكلاهما محرم بالنص والإجماع). وقد كان هذا الموضوع محل نقاش طويل بين الفقهاء، وانا لا اريد الاطالة بالرد، فأقول إن الربا بنوعيه إنما يكون في عقود المعاوضة إذ يجب ان تتطابق قيمة البدلين وتتم المعاوضة في وقت واحد، اما التأمين فهو ليس عقد معاوضة (Commutative Contract) بل هو عقد تعويض (Contract of Indemnity) لذلك لا يشترط فيه تساوي البَدَلين وتزامن المبادلة.

 

هده هي اهم الشبهات التي تمسَّك بها الفقهاء للإفتاء بتحريم عقد التامين، وأكرر القول هنا بأن الله عز وجل لم يسم العقود المحرمة والمحللة في كتابة الكريم، بل أشار للمسائل المحرمة فتكون العقود التي ترتبط بها محرمة شرعا بدلالة النص. كما ان السنة الشريفة قد حرمت بيع الغرر، وفي ما عدا ذلك فإن جميع العقود تعتبر مباحة لقوله عليه الصلاة والسلام (المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا). وإذا تفحصنا شروط عقد التأمين لم نجد فيها ما يحلل الحرام أو يحرم الحلال، وان فتاوى الفقهاء بتحريم عقد التامين هي مجرد اجتهاد والاجتهاد لا يرقى الى منزلة النص الشرعي.

 

ونخلص من ذلك الى ان الشريعة الإسلامية وان لم تذكر عقد التامين بالتسمية إلا انها لم تتضمن أية دلائل ضمنية على تحريمه، لذلك يعتبر مشمولا بعبارة التجارة عن تراض في الآية الكريمة “إلا ان تكون تجارة عن تراض بينكم”.

 

هذا ما وددتُ ان أضيفه الى رسائلي الثلاثة السابقة إكمالاً للبحث.

 

وتقبل فائق تقديري.

 

بهاء بهيج شكري

[1] ترجع خلفية هذه الرسائل إلى تعليق كتبه الأستاذ فاروق يونس نشر في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بتاريخ 9 آذار 2015 حول كتابي أوراق في تاريخ التأمين في العراق-نظرات انتقائية، وقمت بدوري بالتعليق عليه في نفس الموقع تحت عنوان “هل هناك عقد للتأمين في الفقه الإسلامي؟”:

http://iraqieconomists.net/ar/2015/03/08/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a/

وقد أرسلت في وقت لاحق نسخة من تعليقي إلى الأستاذ بهاء بهيج شكري، فكتب هذ الرسائل التي اتفقنا على نشرها كي لا تظل حبيسة بيننا.

 

ولمن يرغب الاطلاع على تحليل وتقييم واسعين لموضوع التأمين في الشريعة الإسلامية عليه أن يرجع إلى كتاب الأستاذ بهاء بهيج شكري بحوث في التأمين (عمّان: دار الثقافة، 2012)، ص 83-255.

[مصباح كمال]

 

Misbah Kamal: Insurance Brokerage & Insurance Development

قراءة نقدية لرسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري:

حول نظام السمسرة وتطور طرق إبرام عقود التأمين

 

 

أثار الأستاذ بهاء بهيج شكري في رسالته[1] عدداً من القضايا بعضها ذات بعد تاريخي، وقدّم معلومات عنها وحججاً تفسيرية حول طرق إبرام عقود التأمين ونظام الرقابة على وكالات التأمين الأجنبية والعلاقة مع شركات وساطة إعادة التأمين العالمية. وبودي هنا تقديم بعض الإيضاحات والإضافات.

 

[1] البحث التاريخي الناقص للتأمين

 

ربما تتنفق معي بأن تاريخ التأمين في العراق وفي العالم العربي لم يُبحث على المستوى الأكاديمي، ولا يتعدّى ما نقرأه عن هذا التاريخ سوى الإشارات العابرة أو المعلومات السريعة المقدمة بدون إحالة إلى مصادر يمكن للباحث والقارئ المهتم الرجوع إليها ودراستها. وأنا لا أدعي معرفة بمنهج البحث التاريخي، أعني الأدوات التي يستخدمها المؤرخ المحترف في التعامل مع المصادر والأدلة، بما فيها الأدلة الأركيولوجية (الأثرية)[2]، بغرض البحث وكتابة تاريخ الماضي. وربما تبدو الإشارة إلى الأدلة الأثرية غريبة في مجال التأمين، وهي كذلك في ظاهرها إلا أن الحفر في أثريات التأمين القديمة (قوانين التأمين، وثائق التأمين، مستندات شركات التأمين، إعلاناتها التجارية، تقاريرها وحساباتها السنوية، محاضر جلسات مجالس الإدارة … الخ)، بافتراض توفرها لدى شركات التأمين، تُشكّل، بالإضافة إلى المذكرات غير المنشورة والكتب التاريخية المطبوعة، والمقالات المتناثرة في الصحف العربية مادة أساسية للبحث.

 

لذلك أزعم بأن معظم ما نذكره عن تاريخ كيانات التأمين والنظم المتعلقة بها، بما فيها القوانين المنظمة للنشاط التأميني، ليست مُسندة بأدلة تاريخية.

 

[2] استمرار بقاء وكالات شركات التأمين الأجنبية

 

يُخبرنا الأستاذ بهاء، من موقف العارف بتفاصيل موضوعه ويحاجج بأن التأمين

 

لم يمارس في البلاد العربية الا في أواسط القرن التاسع عشر. وكانت هذه البلاد عبارة عن ولايات تابعة للدولة العثمانية وقد ابتدأت ممارسته من قبل الوكلاء التجاريين لشركات التأمين الاجنبية. وحيث ان عقد التأمين لم يكن من ضمن العقود المسماة في الشريعة الاسلامية وحيث انه من عقود الغرر، فقد جوبه برفض قاطع من قبل فقهاء المذاهب السنية الأربعة وافتي بتحريمه بحجة انه عقد قمار محرم شرعا وعقد ربوي يتضمن اكل مال الغير بالباطل. وكان من نتيجة هذه الفتاوى ان أحجم اصحاب رؤوس الأموال العرب عن استثمار اموالهم في تأسيس شركات تأمين الامر الذي أدى الى بقاء وكلاء الشركات الاجنبية هم وحدهم الجهة التي تسيطر على أسواق التأمين العربية حتى بعد ان انفصلت هذه الولايات عن الدولة العثمانية لتصبح دولا مستقلة صوريا.

 

وهو هنا يقدم لنا تفسيراً مقنعاً لاستمرار بقاء وكلاء شركات التأمين الأجنبية في أسواق التأمين العربية إذ أن الإيديولوجيا الدينية المهيمنة، رغم بدء التحول نحو العلمانية في الدولة العثمانية[3] والحكم الوطني فيما بعد، كانت تحول دون الاستثمار في تأسيس شركات التأمين. ومن المؤسف، أن تاريخ وكالات شركات التأمين الأجنبية، كما أرى، لم يخضع للبحث ضمن التطور الاقتصادي للبلاد العربية. وبالنسبة للعراق فإننا نشير إلى هذه الوكالات ولكن دون أن نعرف عنها الكثير.[4]

 

ويمضي الأستاذ بهيج بالقول، اعتماداً على ما ذكره، أن أسواق التأمين العربية:

 

لم تؤسس فيها شركات تأمين عربية الا في النصف الثاني من القرن العشرين، فكان هذا هو السبب الذي جعل المشرعين العرب يركزون على وكلاء التأمين في قوانين الرقابة على اعمال التأمين التي شرعت خلال النصف الاول من القرن العشرين، فالزموهم بالحصول على ترخيص من سلطة الرقابة كي يتمكنوا من ممارسة نشاطهم وبشرط ان يودع الوكيل في المصرف الذي تعينه السلطة المذكورة وديعة مالية معينة عن كل فرع من فروع التأمين التي أجيز بممارستها،[5] ولم أرَ في تلك القوانين المذكورة اي ذكر للوسيط “السمسار”.

 

تشير بعض الكتابات العربية إلى تأسيس شركات تأمين عربية في النصف الأول من القرن العشرين. فشركة مصر للتأمين أسسها الاقتصادي الوطني المصري طلعت حرب باشا، الذي يعتبر رائداً للنشاط التأميني الوطني في مصر، سنة 1934.[6] وتأسست شركة التأمين العربية في فلسطين سنة 1944 (انتقلت من مركزها الرئيسي في يافا إلى بيروت سنة 1948).[7] كما تأسست شركة الرافدين للتأمين في بغداد سنة 1946 برأسمال أجنبي (60%) ورأسمال عراقي (40%).[8] تاريخ هذه الشركات بانتظار من يقوم بكتابته بالرجوع إلى أثريات التأمين، وكذلك تاريخ نشوء وتطور شركات وساطة التأمين العربية.[9]

 

ويثير الأستاذ بهاء قضية مهمة عندما يقول انه في غياب شركات التأمين العربية فإن “المشرعين العرب يركزون على وكلاء التأمين في قوانين الرقابة على اعمال التأمين التي شرعت خلال النصف الاول من القرن العشرين.” يعني هذا أن الدولة بدأت تنتبه إلى أهمية النشاط التأميني في الاقتصاد الوطني، وكذلك تنظيم عمل المؤسسات الاقتصادية.

 

[3] وسيط التأمين في قانون التأمين العراقي

 

يقول الأستاذ بهاء إن وسيط التأمين لا يرد له ذكر في القانون العراقي [قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005]:

 

وعندما اقتبس المشرع العراقي نصوص القانون الاردني لم يشر الى وسيط التأمين. لهذا فان ديوان التأمين العراقي له الحق في ان يتردد في منح الوسيط الأجنبي رخصة ممارسة العمل في العراق لجهالة طبيعة هذا العمل ولعدم ورود ذكر لوسيط التأمين في القانون العراقي، علما بأننا نعتقد ان هذا الوسيط الأجنبي هو وسيط اعادة تأمين “سمسار اعادة تأمين” وليس وسيط تأمين مباشر.

 

للوهلة الأولى يبدو هذا القول صحيحاً فالمادة 2-ثامناً- مُكرّسة لتعريف وسيط اعادة التامين (وليس وسيط التأمين المباشر) إذ يرد في التعريف بأنه “الشخص المجاز من الديوان ليمارس الوساطة بين شركة التأمين وشركة اعادة التأمين.”

 

لكننا نلاحظ بأن الفصل الأول من الباب السادس مخصص لوكلاء ووسطاء وخبراء التأمين، فالمادة 76 من هذا الفصل تنص على أنه:

 

لا يجوز لأي شخص أن يمارس أعمال وسيط تأمين أو وسيط إعادة التأمين إلا بعد حصوله على ترخيص من الديوان وفق الشروط التي يحددها رئيسه بتعليمات يصدرها لهذه الغاية تتضمن تنظيم أعماله وتحديد مسؤوليته وإجراءات ومتطلبات ترخيصه والمؤهلات المطلوبة.

 

فضلاً عن ذلك فإن التعليمات رقم (10) لسنة 2006 الصادرة من ديوان التأمين[10] هي “تعليمات إجازة وسيط التأمين وتنظيم أعماله وتحديد مسؤولياته.” ويرد في المادة 1-أولاً:

 

لا يجوز لأي شخص ممارسة أعمال وسيط التأمين أو وسيط إعادة التأمين في العراق إلا بعد حصوله على إجازة من ديوان التأمين بذلك …” (التأكيد من عندي)

 

وحسب البيانات الصادرة من ديوان التأمين كما في 31 كانون الأول 2016 كان هناك 9 وسطاء تأمين ووسطاء إعادة تأمين بينهم 5 وسطاء تأمين و 4 وسطاء إعادة التأمين وهؤلاء يمثلون شركات وساطة تأمين أجنبية. لكن حجم النشاط الذي تقوم به شركات الوساطة هذه ليست معروفة، وليست هناك أية إحصائيات خاصة بها، كما لا يعرف عدد العاملين فيها.

 

[4] هل هناك وسطاء في أسواق التأمين العربية؟

 

يثير الأستاذ بهاء تحدياً في قوله إن

 

… أسواق التأمين العربية، فيما عدا ما يتعلق بإعادة التأمين، لا تتعامل بنظام السمسرة، وان اتفاقيات وساطة التأمين التي اشرتَ لها في هامش البحث اما انها تتعلق بسمسرة اعادة التأمين او انها مجرد حبر على ورق، وإذا كنت تعرف اي سوق عربي يتعامل بنظام سمسرة التأمين المباشر، أرجو ان تدلني عليه لأصحح معلوماتي.

 

حسب علمي فإن أسواق التأمين في المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، فلسطين، المملكة العربية السعودية، اليمن، عُمان، قطر، دولة الإمارات العربية، الكويت، الأردن، لبنان، سوريا، العراق، تتعامل، بدرجات متفاوتة مع وسطاء التأمين المباشر. وهناك قوانين تنظم عمل الوسطاء. عدد وسطاء التأمين المباشر ليس متوفراً عندي[11] ويلعب وسطاء التأمين في كل من المغرب ولبنان دوراً كبيراً في إنتاج الأعمال لشركات التأمين. ففي سنة 2015 أنتج وسطاء التأمين في لبنان أزيد من 234 مليون دولار.[12]

 

وعلى العموم فإن سماسرة التأمين المباشر هم الأكثر عدداً في هذه الأسواق. إن حضور السماسرة في أسواق التأمين العربية يتعمق بفضل تزايد دورهم في الوصول إلى المؤمن لهم المرتقبين، وهم بذلك يلعبون دوراً مهماً في ترويج الحماية التأمينية بين الأفراد والشركات، وبالتالي فإنهم يساهمون في زيادة الطلب على الحماية التأمينية. ولم يأتي تأسيس رابطة وسطاء التأمين العرب سنة 2008 تحت مظلة الاتحاد العام العربي للتأمين من فراغ وإنما لتزايد دورهم والميل لدى البعض منهم لإضفاء المهنية professionalisation على عملهم.

 

من تجربتي الشخصية في العمل في شركة وساطة للتأمين وإعادة التأمين في سوق لندن أستطيع التأكيد أن للشركة ومن خلال ذراعها العالمي، ومنذ عدة سنوات، شركتي وساطة مسجلتان في دولة الإمارات العربية، إحداهما تمارس أعمال وساطة التأمين داخل الإمارات، والأخرى تمارس أعمالها من خلال تواجدها في مركز دبي المالي العالمي (DIFC).

 

[5] في تعليل أسباب تقلص عدد شركات وساطة التأمين في الأسواق الغربية

 

يثير الأستاذ بهاء هنا مسألة ذات طابع إشكالي:

 

اما بخصوص سمسرة اعادة التأمين، فاني اتفق معك بان بعض شركات السمسرة الانجليزية قد تمت تصفيتها، ولكن السبب في ذلك لم يكن لجوء شركات التأمين المباشر لممارسة التجارة الإليكترونية لإسناد محافظ أخطارها، بل السبب في رأي، هو ان الذهنية التأمينية في بداية القرن العشرين كانت ضعيفة جدا في الدول العربية ودوّل العالم الثالث، كما ان الخبرة الفنية لدى اجهزة شركات التأمين تكاد ان تكون منعدمة في ذلك الوقت، لهذا لم يكن امام هذه الشركات الا اللجوء لسماسرة اعادة التأمين لإسناد اخطار محافظها، ولكن بعد ان اتسعت الذهنية التأمينية في أواخر القرن العشرين وزادت خبرة الأجهزة الفنية للشركات …. حمل بعض هذه الشركات على القيام بإسناد اخطار محافظها لشركات اعادة التأمين المتخصصة مباشرة، وابرز مثال على ذلك هو شركة التأمين الوطنية التي قطعت علاقتها بشركة سمسرة اعادة وباشرت الاسناد المباشر لشركات اعادة التأمين المتخصصة، فإحجام الشركات العربية وشركات العالم الثالث عن الاستعانة بالخبرات الاجنبية هو سبب ظاهرة تصفية شركات السمسرة.

 

لا أرى رابطة حقيقية بين ظاهرة تصفية [عملية استحواذ ودمج] شركات وساطة إعادة التأمين وتقلص عددها في بعض أسواق التأمين العالمية ومنها سوق لندن، وتضاؤل طلب أسواق التأمين العربية وأسواق دول “العالم الثالث” لخدمات هؤلاء الوسطاء، بفضل ما يسميه الأستاذ بهاء اتساع الذهنية التأمينية في هذه الأسواق. القبول بهذا الرأي معناه أن سوق لندن، مثلاً، ما كان له أن يتطور لولا الطلب الوارد على حماية إعادة التأمين من أسوق التأمين العربية. وفي هذا اختزال فظ للتحولات التي شهدتها سوق لندن بضمنها سوق لويدز. صحيح أن احتفاظ الأسواق العربية[13] بالأخطار آخذ بالازدياد التدريجي (بفضل تأسيس المجمعات، وزيادة رأس المال والاحتياطيات، وتأسيس شركات وطنية لإعادة التأمين وغيرها) وبالتالي فقد تقلّص طلبها في السنوات الأخيرة لاتفاقيات إعادة التأمين الاتفاقي النسبي واقتصر هذا الطلب على الاتفاقيات غير النسبية التي تحتاج إلى معرفة فنية إضافة إلى معرفة بأسواق إعادة التأمين المتخصصة بالأشكال المختلفة لهذه الاتفاقيات، وبعضها على درجة عالية من التعقيد، وخاصة في مجال آليات تحويل الأخطار البديلة alternative risk transfer (ART)، بحيث يصبح الاعتماد على وسيط إعادة التأمين الدولي ضرورياً للوصول إلى الأسواق المتخصصة ولتفكيك طلاسم هذه الآليات التي تجمع بين إعادة التأمين وأدوات أسواق رأس المال. لكن معظم شركات التأمين العربية لا تستخدم آليات تحويل الأخطار البديلة.

 

علينا أن نتذكر أن الطلب على إعادة التأمين، قبل تطور الطلب المحلي على ما يعرف بوثائق التأمين الشخصي personal line insurances ممثلة في السنوات القليلة الماضية في بعض الأسواق العربية بالتأمين الصحي، كان عالياً بسبب عدم توازن المحفظة الاكتتابية لشركات التأمين العربية. وكان اللجوء إلى الحماية الإعادية وسيلة لتحقيق درجة من التوازن في المحفظة.

 

في دراسة ظاهرة تقلص عدد وسطاء التأمين في أسواق التأمين الغربية، وقد ركّزتُ على سوق لندن في هامشي رقم 5 على رسالتك،[14] لا يمكننا التغاضي عن الدور الكبير الذي يلعبه التطور التكنولوجي عموماً وتطور تكنولوجيا المعلومات في ردم الفجوة بين المؤمن لهم وشركات التأمين وخاصة، وكما ذكرتُ، بالنسبة لوثائق التأمين النمطية كتلك التي نجدها في التأمين على السيارات والمساكن. وفي السنوات القليلة الماضية ظهرت مواقع إلكترونية تُعرف باسم aggregators تُمكّن طالب التأمين، من خلال إكمال استمارة تضمُّ عدداً من الأسئلة، الحصولَ على عروضٍ للتأمين من عدة شركات وتصنف هذه العروض بدءاً بأوطأ الأسعار ويترك لطالب التأمين اختيار ما يراه مناسباً له. هذا النمط من تسويق المنتج التأميني لم يكن ليتحقق لولا تطور استخدامات تكنولوجيا المعلومات.

 

ثم انني ركزت على التقلّص الكبير، وهو يقرب من بضعة آلاف، في عدد وسطاء التأمين، القليل جداً منهم يعمل في مجال إعادة التأمين. إن أغلب هؤلاء الوسطاء يشكّلون شركات صغيرة تدير أعمالها في مواقع الشوارع الرئيسية في المدن high street brokers وتضم بضعة أفراد، وليس لهذه الشركات علاقة بشركات التأمين العربية وطلبها لإعادة التأمين.

 

إن تأثير تكنولوجيا المعلومات والفضاء السِيبراني في ازدياد ووصل الأمر إلى ان جباية أقساط التأمين وتسديد التعويضات وحتى التفاوض بين الوسيط ومكتتب التأمين صار يتم عن بعد من خلال التواصل الإلكتروني.

 

إضافة إلى ذلك فإن النظام الرأسمالي معروف بميله نحو التركّز، وتمثل ظاهرة الاستحواذ والاندماج تعبيراً لهذا الميل. الهدف الأول والأكبر للشركات الرأسمالية هو تحقيق أقصى الأرباح ولن يتمّ ذلك بوجود المنافسة القوية. ولذلك فإن الحد من المنافسة يصبح مطلباً مهماً لصاحب رأس المال أو من يمثله في إدارة الشركة. ونعرف أن الحكومات في الدول الرأسمالية تعمل بدورها إلى الحد من التوجّه نحو الاحتكار، لكن الحكومة البريطانية، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، لم تتحرك عندما تم الاستحواذ على شركات وساطة تأمين إنكليزية عريقة من قبل شركات أمريكية بحيث أن أكبر ثلاث شركات وساطة تأمين أمريكية في سوق لندن تخضع في الوقت الحاضر لملكية رأس المال الأمريكي.

 

فيما يخص قطع شركة التأمين الوطنية علاقتها بشركة سمسرة اعادة التأمين ومباشرتها الاسناد المباشر لمحافظها لدى شركات إعادة التأمين المتخصصة (وأظن أن ذلك كان في أوائل ستينيات القرن الماضي) فإنه لم يستمر طويلاً ولم يُلغي اعتماد الشركة على وسطاء إعادة تأمين آخرين لترتيب اتفاقيات إعادة التأمين غير النسبية للشركة كاتفاقيات وقف الخسارة، وكذلك بعض أعمال إعادة التأمين الاختياري.

 

أشكر الأستاذ بهاء بهيج شكري على رسالته وإثارة قضايا مهمة في تطور صناعة التأمين العربية والتي وفَّرت الفرصة لمناقشتها بهدف البناء على ما أفاد به. ولعل من هم أصغر عمراً منا وأكثر معرفة يساهمون في تطوير دراسة بعض القضايا المطروحة في هذه الرسالة.

 

5 حزيران 2017

[1] الرسالة منشورة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/05/رسالة-بهاء-بهيج-شكري-إلى-مصباح-كمال-20-أيار-2017-نظام-الوكالات-والمنتج….pdf

 

[2] ظهر هذا التعبير في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وربما في غيرها من أسواق التأمين، في سياق البحث عن وثائق التأمين التي تغطي المسؤوليات القانونية للشركات الصناعية تجاه العاملين أو الأطراف الثالثة فيما يتعلق بالإصابات الناتجة عن التعرض المستمر للأسبستوس، وبعضها يرجع إلى أربعينيات ولغاية سبعينيات القرن الماضي، لتمكين هذه الشركات بمطالبة شركات التأمين للتعويض عن الإصابات البدنية والأضرار التي نشأت أسبابها قبل عدة عقود. للتعرف على موضوع أركيولوجيا وثائق التأمين راجع:

https://www.irmi.com/articles/expert-commentary/insurance-archaeology-a-strategic-imperative-for-policyholders-and-insurers

وبالنسبة للآثار التأمينية لمرض الأسبستية (التليف الرئوي بسبب استنشاق جسيمات الاسبستوس) asbestosisوخاصة المسؤوليات الضخمة التي تحمّلتها سوق لويدز راجع:

Adam Raphael, Ultimate Risk (London: Corgi Books, 1995), pp 129-159.

[3] أنظر: مصباح كمال، “التأمين كمؤسسة علمانية: نظرة تاريخية موجزة،” الثقافة الجديدة، العدد المزدوج 378-379، تشرين الثاني 2015، ص 104-114. نشر المقال أيضاً في مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2015/12/insurance-as-secular-institution.html

[4] ربما تكون محاولتي اليتيمة في اقتفاء بعض المعلومات عن هذه الوكالات في العراق هي الأولى من نوعها. أنظر: مصباح كمال، “وكالات التأمين في العراق عام 1936: محاولة في التوثيق،” مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/05/1936-19-2012-1936-1936-883.html

وكذلك: مصباح كمال: “اليهود والنشاط التأميني في العراق: التأمين في ذاكرة عزرا حكّاك،” مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2016/11/jews-insurance-activity-in-iraq.html

وتظل هذه المحاولات غير مكتملة وتحتاج إلى من يحفر في أثريات التأمين لإشباع الموضوع.

 

[5] أنظر بهذا الشأن أحكام قانون شركات التأمين رقم 74 لسنة 1936 في مقالنا “إطلالة على بواكير التأمين والرقابة على النشاط التأميني في العراق،” مجلة الثقافة الجديدة، العدد 331، 2009. نشر أيضاً في مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2009/09/331-2009-44-52.html

 

[6] الاتحاد المصري للتأمين، صناعة التأمين في مصر عبر قرن ونصف (القاهرة: الاتحاد، 2014)، ص 26-27. يرد في الكتاب أسماء شركات تأمين أخرى.

 

[7] “التأمين في لبنان…تاريخ عريق وآفاق من غير حدود!” فصل في كتاب جوزف زخور، كتابات في التأمين وإعادة التأمين (بيروت: ج. زخور وشركاه، 1998)، ص 11-12.

 

[8] لم أعثر على تفاصيل هذه الشركة: أسماء المساهمين العراقيين في رأس المال، مديرها العام، عدد العاملين، أنواع التأمين التي كانت تكتتب بها … الخ.

 

[9] لا نعرف من كان أول وسيط تأميني عربي لكن المرحوم جاد قبّان نشر مذكراته بالإنكليزية لتوثيق دوره الرائد في وساطة التأمين في لبنان: Jad G. Kabban, Memoirs of a Pioneer Arab Insurance Broker (Jounieh, published privately, 2004).

أنظر: جوزف زخور، “جاد قبان .. إرث تزهو به “يو آي بي”” مجلة البيان، العدد 399، شباط/فبراير 2005، ص 95. ويرد في هذا التأبين أن جاد قبان بعد عودته إلى لبنان من المملكة العربية السعودية، حيث كان يعمل مع شركة الزيت الأمريكية أرامكو، “التحق بشركة اوفرسيز بروكرج سرفيسز (OBS) التي كان أطلقها رجل الأعمال الأمريكي اللبناني الأصل الكس نادر، وهي الشركة التي أدخلت وساطة التأمين بوجهها الحديث إلى لبنان …”

[10] الوقائع العراقية، العدد 4038 الصادرة بتاريخ 26 آذار 2007.

[11] ليست هناك معلومات منشورة عن عدد الوسطاء في أسواق التأمين العربية سوى ما نشره بنك معلومات التأمين العربي وهي للفترة 2010-2011:

http://insurabia.jo/websiteDocs/BrokersAndAgents/wosata-ar.pdf

 

[12] http://www.meinsurancereview.com/Magazine/ReadMagazineArticle/aid/38542/Lebanon-Independent-brokers-generate-234-mln-in-premiums-in-2015

 

[13] Abdul Zahra Abdulla Ali, Insurance Development in the Arab World: Available Domestic Retention Capacity and Demand for International Reinsurance (London: Graham Trotman, 1985).

[14] http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/05/رسالة-بهاء-بهيج-شكري-إلى-مصباح-كمال-20-أيار-2017-نظام-الوكالات-والمنتج….pdf ص 4

Baha Baheej Shukri: Ottoman Insurance Law 1905

من رسائل بهاء بهيج شكري:

قانون السيكورته العثماني

 

 

نشرت هذه الرسالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

من رسائل بهاء بهيج شكري*: قانون السيكورته العثماني

 

 

عمان في ٢١ حزيران ٢٠١٧

 

الأخ العزيز مصباح المحترم[1]

 

بعد التحية

 

قبل البدء في البحث في قانون السيكورتة العثماني، أجد من الضروري ان أمهد للبحث بتوضيح الفرق بين التأمين البحري والتأمين البري، وعلاقة نظام التأمين بنظام النقل البحري، ثم ألقي نظرة سريعة على تطور تقنين نظام التأمين في البلاد العربية.

 

إن نطاق التأمين البحري ينحصر بتغطية النقل الدولي، سواء أكان نقلاً بحرياً صرفاً (Maritime Transport) او نقلا متعدد الوسائط (Multimodal Transport)، وهو ينفرد بقواعد قانونية خاصة به غير القواعد القانونية التي تحكم عقد النقل البحري بصنفيه، وعلى الرغم من ذلك فان قواعد العقدين يجمعهما تشريع واحد هو قانون التجارة البحرية. اما ما يتعلق بالتأمين البري فهو لا علاقة له بعملية النقل إلا بقدر تعلق الأمر بالنقل البري الصرف (Inland Transport) وقواعده القانونية لا تنضوي تحت نفس النظام القانوني الذي تنضوي تحته النصوص القانونية التي تحكم عقد النقل البري، فعقد التأمين البري يخضع للتقنين المدني وعقد النقل البري يخضع للتقنين التجاري.

 

لقد كنت ان أوضحت في رسالة سابقة انه على الرغم من ان التأمين البحري بشكله المتطور كان قد مورس من قبل اللومبارد في منتصف القرن الرابع عشر الا انه لم يُعرف في ولايات السلطنة العثمانية الا في منتصف القرن التاسع عشر حيث اتسع نطاق التجارة البحرية بين السلطنة العثمانية والدول الأوربية، فأصبحت الفرصة مؤاتية لشركات التأمين الاوربية ان تبعث وكلاء عنها الى السلطنة العثمانية ليستقروا فيها بعد حصولهم على موافقة السلطان ويباشروا إصدار عقود التأمين البحري لتغطية ما يستورده ويصدره تجار الولايات العثمانية، التي يطلق عليها دار الإسلام، من والى الدول الأوربية، التي يطلق عليها دار الحرب.

 

وبالرغم من فتوى تحريم عقد التأمين البحري باعتبار كونه عقداً يتضمن الإلزام بما لا يلزم حسب ما وصفه به الامام محمد بن عابدين الحنفي، فقد استمر عمل وكلاء التأمين بإبرام عقوده. ومن اجل إيجاد قواعد قانونية تنظم مختلف أنشطة التجارة البحرية وتضع حداً لفتوى تحريم عقد التأمين البحري قامت السلطنة العثمانية بتشريع قانون التجارة البحرية العثماني في ٦ ربيع اول سنة ١٢٨٠ هجرية المصادف ١٣ تشرين اول سنة ١٨٨٣ ميلادية. وقد تضمن القانون المذكور في الفصل السابع منه النصوص القانونية المتعلقة بعقد النقل البحري، وفي الفصل الحادي عشر القواعد القانونية المتعلقة بعقد التأمين البحري، وقد كان هذا القانون محفّزا لوكلاء شركات التأمين بزيادة نشاطهم وتوسيع دائرة هذا النشاط في مختلف ولايات السلطنة.

 

ونظراً للترابط بين التجارة البحرية الدولية والتجارة الداخلية الاقليمية فقد ازدهرت هذه التجارة الاخيرة شاملة عقود البيع والخزن والنقل الداخلي للبضائع بين الولايات والتعاملات المصرفية، مما اضطر السلطنة العثمانية الى تشريع قانون آخر لتنظيم القواعد القانونية للتجارة البرية، فشرع قانون التجارة البرية العثماني في جمادي الثاني سنة ١٣٢٣ هجرية. وقد جاء هذا القانون محفّزاً آخر لوكلاء شركات التأمين الاجنبية لينوعوا من نشاطهم كي يشمل تأمين النقل البري الداخلي للبضائع بين ولايات السلطنة وتأمين الممتلكات الاخرى المنقولة والعقارية من حوادث الحريق والسرقة والحوادث الأخرى. وقد نبَّه هذا التصرف، من قبل الوكلاء، السلطنة العثمانية الى ان قانون التجارة البرية العثماني جاء خالياً من القواعد القانونية التي تنظم عقد التأمين البري، فبادرت لتشريع ذيل لقانون التجارة البرية العثماني يتضمن القواعد المذكورة ووصف هذا الذيل بكونه قانون السيكورتاه وأُلحق بقانون التجارة البرية العثماني في ٢٩ محرم ١٣٢٤ هجرية المصادف ٩ آب ١٩٠٥.

 

بعد هذه النبذة التاريخية عن ظروف تشريع القانون المذكور، اعود لدراسة مختصرة لأحكامه، فقد نصّت المادة الاولى منه على تعريف عقد التأمين بكونه يغطي الأموال المنقولة وغير المنقولة من الاتلاف (الخسائر) من كافة المهالك، ومن الواضح ان هذا القانون هو قانون تأمين بري ولا علاقة له بالتأمين البحري واشير الى انه جاء ذيلا لقانون التجارة البرية، كما تضمن في نهايته مادة خاصة اطلق عليها “المادة المخصوصة” نصّت صراحة على ان “الأحكام الواردة في حق الضمان البحري المذكورة في قانون التجارة البحرية تبقى مرعية الإجراء” وهذا يضع حداً لكل جدل حول طبيعة ونوع هذا القانون، ويؤكد كونه قانون تأمين بري.

 

وفي عودة لتعريف عقد التأمين الذي يتعلق به، فإن هذا العقد، كما جاء في المادة الاولى من القانون، يغطي الممتلكات المنقولة (Moveable Property) اي الأموال القابلة للنقل من حيّز مكاني الى آخر، كالأثاث البيتية والبضائع وغيرها، كما يغطي ايضاً الأموال غير المنقولة (Immoveable Property) اي الممتلكات العقارية، وان نطاقه لا يتحدد بحادث معين، بل يشمل “”كافة المهالك”” اي كافة الاخطار التي يحتمل ان تتعرض لها الأموال المنقولة وغير المنقولة، فيدخل ضمن ذلك خطر الحريق والسرقة وأخطار النقل الداخلي وخيانة الأمانة والمسؤولية المدنية وأي حادث اخر قابل للتأمين منه. وكررت المادة الثانية منه قاعدة إثبات عقد التأمين، بان يكون العقد تحريرياً، اي لا يمكن اثباته بالقرائن او البينة الشخصية، بل لابد من وجود وثيقة تأمين “”بوليصة”” لإثباته.

 

وفيما عدا المادة التاسعة من القانون، فقد تناولت المواد من ٣ الى ١٩ النص على الضوابط العامة لعقد التأمين منها تحديد مبلغ التأمين، وسقف مسؤولية المؤمن ووجوب توفر المصلحة التأمينية والتأمين الزائد والناقص والمكرر، وحق المؤمن في الرجوع على المتسبب بالضرر (Subrogation) وغير ذلك من ضوابط عقد التأمين. اما المادة التاسعة فقد تعلقت بالتأمين الزراعي فنصت على إمكانية التأمين على ضياع الفائدة المتوقعة من المحاصيل الزراعية والأثمار. وتولت المادة (٢٠) منه النص على إمكانية تغطية مسؤولية المؤمن له المُحتملة في حادث الحريق عما يلحق بالمبنى المجاور بسبب احتراق المبنى العائدة له.  ونصت المادة (٢١) على تحديد تاريخ سريان عقد التأمين، ونصت المادة (٢٢) على كيفية احتساب قيمة الخسارة في حالة الحريق الجزئي للممتلكات المؤمنة. اما المادة (٢٣) فتعلقت باحتساب الخسارة في التأمين الزراعي، واختصت المادتان (٢٤) و (٢٥) ببيان شروط تأمين النقل البري الداخلي.

 

لقد بقي هذا القانون وما زال ساري المفعول في العراق حتى كتابة هذه السطور وكذلك الحال بالنسبة لقانون التجارة البحرية العثماني. فبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى انتقلت ولاياتها للانتداب الانجليزي والفرنسي، وكانت ولاية الموصل وبغداد والبصرة التي يتكون من مدنها قطر العراق من نصيب بريطانيا العظمى، ولم تحاول السلطة الانجليزية تغيير الأنظمة القانونية التي كانت سائدة في الولايات المذكورة في زمن السلطنة العثمانية. وبموجب القانون الأساسي الذي شرع سنة ١٩٢٥ بقيت القوانين العثمانية نافذة في العراق ما لم يتم الغاؤها. ومنذ ذلك التاريخ وحتى هذا اليوم لم يلغ قانون التجارة البحرية العثماني، فيبقي هو الواجب التطبيق في جميع مسائل التجارة البحرية ومنها التأمين البحري، ما عدا قواعد النقل البحري التي تعتبر ملغاة بموجب قانون النقل العراقي.

 

اما قانون التجارة البرية العثماني فقد تم الغاؤه مجزأ على مراحل، فقد الغيت المواد من ٤٠ الى ٥٣ بموجب تعديل صدر سنة ١٣٣٤ هجرية، كما ألغيت المواد من (١) الى (٩) ومن (٢٣) الى (٤٦) بموجب المادة (٥١٠) من قانون التجارة العراقي رقم ٦٠ لسنة ١٩٤٣، وألغيت المواد من (١٠) الى (٣٩) بموجب المادة (٣٢١) من قانون الشركات رقم (٣١) لسنة ١٩٥٧. وأخيراً، ألغيت بقية المواد المتعلقة بالإفلاس بموجب المادة (٧٢٣) من قانون التجارة رقم (١٤٩) لسنة ١٩٧٠.

وبقي ذيل القانون العثماني “السيكورتاه” لم يشمله الالغاء، والدليل على استمرار نفاذه حتى الآن فإن لدي، وضمن مجموعتي الخاصة التي تركتها مع الأسف في بغداد، قراراً صادراً سنة ١٩٨٦، على ما اذكر، من الهيئة العامة لمحكمة تمييز العراق استندت فيه الى المادة (١٧) من قانون السيكورتة العثماني التي تتعلق بحق المؤمن بعد دفعه التعويض الى المؤمن له أنْ يرجع على المتسبب بالضرر لاسترداد ما دفعه من تعويض، حيث ان وكيل المدعى عليه حاول ان يدفع الدعوى بالتمسك بان حق الحلول ينحصر بالتأمين ضد الحريق وان الدعوى المقامة على موكله لا صلة لها بالتأمين ضد الحريق، وقد كسب الدعوى بداءة واستئنافاً الا ان الهيئة العامة لمحكمة تمييز العراق نقضت قرار محكمة الاستئناف معللة قضاءها، بان المادة (١٠٠٧) من القانون المدني قد نصت بان المسائل التي لم يرد ذكرها في القانون المدني تنظمها القوانين الخاصة، وان قانون السيكورتاه هو قانون خاص وان المادة (١٧) منه جاءت مطلقةً ولم تحصر حق الرجوع بالتأمين ضد الحريق.

 

هذا كل ما اعرفه عن هذا القانون.

 

وفي الختام أرجو قبول فائق تقديري.

 

بهاء بهيج شكري

 

ملاحظة: إن السيد ….. السامرائي (نسيت اسمه الاول) هو أول من نشر قانون التجارة البحرية العثماني وقانون السيكورتاه العثماني، في مجموعته للقوانين التجارية التي نشرها في العهد الملكي.[2]

 

[1] ترجع خلفية هذه الرسالة إلى رسالة سابقة للأستاذ بهاء بتاريخ 20 حزيران 2017 ذكر فيها الآتي: “لقد لفت انتباهي اهتمامك بقانون السيكورتة العثماني والذي يطلق عليه ايضا “قانون شركات الضمان”، فأرجو إعلامي بما تريد بحثه في هذا القانون، عسى ان يكون بمقدوري التعاون معك في ذلك.” وكتبتُ له بأنني حقاً كنت مهتماً بقانون السيكورتاه العثماني لسنة 1905 وأنني كتبت عنه مقالة اعتماداً على بعض المعلومات التي كانت متوفرة لي، نشرته في مجلة التأمين العراقي، (http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2011/04/ottoman-insurance-law-1905.html ونشرت ترجمته الإنكليزية في موقع History of Iraq

(http://iraqshistory.blogspot.co.uk/2011/04/ottoman-insurance-companies-act-1905.html

والمقالة متوفرة أيضاً كفصل في كتابي أوراق في تاريخ التأمين في العراق: نظرات انتقائية (منشورات شركة التأمين الوطنية 2011) ويمكن قراءته باستخدام هذا الرابط:

https://www.academia.edu/4261042/History_of_Insurance_in_Iraq_Selected_Perspectives_-_by_Misbah_Kamal

 

وكتبت أيضاً: “إن توفر الوقت لقراءة هذه المقالة ستكتشف بعض الأسئلة التي تنتظر الجواب ومنها: نفاذ قانون السيكورتاه أو توقف العمل به، معرفة أمثلة حقيقية عن تطبيق القانون في المحاكم العراقية للفصل في النزاعات بين المؤمن لهم وشركات التأمين بافتراض وجود مثل هذه الأمثلة وغيرها.  في ظني أن لديك معلومات ضافية، تاريخية وقانونية، حول خلفيات هذا القانون ومصائره.”

 

رسالة الأستاذ بهاء هذه أغنت الكتابة عن هذا القانون بما هو جديد في التطور القانوني. آمل أن يكون هذا القانون موضوعاً لبحث أكاديمي لنتعلم منه شيئاً عن تاريخ النشاط التأميني في العراق ضمن معطيات التطور الاقتصادي للعراق في أوائل القرن العشرين الذي جاء القانون كاستجابة له. (مصباح كمال)

[2] أتمنى أن يقوم أحد القراء المهتمين بتوفير الاسم الكامل للمؤلف، وعنوان الكتاب، وتاريخ نشره، إتماماً للفائدة العلمية ومساعدة الباحثين في الموضوع. (م.ك.)

Absence of Insurance in the USAID Governance Strengthening Project

غياب التأمين في مشروع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لتعزيز الحوكمة

 

 

مصباح كمال

 

 

نشرت نسخة أولية من هذه الورقة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

مصباح كمال *: غياب التأمين في مشروع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لتعزيز الحوكمة

 

(1)

 

نشرت شبكة الاقتصاديين العراقيين (دليل توزيع الأدوار والمسؤوليات بين (المحافظين ومدراء الدوائر))، المُعد من قبل مشروع تعزيز الحوكمة المموَّل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.[1] وكانت الوكالة قد أحالت عقد إعداد هذا الدليل على شركة كيمونكس الدوليةChemonics International وهي شركة أمريكية مقرها في واشنطن ولها عقود عديدة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وكانت بعض العقود التي نفذتها موضعاً لانتقاد دائرة المفتش العام للوكالة ذاتها.[2]

 

يستحق هذا التع45ليق الدراسة من قبل المختصين بالحكومات (الإدارات) المحلية خاصة وأنه ليس معروفاً إن ساهمت أية جهة عراقية في استقصاء الأوضاع المحلية أو كتابة الدليل.

 

(2)

 

يغطي الدليل (211 صفحة)

 

  • توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع الصحة.
  • توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع التعليم.
  • توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع الإسكان والإعمار.
  • توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع البلديات.

 

وهناك خيط مشترك في جميع هذه الفصول يضم الوظائف الفنية والتخصصية، والوظائف الإدارية والمالية، والوظائف القانونية. ويأتي العرض من خلال تبويب المقترحات في جداول كل منها يضم حقلاً لوصف الوظيفة، وحقلاً للصلاحيات المقترحة لمدير كل دائرة، وحقلاً للصلاحيات المقترحة للمحافظ. لا يضم الدليل مدخلاً عاماً لعرض خلفية الدليل، والفترة التي تم فيها إعداده، والأفكار والتطبيقات العملية المعتمدة، إلا أن بعض فصول الدليل تشير إلى خلفيات قانونية مع شيء من التعليق من باب التقديم.

 

(3)

 

تصفّحتُ هذا الدليل على عجل بهدف الاطلاع على محتوياته والتحري عن حضور التأمين في الصلاحيات المقترحة لمدراء الدوائر في المحافظات أو الصلاحيات المقترحة للمحافظين. لا يرد في الدليل أي ذكر للتأمين بمعناه الاصطلاحي رغم أن المحافظات لها ممتلكات مختلفة وتتولى إدارتها ويمكن أن تتعرض لأضرار مادية أو مسؤوليات قانونية تجاه مستعمليها أو المستفيدين منها أو غيرها من أطراف ثالثة.

 

سأركز فيما يلي، باختصار وكمثل، على بعض ما ورد في توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات المقترحة بين المحافظ ومدراء الدوائر لقطاع الصحة، فيما يخص غياب التأمين تحديداً.

 

(4)

 

يرد في الصفحة (8) بشأن وظيفة “التعاقد لتنفيذ المشاريع الاستثمارية وتشييد المستشفيات وباقي المؤسسات الصحية” الصلاحيات المقترحة التالية لمدير الصحة:

 

  • صياغة عقود المشاريع الاستثمارية.
  • توقيع وتنفيذ العقود حسب تعليمات تنفيذ الموازنة.
  • اقتراح بناء المراكز الصحية وفق الضوابط المركزية المُعدة من وزارة الصحة وإنشاء مصارف الدم في المحافظات ضمن معايير وزارة الصحة وإنشاء وتهيئة مستلزمات مراكز الإسعاف الفوري وكل ما يتعلق بها من معدات ضمن معايير معتمدة وبالتنسيق مع وزارة الصحة وإنشاء مراكز تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة ومصانع الأطراف الصناعية وتوفير المستلزمات الخاصة بذلك.
  • تهيئة المتطلبات للمشاريع الصحية والتي تدخل ضمن الخطة الاستثمارية وحسب متطلبات وزارة التخطيط وإعداد المتطلبات وتخصيص قطع الأراضي وإدراج المشاريع ومن ثم وثائق المناقصة.
  • تشكيل دوائر المهندس المقيم واقتراح منْح الصلاحيات الإدارية والفنية والمالية.
  • تدقيق ومصادقة المخططات وجداول الكميات لكافة المشاريع الصحية (عدا مستشفيات 200 سرير فما فوق والمراكز التخصصية).

 

كل هذه المقترحات يمكن أن تكون موضوعاً للتأمين الهندسي. صحيح أنه يمكن للمحافظة، عند صياغة عقود المشاريع الإنشائية، أن تحوّل مسؤولية التأمين على المقاول الذي يقوم بالأعمال الإنشائية لكن ذلك لا يعفيها من مهمة الإشراف على الأعمال وضمان حسن تقدمها وغيرها من المهام التي تقع على عاتقها كرب عمل.

 

وتحت عنوان “الوظائف الفنية والتخصصية” (ص 10) يذكر الدليل الصلاحيات المقترحة لمدير عام الصحة وهي:

 

  • تحديد المخاطر وتقييمها.
  • إعداد خطة طوارئ سنوية وتحديثها.
  • تحديد الكلف المالية التقديرية لخطة الطوارئ.

 

“تحديد المخاطر وتقييمها” هي من بين الإجراءات المستخدمة في إدارة أخطار المنشآت إضافة إلى إجراءات أخرى (منع هذه المخاطر أو التقليل من فرص وقوعها أو التخفيف من آثارها. ومنها أيضاً التفكير بسبل تحويل الأعباء المالية المترتبة على تحقق هذه المخاطر من خلال صندوق مالي مخصص للطوارئ (وهو ما يشبه التأمين الذاتي) أو من خلال تحويل هذه الأعباء إلى شركات التأمين لقاء قسط تأمين معلوم.

 

خطة الطوارئ السنوية annual contingency plan وكذلك الكلف المالية التقديرية لها علاقة بالتأمين أيضاً، إن كان المراد منها هو ضمان توفير الخدمات عند تحقق مخاطر توقف العمل.

 

وسؤالي هو: لماذا لا يجد التأمين حضوراً له ضمن الصلاحيات المقترحة للمدير أو المحافظ؟

 

نجد غياب التأمين أيضاً في بالنسبة لوظيفة “إدارة الأملاك والتصرف بها” (ص 25) إذ يحدد الدليل الأدوار والمسؤوليات المقترحة لمدير هذه الدائرة كما يلي:

 

  • شطب الموجودات المفقودة والمتضررة والتالفة لأي سبب كان إذا كانت قيمتها الدفترية لا تزيد عن 5,000,000 خمسة ملايين دينار [الصلاحية المقترحة للمحافظ هي 50,000,000 مليون دينار].
  • تأجير الأبنية للمراكز الفرعية.
  • تقديم المشورة الفنية والقانونية [و] متابعة شؤون أملاك الدائرة.
  • تأجير العمال والآليات والمعدات بالأسعار السائدة.

 

جميع هذه الفقرات لها بُعدٌ تأميني: شطب الموجودات معناه خسارة تامة بالإمكان التعويض عنها إن كانت الموجودات المفقودة والمتضررة والتالفة خاضعة لحماية تأمينية. تأجير الأبنية يترتب عليه مسؤولية قبل المالك أو المستأجر يمكن أن يكون موضوعاً للتأمين كممتلكات مادية ومسؤوليات قانونية لقاء اشغال الممتلكات. وقل مثل ذلك عن تقديم المشورة الفنية والقانونية التي يمكن أن تكون موضوعاً لوثيقة التأمين من المسؤولية المهنية. وكذا الحال بالنسبة لتأجير العمال والآليات والمعدات إذ يتوجب تحديد الطرف المسؤول عن الإصابات التي قد تلحق بالعمال أو الأضرار التي تلحق بالآليات والمعدات نتيجة لحوادث غير متوقعة.

 

(5)

 

يحتل التأمين مكانة مهمة ضمن الوظائف التي تقوم بها الحكومات المحلية في البلدان المتقدمة. البعض منها تؤمن على المخاطر المادية والمسؤوليات الناشئة عن أداء وظائفها من خلال التأمين الذاتي، أي أنها لا تلجأ إلى سوق التأمين التجاري؛ أو تتعاون فيما بينها لتكوين شركة تبادلية mutual تقوم بالوظيفة التي تقدمها شركات التأمين التجاري؛ أو تلجأ إلى سوق التأمين التجاري المفتوح لتشتري منه ما تحتاجه من حماية تأمينية.

 

كان بإمكان الشركة الاستشارية التي أعدت الدليل الاستفادة من تجربة شركات التأمين التبادلية في الولايات المتحدة الأمريكية المتخصصة بالتأمين على ممتلكات الإدارات المحلية، أو تجربة بعض الدول الأوروبية.

 

كان من المستحسن إضافة إدارة الخطر والتأمين إلى الوظائف الفنية والتخصصية إلى الدليل وعرض الصلاحيات المقترحة تجاهها لكل من مدير الدائرة والمحافظ. صحيح أن إدارة، مكتملة في تنظيمها وإدارتها، كهذه ليست موجودة في أجهزة الدولة وشركات القطاع العام، والقطاع الخاص أيضاً، إلا أن إدخالها في الدليل كان سيشكل بادرة مهمة لتأسيس الإدارة المناسبة وتكون بذلك مثالاً يمكن الاحتذاء به وتطويره في المستقبل من قبل أطراف أخرى. ربما هناك طاقات كامنة في المحافظات يمكن الاستفادة منها، بعد تدريب مناسب، للعمل في إدارة الخطر والتأمين.

 

ترى هل أن غياب الوظيفة التأمينية في الدليل جاء لقناعة مُعدّي الدليل أن هذه الوظيفة ليست موضوعاً للحوكمة التي ترغب بها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية؟ أم أنه جاء نتيجة سهو؟

 

مصباح كمال

11 حزيران 2017

[1] لقراءة النص الكامل لهذا الدليل أنظر:

مشروع تعزيز الحوكمة في العراق (تقدم): دليل توزيع الأدوار والمسؤوليات بين (المحافظين ومدراء الدوائر)

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Chemonics

 

Baha Baheej Shukri: Letter on the Brokerage System & Insurance Contracting

من رسائل بهاء بهيج شكري:

رسالة حول نظام السمسرة وتطور طرق إبرام عقود التأمين

 

 

نشرت أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

من رسائل بهاء بهيج شكري: رسالة حول نظام السمسرة وتطور طرق إبرام عقود التأمين

 

 

عمان في ٢٠ حزيران ٢٠١٧

 

الأخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

أمل ان لا أثقل عليك برسائلي المتكررة، وعذري في ذلك هو أنك انت الذي تحملني على مراسلتك، بما تثيره من مسائل تتطلب المناقشة، فقد اثرت في هوامشك على رسالتي المتعلقة بنظام الوكلاء ونظام السمسرة[1] بعض المسائل المتعلقة بنظام السمسرة وتطور طرق إبرام عقود التأمين، وهي مسائل تتطلب تبادل وجهات النظر. وتوضيحا لوجهة نظري بهذا الخصوص أقول:

 

إن الشريعة الاسلامية هي من أقدم الشرائع التي ربطت بين التطور المجتمعي والتطور التشريعي، فجاء في احدى القواعد الكلية “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الازمان”، والمقصود بالأحكام هي القواعد التشريعية والعرفية وقواعد التعاملات المهنية. ففي صدر الدولة الاسلامية حيث كان عدد العقود محدودا، جرى العرف على ان يبرم العقد فيما يدعى بـ “مجلس العقد” حيث يجلس المتعاقدان وجها لوجه ويتبادلان الإيجاب والقبول. غير ان تطور المجتمع الاسلامي بعد الفتوحات الاسلامية وتعامل المسلمين مع مجتمعات غير إسلامية، أدى الى زيادة عدد العقود وتنوعها بتنوع طبيعة التعامل بين المسلمين وسواهم، فأصبح موضوع “مجلس العقد” موضوعا نظريا فقط، باستثناء عقد الزواج الذي ظَلَّ إبرامه حتى هذا اليوم مرتبطا بمجلس للعقد يتبادل فيه الطرفان الإيجاب والقبول وذلك لان الاشهار هو ركن رابع من أركان عقد الزواج ولا يتحقق الا بمجلس للعقد حيث يلتقي فيه الطرفان مع العاقد وبحضور شاهدين على الأقل. اما بقية العقود، وخصوصا تلك المتعلقة بالنشاط التجاري، فكان اغلبها يبرم بين طرفين يختلفان موطنا، فهي اما ان تتم بالمراسلة او بتوسط الوكلاء. وحيث ان هذه العقود تختلف في مسائلها التفصيلية وآثارها فقد أصبحت الحاجة ملحة لتشريع قواعد تتناول تفاصيل وآثار كل عقد من هذه العقود المستحدثة اذ لم يعد كافيا ان يوصف العقد بأركانه الثلاثة.

 

وبتقدم الزمن ونشوء النظام المصرفي واختراع الهاتف والجهاز البرقي ثم اختراع التلكس ثم الفاكس، حدثت طفرة في ممارسة التجارة الدولية الامر الذي تطلب تحديد ضوابط العقود التي تبرم بين غائبين سواء اكانا متحدين موطنا او مختلفين موطنا، فجاءت القوانين المدنية التي شرعت بعد ذلك، كالقانون المصري والسوري والعراقي والاردني واللبناني، التي حلت محل الشريعة الاسلامية، بالضوابط الخاصة بهذا النوع من العقود، فنصت المادة (٨٨) من القانون المدني العراقي على ان “يعتبر التعاقد بالتلفون او بأية طريقة مماثلة قد تم بين حاضرين فيما يتعلق بالزمان وبين غائبين فيما يتعلق بالمكان” فمن حيث الزمان يعتبر العقد مبرما من لحظة استلام الموجب بواسطة وسيلة التخابر قبول الطرف الاخر، ومن حيث المكان، فان اتحد الطرفان موطنا خضع العقد لقانون موطنهما اما اذا اختلفا موطنا خضع العقد لقانون بلد إبرامه او بلد تنفيذه ما لم يتفق الطرفان على خضوعه لقانون اجنبي.

 

ولم يقف التطور عند هذا الحد، فقد تم اختراع ما يعرف بالعقل الالكتروني “الكومبيوتر”، فنشأت بعد وضعه موضع الاستعمال تجارة جديدةً أطلق عليها “التجارة الالكترونية “Electronic Trade”، وباستخدام هذا النوع من التجارة أصبح بإمكان الشخص وهو جالس في كرسيه بمواجهة شاشة الكومبيوتر ان يمارس مختلف انواع النشاط التجاري وان يدفع ويقبض ويربح ويخسر دون ان يغادر كرسيه. ولإعطاء الصبغة الشرعية للعقود الالكترونية شرع العديد من القوانين، نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر قانون المعاملات الالكترونية الأردني رقم (٨٢) لسنة ٢٠٠١ وقانون تنظيم التوقيع الالكتروني المصري رقم (١٥) لسنة ٢٠٠٤ وقانون التجارة الالكترونية البحريني لسنة ٢٠٠٤ وقانون المعاملات والتجارة لإمارة دبي لسنة ٢٠٠٢ وقانون المعاملات والتجارة التونسي ٢٠٠٥.

 

لذلك فإن ما سبق وذكرته في أحد هوامشك بان البعض من عقود التأمين يبرم في الوقت الحاضر بالهاتف أو الفاكس او الكومبيوتر، هو امر اعتيادي ازاء هذا التطور المجتمعي، علما بان نظام السمسرة المطبق في السوق الانجليزي والأمريكي لم يفرض بموجب قانون، لذلك يجوز لأي طالب تأمين ان يسند خطره بشكل مباشر الى المؤمن الذي يختاره او ان يبرم العقد بواسطة الهاتف او الكومبيوتر، ولا يخرج عن هذا الجواز سوى مؤسسة اللويدز.

 

وإذا انتقلنا من التعميم الى التخصيص، وتناولنا عقد التأمين بالبحث، فعلى الرغم من ان التأمين البحري قد مورس بشكله المتطور من قبل اللومبارد في شمال إيطاليا في أواسط القرن الرابع عشر الميلادي ونقل بواسطتهم الى المملكة المتحدة، الا انه لم يمارس في البلاد العربية الا في أواسط القرن التاسع عشر. وكانت هذه البلاد عبارة عن ولايات تابعة للدولة العثمانية وقد ابتدأت ممارسته من قبل الوكلاء التجاريين لشركات التأمين الاجنبية. وحيث ان عقد التأمين لم يكن من ضمن العقود المسماة في الشريعة الاسلامية وحيث انه من عقود الغرر، فقد جوبه برفض قاطع من قبل ففقهاء المذاهب السنية الأربعة وافتي بتحريمه بحجة انه عقد قمار محرم شرعا وعقد ربوي يتضمن اكل مال الغير بالباطل. وكان من نتيجة هذه الفتاوى ان أحجم اصحاب رؤوس الأموال العرب عن استثمار اموالهم في تأسيس شركات تأمين الامر الذي أدى الى بقاء وكلاء الشركات الاجنبية هم وحدهم الجهة التي تسيطر على أسواق التأمين العربية حتى بعد ان انفصلت هذه الولايات عن الدولة العثمانية لتصبح دولا مستقلة صوريا ولم تؤسس فيها شركات تأمين عربية الا في النصف الثاني من القرن العشرين، فكان هذا هو السبب الذي جعل المشرعين العرب يركزون على وكلاء التأمين في قوانين الرقابة على اعمال التأمين التي شرعت خلال النصف الاول من القرن العشرين، فالزموهم بالحصول على ترخيص من سلطة الرقابة كي يتمكنوا من ممارسة نشاطهم وبشرط ان يودع الوكيل في المصرف الذي تعينه السلطة المذكورة وديعة مالية معينة عن كل فرع من فروع التأمين التي أجيز بممارستها، ولم أرَ في تلك القوانين المذكورة اي ذكر للوسيط “السمسار”. ولم يطرأ اي تغيير على هذا الوضع في العراق حتى بعد تأسيس شركة التأمين الوطنية وشركات التأمين الخاصة في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي اذ بقي وكيل الانتاج، حتى عند تشريع قانون شركات ووكلاء التأمين لسنة ١٩٦٠، هو فارس الميدان في عملية تسويق عقود التأمين وازداد دوره اهميةً بعد تصفية وكالات التأمين الاجنبية بموجب قانون التأميم.

 

وفي أواخر القرن العشرين ظهر اسم وسيط التأمين الى جانب اسم وكيل التأمين في القانون الأردني لمراقبة اعمال التأمين رقم (٣٠) لسنة ١٩٨٤ غير ان التعريف الذي أورده المشرع الاردني لوسيط التأمين لم يبرز صفة عمل الوسيط بما يميزه عن وكيل التأمين حيث ورد التعريف بان الوسيط “هو الشخص الذي يعمل وسيطا بين المؤمن والمؤمن له” ولم يختلف التعريف المنصوص عليه في قانون تنظيم اعمال التأمين الاردني رقم (٣٣) لسنة ١٩٩٩ الذي حل محل القانون رقم (٣٠) لسنة ١٩٨٤ اذ جاء بأن الوسيط “هو الشخص المرخص من الهيئة لممارسة اعمال الوساطة بين المؤمن والمؤمن له”. وعندما اقتبس المشرع العراقي نصوص القانون الاردني لم يشر الى وسيط التأمين. لهذا فان ديوان التأمين العراقي له الحق في ان يتردد في منح الوسيط الأجنبي رخصة ممارسة العمل في العراق لجهالة طبيعة هذا العمل ولعدم ورود ذكر لوسيط التأمين في القانون العراقي، علما بأننا نعتقد ان هذا الوسيط الأجنبي هو وسيط اعادة تأمين “سمسار اعادة تأمين” وليس وسيط تأمين مباشر.

 

ولم يتضح ان المقصود بالوسيط هو “السمسار” الذي هو “وسيط إسناد” وليس “وسيط انتاج” الا عند تشريع قانون التأمين السوري الصادر بموجب المرسوم التشريعي رقم (٤٣) لسنة ٢٠٠٥ حيث جاء تعريف الوسيط بانه “الشخص المخول من قبل طالب التأمين لقاء اجر للتباحث مع شركة التأمين وإتمام عقد التأمين نيابة عنة”. ونعتقد ان المقصود بعبارة “إتمام عقد التأمين” هو معاونة طالب التأمين في اختيار الغطاء والشروط التي تتلاءم مع متطلبات التغطية المطلوبة.

 

وسواء اتضح مدلول وسيط التأمين ام لم يتضح، فان أسواق التأمين العربية، فيما عدا ما يتعلق بإعادة التأمين، لا تتعامل بنظام السمسرة، وان اتفاقيات وساطة التأمين التي اشرت لها في هامش البحث اما انها تتعلق بسمسرة اعادة التأمين او انها مجرد حبر على ورق، وإذا كنت تعرف اي سوق عربي يتعامل بنظام سمسرة التأمين المباشر، أرجو ان تدلني عليه لأصحح معلوماتي.

 

اما بخصوص سمسرة اعادة التأمين، فاني اتفق معك بان بعض شركات السمسرة الانجليزية قد تمت تصفيتها، ولكن السبب في ذلك لم يكن لجوء شركات التأمين المباشر لممارسة التجارة الإليكترونية لإسناد محافظ أخطارها، بل السبب في رأي، هو ان الذهنية التأمينية في بداية القرن العشرين كانت ضعيفة جدا في الدول العربية ودوّل العالم الثالث، كما ان الخبرة الفنية لدى اجهزة شركات التأمين تكاد ان تكون منعدمة في ذلك الوقت، لهذا لم يكن امام هذه الشركات الا اللجوء لسماسرة اعادة التأمين لإسناد اخطار محافظها، ولكن بعد ان اتسعت الذهنية التأمينية في أواخر القرن العشرين وزادت خبرة الأجهزة الفنية للشركات نتيجة التطور المجتمعي الذي بانت بوادره بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حمل بعض هذه الشركات على القيام بإسناد اخطار محافظها لشركات اعادة التأمين المتخصصة مباشرة، وابرز مثال على ذلك هو شركة التأمين الوطنية التي قطعت علاقتها بشركة سمسرة اعادة وباشرت الاسناد المباشر لشركات اعادة التأمين المتخصصة، فإحجام الشركات العربية وشركات العالم الثالث عن الاستعانة بالخبرات الاجنبية هو سبب ظاهرة تصفية شركات السمسرة.

 

هذا ما أردت مناقشته وأرجو المعذرة إذا كنت قد أتعبتك بهذا السرد الطويل.

 

وتقبل خالص التقدير.

 

بهاء

 

[1] نشرت هذه الرسالة تحت عنوان “رسالة حول نظام الوكلاء ونظام المنتجين في التأمين” في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/05/رسالة-بهاء-بهيج-شكري-إلى-مصباح-كمال-20-أيار-2017-نظام-الوكالات-والمنتج….pdf

 

آمل أن يتقدم المهتمون بنظم توزيع المنتجات التأمينية، من خلال الوكلاء أو السماسرة، بمناقشة الأفكار الواردة في هذه الرسائل خاصة وأن هناك تداخلاً بين القانون المنظم لعمل الوكلاء والسماسرة ونشاطهم في أرض الواقع. وأنا من الذين يميلون إلى اعتبار القوانين التنظيمية، وبشكل عام، انعكاساً للواقع المعاش بضمنه الأفكار، الإيديولوجيات، الاقتصادية المهيمنة. وكما قلت في دراسة سابقة حول “قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه) العثماني: دراسة تمهيدية” فإن القانون هو بمثابة “الوسيلة لتدوين الممارسات الجيدة القائمة والتخلص من الممارسات السيئة.”

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2011/04/ottoman-insurance-law-1905.html

(مصباح كمال)

 

Insuring Cyber Risks

التأمين على الأخطار السِيبرانية

 

 

مصباح كمال

 

 

من باب التقديم: القرصنة الإلكترونية في العراق؟

 

كنت قد أرسلت قبل فترة بعض الأوراق الخاصة بتأمين الأخطار الإلكترونية (السيبرانية) إلى أحد زملائي من ممارسي التأمين في بغداد للتعريف بهذه الأخطار والتنبيه إلى قيام شركات التأمين العراقية الاهتمام بها والتمهيد لتغطيتها. وكان رأي زميلي أن مثل هذه الأخطار قليلة أو معدومة في العراق لكنني اختلفت معه بهذا الشأن، فأرسلت له خبراً نشرته شفق نيوز بتاريخ 30 أيار 2017 تحت عنوان “قراصنة يخترقون الامن الوطني ويتركون رسالة بعنوان “الاستهتار””[1] للتأكيد على وجود أشكال من الأخطار السيبرانية في العراق.

 

وقد نقلتُ له رأياً يقول إنه حتى لو كان الكمبيوتر المحمول أو الهاتف النقّال غير متصل بالإنترنت، وهما في الغالب يحملان معلومات شخصية وحساسة، فإن احتمال ضياعه أو سرقته يظلُّ قائماً، وبالتالي خسارة المعلومات أو التلاعب بها من قبل من سرقها. إن أي جهاز إلكتروني – سواء كان ذلك جهاز كمبيوتر، خادم إلكتروني، نظام تحكم، نظام أمن إلكتروني، أو هاتف نقّال – إذا كان مثل هذا الجهاز متصلاً بالإنترنت أو بشبكة من أجهزة الكومبيوتر والبرمجيات، فإن التجربة تدلّ على إمكانية الوصول إليه من الخارج، أي من غير صاحبه، أو اختراقه. والمعروف أن جميع الشركات، وكذلك الحكومات، تقريباً لديها معلومات حسّاسة أو تستخدم أدوات تتصل من خلالها بشبكة داخلية أو خارجية أو الإنترنت. مع أخذ هذا الواقع بعين الاعتبار، فإن جميع الشركات هي تحت رحمة المعلومات والتكنولوجيا التي يستخدمونها. إزاء هذا الوضع فإن وظيفة التأمين السيبراني cyber insurance هي حماية الأعمال التجارية والحكومية وغيرها، عند فقدان المعلومات أو سرقتها أو تلفها أو تعرّضها للقرصنة والابتزاز بالتعويض المالي عنها.

 

بعد قليل من النقاش اقتنع صاحبي بصحة رأي.

 

وها نحن نقرأ المزيد عن القرصنة الإلكترونية في العراق، فقد نشرت السومرية نيوز/بغداد الخبر التالي:

 

“تعرض موقعان إلكترونيان رسميان لوزارة الشباب والرياضة ووزارة البلديات، الجمعة، لاختراق أدى الى توقفه وظهور عبارات كتبها المخترق. … وتوعد “الهاكر” بتنفيذ عمليات اختراق لمواقع رسمية أخرى، حيث كتب على موقع إحدى الوزارتين عبارة “سوف تكون هذه البداية”.

 

وكان الموقع الإلكتروني الرسمي لجهاز الأمن الوطني العراقي قد تعرض، الثلاثاء الماضي، لاختراق أدى الى توقفه وظهور عبارات كتبها المخترق انتقد فيها “المحاصصة والفساد” و”التعيينات التي لا تمت بصلة للجهاز.”

 

وأعلن جهاز الامن الوطني، أمس الخميس، عن اعتقال الشخص الذي اخترق موقعه الالكتروني بعد اقل من 24 ساعة من قيامه بعملية الاختراق.”[2]

 

مثل هذه العمليات تبدو الآن غير خطيرة، بسبب طبيعتها غير المالية وغير الابتزازية، لكنها تنبئ بوجود قدرات كامنة يمكن أن يستغلها ذوي النوايا الإجرامية للابتزاز المالي للشركات والدوائر الرسمية وغيرها. وأرى لذلك أن تقوم جمعية التأمين العراقية برصد مثل هذه العمليات لتكوين قاعدة بيانات أولية عن عددها وطبيعتها وآثارها المادية وغير المادية (التأثير على الإنتاج، وعلى تقديم الخدمات، والانتقاص من السمعة وغيرها)، والاستفادة من تجارب أسواق التأمين الأخرى، والإعداد لتأمين الأخطار السيبرانية.

 

تعرض هذه الورقة موقف التأمين من بعض جوانب الأخطار السيبرانية والتعريف بها، وقد كتبت معظمها قبل شهرين أو أكثر.

 

الوثيقة التقليدية لتأمين الأجهزة والمعدات الكهربائية والإلكترونية

 

لو تفحَّصنا أي كتاب منهجي في التأمين صدر قبل بضع سنوات لما عثرنا فيه على ذكر للأخطار الإلكترونية (الأخطار السيبرانية) والتأمين من آثارها.

 

لكن التأمين على المعدات الإلكترونية كان معروفاً وتميل الشركات الغربية إلى شرائه، وكانت النماذج التقليدية لوثيقة التأمين تغطى الخسائر والأضرار المادية العرضية والمفاجئة التي تلحق بالأجهزة والمعدات الإلكترونية أو الكهربائية كالحاسبات الآلية وأجهزة معالجة البيانات الإلكترونية والأجهزة الطبية ومعدات الاتصالات والمعدات الملاحية والميكروفيلم ووسائل حفظ وتخزين المعلومات للبيانات الرقمية والمعلومات المُخزَّنة، شاملةً تكلفة إعادة المعالجة واستعادة المعلومات المفقودة وإعادة تخزين أو نقل المعلومات التي كانت موجودة على وسائل الحفظ والتخزين والتي تُفقد من جراء الحادث والناتجة عن الحريق والانفجار والقصور في الدورة الكهربائية.

 

وكانت الوثيقة التقليدية تُوسع لتشمل، إضافة للبيانات الرقمية المخزَّنة، زيادة تكلفة التشغيل، أي النفقات الإضافية المترتبة على تكلفة استئجار أو استخدام أجهزة إلكترونية بديلة لمعالجة البيانات، ورسوم النقل للموظفين خارج الموقع المعتاد للعمل بسبب حادث، بالإضافة إلى نفقات الإقامة بعيداً عن قاعدتهم، والعمل الليلي أو العمل في أيام العطل.

 

نشوء الأخطار الجديدة والاستجابة التأمينية لها

 

ومع التقدم التكنولوجي الهائل والسريع ظهرت أخطار جديدة تكاد أن تكون غير منظورة تخلق في مجموعها بيئة تتصف بغياب الأمان. على سبيل المثل، الانتهاكات breaches التي تحصل بسبب المخاطر السيبرانية ومنها إهمال الموظفين وضعف تقنية السيطرة على المعلومات، اختراقات القراصنة (hackers هاكرز) للمنظومة الإلكترونية، البرمجيات الخبيثة malware، أجهزة الكمبيوتر المسروقة أو المفقودة لمستخدمي الشركة، ورسائل البريد الإلكتروني المرسلة بالخطأ. ويمكن إضافة التالي:

 

1- سرقة المعلومات الشخصية للأفراد، والمعلومات السرّية للشركات، كأرقام بطاقات الدفع الإلكتروني، وأرقام حسابات العملاء في البنوك وفي الشركات وغيرها.

 

2- انتهاك حرمة الحياة الخاصة، أو ارتكاب جرائم السبّ والقذف والسرقة والنصب، أو الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، أو استخدام المعلومات المسروقة لأغراض المنافسة غير المشروعة، أو تقليد العلامات والأسماء التجارية.

 

3- الاستيلاء على المواقع الالكترونية بالكامل مما يؤدى إلى تعطيل العمل أو تباطئه، واقتران ذلك بالابتزاز (طلب الفدية) من الشركات صاحبة هذه المواقع. وهذه تعرف باسم القرصنة للحصول على الفدية ransomware attacks حيث يلجأ القراصنة إلى تشفير البيانات بحيث لا يمكن الوصول إليها إلا بعد تسديد فدية.

 

هناك نمط آخر من الأخطار المرتبطة بانتشار ما يعرف بأجهزة إنترنت الأشياء the internet of things والخدمات المرتبطة بها التي يمكن أن تتعرض لتحكم القراصنة في أنظمة القيادة ذاتية التحكم في السيارات والأجهزة الطبية والمصانع وغيرها، وهذه النظم تزداد انتشاراً.

 

يمكن التغلب على هذه الانتهاكات أو التقليل من آثارها باعتماد وسائل معينة كتشفير البيانات أو التغيير المستمر للأرقام السرية أو اسم الدخول للموقع.

 

إلا أن اتباع وتطبيق وسائل إدارة الخطر ربما لن تكون كافية وفعّالة في القضاء نهائياً على هذه الانتهاكات وما يترتب عليها من آثار. هناك إذاً فجوة في الحماية الأمر الذي استدعى اللجوء إلى الحماية التأمينية ضد هذه المخاطر.

 

وقد اتخذت الحماية شكل إضافة ملحق لتوسيع غطاء وثائق التأمين التقليدية أو الاكتتاب بوثائق تأمين متخصصة بالأخطار الإلكترونية: وثيقة التأمين ضد أخطار القرصنة الإلكترونية للتعويض عن آثار التسلل إلى انظمة الكمبيوتر بهدف استنساخها أو تخريبها. فالتسلل يؤدي إلى أضرار مادية بالغة للشركة المغطاة بالتأمين، مع قيام فرصة للقراصنة لاستخدام النظام الالكتروني للشركة لإلحاق الاذى بالغير مما يُرتب مسؤولية مدنية للشركة تجاه الغير. الغطاء التأميني الشائع يحمي المؤمن له من مخاطر القرصنة بكل أنواعها بما فيها الفيروسات أو سرقة المعلومات أو تدمير قاعدة البيانات لأغراض إجرامية أو تخريبية. وتحاول شركات التأمين الاستجابة لتحدي أكبر وهو سرقة حقوق الملكية الفكرية والابتكارات، وسرقة المخترعات قيد الإنجاز. وهذا ما يُذكّر بالتجسس الصناعي التقليدي.

 

تحديات

 

وتواجه شركات التأمين تحدياً لما يُعرف بالمخاطر السيبرانية “الصامتة” “silent” cyber risk، أو الالتزامات التأمينية التي يمكن أن تنشأ عن وثائق تأمين (للممتلكات أو المسؤولية المهنية أو المسؤولية المدنية وغيرها) تنطوي على تغطيات واسعة صُممت لغرض مختلفٍ تماماً لا علاقة لها أصلاً بمثل هذه المخاطر. ولذلك يتعيّن على شركات التأمين التعرّف على وتقييم مثل هذه المسؤوليات الدفينة.

 

من التحديات الأخرى المرتبطة بتطور التأمين على المخاطر السيبرانية هو غياب نموذج قياسي لوثيقة التأمين يمكن أن تكون بمثابة الوثيقة المرجعية الأساسية ومن ثم تخضع للتعديل والتوسيع في نطاق التغطية التي توفرها. إن غياب مثل هذا النموذج يحمل معه أفخاخاً للمؤمن له المرتقب فهو لا يعرف إن كان قسط التأمين الذي يدفعه عادلاً أو أن غطاء التأمين كافياً أو أن لغة وثيقة التأمين ذات طابع يقيني لما هو مشمول أو مستثنى من غطاء التأمين.

 

وهناك التطور والتعقيد المستمر في وسائل القرصنة.

 

الحاجة للغطاء التأميني[3]

 

إن الشركات التجارية والصناعية وغيرها، وبغض النظر عن حجمها، صارت تعتمد على بنية تحتية تتمثل بتكنولوجيا المعلومات information technology وبدرجات متفاوتة بين تنظيم وآخر. إزاء هذا الوضع فإنها قد تتعرض لمخاطر عديدة من بينها توقف الأعمال، وخسارة الدخل، وإدارة الضرر وما يتطلبه من إصلاح، وربما التعرّض أيضاً إلى تضرر سمعتها reputational damage في حالة فشل أو توقف معدات أو أنظمة تكنولوجيا المعلومات لأسباب فنية أو أسباب خارجية.

 

وفي حين أن وثائق التأمين على الممتلكات، أو توقف الأعمال أو المسؤولية المهنية قد توفر تغطية محدودة ضد المخاطر السيبرانية، فإن الشركات بدأت وعلى نحو متزايد تُقْدِمُ على شراء وثائق التأمين السيبراني المتخصصة لاستكمال ترتيبات التأمين القائمة، وخاصة في الحالات التالية على سبيل المثل:

 

  • إذا كانت الشركة تحتفظ بمعلومات حسّاسة خاصة بالعملاء: الأسماء والعناوين أو المعلومات المصرفية الخاصة بهم.
  • تعتمد بشكل كبير على أنظمة تكنولوجيا المعلومات ومواقع في الإنترنت لتسيير أعمالها.
  • تتعامل مع معلومات بطاقة الدفع الإلكتروني للعملاء كجزء من نظام البيع أو تقديم الخدمة.الغطاء الأساسي لوثيقة تأمين المخاطر السيبرانيةيغطي التأمين السيبراني الخسائر المتعلقة بتضرر أو فقدان المعلومات من أنظمة وشبكات تكنولوجيا المعلومات. وتشمل أيضاً تقديم مساعدة للمؤمن له وإدارة آثار الحادث المُسبب للضرر أو الفقدان، وهذه المساعدة، التي يمكن أن تُقدم من خلال فنيين محترفين، تكون ضرورية عندما يواجه المؤمن له خطر تضرر السمعة أو الامتثال للوائح التنظيمية الرقابية.وتندرج المخاطر السيبرانية عموماً في فئتين: مخاطر الطرف الأول (المؤمن له) ومخاطر الطرف الثالث (المسؤولية المدنية). وهناك وثائق لتأمين أي من هاتين الفئتين أو كليهما معاً.يغطي تأمين الطرف الأول موجودات الشركة، وقد تشمل:
  • خسارة أو تضرر الموجودات الرقمية ومنها البيانات الرقمية والبرمجيات.
  • توقف الأعمال بسبب تعّطل الشبكة network downtime.
  • الابتزاز السِيبراني عندما يقوم طرف ثالث بتهديد المؤمن له بإتلاف أو إشهار البيانات الرقمية في حالة عدم دفع فدية.
  • تكاليف إخطار العملاء عندما يكون هناك شرط قانوني أو تنظيمي لإخطارهم بانتهاك الأمان أو الخصوصية.
  • تضرر السمعة الناشئة من انتهاك البيانات التي تؤدي إلى خسارة الملكية الفكرية أو خسارة العملاء.
  • سرقة النقود أو الموجودات الرقمية من خلال سرقة المعدات أو السرقة الإلكترونية.يغطي تأمين الطرف الثالث موجودات الغير وعلى وجه التحديد موجودات العملاء، وقد تشمل الآتي:
  • انتهاكات الأمان والخصوصية، والتحقيق/التحرّي، وتكاليف الدفاع والتعويض عن الأضرار المدنية المرتبطة بها.
  • مسؤولية وسائط الإعلام المتعددة، لتغطية تكاليف التحقيق والدفاع وتعويض الأضرار المدنية الناشئة عن التشهير أو انتهاك الخصوصية أو الإهمال في النشر في وسائل الإعلام الإلكترونية أو المطبوعة.
  • فقدان بيانات الطرف الثالث، بما في ذلك دفع تعويضات للعملاء بسبب حرمانهم من الوصول إلى أماكن عملهم، وفشل البرمجيات أو الأنظمة الإلكترونية التابعة لهم.

 

توسّع متوقع في الطلب على الحماية التأمينية

 

من المتوقع أن ينتشر التأمين على المسؤولية المدنية المترتبة على أعمال القرصنة الإلكترونية في الغرب خاصة بعد أن تمكَّن قراصنة من التسلل الى الانظمة الإلكترونية للوزارات والمؤسسات وحتى المستشفيات في دول عديدة من بينها بعض الولايات الأميركية وإسرائيل وإيران وبريطانيا حيث استولى القراصنة على برامج الانتاج والخدمات وغيرها من المعلومات السرية، وقاموا في بعض الحالات بتخريب الانظمة الالكترونية وتعطيل الإنتاج أو تقديم الخدمات.

 

ويظل موضوع التأمين على أجهزة إنترنيت الأشياء تحدياً لشركات التأمين في بحث كيفية توفير الحماية التأمينية اللازمة، وتحديد سعر مناسب لها، ووضع شروط معقولة. وتكمن الصعوبة الأساس في غياب البيانات التاريخية وإحصاءات الخسائر حول أخطار الهجمات الإلكترونية غير التقليدية على هذه الأجهزة وقلّة المعرفة المتوفرة حول الخسائر الاقتصادية والإصابات الشخصية التي قد تنجم عنها.

 

مثل هذا النوع من التأمين قد يلقى رواجاً في العالم العربي الذي يفتقر الى أنظمة متطورة تحمي الشركات والمؤسسات التجارية والحكومية ضد اختراق القراصنة لبرامجها الالكترونية، خاصة وأن الاتجاه العام هو السير في الاعتماد أكثر فأكثر على المعطيات الالكترونية بواسطة الهواتف النقالة أو الألواح والحواسيب والإنترنت من قبل الأفراد والشركات والدفع المستمر نحو ما صار يُعرف بالحكومة الإلكترونية.

 

الأخطار الإلكترونية تُصنّف على أنها من الأخطار الناشئة التي تُعقد من أجلها اللقاءات والندوات في الغرب وفي بعض البلدان العربية. وتُقدر التكلفة الإجمالية للأخطار الإلكترونية بحوالي ثمانية مليار دولار (2015) وهي في ازدياد. ويرد في البال هنا جريمة سرقة هويات ومعلومات بطاقات ائتمانية لعملاء شركة “سوني”، وهو ما كبَّدها خسائر معنوية وماديه كبيرة، بعضها صار موضوعاً للتقاضي أمام المحاكم من قبل عملاء سوني بسبب هذه الحادثة.

 

إن الطلب على تأمين الأخطار الإلكترونية يأتي في الوقت الحاضر من البنوك والمؤسسات المالية لأنها مُؤتمنة على الحسابات الشخصية للعملاء وتخشى من فقدان البيانات الخاصة بهم من هجمات القراصنة. والملاحظ أن هذا الطلب يرد ضمن وثائق التأمين من الجرائم المصرفية.

 

ملاحظة حول الوضع في أسواق التأمين العربية

 

هذا النوع من التأمين ليس منتشراً في العالم العربي إلا بحدود معينة في بعض البلدان ومنها دولة الإمارات العربية المتحدة. ولا يجد له طلباً في سوق التأمين العراقي.

 

وتجابه شركات التأمين العربية صعوبة بتغطية كل المخاطر المالية التي تترتب على مخاطر الاختراق الالكتروني، لأن هذه المخاطر غير محددة النتائج، فيما يتعلق بالتبعات المالية التي تترتب على فقد البيانات أو استغلالها من قبل القراصنة، وليس هناك خبرة تعويضية كافية عنها. ولذلك فإن التأمين لا يغطي في الوقت الحاضر خسارة الملكية الفكرية والإصابات الشخصية التي تنتج عن تحكم القراصنة في نظام التحكّم الذاتي في سيّارة إلكترونية. في حين أن جميع وثائق التأمين المتاحة حالياً تغطي تكاليف خسارة المستهلكين لمعلوماتهم الشخصية بسبب القرصنة.

 

ولأجل بناء الخبرة يمكن البدء بعرض تأمين يغطي كلفة إعادة تشغيل الموقع الإلكتروني، وتكاليف استرداد البيانات التي قد تترتب على إساءة استخدام هذه البيانات من قبل المخترق، أو ما يترتب من تعويضات على المطالبات القانونية المرفوعة من المتضررين ضد صاحب الموقع نتيجة حصول الاختراق.

 

ويتعيّن على قطاع التأمين القيام بحملات توعية لتعريف الشركات الخاصة والعامة والمؤسسات الحكومية بأهمية التأمين من الجرائم الإلكترونية. وما يساعدها بهذا الشأن هو الأخبار حول تصاعد عدد الجرائم الإلكترونية في أنحاء مختلفة من العالم.

 

على شركات التأمين أن لا تقصر عملها التوّعوي على المصارف والشركات النفطية والغازية وشركات الطيران بل التوجه إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم أيضاً، فجميعها تعتمد، وبدرجات متفاوتة، على بنية تحتية من تكنولوجيا المعلومات، مختلفة في تعقيدها.

 

تنظيم الرقابة على حوادث الاختراق وتسريب المعلومات

 

واحدة من القضايا التي تستوجب الاهتمام من الأجهزة الرقابية، كما هو الحال في قوانين بعض الدول ومنها الولايات الأمريكية، الكشف عن جميع حوادث الاختراق وتسريب البيانات. إن تقديم مثل هذه المعلومات ستساعد الشركات، ومنها شركات التأمين، على التعرّف على مدى تكرر الحوادث وتكلفة إصلاحها، مثلما تساعد أجهزة الدولة المعنية بالكشف عن مقترفي الجرائم السيبرانية.

 

إن الحماية التأمينية لن توقف أو تنهي هذه الجرائم لكنها تساهم في الكشف عن مكامن الخلل في إدارة الأخطار السيبرانية التي تتعرض لها الشركات ومختلف المؤسسات العامة والخاصة، وسبل التحوط منها أو من بعضها، وبالطبع التعويض عن الخسائر المترتبة على هذه الأخطار. آمل أن تحفز هذه الورقة ممارسي التأمين في العراق على التفكير في موضوع الأخطار السيبرانية واستباق الحلول التأمينية لها.

 

4 حزيران 2017

[1] http://www.shafaaq.com/ar/Ar_NewsReader/0523eb1d-aa10-424b-8f3b-9fc0e9fd9559

[2] http://www.alsumaria.tv/news/205781/%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A-%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%8A%D9%86/ar#

[3] اعتمدنا في كتابة هذا القسم على المعلومات المنشورة في موقع جمعية شركات التأمين البريطانية:

https://www.abi.org.uk/Insurance-and-savings/Products/Business-insurance/Cyber-risk-insurance

Baha Baheej Shukri on Insurance Agents & Producers

من رسائل بهاء بهيج شكري:

رسالة حول نظام الوكلاء ونظام المنتجين في التأمين

 

 

نشرت هذه الرسالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

 

http://iraqieconomists.net/ar/2017/05/27/%d9%85%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a8%d9%87%d8%a7%d8%a1-%d8%a8%d9%87%d9%8a%d8%ac-%d8%b4%d9%83%d8%b1%d9%8a-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85/

 

 

عمان في ٢٠ مايس ٢٠١٧

 

الأخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

كما وعدتك أعود لبحث نظام الوكلاء ونظام المنتجين على ضوء القانون المقارن. وكتمهيد للبحث يجب العودة إلى استقالة السيد عطا عبد الوهاب من شركة التأمين الوطنية احتجاجاً على قرار المؤسسة العامة للتأمين بإعادة العمل بنظام الوكلاء بعد أن كان قد اعتمد نظام المنتجين، فالسيد عطا لم يُبين في كتابه سلالة الطين[1] ماهية نظام المنتجين ولم يُبين طبيعة علاقة المنتج بالشركة، وهل انه يعمل براتب أم لقاء عمولة، وما هي الأسباب الفنية والقانونية التي جعلته يتخذ قرار اعتماد المنتجين بدلاً من الوكلاء، بل اكتفى بالقول بأن نظام المنتجين هو أكثر فائدة من نظام الوكالات للمؤمن لهم وللشركة دون أن يُبين نوع هذه الفائدة. وحيث انه ذكر في كتابه المذكور ان السيد عبد الباقي رضا الذي حلَّ محله في ادارة شركة التأمين الوطنية كان قد زاره بعد فترة من الزمن بعد استقالته من شركة التأمين الوطنية وأخبره بأنه عاد وألغى نظام الوكلاء وأحل نظام المنتجين محله، وعند سؤال السيد عبد الباقي عن ماهية نظام المنتجين الذي طبقه بدلاً من نظام الوكلاء أجاب بأنه لا يتذكر لأن الموضوع مضت عليه فترة طويلة من الزمن.[2]

 

وبالرجوع إلى موقف مجلس إدارة المؤسسة العامة التأمين، نجد أن قرارها بالعودة إلى نظام الوكلاء كان قراراً مرتجلاً لم يُبْنَ على دارسة قانونية وفنية للنظامين، بل انه في رأينا كان قراراً متحيزاً لأن رئيس المؤسسة السيد كليمان شماس كان قبل تأميم الشركات وكيلاً لشركة تأمين أجنبية[3] وبعد تصفية وكالات التأمين الأجنبية بموجب قانون التأميم تحوَّل إلى وكيل عن الشركات العراقية فمن مصلحته الشخصية العودة إلى نظام الوكلاء، فأيده جميع أعضاء المجلس دون مناقشة أو اعتراض تطبيقا لقاعدة “الناس على دين ملوكهم” علماً انهم كانوا أعضاء في مجلس إدارة شركة التأمين الوطنية عند تقديم السيد عطا عبد الوهاب اقتراحه باستبدال نظام الوكلاء بنظام المنتجين فوافقوا عليه دون اعتراض. فكان هذا التحول المفاجئ دون دراسة وتدقيق هو الذي أدى إلى استقالة السيد عطا عبد الوهاب. وهذا ما يجعلني أميل إلى الاعتقاد بأن هذا الموضوع لم ينَلْ ما يستحقه من البحث من جميع الأطراف، لا من الناحية الفنية ولا من الناحية القانونية، علما بأن نصوص قانون شركات ووكلاء التأمين الذي كان ساري المفعول حينذاك لا تختلف عن نصوص القانون المقارن بهذا الشأن والتي حصرت ممارسة أعمال الوساطة بوكيل التأمين، وأضافت إليه قوانين أخرى، صدرت بعد ذلك، شخصاً آخر وصفته بالوسيط.

 

لقد سبق لي أن بحثت موضوع وسطاء التأمين وأهمية دورهم في نظام التأمين بشكل مفصل في كتابي بحوث في التأمين الصادر عن دار الثقافة للنشر والتوزيع سنة ٢٠١٢ (صفحة ٣٠١ – ٣٢٧). وأحاول أن ألخص الموضوع بقدر تعلق الأمر بالوكلاء والوسطاء والمنتجين على ضوء التشريع العربي المقارن والتطبيق العملي في المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

 

لقد حصرت القوانين المتعلقة بتنظيم أعمال التأمين خدمات الوساطة بشخصين، كما قلت، هما وكيل التأمين وبشخص آخر أطلق عليه وسيط التأمين. فوكيل التأمين هو الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي تتوفر فيه الشروط المنصوص عليها في التعليمات الصادرة بموجب قوانين الإشراف والرقابة على تنظيم أعمال التأمين وينوب عن شركة التأمين بموجب تخويل رسمي في التوسط بينها وبين طالب التأمين في إبرام عقد التأمين. وينقسم الوكلاء إلى صنفين. الأول وكلاء إنتاج ينحصر عملهم بالتوسط بين شركة التأمين وطالب التأمين في إبرام العقد، دون أن يكون لهم حق التفاوض نيابة عن شركة التأمين، كما ليس لهم حق التدخل في تسوية طلب التعويض نيابة عنها. والصنف الثاني من الوكلاء هم وكلاء الإصدار، وهذا الصنف يكون مخولاً من قبل شركة التأمين ضمن سقف معين في سند الوكالة بالتعاقد نيابة عنها مع طالب التأمين وإصدار وثيقة التأمين موقعة من قبله وتسوية طلبات التعويض دون الرجوع إليها، ويشترط كي يمارس أي من الصنفين واجباته أن يكون مزوداً بسند وكالة مصدق يُبين حدود صلاحياته وأن يكون مجازاً بممارسة وكالة التأمين من الجهة الرقابية.

 

ولا يشترط ان يكون وكيل التأمين من أي من الصنفين خبيراً في نظام وعقد التأمين، بل يكفي أن يكون ملماً بالفواصل العامة لكل من نظام التأمين وعقوده. وقد اختلف موقف التشريع العربي من طبيعة الرابطة العقدية بين الوكيل وشركة التأمين، ففي الوقت الذي اشترطت فيه جميع قوانين تنظيم أعمال التأمين بان ينفرد الوكيل بشركة تأمين واحدة، أجاز المشرع العراقي في الفقرة الثانية من المادة (75 – أولاً) من قانون سنة ٢٠٠٥) “ان يكون الوكيل وكيلا لأكثر من مؤمن واحد.” وتنحصر العلاقة المالية بين الوكيل وشركة التأمين، بتقاضي الوكيل عمولة بنسبة يتفق عليها من قسط تأمين العقد الذي ينجح توسطه في إبرامه، باستثناء وكيل التأمين على الحياة الذي تكون عمولته عن السنة الأولى بنسبة من مبلغ التأمين. ثم تنخفض عن سنوات امتداد العقد لتصبح نسبة من قسط سنة التمديد. وفي جميع الأحوال لا يتقاضى الوكيل راتبا من شركة التأمين. وقد استقر التعامل على هذه العلاقة المالية وفقا لجميع القوانين انفة الذكر.

 

وفي التطبيق العملي في العراق، فإن جميع الوكلاء العراقيين الذين أجيزوا من قبل الجهة الرقابية هم وكلاء انتاج وليسوا وكلاء إصدار. أما وكالات الشركات الأجنبية التي كانت عاملة في العراق قبل تصفيتها بموجب قانون التأميم فقد كانت وكالات إصدار، حيث كان الوكلاء من قبل الشركات الأجنبية هم وكلاء تصدير ينوبون عنها بإبرام عقود التأمين وتسوية طلبات التعويض وتسديدها دون الرجوع إليها.

 

اما الوسيط الثاني في عملية وساطة التأمين والذي انفرد المشرع السوري واللبناني والأردني والعراقي بالنص عليه وأطلق عليه تسمية الوسيط، فهو ما يعرف في سوق التأمين الانجليزي والأمريكي وبعض الاسواق الأوربية بـ “السمسار” (Broker). فكلمة السمسار هي الترجمة القانونية واللغوية الدقيقة لكلمة (Broker). ووفق ما جاء في المعاجم اللغوية ان “السمسار” هو من يتوسط بين طرفين في إبرام عقد بينهما دون أن يكون وكيلاً رسمياً عن أي منهما، وان “السمسرة” هي عمل وساطة مشروعة وهي بموجب القانون التجاري المقارن، عملاً تجارياً مطلقاً.

 

أما لماذا فضَّل المشرع العربي أن يسمي السمسار بالوسيط دون أن يطلق عليه اسمه الحقيقي (السمسار) فذلك، وحسب رأينا الشخصي، لأن هناك حساسية لدى المتلقي العربي من كلمة سمسار لأنها تطلق من قبيل الخطأ الشائع على الشخص الذي يتوسط في الجمع بين الرجل والمرأة لعمل الفحشاء، وهذا خطأ شائع، فمثل هذا الشخص يسمى، وفق ما جاء في قواميس اللغة العربية، (قواداً) وليس (سمساراً) وعمله لا يعتبر تجارياً بل هو عمل باطل لمخالفته للآداب العامة.

 

وبالرغم مما نصت عليه بعض قوانين تنظيم أعمال التأمين، فإن نظام السمسرة غير معمول به في أسواق التأمين العربية[4] وأبرز سوقين في التعامل بنظام السمسرة هو السوق الانجليزي والسوق الامريكي، ففي هذين السوقين ليس هناك اتصالاً مباشراً بين طالب التأمين والمؤمن،[5] بل على طالب التأمين أن يعهد بطلبه إلى السمسار الذي يتولى دراسة الطلب ويحدد المؤمنين المتخصصين بمنح التغطية المطلوبة ثم ينظم ما يعرف بقسيمة السمسار (Slip) ويقوم نيابة عن طالب التأمين دون تخويل رسمي مصدق بتمرير القسيمة على المؤمنين الذين يختارهم مبتدئاً بأبرز واحد منهم فيعرض عليه الطلب ويناقشه في شروط التغطية ومقدار قسط التأمين، فيؤشر هذا المؤمن النصيب الذي يقبل تغطيته وبذيله بالحروف الأولى من توقيعه، وبذلك يعتبر هو المؤمن القائد، ثم يقوم السمسار بتمرير القسيمة على بقية المؤمنين الذين يؤشرون عليها أنصبتهم وفقا للشروط التي تم الاتفاق عليها بين السمسار والمؤمن القائد، علماً بأن التغطية في هذه الأسواق لا تنحصر بمؤمن واحد بل يشتر ك بها عدة مؤمنين.

 

ويختلف السمسار عن الوكيل في أنه خبير بجميع مفاصل نظام التأمين وعقوده، وان عمله يعود بالنفع المادي والمعنوي على كل من طالب التأمين والمؤمن، وقد وصفه أحد الباحثين الإنجليز بانه خادم لسوق التأمين، علماً بأن مؤسسة اللويدز لها مجموعة السماسرة الخاصة بها.

 

وتجب الملاحظة هنا بأن السمسار ليس منتجاً لعقود التأمين، فلا علاقة لعمله بعملية تسويق عقود التأمين، فهو لا يتوسط بين طالب التأمين والمؤمن في إبرام عقد التأمين ولا يتصل بطالبي التأمين لهذا الغرض، بل ان طالبي التأمين هم الذين يتصلون به لإسناد الخطر المطلوب التأمين منه، فالسمسار هو “وسيط إسناد” وليس “وسيط انتاج.”

وينقسم السماسرة إلى فصيلتين، الأولى تتولى التوسط في الإسناد المباشر بين طالب التأمين والمؤمن، والثانية تتولى إسناد أعمال التأمين بين المؤمن المباشر ومعيد التأمين.

 

مما تقدم يتضح ان جميع القوانين المتعلقة بتنظيم أعمال التأمين بما في ذلك قانون شركات ووكلاء التأمين [رقم 49 لسنة 1960] العراقي الذي كان نافذ المفعول قبل نشر قانون سنة ٢٠٠٥ في الجريدة الرسمية، قد حصرت التوسط في إنتاج عقود التأمين بوكيل التأمين الذي تتوفر فيه الشروط المنصوص عليها في التعليمات الصادرة بموجب القانون ويكون مخولاً بتوكيل رسمي مصدق ممنوح له من قبل الشركة التي يرتبط بها ويكون مجازاً بممارسة عملية التوسط والإنتاج من قبل السلطة الرقابية. ولا يوجد في هذه القوانين مكان لما وصف “بنظام المنتجين والمنتج”، بل ان من يمارس عمل الوساطة ممن لا تتوفر فيه شروط الوكيل المذكورة سواء أكان مرتبطاً بالكادر الوظيفي لشركة التأمين أو من خارج هذا الكادر، يعتبر وفقاً للنصوص العقابية التي تضمنتها جميع قوانين الرقابة على، وتنظيم اعمال التأمين، مرتكبا لجنحة عمدية معاقب عليها بالغرامة.

 

وبالعودة إلى أسباب استقالة السيد عطا عبد الوهاب، نقول لو أن المؤسسة العامة للتأمين كانت قد درست بالاشتراك مع السيد عطا عبد الوهاب ومشاركة السيد عبد الباقي رضا الذي كان مديراً عاما للمؤسسة، نصوص قانون شركات ووكلاء التأمين [رقم 49 لسنة 1960] بشكل معمق، لتبين لها أن نظام المنتجين لم يكن له مكان في القانون، وبنتيجة ذلك كان سيتراجع السيد عطا عبد الوهاب عن قراره باعتماد نظام المنتجين، لأنه رجل قانون قبل أن يصبح رجل تأمين. كما أن السيد عبد الباقي لم يكن يعمد إلى تطبيق نظام المنتجين عندما خلف السيد عطا عبد الوهاب في إدارة شركة التأمين الوطنية، بعد أن تبين له أن هذا النظام يتعارض مع حكم القانون.[6]

 

مع التقدير.

 

بها شكري

* الهوامش من وضع مصباح كمال. تنشر هذه الرسالة بعلم الأستاذ بهاء بهيج شكري.

 

[1] عطا عبد الوهاب، سلالة الطين (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004).

 

[2] الإشارة هنا هي لرسالة الأستاذ عبد الباقي رضا المؤرخة 1 آذار 2017. راجع النص في “من رسائل الأستاذ عبد الباقي رضا: تطورات موضوع إلغاء وكالات التأمين واستبدالها بنظام المنتجين،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/05/Letter-1-March-2017-insurance-agents-company-producers.pdf

 

[3] كان السيد كليمان شماس يعمل في وكالة السيد إدوار فرام (1905-1955) الذي كان وكيلاً لشركة يونيون الفرنسية للتأمينUNION DES ASSURANCES DE PARIS في العراق (التي عُرفت فيما بعد (1968) باسم UAP ومنذ 1985 باسم أكسا AXA). ويمتد تاريخ وكالته إلى ثلاثينيات القرن العشرين. أنظر: مصباح كمال “وكالات التأمين في العراق عام 1936: محاولة في التوثيق،” مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/05/1936-19-2012-1936-1936-883.html

[4] نظام السمسرة موجود في أسواق التأمين العربية، وبفضل هذا الوجود تم تأسيس رابطة وسطاء التأمين العرب في دمشق (17 حزيران 2008) تحت مظلة الاتحاد العام العربي للتأمين. وكان أعضاء أول مجلس إدارة للرابطة يضم ممثلين عن الأردن، الإمارات المتحدة، البحرين، تونس، سورية، لبنان، مصر. تضم الرابطة وسطاء التأمين من الأفراد والشركات.

 

وبالنسبة لسوق التأمين العراقي هناك، حسب البيانات الصادرة من قبل ديوان التأمين، تسع وسطاء للتأمين وإعادة التأمين بعضهم يمثلون فروعاً لشركات وساطة أجنبية. ويُشاع أن الديوان قد قام بتعليق ترخيص مزاولة اثنين أو ثلاثة من الوسطاء المسجلين لديه لعدم التزامهم بالقانون أو التعليمات المنظمة لعمل الوسطاء.

 

وينظم عمل الوسطاء بموجب تعليمات رقم 10 لسنة 2006 – إجازة وسيط التأمين وتنظيم أعماله وتحديد مسؤولياته – الصادرة من ديوان التأمين.

 

[5] رغم أن هذه الصورة ما زالت قائمة إلا أنها خضعت للتغيير بفضل التطور الكبير في تكنولوجيا المعلومات الذي خلق وسيلة جديدة لشركات التأمين للوصول إلى المؤمن لهم المرتقبين مثلما وفرَّ لهؤلاء سرعة الاتصال بشركات التأمين للحصول على المنتج التأميني وبالسعر المرغوب وخاصة في مجال التأمين على السيارات والمساكن. وقبل التوسع في استخدام الإنترنيت في الوقت الحاضر لأغراض بيع التأمين أو البحث عنه من قبل طالبيه كان هناك وما زال نظام البريد والهاتف الأرضي التقليدي ومن ثم الهاتف النقال.

 

للتعرف على بعض مظاهر تطور البيع المباشر للتأمين في الولايات المتحدة الأمريكية، أنظر:

Insurance Information Institute:

http://www.iii.org/issue-update/buying-insurance-evolving-distribution-channels

 

من الملاحظ تقلص عدد وسطاء التأمين وإعادة التأمين في أسواق التأمين الأوروبية ومنها سوق التأمين البريطاني التي شهدت اختفاء ما يقرب من 7,000 شركة وساطة، صغيرة وكبيرة سواء تلك التي تعمل مع شركات التأمين أو تلك المعتمدة من سوق لويدز في لندن، منذ ثمانينيات القرن الماضي بحيث أن من بقي منها يقدر بما يقرب من 3,000 شركة، وهبوط العدد ما زال مستمراً. وقد جاء هذا التقلص نتيجة لعدة أسباب، ومنها: نزوع شركات الوساطة الكبيرة إلى استبعاد الشركات المنافسة من سوق التأمين من خلال عمليات الاستحواذ والاندماج، للحفاظ على حصتها من الأعمال في السوق وهامش أرباحها. ومنها أيضاً دخول شركات الوساطة الأمريكية الكبيرة إلى سوق لندن، منذ أوائل الثمانينيات، من خلال هذه العمليات، للتعامل مع شركات التأمين العاملة في سوق لندن London Market وسوق لويدز Lloyd’s مباشرة بدلاً من المرور من خلال وسطاء سوق لندن. (كان ما يقرب من 25% من الأعمال التي تكتتب بها النقابات الاكتتابية في سوق لويدز صادرة من الولايات المتحدة). وساهم تطور تكنولوجيا المعلومات في تقليص عدد شركات الوساطة لأن هذه التكنولوجيا قد خلقت قناة جديدة لتوزيع المنتج التأميني.

[6] من رأي أن العقلانية الاقتصادية كانت المحرك الأساس في تبني نظام المنتجين ذلك أن تأميم شركات التأمين قد قضى على المنافسة الذي يستدعي دوراً لوسطاء التأمين في المفاضلة بين شركة وأخرى وبين منتج تأميني لهذه الشركة أو تلك، وفي تقديم خدمة استشارية مهنية للعملاء. وعلى أي حال فإن الموضوع يستحق المزيد من الدرس من خلال الكشف عن الدراسات والمذكرات التي كتبت بشأنه آنذاك.

Notes on Insurance in the Monetary & Fiscal Context

ملاحظات أولية لعرض التأمين في السياق النقدي والمالي

 

على هامش كتاب لهب عطا عبد الوهاب:

سرعة تداول النقود بين النظرية الاقتصادية والتطبيق العملي[1]

 

 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

مصباح كمال : ملاحظات أولية لعرض التأمين في السياق النقدي والمالي

 

 

[1]    مقدمة

 

هذا كتاب مهم في موضوعه، سرعة تداول النقود، قدمه المؤلف بأستاذية ونأمل، أن ينتبه إليه المختصون. هو ليس كتاباً في التأمين لكنه يضم إشارات سريعة عابرة للتأمين في بعض المواضع سنقوم بإبرازها في هذه الورقة بقدر ما تسمح به إمكانياتنا في فهم الظواهر الاقتصادية المالية والنقدية منها بشكل خاص. هذه الورقة ليست معنية بسرعة تداول النقود ولذلك فهو لا يشكل موضوعاً للتعليق لكننا سنستفيد من بعض نصوص الكتاب والمفاهيم الواردة فيها لعرض بعض جوانب التأمين مع الإشارة، قدر الإمكان، إلى واقع النشاط التأميني في العراق.

 

لولا هذا الكتاب الذي أهداه المؤلف لي لما بادرت إلى كتابة هذه الورقة لوضع التأمين ارتباطاً بالنظام النقدي والمالي. فله أجزل الشكر على هديته الكريمة وعلى توفير فرصة الكتابة عن جوانب من النشاط التأميني.

 

لتوفير السياق المناسب لتعليقاتنا سنقتبس نصوصاً طويلة من الكتاب، لإظهار ورود إشارة للتأمين فيها، وفي هذا فائدة أيضاً لمن لا يتوفر على نسخة من الكتاب.

 

تضم محاولتنا عرض الموضوعات التالية:

 

  • هل هناك علاقة بين كلفة الاحتفاظ بالنقد وشراء التأمين؟
  • تخفيض الضرائب والطلب على التأمين
  • التأمين كمؤسسة مالية وسيطة غير مصرفية
  • ضيق نطاق الأسواق النقدية والمالية واستثمار شركات التأمين
  • السوق النقدية المنظمة، الوعي المصرفي/الوعي التأميني، النضج المالي/النضج التأميني

 

[2]   هل هناك علاقة بين كلفة الاحتفاظ بالنقد وشراء التأمين؟

 

التغيرات في معدلات الفائدة وأثرها على التأمين

تحت عنوان العوامل التي تؤثر على كلفة الاحتفاظ بالنقد تناول المؤلف (1) التغيرات التي تطرأ على معدلات الفائدة و (2) التغيرات التي تطرأ على المستوى العام للأسعار.

 

(1) التغيرات التي تطرأ على معدلات الفائدة

إن ارتفاع معدلات الفائدة على الموجودات البديلة للنقود (كالودائع الزمنية والسندات الحكومية) ستدفع بالأفراد نحو الاقتصاد في أرصدتهم النقدية لتكلفة الفرصة opportunity cost المرتفعة للاحتفاظ بالنقود (والتي لا تدر عائداً مقارنة بعوائد الموجودات غير النقدية). ومن هنا ميل الأفراد إلى تخفيض أرصدتهم النقدية بدلاً من تفضيل السيولة، الأمر الي سيفضي إلى ارتفاع في سرعة تداول النقود. (ص 28)

 

لا يرد في هذا النص أي ذكر للتأمين لكننا اقتبسناه لإبراز مدى تأثير معدلات الفائدة على بعض جوانب التأمين. لا نظن أن ارتفاع معدلات الفائدة سيخلق ميلاً لدى الأفراد لتخفيض أرصدتهم النقدية وإنفاقها، أو بعض منها، على شراء وثائق التأمين كموجودات بديلة للنقود، باستثناء بعض أشكال التأمين على الحياة. فشركات التأمين المتخصصة بأعمال التأمين على الحياة تطرح للبيع وثائق تأمين ادخارية (وهي غير الشهادات الادخارية، أوعية استثمارية تطرحها البنوك، إذ أن وثائق التأمين الادخارية تغطي خطر وفاة صاحب وثيقة التأمين) لجذب عملاء جدد. فمن آثار ارتفاع معدلات الفائدة الضغط على شركات التأمين على الحياة لطرح منتجات جديدة بعوائد استثمارية أعلى تتناسب مع هذا الارتفاع في محاولة لجذب الأفراد لشراء وثائق التأمين كبديل أو مكمل للاستثمار في الشهادات الادخارية. وكذلك العمل على تخفيض أقساط التأمين بفضل ارتفاع العوائد الاستثمارية، ويأتي هذا مقترناً بحالة التنافس بين الشركات للإبقاء على عملائهم وجذب الجدد منهم.

والمعروف أن ارتفاع معدلات الفائدة يُحسّن من العوائد الاستثمارية على وثائق التأمين على الحياة، ومن هنا ربما الميل لاقتناء وثائق التأمين على الحياة إذ أن معدل الفائدة على هذه الوثائق تراكمي ويحتسب على أساس مبلغ التأمين وليس القسط المسدد. فعند حلول أجل الوثيقة أو وفاة صاحبها فإن شركة التأمين تسدد له أو لورثته مبلغ التأمين إضافة إلى الفائدة على هذا المبلغ.

 

ويساهم ارتفاع معدلات الفائدة إيجابياً في تحسين ربحية شركات التأمين على الحياة وغير الحياة (ما يعرف بالتأمينات العامة) من خلال العوائد على الأرصدة المستثمرة.

 

مقابل ذلك فإن انخفاض معدلات الفائدة، كما هو حاصل في الاقتصادات الغربية منذ عدة سنوات، يؤثر سلباً على العوائد الاستثمارية وربحية شركات التأمين وصناديق التقاعد. وتتفق الدراسات المختصة على استمرار النظرة المستقبلية السلبية لغالبية أسواق التأمين على الحياة على الصعيد العالمي.[2]

 

التغيرات في المستوى العام للأسعار وأثرها على التأمين

 

(2) التغيرات التي تطرأ على المستوى العام للأسعار

إن الارتفاع في المستوى العام للأسعار وتوقع الجمهور استمراراً في ارتفاعه مستقبلاً بحيث أن الأخير يمكن أن ينظر إليه باعتباره نذيراً لتضخم متوقع – هو عامل مهم يمكن أن يؤثر على سرعة تداول النقود على المدى القصير والطويل معاً – من خلال تأثيره على “كلفة الاحتفاظ بالنقود”، إذ أن ارتفاع الأسعار سيعني انخفاضاً في القيمة الحقيقية للقوة الشرائية للنقود الأمر الذي سيدفع الأفراد نحو شراء السلع الآن (بدلاً من تفضيل السيولة). (ص 28-29)

 

الملاحظ أن الانخفاض في القيمة الحقيقية للقوة الشرائية للنقود تدفع الأفراد نحو شراء السلع بدلاً من الاحتفاظ بالنقود. المنتج التأميني هو سلعة بمعنى ما ينطوي عليه من منافع (التعويض عند حصول ضرر أو خسارة) يحصل عليها حامله لإشباع حاجاته (التحوط من الأخطار المحيطة به والتخفيف من عدم التأكد بما يخبئه المستقبل). ليس لدينا دراسة تفيد في شرح العلاقة بين انخفاض القوة الشرائية للنقود (التضخم) والإقبال على شراء المنتجات التأمينية. إن هذا الإقبال، لو كان قائماً حقاً، فإنه يساهم، إلى حدٍ ما، في الحدِّ من الضغوط التضخمية الناشئة من وفرة (زيادة) كمية النقود في التداول العام، وذلك لأن الإقبال على شراء الحماية التأمينية يعمل على حجز أرصدة نقدية ربما كانت ستنفق على شراء سلع مادية وخدمات أخرى.

 

إن الانخفاض في القوة الشرائية للنقود، من المنظور التأميني، يترجم نفسه في زيادة كلفة شراء حماية إعادة التأمين من الخارج (بسبب تدني سعر صرف العملة الوطنية)، وإلى خسارة أو هبوط في قيمة موجودات شركات التأمين، وكذلك هبوط قيمة وثائق التأمين على الحياة (مدخرات المؤمن لهم) وتآكل قيمة الأموال المادية المؤمن عليها وما ينشأ عنها من اختلاف في تسوية مطالبات تعويض الأضرار المادية بسبب التباين في مبالغ التأمين عند ابتداء التأمين وعند تسوية المطالبة.

 

الادخار الفردي لأغراض التقاعد، وخاصة في الاقتصادات الغربية، هو الآخر يتأثر سلبياً من انخفاض القوة الشرائية للنقود إذ يظل هاجس انخفاض معدلات الفائدة في المستقبل وقت بلوغ مرحلة التقاعد عاملاً مؤرقاً للعاملين والعاملات، خاصة مع التحول من نظام التقاعد على أساس المنفعة المحددة defined benefit إلى نظام الاشتراكات defined contribution والاعتماد على الأسواق المالية (أي الاعتماد على أداء استثمارات صناديق التقاعد) في توفير المعاشات التقاعدية.[3]

 

وقد لوحظ في سنوات الحصار الاقتصادي على العراق (2003-1990) هبوط قيمة موجودات شركات التأمين، وخشيةً من استمرار هذا الهبوط بادرت شركات التأمين إلى تحويل جزء[4] من الأرصدة النقدية المتراكمة لديها لشراء الأصول العينية كالعقارات. وقد كتبنا التالي بشأن هذا الموضوع في دراسة سابقة[5] نقتبس منه ما يلي:

 

أدت العمليات العسكرية والعقوبات الاقتصادية وتوسع النظام في طبع النقود الورقية إلى إضعاف قيمة الدينار العراقي. وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن التضخم المفرط أدى إلى تدهور قيمة رأسمال شركات القطاع واحتياطياتها بحيث جعلها مكشوفة للإفلاس إن هي تعرضت لخسائر كبيرة لا تقوى على التعويض عنها اعتماداً على مواردها الذاتية وتلك التي توفرها شركة إعادة التأمين العراقية.[6] لذلك لجأ القطاع مبكراً إلى استبدال الأصول النقدية الآيلة إلى الهبوط الحاد في قيمتها إلى أصول مادية من خلال الاستثمار في العقارات لميل أقيامها إلى الزيادة. ليست هناك معلومات دقيقة موثقة منشورة عن هذا الأمر، ولا على القيود القانونية على الأرصدة النقدية التي يجب على شركات التأمين الاحتفاظ بها في جميع الحالات للوفاء بالالتزامات تجاه حملة وثائق التأمين، ونسبة الاستثمارات العينية وما يمكن استثماره في أسهم الشركات التجارية وغيرها.

 

حسب المعلومات المتوفرة لدينا فإن المحفظة الاستثمارية للشركات الحكومية الثلاث (شركة التأمين الوطنية، شركة التأمين العراقية وشركة إعادة التأمين العراقية) تضم الفقرات التالية وبنسب متباينة: عقارات، أوراق مالية حكومية وغير حكومية، إيداعات في البنوك، قروض مضمونة (وأخرى غير مضمونة)، أسهم وودائع داخل وخارج العراق. والمعروف عن الشركات الثلاث أنها تمتلك مباني عديدة بعضها مستخدمة كمقرات لها والبعض الآخر مؤجر للغير.

[3]   تخفيض الضرائب والطلب على التأمين

 

يتناول المؤلف في المبحث الثاني من المحور الرابع في الكتاب (ص 108-114) وسائل السلطات النقدية في التأثير على سرعة تداول النقود، ويحصر هذه الوسائل بالآتي: زيادة الانفاق الحكومي، تخفيض الضرائب، إعادة تسديد الدين العام، تخفيض معدلات الفائدة، الاقناع الأدبي والدعاية، إزالة القيود على الشراء بالأقساط، توفر “السلع المغرية، والزيادة في تكرار المدفوعات.

 

تناولنا تأثير معدلات الفائدة في الفقرات الأولى من هذه الورقة، وسنحصر التعليق هنا بتخفيض الضرائب. وبهذا الشأن، ودائماً ضمن موضوع سرعة تداول النقود، يقول المؤلف:

 

إن أي تخفيض في الضرائب المباشرة – دون أن يرافقها تخفيض مماثل في الانفاق العام – ستعمل على رفع القوة الشرائية لأفراد المجتمع… كما أن تخفيضاً في الضرائب غير المباشرة، حيث سيغري الانخفاض في الأسعار الأفراد إلى الشراء والانفاق. على سبيل المثال، قيام الدولة بتخفيض ضريبة المشتريات (على السيارات مثلاً) الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة الطلب عليها. (ص 111)

 

لا توجد ضرائب على إصدار وثائق التأمين في العراق، كما هو الحال في العديد من البلدان الأوروبية.[7] هناك فقط، في الوقت الحاضر، جباية لرسم الطابع، بنسب مختلفة، على وثائق التأمين على الحياة والحوادث الشخصية، والتأمين البحري، والتأمين غير البحري.

فرض الضريبة أو زيادتها على وثائق التأمين قد تدفع باتجاه التقليل من الطلب على شراء الحماية التأمينية، مثلما قد يؤدي إلغاء الضريبة أو التقليل من نسبتها إلى زيادة الإقبال على الانفاق على الحماية التأمينية. ما لم يكن شراء التأمين إلزامياً فإن زيادة الضريبة على وثائق التأمين تؤثر سلبياً على شراء التأمين وقد يدفع باتجاه التهرب والتغاضي عن التأمين. بالطبع، هناك عوامل عديدة تؤثر على شراء الحماية التأمينية والضريبة المفروضة عليها هي واحدة منها إلى جانب حجم الدخل النقدي المتوفر لدى الأفراد، وتأصل أعراف التدبر تجاه ما يخبئه المستقبل، وترجيحات تكلفة الفرصة opportunity cost وغيرها.

وتتمتع وثائق التأمين على الحياة بمعاملة تفضيلية من قبل دوائر الضريبة، فالمبالغ التي تدفع للمستفيدين من وثيقة التأمين، مثلاً، لا تخضع غالباً للضريبة.

 

وبالنسبة لشركات التأمين فإن أقساط التأمين المكتسبة تخضع للضريبة (صافي الأرباح الاكتتابية)، وكذلك عوائد الاستثمار، ونتائج الأعمال السنوية. وهناك رسوم أخرى تدفع لديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية وغيرها، وهي مصدر شكوى البعض.[8]

 

[4]   التأمين كمؤسسة مالية وسيطة غير مصرفية

 

يكتب المؤلف تحت عنوان ثانوي، التطورات المؤسسية في الأسواق النقدية، ما يلي:

 

ويُشار بهذا الصدد إلى النمو الواسع والمضطرد في “المؤسسات المالية الوسيطة غير المصرفية* Nonbank Financial Intermediaries في الاقتصادات الصناعية من منتصف الخمسينات كأحد العوامل التي أضعفت من فاعلية السلطات المركزية في السيطرة على المعروض النقدي لما تتمتع به من مطلوبات هذه المؤسسات من سيولة عالية بحيث “أتاحت للجمهور” منفذاً جديداً وفعالاً للاقتصاد بأرصدته النقدية إذ بدلاً من الاحتفاظ بأرصدتهم النقدية عاطلة يمكن للجمهور من تحويلها إلى الالتزامات التي تصدرها هذه المؤسسات (ودائع الادخار، حصة في مؤسسات الادخار والإقراض، بوالص التأمين … الخ) والتي تدر عائداً كبيراً من ناحية كما يمكن قلبها إلى نقد بسهولة وبأدنى كلفة أو خسارة ممكنة من ناحية أخرى. (ص 121)

 

* ويذكر في هامش بأن أهم المؤسسات الوسيطة غير المصرفية “مؤسسات الادخار thrift institutions مثال ذلك بنوك الادخار، مؤسسات الادخار والإقراض بالإضافة إلى اتحادات الائتمان وشركات التأمين، والتي تعمل “كوسيط” في نقل الأرصدة النقدية من المقرضين النهائيين (الدائنين النهائيين) إلى المقترضين النهائيين.

 

تُصنف شركات التأمين والصناديق التقاعدية والتبادلية وغيرها كمؤسسات مالية وسيطة غير مصرفية. سنحصر تعليقنا فيما يلي بشركات التأمين. لقد شهدت العقود الأخيرة قبل الألفية الثانية قيام شركات إعادة التأمين الكبرى ووسطاء التأمين في المراكز العالمية للتأمين، كسوق لندن وبرمودا، ابتكار وتطوير أدوات بديلة لتحويل الأخطار alternative risk transfer (ART) خارج الأنماط التقليدية لآليات التأمين. وقد أنصبَّتْ هذه الأدوات على التعامل مع الأخطار الكبيرة ذات الطبيعة الكارثية، كالزلازل والفيضانات والمسؤوليات القانونية كتلك المرتبطة بالأسبستوس التي تعود أصولها إلى ما قبل النصف الثاني من القن العشرين، التي ولَّدت خسائر لشركات التأمين تقدر بعدة مليارات في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. لم يكن ابتداع الوسائل لتمويل الخطر risk financing ضمن الآليات التقليدية كافية، كخيارات تجزئة مبالغ الأخطار الكبيرة المؤمنة إلى شرائح layered options وغيرها لتسهيل تغطيتها بأسعار اقتصادية معقولة. وهكذا نشأ التحول نحو الاستفادة من سوق رأس المال (استخدام السندات bonds لتغطية الخسائر المترتبة على الكوارث، وخيارات البيع المستقبلية futures/put options) والتوريق الذي بدأ في سبعينيات القرن الماضي[9] securitization وغيرها.[10]

 

وعلى مستوى الأفراد كانت جمعيات بناء المساكن تمارس دورها في تقديم القروض لشراء دور السكن ثم بدأت في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، في بريطانيا، بتقديم خدمات مصرفية للأفراد. واستمر التداخل بين العمل المصرفي والتأميني حتى أن المصارف أخذت تمارس نشاطاً تأمينياً bancasssurance (بدأ في فرنسا في ثمانينيات القرن الماضي وانتشر في أوروبا وخارجها). وبذلك أصبحت البنوك قنوات توزيعية مهمة للمنتجات التأمينية، مثلما أخذ بعض البنوك بممارسة التأمين المباشر والبعض الآخر أسس كيانات لوساطة التأمين خاصة بها. وقد شهدت بعض البلدان العربية تبني نموذج التأمين عبر المصارف.

 

ويذكر المؤلف، فيما يخدم أطروحته في سرعة تداول النقود، الميل المتزايد لدى “الجمهور” لتحويل الأرصدة النقدية إلى المؤسسات غير المصرفية لقاء الالتزامات التي تقدمها (ودائع الادخار، حصة في مؤسسات الادخار والإقراض، بوالص التأمين … الخ). (ص 121). ما يعنينا هنا هو الإشارة إلى وضع بوالص التأمين بين هذه الالتزامات التي “تدر عائداً كبيراً من ناحية كما يمكن قلبها إلى نقد بسهولة وبأدنى كلفة أو خسارة ممكنة من ناحية أخرى.” إقحام بوالص التأمين هنا ربما أنصبَّ على بعض وثائق التأمين على الحياة التي تتضمن عنصراً ادخارياً مرتبطاً أيضاً بالأرباح التي تحققها شركة التأمين على استثماراتها لصندوق أقساط التأمين، وكذلك صندوق التقاعد الفردي المربوط بأرباح الشركة. وخلاف ذلك فإن وثائق التأمين لا تدر العوائد لحَمَلتها

 

أما موضوع قلب بوالص التأمين إلى نقد بسهولة وبأدنى كلفة ممكنة، فهو يحتاج إلى تكييف بسبب وجود ضوابط على هذا القلب، أي إلغاء بوالص التأمين، إذ أن ما يحصل عليه حامل البوليصة من قسط التأمين الذي سدده ابتداءً أو على دفعات لا يعادل هذا القسط بالكامل ذلك لأن شركة التأمين تتكبد مصاريف إدارية في الاكتتاب وفي إصدار بوليصة التأمين، كما أنها تكون مسؤولة عن تعويض حامل البوليصة عن الضرر أو الخسارة المُبلَّغ عنها قبل تاريخ قيامه بإشعار شركة التأمين بالإلغاء. ومن المعروف أن معظم بوالص التأمين تُطبق ما يُعرف بجدول المدة القصيرة Short Rate Cancellation Table.

 

[5]      ضيق نطاق الأسواق النقدية والمالية واستثمارات شركات التأمين

 

تحت هذا العنوان الثانوي يذكر المؤلف أن هذه الأسواق في البلدان النامية تتميز “بالضيق والذي يرجع إلى قلّة التعامل بالأوراق التجارية، وقلة ما يصدر من أذونات الخزينة، واقتصار الأسواق المنظمة فيها أساساً على البنوك التجارية …” ويلاحظ بالنسبة لسوق رأس المال “محدودية البائعين والمشترين – مما يفيد انخفاض حجم المبادلات – غياب المتعاملين الذين يتحملون مخاطر تقلبات القيمة الرأسمالية للسندات.” ويلاحظ المؤلف أيضاً “أن أكثر من 80% من السندات [الحكومية] القابلة للتداول في الأسواق يحوزها البنك المركزي والبنوك التجارية وشركات التأمين …”[11] [التأكيد من عندي]

 

ما الذي يدفع شركات التأمين لحيازة السندات الحكومية؟ أولاً، عنصر الضمانة العالي لهذه السندات. وثانياً، سهولة بيعها في أسواق المال للحصول على السيولة النقدية المطلوبة لتعويض المطالبات الكبيرة عندما تكون الموارد النقدية داخل الشركة غير كافية. ويمكن وضع الموضوع في إطار القيود المفروضة على السياسة الاستثمارية لشركات التأمين. وقد كتبنا في دراسة سابقة عن:

 

“التقلبات في نتائج الأعمال نتيجة لخبرة الخسارة المتغيرة. وهذا يتطلب من شركة التأمين الإبقاء على احتياطات كبيرة زيادة عن احتياطاتها الفنية، إذ أن الأموال المتجمعة لديها يمكن أن تكون عرضة للنضوب خلال فترة زمنية قصيرة بسبب المطالبات بالتعويض (بعد كارثة مثلا). يقتضي مثل هذا الواقع من شركة التأمين الإبقاء على أموالها في حالة سيولة معقولة: كأن تكون بهيئة ودائع مصرفية قابلة للسحب الفوري أو سندات قصيرة الآجل يمكن تسييلها دون التعرض لخسارة كبيرة.

 

هناك بالطبع اعتبارات عديدة حول المفاضلة بين الأصول المالية القابلة للتسويق. فالمعروف أن الإبقاء على الأصول بهيئة نقد لا يوفر عائداً لشركة التأمين. كما أن الاستثمار في السندات الحكومية يكون مردوده محدوداً. مقابل ذلك فإن الاستثمار في الأسهم يمكن أن يوفر مكاسب رأسمالية capital gains لا تخضع للضريبة إلا عند تحقق هذه المكاسب. مثل هذا الاستثمار ينطوي على المخاطر التي تطرأ على سوق الأسهم، وهي ضمن قابلية التسويق الفوري تعتبر غير مناسبة لشركة التأمين. ولهذا فإن بعض شركات التأمين تميل إلى تنويع محافظها الاستثمارية كي تستطيع مواجهة التعويضات والحصول على عوائد معقولة.

 

ومن القيود التي تفرض نفسها على الاستثمار إمكانية انخفاض دخل أقساط التأمين. إن تقلص حجم الأعمال المكتتبة، لأي سبب كان، يعني أن التدفق النقدي لشركة التأمين لن يكون كافياً لبناء الاحتياطيات والاستثمار.

 

هناك القواعد الرقابية الانضباطية التي تفرض على شركات التأمين الإبقاء على هامش معين للملاءة المالية.[12] وهذا يعني إخضاع أصول الشركة لقواعد التقييم الرقابية كوضع حد أو سقف للأصول المالية التي يمكن للشركة أن تحتفظ بها والتي تتعرض لتقلبات كبيرة كالأسهم والسندات الطويلة الأجل والأصول العينية دون الإضرار بالسيولة النقدية للشركة كي تستطيع تسديد التعويضات في أوانها.

 

إضافة إلى ذلك يتوجب على شركة التأمين أن تأخذ بنظر الاعتبار النمو المتوقع في حجم الأعمال. فالتباطؤ في معدل النمو قد يؤدي إلى نتائج سلبية على التدفق النقدي. مقابل ذلك فإن المعدلات العالية في نمو حجم الأعمال لها مشاكلها الخاصة فقد تؤدي إلى مشاكل في تمويل الاحتياطيات الفنية (التي يجب تأسيسها) وكذلك زيادة هامش الملاءة المالية.

 

كما أن شركة التأمين قد تواجه عدم توفر حماية إعادة التأمين لأسباب عديدة: عدم توفر الطاقة الاستيعابية للمحافظ الاكتتابية للشركة، انسحاب شركات إعادة التأمين من الاكتتاب في بلد معين بسبب عدم الاستقرار …إلخ.

 

إن المحافظ الاستثمارية لشركات التأمين ليست متجانسة بسبب طبيعة الأعمال التي تكتتب بها. فالعقود التي تكتتبها شركات التأمينات العامة ذات آجال قصيرة، وعادة تمتد لسنة واحدة، في حين أن عقود شركات التأمين على الحياة قد تمتد لعدة عقود. وبفضل القدرات الاكتوارية المتوفرة لها تستطيع التنبؤ بحجم المسؤوليات التعاقدية التي تترتب على أعمالها بدقة أكبر من شركات التأمينات العامة، وبالتالي تستطيع توظيف احتياطياتها في أدوات مالية ذات أجل أطول.”[13]

 

[6]   السوق النقدية المنظمة، الوعي المصرفي/الوعي التأميني، النضج المالي/النضج التأميني

 

السوق النقدية المنظمة وغير المنظمة وموقع التأمين فيها

يُميّز المؤلف بين السوق النقدية المنظمة والسوق النقدية غير المنظمة. فالسوق النقدية المنظمة تشتمل “عادة على البنك المركزي والمصارف التجارية والمؤسسات المالية الأخرى مثل شركات التأمين.” وهذه تخضع لقوانين تحكم نشاطها من حيث التأسيس، وحجم رأس المال المطلوب، ورخصة مزاولة العمل ومؤهلات العاملين وغيرها. في حين أن السوق النقدية غير المنظمة “غير متجانسة، حيث تضم المرابين والتجار وأصحاب المتاجر، الأصدقاء والأقرباء، ملاك الأراضي، والذين يخرجون عن نطاق التحكم والرقابة المباشرة للبنك المركزي.” (ص 127-128).

 

ويلاحظ أن السوق غير المنظمة، على العموم وعلى شاكلة اقتصاد الظل أو السوق السوداء، تكاد أن تكون غير موجودة في قطاع التأمين[14] نظراً لطبيعة “السلعة” التأمينية غير المنظورة (وعد مستقبلي بالتعويض عن خسارة أو ضرر مادي قد يحصل أو لا يحصل في المستقبل)، وطبيعة الإنتاج التأميني الذي يوصف بأنه قلب أو عكس دورة الإنتاج inversion of the production cycle، فشركات التأمين تبيع منتجاتها وتستلم قسط التأمين عنها مقدماً قبل فترة من إنتاج السلعة المتمثل بتسوية وتسديد المطالبة بالتعويض. وبهذه الصفة فإن السلعة التأمينية ليست ذات جاذبية في السوق غير المنظمة، إذ أن الأنشطة غير المشروعة تقوم على البيع والربح والاستهلاك الاني وليس الانتظار للانتفاع من موضوعها في المستقبل.

 

الوعي المصرفي/الوعي التأميني

يقدم المؤلف عرضاً عن الوعي المصرفي ينطبق برأينا على قطاع التأمين فهو يقول:

 

إن النظام المصرفي في اقتصاد ما ينمو عندما تتأصل العادة المصرفية أو الوعي المصرفي في نفوس الأفراد وعندما تنتشر المؤسسات المصرفية في شتى ربوع البلاد في الاقتصادات التي يوجد فيها قطاع خاص “وأن ما يراد بالوعي المصرفي” هو زيادة ميل الأفراد الى التعامل مع البنوك بفتح حسابات إيداع مختلفة …” (ص 129-130)

 

وبتطبيق معطيات هذا العرض يمكن القول إن نظام التأمين يأخذ بالنمو عندما تتأصل العادة التأمينية أو الوعي التأميني، بعيداً عن القيم العشائرية (كالتسوية العشائرية لحوادث السيارات الذي بدأ في عهد الدكتاتورية وما يزال مستمراً)؛ وعندما تنتشر شركات التأمين وفروعها والوكالات والمنتجين في ربوع البلاد؛ وأن ما يراد بالوعي التأميني هو زيادة ميل الأفراد إلى التعامل مع شركات التأمين بشراء وثائق التأمين منها. والصورة الأخرى لهذا الوعي التأميني هي عادة التدبر للمستقبل.

 

هذا التطابق بين الوعي المصرفي والتأميني لا يستنفد مكونات الوعي التأميني، وبالأحرى الثقافة التأمينية. وقد كتبت في مكان آخر[15] ملاحظات بهذا الشأن يمكن أن تكون نواة لدراسة موسعة:

 

“يرُجِع البعض تدني الوعي التأميني إلى الحرب العراقية الإيرانية (1988-1980) والغزو العراقي للكويت (1990) وما تبعه من تحرير الكويت، والغزو الأمريكي للعراق (2003). ويمكن أن نضيف إليها سنوات العقوبات الدولية (2003-1990) التي ساهمت بشكل مباشر في تآكل دخل المواطنين وإفقارهم بحيث صار شراء الحماية التأمينية ترفاً لا يقدر عليه إلا قلة منهم. لكن هذه الإحالة لم تقترن بدراسة موثقة تجمع بين السبب والنتيجة إذ أنها وردت في سياق مقابلات صحفية سريعة، وغالباً ما يتركز التعليل على مقارنة بين الوضع القائم وما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي. لا تتوفر لدينا الإحصائيات لقياس مستوى الوعي التأميني في تطوره التاريخي فهذه مهمة بحثية تقع خارج إمكانياتنا الحالية.

 

يتعين علينا أن نتذكر بأن التأمين سلعة غير منظورة، هو وعدٌ بتعويض المؤمن له في المستقبل إن تعرَّض هو أو أسرته أو أمواله إلى ضرر. معظم الناس لا يستشعرون الحاجة لمثل هذا الوعد دونكم توفر القدرة المالية لديهم على شراء هذا الوعد. هم أكثر قناعة، بفعل الموروث الديني، وبقراءة سلبية له، بالقبول بالقضاء والقدر: “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.” (سورة التوبة، الآية 51)

 

ديوان التأمين مُلزم بقوة القانون للقيام بدوره في مجال زيادة الوعي التأميني. فقد جاء في المادة 6-البند 4 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 أن الديوان يهدف إلى:

 

تنظيم قطاع التامين والاشراف عليه بما يكفل تطويره وتامين سوق مفتوح وشفاف وامن ماليا، وتعزيز دور صناعة التامين في ضمان الاشخاص والممتلكات ضد المخاطر لحماية الاقتصاد الوطني ولتجميع المدخرات الوطنية وتنميتها واستثمارها لدعم التنمية الاقتصادية، وله في سبيل ذلك القيام بالمهام الاتية:

 

زيادة الوعي التأميني وإجراء الدراسات والبحوث التأمينية وطباعتها.

 

المعلومات المتوفرة لا تدل على أن الديوان قد قام بتنفيذ مهمة زيادة الوعي، أو إجراء الدراسات والبحوث التأمينية، وهذه من شأنها أن توسع دائرة الاهتمام بالتأمين خارج نطاق شركات التأمين.

 

ومن رأي أن ديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية، التي تمثل شركات التأمين، ليس لديها برنامج خاص بنشر ثقافة التأمين. صحيح أن بعض الشركات تلجأ إلى الإعلان التجاري أو الاتصال ببعض الشركات والمنظمات بهدف بيع وثائق التأمين لها أو التعاون معها بهذا الشأن فيما يخص أعضاء هذه التنظيمات، إلا أن هذا الجهد ينصبُّ على التعريف بشركة التأمين وبمنتجاتها من وثائق التأمين. وهذا الجهد يقابله ما تقوم به جمعية التأمين من خلال الندوات والمحاضرات التي تنحصر فائدتها بمنظميها وبعض المشاركين فيها.

 

فقر ثقافة التأمين يعكس نفسه في ضعف وربما أحياناً غياب الحملات الإعلانية المركزة، والمتخصصين الاستشاريين في شؤون التأمين، أو المحامين المتخصصين في تفسير عقود التأمين، ومقيّمي الأصول لأغراض التأمين، والكاشفين على الأخطار المعروضة للتأمين (ومعظم هؤلاء لا يرقون في مهاراتهم الفنية إلى ما هو متوقع منهم مهنياً وبالمقارنة مع ما هو متوفر عالمياً)، والصحفيين الذين يتمتعون بمعرفة تأمينية رفيعة.

 

ويجد هذا الفقر انعكاساً له في غياب مجلة تأمينية إلكترونية أو ورقية بعد توقف مجلة (رسالة التأمين) أواخر ثمانينيات القرن الماضي. مثلما ينعكس في غياب حملات أسبوعية أو شهرية، حسب الحاجة، لترويج منتجات تأمينية محددة. (لم تقم أية شركة لتأمين بنشر المعرفة عن تأمينات الحياة من خلال حملات خاصة للتوعية. مثال ذلك شريط فيديو للتوعية بتأمينات الحياة). وكذلك إجراء مسح ميداني حول الموقف من الخطر (الخطر الطبيعي، الخطر في المسكن وفي موقع العمل)، والوسائل التي يلجأ لها الناس للتدبر ضد آثار الخطر، ومكانة التأمين ضمن هذه الوسائل … الخ.

 

ونجده أيضاً بالحضور الضعيف أو الغائب عند وقوع حوادث كبيرة، قد تكون لها تداعيات تأمينية، كاحتلال داعش للموصل، وحادث التفجير الإرهابي في الكرادة، أو حوادث تفجير/انفجار عدد من آبار النفط. كما نجده في الصمت المطبق من قطاع التأمين عند وضع مشاريع لقوانين لها آثار تأمينية على سبيل المثل، مشروع قانون شركة النفط الوطنية العراقية ومشروع قانون صندوق الإعمار والتنمية العراقي. كما أن قطاع التأمين غائب عند إعداد موازنة الحكومة. ثم أن علاقة شركات الـتأمين والجمعية والديوان بوكالات الأنباء والصحف ضعيفة ويباشرها الصحفيون. وأكاد أن أجزم أن شركات التأمين والجمعية والديوان ليس له موظف مختص لإصدار البيانات الصحفية عن شؤون عامة ذات علاقة بالتأمين، أو إطلاق منتج تأميني، أو تنظيم فعالية معينة. بعبارة أخرى، فإنها تفتقر إلى التواصل مع الجمهور، ومع الشركات الصناعية والتجارية، والدوائر الحكومية وغير الحكومية.

 

وباختصار، فإن التأمين يكاد أن يكون غائباً في الحياة العامة إلا من خلال شراء نسبة صغيرة من السكان لوثائق التأمين، وهو موضوع يستحق من يبحث فيه. ولعله من المفيد الإشارة إلى أن الوعي بمؤسسات أخرى للدولة الحديثة لا تقتصر على التأمين بل تشمل أيضاً، على سبيل المثل، ما يمكن تسميته بضعف/غياب الوعي الضريبي.”

 

النضج المالي/النضج التأميني

يرتبط الوعي المصرفي/الوعي التأميني بأطروحة أخرى للكاتب ربط فيها “سرعة التداول الداخلية للنقود في البلدان العربية” بما اسماه “درجة النضج المالي Financial Deepening لهذه الأقطار.” يقول المؤلف في ص 141 نقلاً عن د. عبد المنعم السيد علي (دور الجهاز المصرفي والبنك المركزي في تنمية الأسواق المالية في البلدان العربية، دراسات استراتيجية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، العدد 16، أبو ظبي، 1988، ص 29-30)، “إن النضج المالي لاقتصاد ما يكمن [يمكن] قياسه من خلال المؤشرات التالية:

 

  1. أن يتوافر جهاز مصرفي واسع ذو موجودات لا تقل عن عشر الثروة القومية.
  2. أن ينجز قسم كبير من الأعمال عن طريقة مشروعات أو شركات مساهمة، مع فوائد عالية على السندات من الصنف الممتاز.
  3. ألا يقل متوسط الادخار غير الموزعة مصدراً أساسياً لتمويل التوسع في المشروعات.
  4. أن تشكل الأرباح غير الموزعة مصدراً أساسياً لتمويل التوسع في المشروعات.”

 

يمكن الاستفادة من هذه المؤشرات تأمينياً لتقييم النضج المالي للاقتصاد الوطني من خلال دراسة: توفر نظام تأميني واسع بأشكال مختلفة (عامة، خاصة، تعاونية، تبادلية/تكافلية)، يقوم بالتأمين على الأصول القائمة بأنواعها والمشاريع المختلفة تحت الإنشاء والمسؤوليات القانونية والتعاقدية، ويساهم في الاستثمارات، ضمن القواعد الرقابية المكيفة لعمل شركات التأمين، ويخلق المنتجات التي تساهم في تعظيم الادخار الفردي.

 

إضافة لمثل هذا الدراسة يمكن تقييم النضج المالي، وتحديداً مساهمة التأمين فيه، من خلال مؤشرين أساسين هما التغلغل التأميني والكثافة التأمينية بالاستفادة من البيانات الخاصة بعدد السكان والناتج المحلي الإجمالي وأقساط التأمين المكتتبة. لقياس التغلغل التأميني يُنسب دخل أقساط التأمين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو مؤشر يكشف مكانة التأمين في الاقتصاد الوطني فإذا ارتفعت هذه النسبة كان ذلك دليلاً على تزايد سرعة نمو قطاع التأمين مقارنة مع سرعة نمو الاقتصاد الوطني. أما الكثافة التأمينية فهي تؤشر على ما ينفقه الفرد على شراء الحماية التأمينية ويُمثّل ذلك بنسبة إجمالي أقساط التأمين المتحققة إلى عدد السكان.

 

 

 

 

[7]   من باب الختام – دراسة التأمين ضمن عناصر النظام المالي في العراق

 

من المعروف أن النظام المالي، وخاصة في الاقتصادات المتطورة، يضم عناصر عديدة: مؤسسات مالية (مصارف ومؤسسات مالية غير مصرفية)، أسواق المال (الأسواق التي يتم فيها تداول الأوراق المالية والسلع والأصناف القابلة للاستهلاك)، الأدوات المالية (موجودات مالية قابلة للتداول بما فيها المشتقات)، الخدمات المالية (الاتحادات الائتمانية، والبنوك، وشركات بطاقات الائتمان، وشركات التأمين، وساطة الأوراق المالية، وصناديق الاستثمار)، والهياكل المالية التحتية (الأنظمة التي تسهل حركة تسديد الالتزامات الآلي أو عبر المصارف والتحويل والمقاصة). والمعروف أيضاً أن شركات التأمين تحتل مكاناً ضمن المؤسسات المالية الوسيطة غير المصرفية، مثلما تصنف ضمن الشركات التي تتعاطى بالنقود وإدارتها. وقد تعرضنا إلى موضوع التداخل بين العمل المصرفي والتأميني.

 

النظام المالي في العراق ليس متطوراً ولا يتميز بالتعقيد في الوقت الحاضر، ونتمنى أن يقوم أحد الباحثين بدراسة مكانة التأمين ضمن هذا النظام ليكشف طبيعة ما هو قائم والدور المتوقع للتأمين ضمن هذا النظام وبخاصة في مجال التداخل والتقارب بين المصارف وشركات التأمين.

 

ومن المفيد التذكير هنا بأن القطاع المصرفي بحاجة إلى الحماية التأمينية من خلال الوثيقة المصرفية الشاملة Bankers Blanket Bond وتأمين الأخطار السِيبرانية Cyber Risks الآخذة بالنفاذ في التعاملات المالية تاركة وراءها خسائر مختلفة مادية ومعنوية على المصارف وعلى مصالح العملاء. وهذا موضوع يستحق هو الآخر بحثاً مناسباً.

 

9 أيار 2017

[1] لهب عطا عبد الوهاب، سرعة تداول النفود بين النظرية الاقتصادية والتطبيق العملي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999).

[2] فيما يخص النظرة المستقبلية السلبية أنظر:

https://www.moodys.com/research/Moodys-Low-interest-rates-market-volatility-change-global-life-insurance–PR_359018

حيث يرد في توقعات وكالة التصنيف “موديز” فيما يخص مخاطر الائتمان الرئيسية لشركات التأمين على الحياة ما يلي:

“historically low interest rates will remain the primary credit risk for global life insurance companies in 2017, continuing to depress the sector’s investment returns and profitability, and being the main driver for the outlook change to negative …”

أنظر أيضاً:

https://www.theguardian.com/business/2016/oct/05/low-interest-rates-pose-solvency-risk-to-insurers-and-pension-funds

 

[3] باتريك م. ليدتكي، كي-أووي شانز، التخطيط للتقاعد: التحديات والحلول التأمينية (بيروت: منتدى المعارف، 2015). ترجمة: تيسير التريكي ومصباح كمال.

 

[4] القيود الرقابية المفروضة على شركات التأمين تستوجب احتفاظها بسيولة نقدية مناسبة لمواجهة طلبات التعويض إذ أن تسييل الأصول العينية يستغرق وقتاً في حين أن المطالبات بالتعويض تستدعي التسوية الآنية والسريعة.

 

[5] مصباح كمال، “التأمين وعقوبات الأمم المتحدة”، فصل في الكتاب الجماعي دراسات في الاقتصاد العراقي (لندن: المنتدى الاقتصادي العراقي، 2002)، ص 82.

 

[6] في موازاة ذلك فإن عقود تأمين الحياة هي الأخرى تعرضت لهبوط حاد في أقيامها، وبالتالي فإن المؤمن عليهم هم الخاسرون الحقيقيون. ولا تتوفر لدينا معلومات عن قيام شركات التأمين بإعادة تقييم مبالغ التأمين، وعدد الوفيات وما ترتب عليها من تعويضات للورثة المستحقين أو المستفيدين من عقود التأمين على الحياة.

 

[7] بدأ تطبيق نظام جباية ضريبة على وثائق التأمين في المملكة المتحدة عام 1994 بواقع 2.5% واعتباراً من 1 حزيران/يونيو 2017 ستكون الضريبة 12% وتضاف إلى قسط التأمين.

[8] سعدون مشكل الربيعي، شركات التأمين الخاصة وقطاع التأمين العراقي (مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 46. نشر ككتاب إلكتروني وهو متوفر بصيغة بي دي إف لدى كاتب الورقة لمن يرغب الحصول على نسخة منه.

[9] Securitization – new opportunities for insurers and investors, Swiss Re: sigma, No. 7/2006.

[10] Alternative Risk Financing: Changing the Face of Insurance (London: Jim Bannister Development Limited in association with Aon Group and Zurich International, 1998),

[11] لهب عطا عبد الوهاب، مصدر سابق، ص 126.

[12] بسبب طبيعة العمل الذي تقوم به شركة التأمين ـ الالتزام بالوفاء بما تعاقدت عليه مع المؤمن له لتوفير الأمان المالي له أو لورثته في المستقبل عند وقوع حادث معين تصبح الملاءة المالية للشركة مسألة في غاية الأهمية. ولذلك يلجأ المُشرّع إلى تعريفها بصرامة قد لا تنطبق على الشركات التجارية الأخرى. ولهذا لن يكتفي التشريع أن تكون أصول الشركة كافية لتغطية المسؤوليات المتعاقد عليها بل يجب أن تزيد بهامش معين، وحسب معادلات معينة عن الأقساط والتعويضات، وخلافاً لذلك فإن شركة التأمين تُجبر على تصفية أعمالها وتتوقف عن الاكتتاب بأعمال جديدة. أنظر:

Jim Bannister, Insurance Solvency Analysis (London: LLP Ltd, 1997)

 

[13] مصباح كمال، التأمين في كوردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 26-28.

 

[14] نجد أشكال أولية لنشاطات اجتماعية ذات طابع تعاوني تضم بعض عناصر التأمين، كالبر بالوالدين، و”العونه” وقت الأضرار التي تحدثها عوامل الطبيعة، وما يعرف ب”ﮔعقدة العرب”.

 

اقتصاد الظل هو اقتصاد خفي غير رسمي وغير معلن يضم الأنشطة غير المدرجة في الحسابات القومية أو غير الخاضعة للرقابة والمتهربة من الضرائب، وهي بهذه الصفة أنشطة غير مشروعة.

[15] مصباح كمال، “مقابلة حول النشاط التأميني في العراق،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/01/Interview-Al-Sabah-with-Misbah-Kamal-final.pdf

Letter from Abdulbaki Redha on Abolition of Insurance Agencies in the 1960

من رسائل الأستاذ عبد الباقي رضا

 

تطورات موضوع إلغاء وكالات التأمين واستبدالها بنظام المنتجين

 

 

تقديم

 

يسرني أن أنشر نص رسالتين من الأستاذ عبد الباقي رضا والأستاذ بهاء بهيج شكري، بعد الحصول على موافقتهما، يخص موضوع إلغاء نظام وكالات التأمين واستبداله بنظام المنتجين بعد صدور قرار تأميم شركات ووكالات التأمين في 14 تموز 1964. وقد كان هذا الموضوع مثار نقاش، وربما سوء فهم، بين أركان التأمين العراقي آنذاك لوظيفة توزيع المنتجات التأمينية والقنوات المناسبة لها. النصين المنشورين هنا يوفران خلفية أولية لمناقشة الموضوع. وأظن بأن د. مصطفى رجب سيدلو بدلوه أيضاً خاصة وأن الأستاذ عطا عبد الوهاب تعرَّض لموقف الدكتور من الوكالات ونظام المنتجين في كتابه سلالة الطين.[1]

 

آمل استلام المزيد من المعلومات عن هذا الموضوع تمهيداً لمناقشته في سياقه التاريخي. وقد ذكر لي الأستاذ بهيج في رسالة قصيرة له مؤخراً “ان الموضوع يحتاج إلى بحث أكثر تفصيلاً من النواحي القانونية والفنية والإدارية، وربما أجد الوقت لإعداد بحث كهذا في المستقبل القريب.”

 

مصباح كمال

27 آذار 2017

 

 

رسالة الأستاذ عبد الباقي رضا

 

1 آذار 2017

 

عزيزي الأخ الوفي الأستاذ مصباح

 

صباح الخير

 

توضيحاً لتطورات موضوع الوكالات[2] أروي لك الاحداث كما أتذكر. مع قرارات التأميم في 14/7/1964 تولى الأستاذ عطا عبد الوهاب إدارة التأمين الوطنية، وكان يشغل قبلها إدارة شركة بغداد للتأمين. حين صدر قرار تعيينه ضمن التعيينات الجديدة كان خارج العراق والتحق بإدارة التأمين الوطنية فور عودته واستمرت حتى 31/1/1966. واستمر الدكتور مصطفى رجب في إدارة شركة اعادة التأمين العراقية. كان لهما دور أنشط وأعلى في شؤون المؤسسة العامة للتأمين في عهد رئاسة المرحوم طالب جميل للمؤسسة لقدمهما في الخدمة وعلاقتهما الشخصية برئيس المؤسسة حيث كان بقية المدراء العامين، من أمثالي، مستجدين في مراكزهم الجديدة ويفتقرون إلى ميزة العلاقات الشخصية وتأثيرها.

 

تقرر إلغاء الوكالات بناء على دراسة مقدمة من الأستاذ عطا والدكتور مصطفى لا أتذكر اني اطلعت عليها أو عرفت مضمونها.

 

استقال المرحوم طالب جميل من رئاسة المؤسسة وبعد فترة قصيرة تولى رئاستها وكالةً الدكتور خالد الشاوي لفترة وجيزة ثم عين المرحوم كليمان شماس رئيساً أصيلاً.

 

كان تغيير وزاري قد حصل بتعيين المرحوم عبد الرحمن البزاز رئيساً للوزارة التي جاءت بسياسات مختلفة في الجانب الاقتصادي، وكان اختيار الشماس من القطاع الخاص أحد مؤشراتها فقد كان الشماس يعمل في وكالة شركة يونيون الفرنسية للتأمين[3] منذ أمد غير قصير. في اجتماع مجلس إدارة المؤسسة مساء يوم 31/1/1966، وكنت أحضره باعتباري مدير عام المؤسسة وسكرتير مجلس إدارتها، فوجئنا بطلب رئيس المؤسسة إعادة دراسة موضوع وكالات التأمين بهدف العودة إليها. خلال مناقشة الموضوع ظهر موقف الدكتور مصطفى مؤيداً لرئيس المؤسسة مما أثار غضب الأستاذ عطا. وبعد بعض الأخذ والرد تناول الأستاذ عطا ورقة وكتب استقالته وترك الاجتماع غاضباً ولم تنفع محاولات اقناعه بعدم الانسحاب. بناءً عليه قرر المجلس نقلي من المؤسسة إلى ادارة التأمين الوطنية فامتثلت للقرار وباشرت عملي الجديد في اليوم التالي مباشرة والذي امتد إلى 4/3/1978.

 

بلغني أن الدكتور مصطفى قام بزيارة إلى دار الأستاذ عطا بعد الاجتماع مباشرة لإقناعه بالعدول عن الاستقالة إلا أنه لم يفلح وأصر الأستاذ عطا على موقفه وابتعد عن أي عمل حكومي.

 

لا أتذكر الآن أية تفاصيل عن أسلوب عمل الوكالات أو المنتجين والضوابط التي تنظمه مع الأسف.

 

عوداً إلى قول الأستاذ بهاء (ان عبد الباقي هو الذي وضع القانون العراقي [قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005] بالتعاون مع الخبير الامريكي لشؤون التأمين [Mike Pekins] بالاسترشاد بالقانون الأردني)[4] أود أن أبين الآتي:

 

لم أجتمع بأي خبير أمريكي في شؤون التأمين اطلاقاً ولكني اجتمعت بمن كان متابعاً لشؤون المصارف ثم بالشخص الذي كُلّف بإعادة إحياء سوق الاوراق المالية الذي كان لي دور في إعداد قانونه ثم في تأسيسه وأشغلت عضوية مجلس إدارته كخبير منذ تشكيله في 1992 حتى إيقاف أعماله من قبل الأمريكان سنة 2003. وقد عرض عليَّ منصب (مساعد رئيس الهيئة – Assistant-Commissioner) في هيئة الأوراق المالية التي تأسست بالأمر الموقت رقم 74 لسنة 2004 فسألت عمن سيكون الـ Commissioner الذي أكون أنا مساعده فلم يعجبهم السؤال! ولم أندم على سؤالي.

 

أما قانون التأمين[5] فأتذكر أن مشروعاً عرض عليَّ يوم كان السيد عادل عبد المهدي وزيراً للمالية فكتبت عنه مذكرة طويلة، مع الأسف لم أحتفظ بالمشروع ولا بمذكرتي، وحيث تسنى لي فيما بعد الاطلاع على القانون الأردني الذي وجدته أفضل من المشروع تكلمت مع الصديق السيد عدنان الجنابي الذي كان يشغل منصب وزير دولة – على ما أتذكر- في وزارة الدكتور أياد علاوي – وهو نائب حالياً – وبيَّنتُ له أفضلية اعتماد القانون الأردني وتعريقه بما ينسجم مع متطلباتنا وصياغاتنا القانونية. نُقل هذا الرأي إلى الدكتور علاوي فقبل به وكلفني العمل عليه مع الدكتور فاضل محمد جواد الذي كان قد عين تواً مستشاراً قانونياً في مجلس الوزراء (يعمل حالياً في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية). في هذا الوقت حان موعد سفري إلى الولايات المتحدة فسلمت ما عندي إلى الدكتور فاضل ليقوم هو بالمهمة. إلى هنا انتهى دوري بالنسبة لقانون التأمين العراقي.

 

أكرر مع الاعتذار اني لا أتذكر أية تفاصيل عن نظام المنتجين فقد مضى عهد طويل على تركي إدارة الشركة.

 

أتمنى لك التوفيق في جهدك الفريد في (نبش) تاريخ قطاع التأمين واستخراج ما غاب منه من الذاكرة، ولك أطيب تحياتي.

 

عبد الباقي

 


 

ملحق 1

رسالة مصباح كمال إلى الأستاذ عبد الباقي رضا

 

أستاذي العزيز عبد الباقي

 

تحية طيبة

 

كما تلاحظ أدناه فقد تخاطبتُ مع الأستاذ بهاء بهيج شكري بشأن نظام الوكالات التأمينية ونظام المنتجين، على أثر رسالة استلمتها منه حول أسباب استقالة الأستاذ عطا عبد الوهاب من شركة التأمين الوطنية وموقف الأخير من هذين النظامين ومن د. مصطفى رجب.

 

أنا مهتم بالجانب التاريخي للموضوع والحجج الاقتصادية والفنية التي كانت وراء إلغاء نظام الوكالات واستبداله بنظام المنتجين.  وبما أن هذا الأخير ارتبط بإداراتك أرى أن تكتب ما يفيد في توضيح خلفيات الموضوع ووضعه في نصابه، كما يقال، وبذلك تملأ فراغاً في تاريخ تطور قطاع التأمين في عهدك.

 

فيما يخص موضوع وكلاء التأمين ووسطاء التأمين ووسطاء إعادة التأمين، كما يرد في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (الأمر رقم 10)، الذي أتى الأستاذ بهاء على ذكره في آخر رسالته، فإن التعليق عليه رهن باختيارك.

 

بانتظار الرد، أتمنى لك أطيب الأوقات.

 

مصباح

27 شباط 2017

 


 

ملحق 2

رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري لمصباح كمال

 

عمان 27 شباط 2017

 

الأخ مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

إذا جزء الموضوع حسب اقتراحك فإن المتبقي منه يتعلق بصحة اعتماد نظام المنتجين أو عدم صحته، وهذا موضوع مستقل لا علاقة له بعطا عبد الوهاب فقط وإنما طبقه عبد الباقي رضا أيضاً، لذا يجب أن يكون هذا البحث بحثاً مستقلاً.

 

ولا أخفى عليك فإني اعتقد أن هذا النظام يتعارض مع أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين الذي يفهم من عموم نصوصه أنه لا يجوز لأي شخص طبيعي أو شخصية اعتبارية ممارسة أي نشاط تأميني دون الحصول على ترخيص من السلط المعينة بموجب القانون، علماً بأن المقصود بالوكلاء هم ليسوا وكلاء الشركات الأجنبية بل هم الوكلاء الذين أجيزوا من قبل الديوان بالتعامل مع الشركات العراقية، كوكالة مجيد الياسين مثلاً وغيرها من الوكالات.

 

لهذا فأنا اقترح أن توجه سؤالاً إلى السيد عبد الباقي رضا باعتباره كان مديراً عاماً لشركة التأمين الوطنية، التي تبنت في زمانه نظام المنتجين، عن ماهية هذا النظام والعلاقة الوظيفية والمالية بين المنتج والشركة، وهل يخضع المنتج لشرط الحصول على رخصة ممارسة عمل الوساطة، وهل أن تبني هذا النظام يتفق مع أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين الذي حدد الوسطاء بالوكلاء (Agents) والسماسرة (Brokers) (علما بأن عبد الباقي هو الذي وضع القانون العراقي بالتعاون مع الخبير الأمريكي لشؤون التأمين بالاستشراد بالقانون الأردني). إن إجابة عبد الباقي ستكون باباً للمناقشة والبحث في كلا النظامين، الوكلاء والمنتجين، من الناحيتين القانونية والمالية.

 

هذا هو رأي، مع التقدير.

 

بهاء شكري

[1] كتب د. مصطفى رجب مؤخراً مقالاً بعنوان “حيثيات إلغاء نظام وكالات التأمين وقضايا أخرى – تعليق على ما كتبه الأستاذ عطا عبد الوهاب في كتابه (سلالة الطين) عن فترة عمله في ميدان التأمين” وهذا هو رابط مقالته في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2017/03/31/%d8%af-%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89-%d8%b1%d8%ac%d8%a8-%d8%ad%d9%8a%d8%ab%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a5%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%a1-%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85-%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7/

 

[2] أنظر رسالتي إلى الأستاذ عبد الباقي رضا حول موضوع إلغاء وكالات التأمين في الملحق 1 في نهاية هذه الورقة.

[3] كان وكيل شركة يونيون الفرنسية للتأمين L’Union de Paris (أصبحت فيما بعد جزءاً من مجموعة أكسا AXA) هو السيد إدوار فرام الذي يمتد تاريخ وكالته إلى ثلاثينيات القرن العشرين. أنظر: مصباح كمال “وكالات التأمين في العراق عام 1936: محاولة في التوثيق”، مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/05/1936-19-2012-1936-1936-883.html

[4] أنظر رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري لمصباح كمال بتاريخ 27 شباط 2017 في الملحق 2 في نهاية هذه الورقة.

[5] للتعرف على المزيد من التفاصيل أنظر: مصباح كمال، قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014).