Victims of Assassination in Iraq’s Insurance Sector & Life Insurance

ضحايا الاغتيالات في قطاع التأمين العراقي والتأمين على الحياة: محاولة في التعريف بهذا التأمين

 

 

نشرت هذه المقالة لأول مرة في مجلة الثقافة الجديدة، العدد 394، تشرين الثاني 2017

 

 

من باب التقديم

 

نشرتُ قبل فترة مقالة عن اغتيال الأطباء في العراق والتأمين من المسؤولية المهنية والقيم العشائرية.[1]  ركّزت المقالة على انزياح التأمين أمام القيم العشائرية، وتهديد واغتيال الأطباء وغياب الحماية التأمينية من المسؤولية عن الأخطاء الطبية.  لم تتناول المقالة ظاهرة الاغتيالات التي ظهرت بعد الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003.  في العهد الدكتاتوري كانت الاغتيالات تهدف إلى التخلص من المعارضين داخل حزب البعث والمعارضين خارجه، داخل العراق وخارجه.[2]  منذ 2003 تغيرت الصورة إذ تداخلت أسباب التخلص من العلماء والأكاديميين والأطباء والصحفيين وغيرهم لتتوزع بين النزعات الطائفية والانتقامية والإجرامية مع إبقاء العراق متخلفاً علمياً وكسيحاً.  لم تتوضح أسباب “مشروع الاغتيالات” حتى الوقت الحاضر رغم التحقيقات الصحفية المهمة المنشورة، فتارة هي “خيار السلفادور،”[3] وتارة هي السياسات المضمرة لدول الجوار ومنها إسرائيل، وتارة أخرى هي النَفس الطائفي الموروث لتسوية ثارات الماضي.

 

ما نتمناه هو أن يقوم أحد المؤرخين، في غياب التحقيق الحكومي الرسمي وسكوت سياسي الصدفة العراقيين وإخفائهم للمعلومات، ببحث هذه الظاهرة بموضوعية.  وليس لنا هنا سوى أن نسأل: كم سنة نحتاج لكي نحصل على عالم وطبيب ومهندس وغيرهم من أصحاب الاختصاص؟  وكم هو الهدر الاقتصادي الناتج عن اغتيال هؤلاء أو دفعهم للهجرة إلى الخارج؟  معظم هؤلاء هم من حَمَلة المعرفة ومن روافد خزين المعارف الوضعية في العراق التي يراد لها أن تجف.

 

سنحاول في هذه الورقة عرض خسارة قطاع التأمين من ضحايا الاغتيالات والقتل العمدي، ونماذج من وثائق التأمين على الحياة، المستخدمة في العراق، التي توفر مورداً مالياً لورثة الضحايا، ونعرض في ملحق التساؤل الذي يقول بأن التأمين على الحياة يحفز على القتل [قتل المؤمن عليه].

 

الأطروحة الأساسية المضمرة في هذه الورقة هي أن التأمين على الحياة أداة حضارية لتوفير مورد مالي للورثة أو ادخار لمشروع عائلي.  وهي أطروحة بانتظار من يقوم بدراستها.

 

خسارة قطاع التأمين من ضحايا الاغتيالات

 

لم تقتصر خسارة الاغتيالات والقتل على قطاع معين، وما اختيارنا لقطاع التأمين سوى معرفتنا القليلة به وجهلنا بغيرها من القطاعات.

 

لقد خسر قطاع التأمين العراقي عدداً من ممارسيه خلال فترة التهجير الأولى للكرد الفيلية، 1970-1971 بحجة التبعية الإيرانية،[4] ولم تخضع هذه الخسارة إلى التوثيق.  كما خسر أيضاً خلال فترة الاقتتال الطائفي عندما كان العراق تحت الاحتلال الأمريكي إذ صار البعض من أسرة التأمين من جملة المئات من ضحايا الاغتيالات، وانتهى غيرهم من الكفاءات في دول المهجر.[5]  ربما تعرَّض غيرهم إلى عجز كلي أو جزئي نتيجة لأعمال إرهابية أو لعمليات عسكرية.  وليس هناك معلومات إن كان هؤلاء يحملون وثائق تأمين للحوادث الشخصية التي كانت ستوفر بعض التعويض لما أصابهم.  لا نعرف أسماء كل الممارسين من ضحايا الطائفية أو القوات الأمريكية المحتلة ومرتزقتها لكننا استطعنا، بفضل مساعدة بعض الزملاء، رصد الأسماء أدناه ولعل زملاؤنا يوفرون المزيد من المعلومات عنهم وأسماء غيرهم من الضحايا:

 

  • ضرغام الغضنفري، كان مديراً للرقابة للداخلية في شركة التأمين الوطنية، قتل في 10 كانون الثاني 2008 في حادثة تفجير إرهابي في منطقة زيّونه في بغداد وهو يقدّم العزاء لأحدى العوائل.[6]
  • عبد الكاظم ابو جودت، مدير قسم التسويق، شركة التأمين الوطنية، اغتيل بعد سقوط النظام سنة 2003.  وقد جاء إلى الشركة لأسباب سياسية من خارج قطاع التأمين، لكنه كان بسيطاً في تعامله مع العاملين معه في الشركة.[7]
  • عدنان الربيعي، مدير عام شركة التأمين الوطنية، 11 أيلول 2005-21 تشرين الأول 2005 (كان يحمل شهادة ماجستير من جامعة ليدز في بريطانيا).
  • عماد الفرعون، محامي في شركة التأمين الوطنية.[8]
  • محمد حسين جعفر، مدير عام شركة التأمين الوطنية، 20 تشرين الثاني 1996-30 أيلول 2001.[9]
  • منذر حميد حسين العاني، مدير فرع تأمين السيارات في شركة التأمين الوطنية.  قُتل من قبل جنود أمريكان في الأيام الأولى من الغزو الأمريكي للعراق في آذار 2003.[10]
  • منقذ جميل روحي، عمل في شركة التأمين الوطنية، وبعدها مديراً مفوضاً لشركة الأمين للتأمين.

 

لقد ذكرنا هذه الأسماء دون أن نهتم بالبحث عن الانتماء السياسي أو الحزبي أو الديني أو القومي لأصحابها ذلك لأنهم اغتيلوا/قتلوا خارج سلطة القانون، أي اعتماداً على شريعة الغاب، وشريعة الانتقام الدينية، التي لا تبني دولة عصرية.  لا نعرف على وجه الدقة كيف صاروا ضحايا لأعمال عمدية على يد القوات الأمريكية ومرتزقتها وعلى يد ثلّة من ضحايا الأمس (ممن تعرض لعسف النظام الدكتاتوري السابق) الذين تحولوا إلى جلاّدين لتصفية الخصوم لأسباب طائفية، أو عشائرية، أو حزبية أو فكرية.  المهم هو أنهم بشر، من لحم ودم، يستحقون أن يذكروا بأسمائهم بدلاً من أن يضيعوا بين الأرقام المجردة للضحايا.

 

ربما لا يخطر على البال أن وثيقة التأمين على الحياة تدفع التعويض عند وفاة المؤمن عليه بسبب الأعمال الحربية والإرهابية للمستفيدين المحددين في وثيقة التأمين أو لورثته.  وقد حاولنا الحصول على معلومات عن ترتيب هؤلاء لوثائق للتأمين على حياتهم لكننا لم ننجح.  لو كان لهؤلاء وثائق للتأمين على حياتهم لكان بإمكان أسرهم الاستفادة من المنافع المالية التي توفرها هذه الوثائق للإبقاء على مستوى مقبول من العيش بعد فَقْد المُعيل.

 

هناك تعويض من قبل الدولة بموجب القانون رقم (20) لسنة 2009، قانون تعويض المتضررين جراء العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية،[11] إلا أن هذا القانون لا يلغي دور التعويض من خلال وثائق التأمين على الحياة وذلك لأن التعويض القانوني ربما لا يكون كافياً، ولأن التأمين على الحياة لا يتعارض مع هذا القانون.  ففي التأمين على الحياة، خلافاً لوثائق التأمين الأخرى التي تقوم على مبدأ اعادة المؤمن له الى سابق وضعه قبل تعرضه لحادث قدْر الإمكان وتحريم الاسترباح من التأمين، يمكن للمرء أن يستفيد من أكثر من وثيقة للتأمين على حياته طالما هو قادر على تسديد أقساط الوثيقتين، وهذا نابع من حُرمة الحياة وحقيقة أن استعادة الحياة (إرجاع المؤمن عليه إلى وضعه قبل الوفاة) مستحيلة.

 

الانتفاع من وثيقتين أو أكثر من وثائق التأمين على الحياة[12] ليس متيسراً لعموم الناس فالفقراء والفئات المهمشة، وهم يعدون بالملايين في العراق، غير قادرين على شراء التأمين على الحياة لأن الدخل المتوفر لديهم بالكاد يبقيهم على قيد الحياة، ناهيكم عن الجهل بمؤسسة التأمين.  وحتى التأمين المتناهي الصغر microinsurance لا يمكن له أن ينجح بدون أن يتوفر حد أدنى من الدخل للمشاركين فيه.

 

لقد كتبنا في مقالتنا “اغتيال الأطباء في العراق والتأمين من المسؤولية المهنية” أنه “ليس بإمكان مؤسسة التأمين التخلص من القيم العشائرية لكنها تساهم في التقليل من وقعها من خلال توفير آلية بديلة لهذه القيم متى ما انتشرت ثقافة التأمين في المجتمع.  يجب الإقرار بأن التأمين لا يوفر علاجاً لجميع العلل التي ابتلي بها العراق خاصة وأن مؤسسة التأمين العراقي ضعيفة.”  وضمن هذا الفهم يمكن القول إن التأمين على حياة ضحايا الاغتيالات سواء كان تأميناً فردياً أو جماعياً، لو كان هذا التأمين موجوداً، لكان قد استطاع أن يلعب دوراً في توفير مصدر مالي لورثتهم.  وهذا ما سنحاول أن نعرضه في هذه الورقة من خلال عرض سريع ومبسط لما تقدمه شركة التأمين العراقية من وثائق للتأمين على الحياة[13] كان بالإمكان الاستفادة من بعضها من قبل أسر الضحايا.  إن معظم ضحايا قطاع التأمين،[14] وكذلك الضحايا الآخرين من أكاديميين أطباء وعلماء ومهندسين، يمكن أن يصنفوا ضمن الطبقة الوسطى، أي أفراد لهم قدرة مالية مناسبة لشراء وثيقة تأمين على الحياة.  كما أن المؤسسات التي كانوا يعملون فيها قادرة على شراء وثيقة تأمين جماعية على حياتهم.

 

أنواع وثائق التأمين على الحياة

 

وثائق التأمين التي نستعرض أجزاء منها هي المعتمدة من قبل شركة التأمين العراقية، وقد كانت شركة متخصصة بأعمال التأمين على الحياة (1988-1964).  ونفترض أن شركات التأمين الأخرى، التي تمارس التأمين على الحياة، لها نماذج مماثلة من هذه الوثائق.

 

التأمين المؤقت على الحياة Term Assurance

 

وثيقة التأمين على الحياة قصير الأجل، وهي من أبسط عقود التأمين على الحياة.  تدفع هذه الوثيقة مبلغ التأمين المتفق عليه للمستفيد المُسمى في الوثيقة في حالة وفاة المؤمن عليه قبل انتهاء مدة التأمين.  وفي حالة انتهاء المدة وبقاء المؤمن عليه على قيد الحياة فإن عقد التأمين ينتهي دون قيام أي التزام على شركة التأمين.

 

هذا هو الحال عند يكون وفاة المؤمن له طبيعياً أو بسبب حادث.  ما هو حكم هذه الوثيقة عندما ينفذ حكم الإعدام بالمؤمن عليه، أو يكون وفاته نتيجة انتحار، أو بسبب الأعمال الحربية؟  تنص الوثيقة على الآتي في هذه الحالات:

 

عقوبة الإعدام

إذا أعدم المؤمن عليه بسبب حكم قضائي فلا تكون الشركة ملزمة إلا بدفع الاحتياطي الحسابي[15] للعقد.

 

الوفاة نتيجة انتحار

تلتزم الشركة بدفع مبلغ التأمين إذا كانت وفاة المؤمن عليه نتيجة انتحار إلا إذا حدثت الوفاة نتيجة الانتحار خلال السنتين الأوليين لابتداء عقد التأمين أو إعادة مفعوله فعندئذ لا تلتزم الشركة إلا بدفع الاحتياطي الحسابي للعقد وقت الوفاة.

 

أما إذا كان سبب الانتحار أو الشروع فيه مرضاً عقلياً أفقد المؤمن عليه إرادته فإن التزام الشركة بدفع مبلغ التأمين يبقى قائماً في أي وقت خلال مدة سريان العقد.

 

الوفاة بسبب الأعمال الحربية

إذا توفي المؤمن عليه بسبب عمل من أعمال الحرب المعلنة أو غير المعلنة، فإن مسؤولية الشركة بمقتضى هذا العقد تحدد بقدر الاحتياطي الحسابي للعقد وقت الوفاة.  ويسري هذا الحكم على حالة وفاة العسكري بخطر من أخطار الطيران العسكري وقت السلم أيضاً.

 

يلاحظ من هذه الحالات الثلاث أن وثيقة التأمين لا تغطي الوفاة الناشئة عن اغتيال المؤمن عليه.  ويلاحظ أيضاً غياب ذكر الوفاة نتيجة للأعمال الإرهابية.  بعض شركات التأمين، ومنها شركة التأمين الوطنية، تعرض على طالبي التأمين على حياتهم توسيع غطاء التأمين ليشمل خطر العمليات الإرهابية كمنفعة إضافية مقابل سعر إضافي.  يمكن المُحاجّة بأن ديباجة الوثيقة تحصر دفع مبلغ التأمين المتفق عليه للمستفيد المُسمى في الوثيقة في حالة وفاة المؤمن عليه قبل انتهاء مدة التأمين دون تحديد سبب الوفاة.  وإذا كان هذا صحيحاً فإن عدم النص على الوفاة بسبب الأعمال الإرهابية لا يعفي شركة التأمين من مسؤولية دفع التعويض للمستفيد.[16]

 

وثيقة التأمين المختلط على الحياة Endowment Assurance

 

تعرف أيضاً باسم تأمين الوقفية، وسميت بالعربية “المختلط” لأنها تضم التأمين المؤقت Term Assurance والتأمين حال الحياة/الوقفية البحتة Pure Endowment Assurance.  بموجب وثيقة شركة التأمين العراقية فإن المؤمن عليه يستحق مبلغ التأمين في حالة بقاء المؤمن عليه على قيد الحياة حتى انتهاء مدة التأمين.  كما يستحق المستفيد مبلغ التأمين في حالة وفاة المؤمن عليه قبل انتهاء مدة التأمين.

 

المادة الثامنة: عقوبة الإعدام

إذا أعدم المؤمن عليه بسبب حكم قضائي فلا تكون الشركة ملزمة إلا بدفع الاحتياطي الحسابي للعقد.

 

المادة التاسعة: الوفاة نتيجة انتحار

تلتزم الشركة بدفع مبلغ التأمين إذا كانت وفاة المؤمن عليه نتيجة انتحار إلا إذا حدثت الوفاة نتيجة الانتحار خلال السنتين الأوليين لابتداء عقد التأمين أو إعادة مفعوله فعندئذ لا تلتزم الشركة إلا بدفع الاحتياطي الحسابي للعقد وقت الوفاة.

 

أما إذا كان سبب الانتحار أو الشروع فيه مرضاً عقلياً أفقد المؤمن عليه إرادته فإن التزام الشركة بدفع مبلغ التأمين يبقى قائماً في أي وقت خلال مدة سريان العقد.

 

المادة العاشرة: الوفاة بسبب الأعمال الحربية

إذا توفي المؤمن عليه بسبب عمل من الأعمال الحربية المعلنة أو غير [الـ]معلنة أو الأعمال الإرهابية والانفجار الناتج عن الأسلحة الحربية والسيارات المفخخة، فإن مسؤولية الشركة تحدد بقدر الاحتياطي الحسابي للعقد وقت الوفاة ويسري هذا الحكم على حالة وفاة العسكري بخطر من أخطار الطيران العسكري وقت السلم أيضاً.

 

يلاحظ في هذه الوثيقة النص الصريح على تغطية وفاة المؤمن عليه بسبب الأعمال الإرهابية والانفجار الناتج عن الأسلحة الحربية والسيارات المفخخة، وهو ما لا نجد ذكراً له في وثيقة التأمين المؤقت والتأمين المؤقت مع رد الأقساط.  في حين أن الوثائق الثلاث تغطي وفاة المؤمن عليه بسبب عمل من الأعمال الحربية المعلنة أو غير المعلنة.

 

ويلاحظ أيضاً أن خطر وفاة العسكري وقت السلم ينحصر بأخطار الطيران العسكري (وليس الطيران المدني أو خطر الوفاة بسبب حادث عرضي في معسكر للجيش وقت السلم).  وهنا أيضاً، نأمل من أهل الاختصاص شرح ما يبدو مفارقة في نطاق تغطية العسكريين وقت السلم.

 

التأمين المؤقت على الحياة مع رد الأقساط Term Assurance with Return of Premiums

 

يستحق المؤمن عليه مبلغ التأمين في حالة بقاء المؤمن عليه على قيد الحياة حتى حلول أجل التأمين (انتهاء مدة التأمين) بما يعادل القيمة النقدية المضمونة guaranteed cash value للوثيقة وتساوي مجموع أقساط التأمين التي سددها المؤمن عليه.  كما يستحق المستفيد مبلغ التأمين في حالة وفاة المؤمن عليه قبل انتهاء مدة التأمين.

 

المادة الثامنة: عقوبة الإعدام

إذا أعدم المؤمن عليه بسبب حكم قضائي فلا تكون الشركة ملزمة إلا بدفع الاحتياطي الحسابي للعقد.

 

المادة التاسعة: الوفاة نتيجة انتحار

تلتزم الشركة بدفع مبلغ التأمين إذا كانت وفاة المؤمن عليه نتيجة انتحار إلا إذا حدثت الوفاة نتيجة الانتحار خلال السنتين الأوليين لابتداء عقد التأمين أو إعادة مفعوله فعندئذ لا تلتزم الشركة إلا بدفع الاحتياطي الحسابي للعقد وقت الوفاة.

 

أما إذا كان سبب الانتحار أو الشروع فيه مرضاً عقلياً أفقد المؤمن عليه إرادته فإن التزام الشركة بدفع مبلغ التأمين يبقى قائماً في أي وقت خلال مدة سريان العقد.

 

المادة العاشرة: الوفاة بسبب الأعمال الحربية

إذا توفي المؤمن عليه بسبب عمل من الأعمال الحربية المعلنة أو غير المعلنة، فإن مسؤولية الشركة بمقتضى هذا العقد تحدد بقدر الاحتياطي الحسابي للعقد وقت الوفاة.  ويسري هذا الحكم على حالة وفاة العسكري بخطر من أخطار الطيران العسكري وقت السلم أيضاً.

 

لقد اقتبسنا مطولاً من نصوص وثائق التأمين على الحياة كي يتعرَّف القارئ عليها.  النصوص تكاد أن تكون متشابهة إلا في بعض المواقع، كما بيّنا فيما يخص الوفاة بسبب الأعمال الإرهابية والسيارات المفخخة.  ويلاحظ أن التعويض في حالات الإعدام والانتحار والأعمال الحربية يتحدد بمقدار الحساب الاحتياطي لعقد التأمين وقت حصول وفاة المؤمن عليه.

 

 

الوثيقة العربية الموحّدة لتأمين الحياة الفردية

 

أصدرت لجنة تأمينات الحياة العامة في إطار الأمانة العامة للاتحاد العام العربي للتأمين باجتماعها الثامن في عمان/الأردن بتاريخ 1 آذار 1995 الشروط العمومية العربية الموحدة نموذج لوثيقة تأمين الحياة الفردية،[17] للاستفادة منها من قبل شركات التأمين الأعضاء في الاتحاد.  ونقتبس هنا الأخطار المستثناة كي يستطيع القارئ المقارنة بينها وبين ما يرد في وثائق شركة التأمين العراقية.

 

الأخطار المستثناة:

(تترك لكل سوق حرية تغطية أي منها برسم إضافي أو بدون) [كما في الأصل]

 

تلتزم الشركة بدفع مبلغ التأمين وغيره من المستحقات المنصوص عليها في هذه الوثيقة في جميع حالات الوفاة عدا الحالات الناشئة عن:

 

  • الانتحار إذا حدث خلال السنتين الأوليين من تاريخ سريان الوثيقة إلا إذا أثبت المستفيد أن سبب انتحار المؤمن له مرضي أفقده إرادته.
  • مسابقات السرعة بواسطة مركبات ذات آلات محركة سواء كانت أرضية أو مائية أو جوية.

ج-  الإعدام.

د-   المبارزة.

ه-  التنقلات أو الأسفار الجوية أو المائية إلا إذا قام بها المؤمن عليه باعتباره راكباً عادياً بخط ملاحي جوي أو مائي يقوم بخدمة منتظمة.

و-   أخطار الحرب والأعمال العسكرية إذا كان المؤمن عليه مجنداً أو تابعاً لإحدى هيئات القوات العسكرية المسلحة سواء كانت بسبب حرب خارجية أو داخلية وسواء كانت حرباً معلنة أو غير معلنة أو نشأت نتيجة مباشرة أو غير مباشرة للتدابير العسكرية بما في ذلك المناورات والتدريب والأعمال الحربية أو الآثار الناشئة عنها.

ز-   أخطار أعمال الفتنة أو الاضطرابات أو الشغب أو الثورات.

 

وفي حالة الوفاة الناجمة عن أحد هذه الأخطار المستثناة تدفع الشركة قيمة الاحتياطي الحسابي للوثيقة إلى أصحاب الشأن/الحق.

 

ح-  القتل العمد: من قبل المتعاقد أو المستفيد بمشاركة أو بتحريض من أي منهما، وفي هذه الحالة يسقط حق المستفيد الذي يكون قد تسبب عمداً في القتل ويؤدى مبلغ التأمين إلى باقي المستفيدين إن وجدوا، وفي حالة عدم وجود مستفيدين يؤدى المبلغ إلى الورثة الشرعيين.

 

سيلاحظ القارئ بأن القتل العمد مستثنى من هذه الوثيقة.  سنعرض شرحاً لهذا الموضوع في ملحق هذه الورقة.  كما يستثني مسابقات السرعة بواسطة مركبات ذات آلات محركة سواء كانت أرضية أو مائية أو جوية، والمبارزة، والتنقلات أو الأسفار الجوية أو المائية إلا إذا قام بها المؤمن عليه باعتباره راكباً عادياً بخط ملاحي جوي أو مائي يقوم بخدمة منتظمة – وهذه الاستثناءات لا ترد في وثائق شركة التأمين العراقية.

 

من باب الختام

 

إن ما ينشر عن الربط بين الاغتيالات والتأمين معدوم في الكتابات التأمينية العراقية.  وورقتنا هذه ربما هي أول محاولة للكتابة عن الموضوع.  كما أن الكتابات المنشورة عن التأمين على الحياة هي الأخرى تكاد أن تكون غائبة في الوقت الحاضر، وهو ما دعانا إلى محاولة الكتابة عنه.  التأمين على الحياة لا يقع ضمن اختصاصنا ولذلك نأمل أن يقوم المختصون بتقويم أي خطأ في ورقتنا، وكذلك الكتابة عن واقع التأمين على الحياة في العراق، والدور المرتقب الذي يمكن أن يلعبه في الادخار والاستثمار والمعاشات إضافة إلى دوره الأساس في تعويض المؤمن عليهم وأسرهم وغيرهم من المستفيدين.

 

28 آب 2017

 

 

الملحق (1)

إحصائية شركة التأمين العراقية (التعويضات المدفوعة عن التأمين على الحياة للأعوام 2014-2015-2016)[18]

 

تبين هذه الإحصائية استحقاق التعويض لمحفظة التأمين الفردي ومحفظة التأمين الجماعي حسب سبب الوفاة.  وفيها نكتشف وجود حالة واحدة للقتل في محفظة التأمين الفردي في سنة 2015 وواحدة في سنة 2016.  ونجد 3، و 6، و 5 حالات تعويض حوادث إرهابية في محفظة التأمين الجماعي في 2014، و 2015، و 2016.

 

ونلاحظ أن مبالغ التعويضات كانت 28,491,896,572 دينار عراقي (2014)، 3,110,456,012 (2015)، 25,702,629,123 (2016).

 

وبالطبع، يمكن قراءة هذه الإحصائيات بشكل أفضل لو عرفنا حجم أقساط التأمين الإجمالية والصافية.

 

يمكن الاستفادة من هذه الإحصائية في الرد على من يستخف بالتأمين على الحياة ودوره في توفير حماية للأفراد وورثتهم.

 

 

الملحق (2)

هل تغطي وثيقة التأمين على الحياة القتل العمد؟[19]

 

في العادة تسدد شركات التأمين على الحياة منافع وثيقة التأمين في حالة قتل المؤمن عليه بعد الأخذ بنظر الاعتبار جملة من الظروف المحيطة بالقتل.  وتضم هذه الاعتبارات ما يعرف بفترة التنازع، الغش، الانتحار، الفعل الإجرامي.

 

فترة التنازع/الاعتراض Contestability Period

تضم معظم وثائق التأمين على الحياة شرطاً يمنح شركة التأمين فرصة التحقيق في ظروف وفاة المؤمن عليه، وهذا الشرط يحمي الشركة من المستفيدين عديمي الضمير أو أخطاء في المعلومات الاكتتابية لم يجرِ الكشف عنها أو اكتشافها يمكن أن تكون وراء خسارة (مطالبة بالتعويض) غير صحيحة (لا تتوفر فيها الصفة العرضية).  لكن تطبيق هذا الشرط (التنازع حول صحة المطالبة بالتعويض) محدد بفترة زمنية كأن تكون سنتين[20] من بدء نفاذ وثيقة التأمين (وهو ما نجده في وثائق شركة التأمين العراقية وفي الوثيقة العربية الموحدة لتأمين الحياة الفردية)، فمتى ما انقضت هذه الفترة يتوجب على شركة التأمين تسديد التعويض ولا يحق لها التمسك بالشرط.

 

الاحتيال

في حالة حدوث الوفاة خلال فترة التنازع/الاعتراض واكتشاف شركة التأمين أن حامل الوثيقة قد أدلى بمعلومات غير دقيقة أو مضللة عمدا للحصول على التأمين، تستطيع الشركة أن تمتنع عن تسديد منافع الوثيقة.  إن تقديم معلومات مضللة في استمارة طلب التأمين هو بمثابة احتيال ويجعل عقد التأمين ملغياً إذا تم الكشف عن هذه المعلومات في وقت مبكر.  وبغض النظر عن الطريقة التي تحدث بها الوفاة، بما في ذلك القتل، فإن الوثيقة تصبح باطلة إذا تم الكشف عن الغش خلال السنتين الأوليين من التغطية.

 

الانتحار

إن عقود التأمين على الحياة تصبح لاغية في حالة الانتحار خلال فترة التنازع/الاعتراض ولا يحصل المستفيدون على منافع الوثيقة بسبب انتحار المؤمن عليه.  ومع ذلك، إذا حدث الانتحار بعد انقضاء هذه الفترة، فإن شركة التأمين مُلزمة بدفع المطالبة بالتعويض.

 

الفعل الاجرامي

تضم معظم عقود التأمين على الحياة شرطاً ينص على أن وثيقة التأمين تعتبر باطلة إذا كان الوفاة نتيجة مشاركة المؤمن عليه في الفعل الإجرامي.  في حالة القتل، فإن شركة التأمين قد تقوم بالتحقيق لتحديد مستوى مشاركة المؤمن عليه هذا إن كان قد قام فعلاً بالمشاركة في اقتراف الفعل الإجرامي، الذي أدى في النهاية إلى قتل المؤمن عليه.  إذا استقرت قناعة شركة التأمين أن المؤمن له كان مشاركاً حقيقياً في الجريمة ولم يكن مراقباً بريئاً، فإنها تمتنع عن تسديد استحقاقات التأمين على الحياة للمستفيدين.

 

الملحق (3)

هل التأمين على الحياة يحفز على القتل؟

 

يمكن تصور ذلك إلى الحد الذي يمكن للمستفيدين أن يفلتوا من مسؤوليتهم عن فعل احتيالي لقتل المؤمن عليه.

 

ولكن من الناحية العملية، توفر القواعد القانونية والممارسات الاكتتابية الأساس للحفاظ على سلامة إدارة التأمين على الحياة.  وتشمل هذه: المصلحة التأمينية، القاعدة القانونية بعدم جواز الانتفاع من الفعل الإجرامي، والمستفيد البريء من وثيقة التأمين.

 

المصلحة التأمينية

وهي التي تقضي بعدم جواز شراء وثيقة تأمين على حياة أي شخص كان، التقيته صدفة، أو التأمين على حياة شخص دون معرفة هذا الشخص بالتأمين على حياته.  وعلى أي حال، لا يمكن شراء وثيقة للتأمين من دون توفر مصلحة تأمينية في حياة المؤمن عليه.  وبعبارة أخرى، يجب على المستفيد أن يثبت أنه سيخسر مالياً عند وفاة المؤمن عليه، ويجب أن يكون المؤمن عليه طرفاً في التوقيع على استمارة الطلب على وثيقة التأمين.

 

قوانين تحريم الانتفاع من الجريمة

هذه القاعدة القانونية تشكل عائقاً أمام من يحاول اغتيال المؤمن عليه، فهي تمنع المستفيد من التأمين على الحياة من الحصول على منافع وثيقة التأمين إذا كان متورطاً عن عمد في وفاة المؤمن عليه.  وفي العديد من الدول، فإن شركة التأمين لا تحتاج إلى إدانة جنائية لمقترف الجريمة لتجنب دفع تعويضات للمستفيد المشتبه به.

 

المستفيد البريء

هو ذلك الشخص، عادة المستفيد “الطارئ” البريء المسمى في وثيقة التأمين للانتفاع منها عندما يكون المستفيد “الأساسي” غير مؤهل لاستلام منافع الوثيقة.  وفي حالة عدم تسمية مستفيدين محتملين، يحصل الورثة المؤهلون على استحقاقات الوثيقة من خلال تقسيم أموال المؤمن عليه من قبل محكمة مختصة.

 

 

28 آب 2017

[1] مصباح كمال، “اغتيال الأطباء في العراق والتأمين من المسؤولية المهنية،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/08/Misbah-Kamal-Medical-Malpractice-and-Insurance.pdf

[2] Samir Khalil (Kanan Makiya), Republic of Fear: The Politics of Modern Iraq (London: Hutchinson Radius, 1989), p 13, 19.

[3]هناك العشرات من المقالات والتحقيقات الصحفية وخاصة في الصحافة الأجنبية يمكن الرجوع إليها ولا نرغب في إثقال هذه الورقة باقتباس روابطها، ونكتفي بمرجع واحد:

[4] Khalil, op. cit

[5] مصباح كمال، “ممارسو التأمين العراقيين في المهجر،” مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2013/04/iraqi-insurance-practitioners-in.html

[6] هذه المعلومات مستلة من:

أسعد سعد برهان الدين وسحر الحمداني،في ذكر المرحوم محمد حسين جعفر، مدير عام شركة التأمين الوطنية (20 تشرين الثاني 1996 – 30 كانون الثاني 2001)،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2017/04/11/remembering-muhammad-hussain-jafar-1946-2001/

باقر المنشئ، “محمد حسين جعفر … شهيد النزاهة،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2017/04/

[7] أفادني بهذه المعلومة زميلي مكي رزوقي مصطفى (19 آب 2013).

[8] برهان الدين والحمداني، مصدر سابق.

[9] برهان الدين والحمداني، مصدر سابق.

[10] أفادني بهذه المعلومة زميلي منعم الخفاجي (18 آب 2017).

[11] يمكن قراءة نص هذا القانون باستخدام هذا الرابط: http://www.iraq-lg-law.org/en/node/916

[12] في الاقتصادات المتطورة يمكن لبعض منتجات التأمين على الحياة أن تكون وسيلة لغسل الأموال.  هناك معلومات مفيدة بهذا الشأن في الموقع التالي: http://www.acamstoday.org/what-is-real-money-laundering-risk-in-life-insurance/

[13] أشكر القسم الفني في شركة التأمين العراقية لتوفيره نماذج من وثائق التأمين على الحياة المعتمدة من قبل الشركة.

نصوص هذه الوثائق قديمة.  اقترح على إدارة الشركة مراجعتها وتحديثها.

لم نستطع الحصول على نماذج من وثائق التأمين على الحياة من شركات تأمين أخرى.

[14] للتعرف على أسماء هؤلاء الضحايا راجع:

http://www.iraqsolidaridad.org/wordpress/wp-content/uploads/2013/11/List-of-Iraqi-academics-assassinated-November-2013.pdf

[15] رغم أن احتمالية وفاة المؤمن عليه تزداد بتقدم عمره إلا أن قسط التأمين يظل ثابتاً خلال فترة التأمين، ولذلك تقوم شركة التأمين باقتطاع مقدار من القسط ووضعه في الاحتياطي الحسابي، وتستثمر رصيد هذا الاحتياطي في مجالات معينة وتستفيد منه ومن فوائده في دفع استحقاقات وثيقة التأمين.

 

ولتقدير الاحتياطي الحسابي أو المخصص المحاسبي تستخدم شركات التأمين على الحياة خبيراً اكتوارياً يقوم بتقدير الاحتياطي/المخصص الكافي لمواجهة التزامات الشركة تجاه المؤمن عليهم.  ويظهر هذا المخصص في الجانب المدين من حساب الإيراد والمصروفات.

 

وبموجب المادة 2-ثالثا من تعليمات ديوان التأمين حول أسس احتساب المخصصات الفنية، الصادرة بتاريخ 18 أيار 2006:

 

يحتسب الاحتياطي الحسابي في التامين على الحياة وفقا للمفاهيم والاسس الاكتوارية المتعارف عليها، على ان لا يقل الاحتساب فيما يخص السنة المالية الاخيرة عن نسبة (40%) اربعين من المائة من صافي اقساط التامين على الحيات المسجلة للسنة المذكورة.

 

[16] نأمل من أهل الاختصاص التعليق على هذا الموضوع.

[17] أشكر الزميل عبد الرحمن صباح غني على إرسال هذه الشروط (8 آب 2017).

[18] أشكر قسم التخطيط والمتابعة والقسم الفني في شركة التأمين العراقية على توفير هذه الإحصائية.

[19] المعلومات الواردة في الملحق (2) والملحق (3) مستلة من مقالات منشورة باللغة الإنجليزية في الإنترنيت لم احتفظ بروابطها.

[20] تمتد فترة التنازع لدى بعض شركات التأمين الغربية إلى خمس سنوات.

Advertisements

Impact of UNSC Sanctions on Iraq’s Insurance Market

تداعيات عقوبات مجلس الأمن على إعادة التأمين في العراق

 

 

مصباح كمال

 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/11/UNSC-Sanctions-Impact-on-Reinsurance-in-Iraq.pdf

 

 

مقدمة

 

كتب لي السيد مصطفى الهاشمي، محرر الصفحة الاقتصادية لجريدة الصباح، الرسالة أدناه طالباً الإجابة على مجموعة من الأسئلة.  وقد استجبت، شاكراً له طلبه، وكتبت هذه المقالة، وقام من جانبه بتلخيص ما ورد فيها، حسب ما تقتضيه القواعد التحريرية الفنية للجريدة، ونشره تحت عنوان “عقوبات مجلس الأمن وتداعياتها على سوق التأمين العراقي” في عدد الجريدة الصادر يوم 20 تشرين الثاني 2017:

http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=147797

 

رسالة السيد مصطفى الهاشمي

 

العزيز مصباح

 

تحية طيبة وأرجو ان تكون بخير

 

أكتب لك مجددا راجياً منكم الاجابة على الاسئلة المدرجة أدناه. مع التقدير

 

لا يخفى عليك تداعيات قرارات مجلس الامن والعقوبات الدولية التي فرضت على العراق أبّان تسعينات القرن الماضي، فهل تأثر واقع اعادة التأمين في العراق بهذه العقوبات، وما مدى هذا التأثر؟

 

وكيف يمكن اعادة جسور التعاون والتنسيق مع شركات الاعادة التي كان يتعامل العراق معها في ظل وجود شركات تأمين أهلية يبلغ عددها نحو 30 شركة تعمل داخل البلد؟

 

تحياتي

مصطفى الهاشمي

13 تشرين الثاني 2017

 

(1)

ساهمت قرارات مجلس الأمن بفرض العقوبات الدولية على العراق بدءاً من آب 1990 ولغاية أيار 2003، إلى جانب غزو واحتلال العراق، في تدمير البنية التحتية وتهالك الأصول المادية، إذ أنها تجاوزت مجرد إنهاء احتلال العراق للكويت، ومن ثم التمهيد لتغيير النظام الدكتاتوري.  كان الهدف، كما قال جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، إرجاع العراق إلى فترة ما قبل الصناعة الحديثة إن لم يسحب قواته من الكويت.  واستمرت العقوبات الاقتصادية بذريعة الكشف عن أسلحة الدمار الشامل.  وهكذا فقد أدى نظام العقوبات، الحصار، الأقسى من نوعه والظالم للشعب العراقي، إلى نتائج مريعة في مختلف المجالات: الصحية والاجتماعية والتربوية والبيئية والاقتصادية مع خسارة الآلاف من ذوي الخبرة والاختصاص وحملة الشهادات الجامعية العليا من خلال الهجرة إلى الخارج.

 

لقد كانت العقوبات حرباً اقتصادياً شَلَّ الاقتصاد العراقي في جميع قطاعاته الإنتاجية والتوزيعية والخدمية، إذ امتدت آثار هذا الحصار لتشمل قطاع التأمين العراقي.  وقد اتخذت تداعيات هذا الحصار في القطاع الأشكال التالية:

 

تجميد أرصدة شركة التأمين الوطنية في الخارج[1]، والتي كانت تستخدم لتسهيل تسديد أقساط اتفاقيات إعادة التأمين غير النسبية، وكذلك تسديد حصة الشركة في الخسارات العمومية في التأمين البحري، وعموماً تسوية الحسابات مع الوسطاء ومعيدي التأمين.

تعليق ووقف إعادة التأمين، الاتفاقي والاختياري، لشركات التأمين العراقية (شركة التأمين الوطنية، شركة التأمين العراقية، شركة إعادة التأمين العراقية).  وهو ما جعل الشركات الثلاث مكشوفة أمام خطر عدم القدرة على الإيفاء بالتزاماتها عند وقوع خسائر ذات طبيعة كارثية.

 

إضعاف القاعدة المالية لشركات التأمين، وقد ارتبط ذلك بالتوسع في طبع النقود الورقية والتضخم المفرط الذي نشأ عنه (نشأ التضخم أصلاً بسبب شحة المنتجات).  أدى التضخم إلى تدهور قيمة رأسمال واحتياطيات شركات التأمين الثلاث.  وكان من آثار هذا التدهور لجوء الشركات إلى استثمار مواردها النقدية في استثمارات عينية تقوم بتأجيرها لتحقيق تدفق نقدي مستمر.

 

التأثير السلبي على حجم الأقساط، وقد جاء هذا بسبب تدهور النشاط الإنتاجي والاستثماري وتوقف حركة الاستيراد والتصدير (ما كان قائماً منها كان يؤمن خارج العراق، وينطبق هذا على تأمين نقل النفط الخام من العراق إلى الأردن)، وعزوف المواطنين عموماً عن التأمين لعدم كفاية الدخل لتوفير الحاجات الأساسية.

 

تدهور مستوى الخطر المعنوي والمادي، مع استفحال الإهمال على مستوى الأفراد العاملين وسوء الإدارة وعدم الشعور بالمسؤولية (اللامبالاة).  أضف إلى ذلك النقص الشديد في قطع الغيار، والهبوط في الصيانة الدورية والوقائية وتجديد ما هو قائم.

 

تدهور المعارف والمهارات، الذي اتخذ شكل تسرب أصحاب المهارات التأمينية إلى الخارج، وضعف وربما انعدام التدريب، والانقطاع عن التواصل مع صناعة التأمين العالمية وندرة الحصول على المطبوعات والصحافة التأمينية.  وقد أدى هذا الوضع إلى تآكل الموارد البشرية المؤهلة.

 

لقد امتدت هذه التداعيات خلال فترة الحصار على شركة إعادة التأمين العراقية.  ولكن كان لها الفضل، بالتعاون مع شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية، في توفير الحدود الدنيا من حماية إعادة التأمين من خلال الاستفادة العظمى من الموارد الداخلية المتاحة.  وعندما تأسست شركات تأمين خاصة، بموجب قانون الشركات لسنة 1997، توسعت الإعادة العراقية في توفير إعادة التأمين لهذه الشركات أيضاً.  وعلى أي حال، لم يكن باستطاعة هذه الشركات الحصول على اتفاقيات إعادة لتأمين لوحدها نظراً لصغر رأسمالها وحجم أعمالها.[2]

 

(2)

لقد ظل قطاع التأمين منقطعاً عن العالم الخارجي لثلاث عشرة سنة بسبب الحصار الاقتصادي كان خلالها يزداد ضعفاً، عاكساً ضعف قطاع التأمين برمته.  بدأت محاولات إعادة تأسيس العلاقات مع شركات إعادة التأمين ووسطاء إعادة التأمين العالميين عام 2004، وتتوجت هذه المحاولات عام 2005 بقيام شركة إعادة التأمين العراقية بعقد اتفاقيات لإعادة التأمين مع واحدة من شركات إعادة التأمين العريقة في ألمانيا[3] لتقوم بقيادة هذه الاتفاقية التي وفَّرت الحماية الإعادية لشركتي التأمين العامتين، التأمين الوطنية والتأمين العراقية، ولمجموعة من شركات التأمين الخاصة.

 

من المفترض أن وجود شركات تأمين أهلية يساهم في تغذية أقساط التأمين التي تكتتب بها شركة إعادة التأمين العراقية.  لكن هناك بعض الإشكاليات ومنها أن الشركات هذه المرخصة من قبل ديوان التأمين ليست كلها منضوية ضمن اتفاقيات إعادة التأمين التي تديرها الإعادة العراقية (بعض هذه الشركات مسجلة في إقليم كوردستان).  ومنها أن بعض شركات التأمين الأهلية لا تتعامل بالقدر الكافي من الشفافية في إعادة تأمين أعمالها مع الإعادة العراقية (من ناحية التصريح بالأقساط بشكل خاص).  وهناك أيضاً عدم توازن من حيث حجم الأعمال التي تكتتب بها هذه الشركات مقارنة بالشركتين العامتين يترجم نفسه في امتيازات معينة للشركتين العامتين في غطاء اتفاقيات إعادة التأمين.  يضاف إلى ذلك محدودية المعرفة بإعادة التأمين لدى بعض الشركات الأهلية، وضعف الريادة المهنية لدى الإعادة العراقية.  كما أن ديوان التأمين، الجهاز الرقابي، لا يُسائل شركات التأمين الأهلية فيما يخص توفر إعادة التأمين لديها أو كفايتها.

 

هذه وغيرها مسائل فنية يمكن معالجتها بعد دراستها وتوثيقها لو توفرت الرؤية المناسبة والإرادة لتطوير قطاع التأمين العراقي.  إن مكانة شركة إعادة التأمين العراقية ستتعزز عندما تستحضر الشركة بعضاً من ريادتها الماضية كي ترسم سياستها الحالية والمستقبلية، وعندما يزداد حجم الأعمال التي تكتتب بها (وهي في الوقت الحاضر أعمال محلية صرفية)، وعندما تأخذ زمام المبادرة في توجيه وإعانة الشركات المنضوية تحت اتفاقياتها.

 

وهي تستطيع أن توسع من تعاونها مع وسطاء إعادة التأمين الثلاثة الذين يديرون وينسقون ترتيب اتفاقياتها مع معيدي التأمين.  كما يمكنها الاستفادة من برامج التدريب التي يقدمها وسطاء إعادة التأمين، وهي شركات عالمية مقيمة في لندن، وكذلك معيد التأمين القائد في باريس.  ومن رأينا ان التدريب المهني مطلب أساسي لكنه لا ينال ما يستحقه من اهتمام.  ولكون الإعادة العراقية تتعامل مع الوسطاء والمعيدين في الخارج فإنها بحاجة إلى تطوير المهارات اللغوية الإنجليزية لدى كوادرها.  هكذا كان الوضع في الماضي، ومن المؤسف أن نذكّر به.

 

إن التطور اللاحق لقطاع التأمين العراقي، ممثلاً بازدياد حجم الأعمال المكتتبة وتوسع الاحتياطيات الحرة والفنية لشركات التأمين العامة والأهلية، ربما ستدفع بالبعض منها للتخلي عن حماية إعادة التأمين الاتفاقي التي توفرها شركة إعادة التأمين العراقية وترتيب اتفاقيات خاصة بها بشكل منفرد.  وما لم تأخذ الإعادة العراقية إمكانية حصول هذا التغيير (حجم الأعمال والموارد المالية بضمنها تعظيم رأس المال لدى شركات التأمين الأهلية) فإنها ستُجابه بفقدان مصدر مهم للأعمال.

 

إن خسارة شركة إعادة التأمين العراقية لمحافظ أعمال مجموعة من شركات التأمين المستفيدة من اتفاقياتها ستقلل من قيمتها الاقتصادية في نظر معيدي التأمين إذ أن هؤلاء لهم معايير معينة في توفير الحماية الإعادية منها أن يكون حجم الأعمال التي تتعامل معها مناسبة اقتصادية.  إن فقدت الإعادة العراقية حماية إعادة التأمين العالمية فإنها ربما لن تكون في وضع تستطيع معه الاستمرار في أداء وظيفتها كمعيد تأمين للشركات المحلية.[4]

 

مستقبل الإعادة العراقية مرهون بما تقوم به الآن، وما لم تحقق نقلة نوعية في إدارتها الفنية وتعزيز دورها بما يُرضي شركات التأمين فإن الاحتمالات مفتوحة لتحديد مصائرها في ظل التوجهات الاقتصادية للدولة وتوجيهات صندوق النقد الدولي.  إن هذا الموضوع بحاجة إلى مناقشة من قبل أركان التأمين العراقي ضمن رؤية موسعة لتطوير قطاع التأمين.

 

14 تشرين الثاني 2017

 

[1] ليست لدي معلومات كافية عن أرصدة شركة إعادة التأمين العراقية في الخارج، وأظن أنها، مثل شركة التأمين الوطنية، كانت لها حساباً في فرع مصرف الرافدين في لندن.  بعد أن كتبتُ هذا الهامش أفادني الزميل والصديق سمير عبد الأحد أن شركة إعادة التأمين العراقية كانت لها حساباً مصرفياً في فرع مصرف الرافدين في لندن للإنفاق على كل ما يتعلق بإيجار وإدارة ومصاريف ورواتب مكتب الشركة في لندن، وحساباً مصرفياً آخراً أيضاً لدى فرع مصرف الرافدين، مكرس لإيداع أقساط إعادة التأمين التي كانت الشركة تكسبها، والاستفادة منها في تمويل الحساب الخاص لمكتب الشركة في لندن وكذلك مقابلة التزاماتها التعاقدية للشركات العالمية التي كانت تتعامل معها.

[2] يمكن التعرف على تفاصيل آثار الحصار في: مصباح كمال: “التأمين في العراق وعقوبات الأمم المتحدة” فصل في الكتاب الجماعي دراسات في الاقتصاد العراقي (لندن: المنتدى الاقتصادي العراقي، 2002) ص 80-81.  يمكن قراءة النص في مدونة مجلة التأمين العراقي:

Iraq Insurance Review http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2008/06/2002-73-96.html

 

[3] كانت هذه الشركة الألمانية من المعيدين القادة لشركة إعادة التأمين العراقية وشركة التأمين الوطنية قبل عام 2003.  آثر معيد التأمين هذا التخلي عن هذه الاتفاقية فيما بعد، وتحولت قيادة اتفاقيات الإعادة العراقية إلى شركة إعادة تأمين فرنسية مرموقة.

[4] هددت إدارة شركة التأمين الوطنية في الماضي، وهي شركة التأمين الأكبر في العراق، بالخروج من اتفاقيات الإعادة العراقية وترتيب اتفاقيات إعادة تأمين خاصة بها مباشرة دون المرور من خلال الإعادة العراقية.  وقتها طلب مني المدير العام للإعادة العراقية الكتابة عن الموضوع لثني التأمين الوطنية من تطبيق تهديدها.  يمكن قراءة موقفي بهذا الشأن في مقالتي “إعادة التأمين الاتفاقي لسوق التأمين العراقي: إلتماس شخصي” المنشور في مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2008/09/1-2008.html

Reserves in Insurance Accounts

الاحتياطيات في حسابات التأمين

منعم الخفاجي

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:
http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/11/منعم-الخفاجي-الاحتياطيات-في-حسابات-التأمين.pdf

الاحتياطيات في حسابات التأمين نوعين:

أولاً- الاحتياطيات الرأسمالية

من المعروف إن هذه الاحتياطيات تُعتمد من قبل الشركات على أنواعها ومنها شركات التأمين وشركات إعادة التأمين وتستقطع من الأرباح الصافية للشركة. وهي على نوعين: الزامية، تحدد بنسبة من الأرباح الصافية مقدارها ووظيفتها وإطلاقها ينص عليها بموجب القانون. واختيارية، تحتجزها الشركات لأغراض توسعية ومواجهة ما يحدث من خسائر غير متوقعة او انخفاض في الأرباح احتجازها وإطلاقها يتم بقرار من إدارة الشركة.

ثانياً- الاحتياطيات الفنية (Technical Reserves)

تنفرد شركات التأمين وشركات إعادة التأمين باحتجاز مثل هذه الاحتياطيات التي تعتبر في حقيقتها مخصصات تقابلها التزامات ترتبت على شركة التأمين تجاه حملة الوثائق وعلى شركات إعادة التأمين تجاه شركات التأمين المسندة (Ceding Companies) وتعتبر حسابياً من حقوق حملة الوثائق في حسابات شركات التأمين ومن حقوق المسندين في حسابات إعادة التأمين. وهي على نوعين:

1- احتياطي أقساط التأمين غير المكتسبة ((Unearned Premiums Reserve تخصص لمواجهة المسؤوليات التي تتحقق خلال فترات وثائق التأمين الممتدة خلال السنة التالية لسنة اصدارها.
إن الاحتساب الدقيق لهذا الاحتياطي يتم على اساس الاقساط النسبية المقابلة للفترة المتبقية الممتدة بعد السنة المالية لكل وثيقة من الوثائق الصادرة خلال السنة المالية. وهذا طبعاً يحتاج الى عمل اداري ومصاريف كبيرة غير مبررة، كان هذا قبل فترة التقدم التقني وتوظيف برامج الحواسيب المتطورة حيث يمكن برمجة هذه الطريقة في احتساب هذا الاحتياطي بسهولة. ولكن تبقى هذه الطريقة في الاحتساب غير عملية ولا تخدم عمليات التدقيق اللاحقة للحسابات المختلفة لهذه الشركات، لذا فقد تم التوافق على احتساب هذا الاحتياطي كما يلي:

أ‌- ابتدءاً كان الاحتساب يعتمد طريقة (1/24) حيث يتم استقطاع جزء واحد من (24) من الاقساط المكتسبة المتحققة خلال الشهر الأول من السنة المالية (نفترض كانون الثاني/يناير) و 3/24 من الاقساط المكتسبة المتحققة خلال الشهر الثاني (شباط/فبراير) وصولاً الى الشهر الثاني عشر (كانون الأول) حيث يستقطع 23/24 من صافي الأقساط المكتسبة المتحققة خلال هذا الشهر. ومبلغ الاحتياطي هذا هو مجموع هذه الأقساط المستقطعة. ولأن هذه الطريقة لا تخلو من تعقيدات فقد نصَّت اغلب قوانين التأمين على اعتماد الطريقة التالية.
ب‌- استقطاع نسب محددة من صافي الاقساط المكتسبة خلال السنة المالية وتم الاتفاق على ان تكون هذه النسب 40% من أقساط التأمينات العامة و25% من اقساط التأمين البحري/بضائع. اما بالنسبة للتأمين على الحياة فحساب احتياطياتها يختلف.

مع ملاحظة ان الاقساط المكتسبة اعلاه تتضمن احتفاظ الشركة من اقساط وثائق التأمين المكتتبة مباشرة من قبل الشركة او تلك التي تقبل اختيارياً.

2- احتياطي التعويضات الموقوفة ((Outstanding Claims Reserve
هذا الاحتياطي واحد من الاحتياطيات الفنية التي يجب ان تتضمنها الحسابات الختامية لشركات التأمين وإعادة التأمين وهو مخصص لإيفاء الشركة بالتزاماتها المترتبة على تعويضات تحققت وبُلّغَ عنها ولكنها لم تسدد خلال السنة أو السنوات المالية التي تحققت فيها وتدعى (RBNS) Reported But Not Settled) ويتم احتساب هذا الاحتياطي بكامل المبالغ التقديرية للأضرار المتحققة.
وهناك نوع آخر من هذا الاحتياطي عن حوادث وقعت خلال السنة المالية ولكن لم يبلغ عنها وتحتسب وفق التجارب والخبرات السابقة، ويدعى احتياطي حوادث وقعت ولم يبلغ عنها Incurred But Not Reported (IBNR)

مع العرض بأن الاحتياطيات الفنية أعلاه بنوعيها الزامية على شركات التأمين وإعادة التأمين. ويتعين عليها الالتزام بها وبالتفاصيل المنصوص عليها في القانون المعني وإن لم تُعتمد بشكلها الصحيح في الحسابات الختامية يُعرّض الشركة الى المساءلة القانونية.

ولكن وللأسف وبالرغم من النصوص الخاصة بهذا الاحتياطي الواردة في قانون تنظيم أعمال التأمين العراقي رقم (10) لسنة 2005 حيث نصت المادة (32- أولاً، ثانياً، وثالثاً)

“على كل مؤمِن مجاز في العراق ان يحتفظ وحسب نوع التأمين بمخصصات فنية أو احتياطيات بالمبالغ الآتية:

اولاً- (40%) من صافي اقساط التأمين المسجلة للسنة المالية، وتكون النسبة (25%) من صافي الاقساط المذكورة في التأمين البحري .
ثانياً- (100%) من مجموع التعويضات الموقوفة المسجلة للسنة المالية.
ثالثاً- ما يتناسب مع مقدار التعويضات الواقعة غير المسجلة يحتسب …الخ.”

إلاّ ان أغلب شركات التأمين العاملة في العراق لا تلتزم بتطبيق هذه المادة وإن طبقت من بعض الشركات فلم تكن بالطريقة الصحيحة التي تؤدي الغرض أو الوظيفة المطلوبة. فعلى سبيل المثال، وبقدر تعلق الأمر باحتياطي اقساط التأمين غير المكتسبة لا يتضمن هذا الاحتياطي الأقساط الواردة عن طريق الاكتتاب غير المباشر (اقساط إعادة التأمين الواردة) وهي كثيرة جدا، حيث تبلغ في بعض الحالات أكبر من تلك المكتتب بها مباشرة من قبل الشركة، ومصدرها القبول الفردي أو تلك الواردة عن طريق المجمعات الداخلية وهي كثيرة. أما احتياطي التعويضات الموقوفة فإن العديد من شركات التأمين الأهلية لا تُضَمن حساباتها الختامية هذا الاحتياطي نهائياً، كما ان بعض الشركات، عندما تحتجز أي من هذين الاحتياطيين، لا تقوم بإطلاقه في السنة التالية كما يقضي به الواقع المحاسبي السليم.

وثمة خطأ آخر ترتكبه بعض الشركات حيث تعتبر الاحتياطيات الفنية جزءاً من حقوق المساهمين عكس حقيقتها التي تعتبر من حقوق حملة الوثائق. وفي هذا الخصوص وعندما كنت ادير احدى شركات التأمين الأهلية ناقشت هذا الموضوع مع مدقق الحسابات القانوني للشركة وبعد شرح لطبيعة الاحتياطيات الفنية هذه تم الاقتناع بأنها مخصصات تقابلها التزامات على الشركة الإيفاء بها ولكن أصرّ المدقق على إظهار هذا الحساب ضمن مدرجات حقوق المساهمين معللاً ذلك بأن النظام المحاسبي الموحد للمصارف وشركات التأمين ينص على ان الحساب (215) هو احتياطيات فنية وليس مخصصات وبالتالي وجوب إظهاره ضمن حساب حقوق المساهمين. لا شك إن هذه الحالة تعتبر خللاً في معايير الإفصاح الدولية وتلك التي يجب ان تكون معتمدة من قبل سوق العراق للأوراق المالية والمديرية العامة للضريبة وإلّا سيكون هناك نوع من التضليل وخطأ في احتساب ضريبة الدخل. عليه أدعو لتقويم هذا الخطأ.

ان هذه الأخطاء في مثل هذه الامور لا تعتبر بسيطة انما يمكن اعتبارها أخطاء جسيمة وتقصير في الواجب لسببين. الأول، ان ميزانية الشركة العامة لن تعكس حقيقة الوضع المالي للشركة وهذا يترتب عليه تعقيدات. والثانيً، تعتبر مخالفات قانونية ترتب على الشركة مساءلة قانونية وربما عقوبات مختلفة.

ان سبب هذه الاخطاء في رأي يعود أولاً، وهو الاكثر ترجيحاً، إلى عدم توفر الخبرة الكافية وعدم معرفة معالجتها محاسبياً من قبل إدارة ومسؤولي الحسابات في تلك الشركات ومدققيها القانونيين. والأهم من ذلك غياب الرقابة الواعية من قبل ديوان التأمين وبقية الجهات المختصة. وثانياً، ربما تعمداً لغرض التلاعب بالنتائج الحسابية تقليلاً لحجم لأرباح وبالتالي تأجيل دفع جزء من الضريبة أو تضخيماً مؤقتاً للأرباح تبجحاً. ولكن لا أعتقد ان يكون هذا هو السبب في هذه الخطأ. (راجع الملحق أدناه).

وعلى أي حال فإن البنك المركزي العراقي قرر، استجابة لتسهيل منح القرض من البنك الدولي، الانتقال من النظام المحاسبي الموحد للمصارف وشركات التأمين الى معايير الافصاح الدولية وألزم شركات التأمين والمصارف اعتماد معايير الإفصاح الدولية واعداد حساباتها لسنة 2016 على هذا الاساس.

3 تشرين الثاني 2017

ملحق: مسودة تعميم حول الاحتياطيات الفنية

خلال فترة عملي القصيرة جداً في ديوان التأمين العراقي بصفة خبير عملت جهدي على تصحيح هذه المفاهيم ووجهت مسؤولي اعداد الحسابات في بعض هذه الشركات شفاهةً وتحريرياً لاعتماد الأسس الصحيحة. وقد تمَّ توجيه كتب لهذه الشركات توضيحاً لهذه الأخطاء مع الطلب بوجوب اعتماد هذه الاحتياطيات عند اعداد الحسابات القادمة حتى أنى اعددت تعميماً بهذا الخصوص على امل تعميمه على كافة الشركات ولكن لإنهاء عملي في الديوان (لأسباب ظاهرها معروف وحقيقتها غير معلنة) لم يتم تعميمه. أنشر هنا نصه عسى ان يكون ذا فائدة.

الى / شركات التأمين كافة

الموضوع: تعميم حول الاحتياطيات الفنية

تحية طيبة

بعد الاطلاع على الحسابات الختامية لشركات التأمين وجدنا أن اغلب هذه الحسابات لم تتضمن تخصيص لحساب الاحتياطيات الفنية وان وجدت فلم يتم احتسابها بالطريقة واجبة الاتباع. لذا نورد فيما يلي كيفية معالجة هذا الحساب.

– الاحتياطيات الفنية

هي مخصصات لالتزاماتٍ على شركات التأمين تجاه حملة الوثائق. وهذه الاحتياطيات هي:

أولا: احتياطي الأخطار الممتدة (الأقساط غير المكتسبة).

تحتسب وفقاً للآتي:
– مجموع الأقساط المكتتبة خلال السنة المالية.
يطرح منها
– أقساط أعادة التأمين الصادرة.
يضاف اليها
أقساط إعادة التأمين الواردة.

من هذا المجموع الذي يمثل صافي احتفاظ الشركة يحتجز ما نسبته 40% من رصيد الاقساط للتأمينات العامة و25% من رصيد اقساط التأمين البحري/بضائع.

ثانياً: احتياطي او (تخصيص) التعويضات الموقوفة

يحتجز تخصيص لهذا الحساب بواقع 100% من مجموع التعويضات الموقوفة المسجلة خلال السنة المالية وما قبلها ولم يتم تسديدها. وذلك استناداً الى نص المادة (32) من قانون تنظيم اعمال التأمين رقم 10 لسنة 2005، مع ملاحظة ما يلي:

1- الارصدة اعلاه في أولا- الخاصة باحتياطي الأخطار الممتدة وفي ثانيا-احتياطي التعويضات الموقوفة تعتبر من مصاريف عمليات التأمين.
2- تطلق الارصدة المحتجزة لهذين الحسابين وتعتبر إيراداً للسنة المالية التالية).
3- نتيجة الفرق بين (1 و2) أعلاه سيؤثر بمثابة مصروف أو إيراد، حسب الحالة، على حسابات السنة المالية التالية.

كما لاحظنا إن الحسابات الختامية لعدد من الشركات قد اعتبرت الحسابات الفنية هذه ضمن حقوق المساهمين وهذا غير صحيح لأن هذين الحسابين (احتياطي الأخطار الممتدة والتعويضات الموقوفة) لا يعتبران من حقوق المساهمين بل هما التزام على شركة التأمين أي انهما من حقوق حملة الوثائق.

نأمل أتباع ما جاء أعلاه في حساباتكم القادمة.

نرحب بأي استفسار أو تعليق عن ما جاء اعلاه.

مع التقدير

Swiss Re: Modern business models need modern risk transfer

الشركة السويسرية لإعادة التأمين تختار النهج الشامل لمعالجة المخاطر غير الملموسة في العالم

 

 

ترجمة: مصباح كمال

 

صدر مؤخراً العدد الجديد من تقرير سيغما Sigma 5/2017 الذي تنشره الشركة السويسرية لإعادة التأمين تحت عنوان التأمين التجاري: الابتكار لتوسيع نطاق التأمين.  يمكن قراءة النص الإنجليزي لهذا التقرير باستخدام هذا الرابط:

http://institute.swissre.com/research/overview/sigma/5_2017.html?utm_medium=email&utm_source=sigma+Newsletter%2c+11+October+2017&utm_campaign=sigma+4&0F4DBC&&&&#inline

 

وقد نشرت مجلة Global Reinsurance تلخيصاً للتقرير ترجمناه لفائدة من لا يقرأ باللغة الإنجليزية.

https://www.globalreinsurance.com/news/modern-business-models-need-modern-risk-transfer-says-swiss-re/1425250.article?guid=bf37c184-3e6d-422e-bdf5-768caf7ea742&utm_source=Adestra&utm_medium=email&utm_campaign=17778

 

سيلاحظ القارئ الحصيف بأنني قد أضفت بعض الكلمات للترجمة زيادة في التوضيح

 

 

إن التغييرات في هياكل الأعمال صارت تؤثر على نظرة صناعة التأمين وكيفية تأمينها للخطر وفقاً لأحدث تقرير لسيغما صادر من الشركة السويسرية لإعادة التأمين.

 

فمع الابتعاد عن التصنيع ونماذج الأعمال الأخرى التي تتطلب أصولا مادية، يرى قطاع الشركات قيمة في التخفيف من آثار انقطاع سلسلة التوريد supply chain disruption، والتقلبات في الإيرادات والتدفقات النقدية.

 

وقالت الشركة في أحدث تقرير لها تحت عنوان “التأمين التجاري: الابتكار لتوسيع نطاق التأمين”: “مع تحول قطاع الشركات من الوفر في الأصول المادية للحصول على قيمة أكبر من الأصول غير الملموسة والخدمات، فإن الحلول التأمينية الجديدة والمبتكرة أخذت هي الأخرى تتحول من توفير أغطية التأمين للأصول والميزانية العمومية إلى أغطية لحماية المخاطر التي تتعرض لها الإيرادات والتدفقات النقدية”.

 

وفقاً لسويس ري، فإن هذه التغييرات في نموذج الأعمال ترجع إلى حد كبير إلى التغيرات التكنولوجية والتحول الرقمي.  وتقول الشركة في تقريرها: “إن بعض الشركات الصناعية والتجمعات الصناعية الضخمة تحقق أرباحاً أكبر من بيع الخدمات مثل الصيانة مقارنة ببيع السلع المادية التي تنتجها، وبعضها أخذ بالتحول من بيع المواد المُنتجة لبيع أو تأجير وظائف تلك المواد (على سبيل المثل، بيع انتاج الطاقة من توربينات الرياح بدلاً من التوربينات نفسها.”

 

وقال كيرت كارل كبير الاقتصاديين في سويسرا: “إن أنواعاً جديدة من الحلول توفر الحماية من مجموعة واسعة من المخاطر، وتُوسّع تغطية التأمين من المخاطر التي تتعرض لها الأصول الملموسة نحو تغطية الأصول غير الملموسة”.

 

وطبقاً لما ذكره كارل، فإن الأغطية الشاملة (الكُلّيّانيّة) holistic covers التي تجمع بين مخاطر متعددة ومسببات مترابطة لها هي الطريق إلى الأمام لمعالجة مجموعة متزايدة من المخاطر غير الملموسة للشركات في العالم.

 

وأضاف: “بالإضافة إلى توفير تغطية لمخاطر متعددة، تُوفّر الحلول الشاملة تحويلاً ذا كفاءة للمخاطر [لشركات التأمين] نظراً لتركيز هذه الحلول على التوزيع المشترك لجميع المخاطر.”

 

11 تشرين الأول 2017

Academic and Professional Study of Insurance in Iraq

الدراسة التخصصية الأكاديمية للتأمين في العراق

 

 

مصباح كمال

 

نشرت هذه الورقة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

Actuarial and Insurance Studies in Iraq

 

تقديم

 

ترجع خلفية هذه الورقة إلى سؤالين أثارهما معي السيد مصطفى رشيد الهاشمي، محرر الصفحة الاقتصادية لجريدة الصباح: “لماذا لم يخصص ضمن مناهج الدراسات التخصصية الاقتصادية مادة للتأمين؟  باعتقادكم هل ان وجود مثل هذه المناهج في الدراسات الاكاديمية من شأنه ان يجدد دماء قطاع التأمين لاسيما إذا ما تم توظيف المتفوقين في مادة الرياضيات والرياضيات الاكتوارية؟”

 

12 أيلول 2017

 

استفدت من جوابي المختصر على هذين السؤالين، بعد تنقيحه والإضافة إليه، في كتابة هذه الورقة.

 

غياب التأمين في مناهج الدراسات التخصصية؟

 

1       لماذا لم يخصص ضمن مناهج الدراسات التخصصية الاقتصادية مادة للتأمين؟

 

إن الجواب عند من ينظم ويقرر مناهج الدراسات التخصصية، وبدلاً من التكهن نقدم بعض الملاحظات ذات الطابع التاريخي تلقي قليلاً من الضوء على ما كان موجوداً في مجال الدراسات التأمينية.

 

ليست لدينا معلومات تفصيلية عن مناهج تدريس مادة التأمين في المؤسسات الأكاديمية العراقية.  هناك دراسة جيدة بعنوان “الدراسة الأكاديمية للتأمين في العراق” للمرحوم مروان هاشم القصاب يمكن الرجوع إليها للتعرف على جوانب للموضوع.[1]

 

لقد كانت مادة التأمين حاضرة وبدرجات متفاوتة في مناهج دراسة الاقتصاد منذ خمسينيات القرن الماضي في كلية التجارة وفيما بعد في كلية الإدارة والاقتصاد، وكذلك في مؤسسة المعاهد الفنية/معهد الإدارة الرصافة/قسم التأمين.

 

ومن المفيد أن نذكر أن فترة ازدهار قطاع التأمين في سبعينيات القرن الماضي شهد تعاوناً مثمراً بين المؤسسة العامة للتأمين الملغاة وبين جامعة بغداد تمثَّل في تأسيس الدراسة الأكاديمية للتأمين في قسم الدراسات العليا في كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة بغداد.  وللتعريف بهذه الدراسة نقتبس من كراس كتبه د. جمال عبد الرسول غانم:

 

تعتبر دراسة الدبلوم العالي بإدارة التأمين أعلى دراسة تخصصية في التأمين في العراق.  مدة الدراسة فيها سنتان تقويميتان، ويتخلل الدراسة تدريب عملي في قطاع التأمين العراقي ومنشآته، وتغطي الساعات النظرية كل فروع التأمين إضافة إلى بعض الساعات لمواد غير أساسية (غير تأمينية) تفيد رجل التأمين في عمله. [2]

 

ويضيف د. غانم:

 

تتكون البحوث من جوانب نظرية مع دراسة تطبيقية في قطاع التأمين العراقي، وقد أشرف على تلك البحوث أساتذة هم في معظمهم يحتلون مواقع قيادية في قطاع التأمين العراقي، وعليه فإن بحوث الدبلوم العالي بإدارة التأمين تشكل مصدراً هاماً للمعنيين بالتأمين.[3]

ونكتشف من فهارس البحوث بأنها قد توزعت على التأمين البحري-بضائع، التأمين البحري-سفن، التأمين من الحريق، التأمين على الحياة، التأمين الهندسي، تأمين السيارات-التكميلي، تأمين السيارات-الإلزامي، تأمين الطيران والفضاء، التأمين من الحوادث، التأمين الزراعي، تخطيط التأمين، الإدارة المالية للتأمين، إدارة الخطر، اقتصاديات التأمين، إعادة التأمين، ومواضيع تأمينية متفرقة.

 

استمرت دراسة الدبلوم العالي للفترة 1975-1982:

 

تخرجت الدورة الأولى لهذه الدراسة عام 1975 وآخر دورة تخرجت عام 1982 وتوقف القبول في هذه الدراسة بعد ذلك.[4]

 

لماذا توقف القبول في هذه الدراسة؟  لم نعثر على معلومات للجواب على هذا السؤال لكننا نجازف بالقول إنه بعد تخرج 74 طالباً يحملون شهادة الدبلوم العالي في التأمين لم يعد استمرار هذه الدراسة مناسباً فقد كان العدد كافياً لملء المواقع الإدارية والفنية الكبيرة في قطاع التأمين، وكانت وقتها يضم ثلاث شركات حكومية هي شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية وشركة إعادة التأمين العراقية.  تخريج أعداد جديدة من حملة هذه الشهادة كان سيكون فائضاً عن حاجة الشركات، وربما يؤدي إلى تدهور معنويات بعض حاملي الشهادة لعدم توفر الموقع المناسب لاختصاصهم.

 

وهنا ينهض سؤال: هل أن قطاع التأمين بحاجة إلى حملة الشهادات العليا في التأمين أم إلى أشخاص على درجة جيدة من التعليم ويتمتعون بمعارف ومهارات مهنية تفيد الأداء اليومي لأعمال الشركات بكفاءة؟[5]  لقد ساهمت مؤسسة المعاهد الفنية، معهد الإدارة/الرصافة الذي ضمَّ قسماً متخصصاً بالتأمين في تكوين كادر وسطي للعمل، بعد التخرج، في شركات التأمين أو أقسام التأمين في شركات القطاع العام وبعض الوزارات المعنية بالصناعة والطاقة.  يكتب المرحوم مروان القصاب بهذا الشأن من موقف نقدي:

 

كان لابد من رفد كادر وسطي من الموظفين المتعلمين أكاديميا في شركات التأمين أو أقسام التأمين في الشركات الحكومية مثل قسم التأمين في شركة الخطوط الجوية العراقية أو شركة ناقلات النفط أو وزارة التجارة … الخ لتغطي حاجتها من الموظفين على إدارة خدمة التأمين كمؤمن أو مؤمن له.

 

وبالرغم من ان هذا المعهد قد خرج أكثر من 2400 طالب خلال ثلاثة عقود فهو لم يحقق هدفه الذي ذكرناه أعلاه.  ويبدو ان معظم الطلبة الملتحقين بهذا المعهد من أصحاب المعدلات المنخفضة والذين لا يملكون خيارات متعددة ولم تكن الرغبة في التعلم هي هدفهم بل إبعاد تأريخ الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية للطلبة وكخيار أفضل من الجلوس في البيت بالنسبة للطالبات ما عدا قليل منهم شق طريقه في هذا المجال عمليا وبنجاح وخصوصا في الدورات الأولى.

 

ويبدو ان المختصين في اقتصاديات التعليم والتخطيط وجدوا ان التكاليف المدفوعة والجهد المبذول لإعداد هؤلاء الطلاب لا يوازي الفائدة والمردود المتوقع منهم.  وبدلا من مناقشة هذه المشكلة بشكل جدي من قبل المعنيين بالموضوع تم إغلاق هذا القسم ودمجه مع الأقسام المالية والمصرفية.  (تم غلق القسم عام 2008).[6]

 

وقد تمَّ إعادة فتح فرع التأمين في المعهد العالي للدراسات المالية والمحاسبية في جامعة بغداد أمام طلبة الماجستير.  ويقوم في الوقت الحاضر عدد من الطلاب والطالبات بمتابعة دراساتهم للماجستير في مادة التأمين في هذا المعهد وبعض الجامعات.[7]

تخصصات تأمينية مفقودة

 

2       هل ان وجود مثل هذه المناهج في الدراسات الاكاديمية من شأنه ان يجدد دماء قطاع التأمين لاسيما إذا ما تم توظيف المتفوقين في مادة الرياضيات والرياضيات الاكتوارية؟

 

من المؤسف أن العديد من خريجي الدراسات العليا للتأمين قد هاجروا خارج العراق أو تقاعدوا عن العمل، ولذلك فإن التراكم المعرفي الجماعي في مجال التأمين تأثر سلباً بغيابهم.  وحسب المعلومات القليلة المتوفرة لدينا فإن مناهج دراسة التأمين لم تتوسع لتشمل دراسة إدارة الخطر أو الرياضيات الاكتوارية.  هذين الموضوعين، إدارة الخطر والعلوم الاكتوارية، يمكن لهما أن يدخلا مقترباً جديداً للتعامل الأكاديمي والتطبيقي مع التأمينات العامة وتأمينات الحياة وكذلك إعادة التأمين.  ولكي لا يُساء فهمنا فإن موضوع إدارة الخطر قد تسلل إلى الجامعات العراقية في ثمانينيات القرن الماضي[8] لكنه ظلَّ أسيراً لفهم ضيق له وحصره ضمن الإطار التأميني.  كما أن العلوم الاكتوارية هي الأخرى لم تمتد لتشمل رياضيات التأمين على الحياة، والاحتياطيات المختلفة التي تحتفظ بها شركات التأمين في فروع التأمين المختلفة.  لقد أوفدت شركة التأمين الوطنية عدداً من موظفيها لدراسة العلوم الاكتوارية في المملكة المتحدة لكنه ليس معروفاً إن قام هؤلاء بهذه الدراسة فعلاً أم تحولوا لدراسة فروع علمية أخرى.  (أنظر الملحق).

 

ليس لدينا شك بأن وجود خبير اكتواري صاحب معرفة علمية وتدريب عالٍ في شركات التأمين يمكن أن يشكل نقلة نوعية في عمل هذه الشركات.  على سبيل المثل، يمكن التقليص من الركون إلى التجربة والخطأ في تحديد احتفاظات شركة التأمين، والاستفادة من هذه المعرفة المتخصصة، خارج قطاع التأمين، في دراسة التوقعات المستقبلية، والتغيرات في التركيبة السكانية، وصناديق التقاعد والضمان، واستثمارات الدولة وغيرها.[9]

 

يمكن النظر إلى موضوع الدراسة الأكاديمية للتأمين، وكذلك التدريب المهني المتواصل، على أنه جزء من عملية أو ميل لتحويل مؤسسة التأمين، كمؤسسة مفتوحة يمكن أن يعمل فيها أي شخص يحمل شهادة في العلوم الطبيعية والإنسانية وغيرها، كما هو الحال في الوقت الحاضر، إلى مؤسسة شبه مغلقة، في المدى الطويل، يقتصر العمل فيها على من له تخصص نظري أو عملي في التأمين أو ما يتعلق به.  وهذا الميل أو العملية هو ما يجري التأكيد عليها في أسواق التأمين المتقدمة، من خلال التدريب المهني المستمر للعاملين والعاملات وغيره، لإضفاء الصفة المهنية الاحترافية على العمل في قطاع التأمين.

 

ومع ذلك فإن قطاع التأمين لا يمكن له أن يستغني عن تخصصات أخرى كالعلوم الطبية والاكتوارية في التأمين على الحياة، والهندسة والإحصاء وخبراء الاستثمار والعاملين في إدارة الأفراد وتكنولوجيا المعلومات والحقوقيين وغيرهم.  ولذلك نشهد أن شركات التأمين وشركات وساطة التأمين تضم في كوادرها من درس التاريخ أو الفلسفة أو الجغرافية أو اللغة السويدية أو الروسية لكنه تدرَّب ليصبح “أستاذاً” في ممارسة الفرع التأميني الذي اختص به.

 

اعتماداً على معطيات واقع النشاط التأميني في العراق في الوقت الحاضر يمكن القول بأن التحول المُرتجى (تجديد دماء قطاع التأمين) سيستغرق زمناً طويلاً ما لم نشهد تطوراً كبيراً في حجم أعمال التأمين المكتتبة (مليار دولار على الأقل خلال سنة أو سنتين مع زيادة مدروسة لرأسمال شركات التأمين)، وفي استيعاب التأثيرات التكنولوجية الرقمية الهائلة التي تتسلل بقوة في إدارة المصانع والخدمات وما تجرّه من اختلالات في عمليات الإنتاج، لأسباب داخلية أو خارجية، وتعقيدات في التعامل مع مطالبات التعويض الناشئة عنها.  إضافة إلى ذلك، من الضروري تغيير سياسة الاستخدام في شركات التأمين العامة (وهي رب العمل الأكبر في قطاع التأمين) والتخلص من العمالة الفائضة، غير المنتجة، فيها والموجودة لأسباب غير فنية.

 

وفي تقديرنا، هناك إمكانيات بشرية واعدة في العراق، رغم قلتها وتناثرها، بحاجة إلى عناية وتطوير والاستفادة منها لوضع أسس التحول في دراسة التأمين في المؤسسات الأكاديمية والمهنية ولوضع برامج للتدريب المهني.  نخلص من هذا إلى أن حال مناهج دراسة التأمين يعكس الواقع الحقيقي للنشاط التأميني، ودليلنا على ذلك هو التطور النوعي في دراسة التأمين في حقبة ازدهار التأمين في سبعينيات القرن الماضي، والتدريب المهني الكثيف التي كانت المؤسسة العامة للتأمين (الملغاة) تقوم به لإعداد كوادر شركات التأمين، وكذلك التدريب خارج العراق وخاصة لدى شركات إعادة التأمين العالمية.  تُرى هل هناك الآن تعاون وتنسيق حقيقي بين شركات التأمين، ممثلة بجمعية التأمين العراقية، وبين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لدراسة مدى الحاجة إلى التخصصات التأمينية ولوضع خطة لتدريس مادة التأمين، وهل هناك سياسة وبرنامج وطني للتدريب؟[10]

 

مصباح كمال

16 أيلول 2017

 


 

ملحق

مشروع الدراسة الأكاديمية والمهنية للتأمين خارج العراق

 

سأروي حكاية، قد تكون مملّة لكنها تضمُّ، في رأي، بعض المعلومات المفيدة.

 

بتاريخ 4 كانون الأول 2011 علمت من إدارة شركة التأمين الوطنية أن مجلس الوزراء قد قام بتخصيص خمس عشرة بعثة دراسية إلى المملكة المتحدة للحصول على شهادة الماجستير في العلوم المتخصصة بالتأمين.  وقد سررت بهذا التطور وعبَّرت عن تمنياتي أن تتضافر الجهود لإنجاح الهدف المرتجى والحصول على المعارف العلمية المتخصصة بما يخدم الاقتصاد العراقي ويساهم في تطوير قطاع التأمين.

 

جاءت هذه المعلومة عقب تبادل رأي مع إدارة الشركة في لقاءات في لندن، واستلامي لدعوة من رابطة الأكاديميين العراقيين في المملكة المتحدة للاستجابة لرسالة وجهتها الملحقية الثقافية العراقية تطلب فيها تحديد التخصصات العامة والدقيقة لدراسة المبتعثين في الملكة المتحدة.  استجابة لهذه الدعوة اقترحت تخصيص بضع بعثات دراسية جامعية للحصول على شهادة الماجستير في العلوم الاكتوارية Actuarial Science والتأمين وإدارة الخطر Insurance & Risk Management وكذلك الدراسة المهنية للحصول على زمالة معهد التأمين القانوني (مركزه في لندن) Chartered Insurance Institute (CII) أو على شهادات أخرى يمنحها هذا المعهد.

 

سرّني أن الملحقية الثقافية تعاملت بإيجابية مع ما اقترحت وكتبت بتاريخ 13 كانون الأول:

 

وجه السيد المستشار الثقافي الدكتور عبد الرزاق عبد الجليل العيسى بأننا سنعمل للحصول على قبول للعدد الذي يحدد من قبلكم مع التخصص العام والدقيق.

 

ولكوني لست صاحب قرار في الموضوع أعلمت الملحقية الثقافية بما وردني من شركة التأمين الوطنية لتأخذ علماً به وإن تطلب الأمر التنسيق مع الملحقية خاصة إذا كانت شركة التأمين الوطنية ستساهم في تمويل بعضٍ من هذه البعثات الدراسية.  وبادرت بالكتابة إلى إدارة شركة التأمين الوطنية بتاريخ 19 كانون الأول 2011 مع نسخة لرئيس ديوان التأمين وكالة، مرفقاً نسخة من رسالتي إلى الملحقية الثقافية أدناه، مع رجاء لإعلامي إن كانت لدى الشركة أية ملاحظات أو إضافات لخدمة مشروع تطوير الدراسة الأكاديمية والمهنية للتأمين.

 

الأعزاء في الملحقية الثقافية

 

تحية طيبة

 

التقيت يوم أمس مع السيد صادق الخفاجي، المدير العام ورئيس مجلس إدارة شركة التأمين الوطنية، وأعلمني أن البعثات الدراسية التي أقرتها وزارة المالية ووافق عليها مجلس الوزراء لا تشمل العلوم ذات العلاقة بالتأمين، وانه بصدد ترتيب إجازات دراسية، بالتنسيق مع شركة التأمين العراقية وشركة إعادة التأمين العراقية، لعدد من العاملين في الشركات الثلاث لدراسات عليا (ماجستير) في المملكة المتحدة.  وقد فهمت منه بأن الوزارة معنية باختصاصات أخرى تقع خارج دائرة التأمين.

 

وقد اقترحت عليه أن تكون الإجازات الدراسية فيما يخص الدراسة الجامعية مقتصرة على العلوم الاكتوارية وإدارة الخطر على أن يقترن ذلك بدراسات ذات طابع مهني توفر مهارات آنية عملية إضافة إلى المعرفة القانونية والإدارية والمبادئ والممارسات التي تنتظم فروع التأمين المختلفة.  ويمكن أن تتخذ الدراسة المهنية شكل الدراسة للحصول على زمالة معهد التأمين القانوني (مركزه في لندن) Chartered Insurance Institute (CII) أو على شهادات أقل درجة من الزمالة.  حملة هذه الشهادات سيعملون، كما أرى، في قطاع التأمين العراقي الذي يتحمل تكاليف الدراسة.

 

واقترح عليكم العمل على تخصيص بضع بعثات دراسية جامعية للحصول على شهادة الماجستير في العلوم الاكتوارية Actuarial Science والتأمين وإدارة الخطر Insurance & Risk Management، وكلتاهما متوفرتان في لندن وخارجها.  حملة شهادة العلوم الاكتوارية يمكن أن يعملوا في وزارة المالية، وزارة التخطيط، الضمان الاجتماعي، صندوق التقاعد، استثمارات الدولة والمجالات الأخرى التي تقوم على الاحتمالات والتوقعات المستقبلية.  وبالطبع يمكن أن يعملوا في شركات التأمين أيضاً وبخاصة في حقل التأمين على الحياة.

 

وقد يكون من المناسب قيامكم بالتنسيق المباشر (أو عن طريق وزارة التعليم العالي) مع شركة التأمين الوطنية، شركة التأمين العراقية وشركة إعادة التأمين العراقية (وكلها تابعة للدولة) أو من خلال ديوان التأمين العراقي (جهاز الإشراف على نشاط التأمين التابع لوزارة المالية) فيما يخص دراسة التأمين وإدارة الخطر لتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة لتمويل الدراسة الجامعية الأولية والعليا.

 

آمل أن تكون هذه الملاحظات مفيدة.

 

مع التقدير.

 

مصباح كمال

 

لم يردني أي رد من الملحقية الثقافية.  تبادلت بعض الرسائل مع إدارة شركة التأمين الوطنية بشأن الدراسة الاكتوارية لكن التواصل توقف ولم أشأ أن أكون مصدراً للإزعاج.  علمت فيما بعد أن عدداً من طلبة البعثات يواصلون دراسة الماجستير في بريطانيا، واكتشفت أن البعض منهم ليس له معرفة كافية باللغة الإنجليزية، ومجال الدراسة بعيد عن إدارة الخطر أو العلوم الاكتوارية.  ربما تم اختيارهم دون توفرهم على المؤهلات الأساسية المطلوبة للدراسة في الخارج، وليس هذا بغريب على معظم الحكومات العراقية منذ 1968 وحتى الوقت الحاضر مع استثناءات قليلة.

 

إذا كان قطاع التأمين مفتقراً إلى سياسة، تخطيط، لدراسة التأمين على مستويات مختلفة وبرنامج للتدريب المهني، داخل وخارج العراق؛ وإذا كان حاجته لموظفات وموظفين بمؤهلات تعليمية مناسبة ليس محدداً كيف يتسنى للمؤسسات التعليمية والبحثية، الأكاديمية والمهنية، إعداد المناهج التخصصية؟  لكن هذا الحال هو من حال العراق.

 

يذكر الأستاذ عبد الباقي رضا في رسالة لي حكايته عندما رُشح، بعد تخرجه عام 1955 من كلية التجارة والاقتصاد، لبعثة تحت عنوان (محاسبة التأمين) لدراسة الماجستير في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وحين كلف مترجم الوزارة لترجمة هذا العنوان والطلب من الملحق الثقافي في واشنطن الحصول على قبول لي لدراسة هذه المادة، ظهر أن الجهة التي طلبت هذا التخصص هي (دائرة العمل والضمان الاجتماعي) فكتبت وزارة المعارف إليها تسأل عن طبيعة هذا التخصص فجاء الجواب (دراسة المحاسبة بصورة عامة ومحاسبة التأمين بصورة خاصة).  بناء عليه طلبت الوزارة من الملحق الثقافي الحصول على قبول في إحدى الجامعات لدراسة (Accounting & Insurance).  التحقت بالجامعة في ايلول 1957 فأخبرني الأستاذ المختص بأن دراسة المحاسبة في الـ postgraduate يكون في إدارة الأعمال.  وحيث أن الملحقية الثقافية العراقية طلبت أن أدرس التأمين إضافة إلى الدراسة العليا في المحاسبة فإن عليَّ تلقي دروس في التأمين في مرحلة البكالوريوس.  هكذا بدأت بدراسة التأمين على الحياة صباحاً والدراسة العليا في المحاسبة مساءً.

 

انتهى الفصل الأول وكان عليَّ مواصلة دراسة التأمين في الفصل الثاني فكانت المادة (تأمين الحريق والحوادث).  حين بدأت دراسة هذه المادة استغربت من علاقة هذه المادة بالعمل والضمان الاجتماعي فراجعت استاذي حوله فسأل عن الجهة التي عينت تخصصي وحين أخبرته انها (العمل والضمان الاجتماعي) كان رد فعله العجيب هو O boy you are on the wrong track! وان الاختصاص المطلوب لهذه الدائرة هو علم آخر اسمه actuarial science وهذا الاختصاص غير موجود في جامعتنا وان خلفيتي الأكاديمية لا تساعد في متابعة التخصص الذي يتطلب رياضيات وليس محاسبة.

 

عدت إلى بغداد في أيلول 1959 وراجعت العمل والضمان الاجتماعي فرحبوا بي للتعيين محاسباً في أحد فروعها، ولدى مراجعة الإدارة العامة لمعرفة حقيقة التخصص المطلوب واستخراج اولياته وجدنا تقريراً من خبير أمريكي يقول ان الدائرة بحاجة إلى actuary وترجمت الكلمة إلى (محاسب تأمين) كما في قاموس أنطون إلياس أنطوان.

 

هكذا أُخفقت أول محاولة لتزويد العراق بخبير اكتواري وحتى الآن يخلو العراق منه![11]

 

 

مصباح كمال

16 أيلول 2017

[1] مروان هاشم القصاب، مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق (مكتبة التأمين العراقي، ط2، 2014)، ص 26-40.  الكتاب متوفر عندي بصيغته الإلكترونية (بي دي إف) يمكنني إرسال نسخة منه لمن يرغب.

[2] جمال عبد الرسول غانم (إعداد)، فهارس بحوث الدبلوم العالي في إدارة التأمين (بغداد: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مؤسسة المعاهد الفنية، معهد الإدارة/الرصافة، قسم إدارة التأمين، 1983)، ص 1.

 

[3] د. جمال عبد الرسول غانم، مصدر سابق، ص 2.

[4] المصدر نفسه، ص 1.

 

[5] أ. د. محمد الربيعي” “لمن تقرع الأجراس … للتعليم الأكاديمي أم التعليم المهني؟” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2015/02/24/%d8%a3-%d8%af-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%b9%d9%8a-%d9%84%d9%85%d9%86-%d8%aa%d9%82%d8%b1%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%b1%d8%a7%d8%b3-%d9%84%d9%84%d8%aa%d8%b9/

 

[6] مروان القصاب، مصدر سابق، ص 31-32.

 

[7] لا تتوفر لدينا معلومات عن دراسة التأمين في إقليم كردستان-العراق.

لم نطلع على أطروحات الماجستير في المعهد العالي للدراسات المالية والمحاسبية لنكوّن رأياً عنها وهل أنتجت معرفة علمية أم اجتراراً مهذباً لما هو متوفر من معرفة تأمينية.

 

[8] سليم الوردي، إدارة الخطر والتأمين (بغداد، د.ن، 1999)، ص 4-5.  النسخة الإلكترونية (مكتبة التأمين العراقي، 2016)، ص 10-11، متوفرة في المكتبة الاقتصادية لشبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/07/Salim-A.-Al-Wardi-Risk-managment-in-insurance-industry-.pdf

 

[9] من المؤسف، وحسب علمنا، أن الدولة في العراق لا تضمّ دائرة لخبير اكتواري ليساعد أصحاب القرار في رسم السياسات اعتماداً على تحليلات علمية.  للتعرّف على مثل هذه الدائرة في المملكة المتحدة Government Actuary’s Department راجع:

https://www.gov.uk/government/organisations/government-actuarys-department/about

 

[10] هناك حاجة لدراسة اقتصاديات ربط التعليم الجامعي والمهني في مجال التأمين مع حاجة قطاع التأمين.  يمكن لجمعية التأمين العراقية البدء بمثل هذه الدراسة أولاً تمهيداً للدراسة المشتركة.

 

للتعرّف على دور ديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية وسياسة التدريب وبعض إشكاليتها أنظر: مصباح كمال، “التدريب المهني بين الجمعية والديوان: ملاحظات أولية،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2011/12/03/training-professional-development/

 

[11] عبد الباقي رضا، رسائل في السيرة الذاتية والتأمين (عنوان مقترح لكتاب غير منشور يضم مجموعة من رسائل الأستاذ عبد الباقي رضا)، ص 21-22.  الرسالة مؤرخة في 22 تموز 2011.

Is there a cost to the economy in the absence of insurance?

هل هناك تكلفة للاقتصاد عندما يكون التأمين غائباً؟  ملاحظات أولية

مصباح كمال

نشر المقال أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين

Cost to Economy whre Insurance is Absent

مقدمة

 

أُثير هذا السؤال معي قبل بضع سنوات من قبل أحد زملائي في الشركة التي كنت أعمل فيها كجزء من دراسة كان يعدّها لدائرة رسمية في إحدى الدول العربية تعمل على إدخال أشكال جديدة من التأمين، وخاصة في مجال المسؤوليات التي تمسُّ الناس والمجتمع.  وقتها كتبت ملاحظاتي باللغة الإنكليزية، كما طُلب مني.  وقد استهديت مؤخراً إلى هذه الملاحظات أثناء البحث في موضوع آخر، وبعد قراءتي السريعة لها وجدت أنه من المفيد أن أكتبها باللغة العربية لعلني بذلك أفتح “شهية” بعض المهتمين بالشأن التأميني لعرض أفكارهم النقدية عنها.

 

أبقيت على الإطار العام ومقترب تناول الموضوع كما كان في الأصل الإنكليزي مع بعض الإضافات.  أرجو أن تقرأ هذه الملاحظات كمحاولة أولية للاقتراب من الموضوع.

 

استطراد

 

لا أظن بأن هذا السؤال قد أثير في سوق التأمين العراقي أو لقى اهتماماً عميقاً من المعنيين بالنشاط التأميني في العراق.  وقد يعود ذلك لضآلة الدور الذي تلعبه مؤسسة التأمين في الاقتصاد وفي الحياة العامة وطغيان الريع النفطي على الخطاب الاقتصادي.[1]  وفي العادة يثار السؤال عندما تحصل كوارث طبيعية أو بشرية في بلد ما لتقدير آثارها على الاقتصاد الوطني.  فالمعروف أن الكوارث الطبيعية، الجسيمة في حجم الأضرار والخسائر التي تحدثها، تجلب معها أثاراً اقتصادية سلبية في المدى القصير (سنتين أو أكثر بقليل)، مثلما تجلب أيضاً آثاراً سلبية في المدى الطويل على النمو الاقتصادي والتنمية.  وهناك آراء تقول بأن الآثار السلبية لمثل هذه الكوارث هي ليست دائماً حتمية وخاصة في البلدان التي تشهد تحولات اقتصادية متمثلة بالنمو السريع، والتوسع الحضري وما يرتبط بهذا التحضر من تغيرات تقنية واجتماعية (ولكل هذا آثار على الطلب على حماية التأمين في أعقاب الكوارث، مثلما يساهم التأمين، في حالة وجوده قبل الكوارث، في التعويض عن آثارها).  وهناك من يقول بأن الكوارث الطبيعية تعمل لصالح النظام الرأسمالي.[2]

 

ومع ذلك فإن تكلفة غياب التأمين للاقتصاد الوطني لا ينحصر في وقوع الكوارث الطبيعية كما سنحاول تبيانه في الملاحظات التالية.  إن هذه الملاحظات ليست شاملة ولا تستنفد ما يمكن للتحليل الاقتصادي أن يقدمه.

 

ملاحظة عامة حول بعض الآثار الاقتصادية لغياب التأمين

 

إن شركات التأمين، جنبا إلى جنب مع صناديق المعاشات التقاعدية والصناديق التبادلية، هي واحدة من أكبر المؤسسات الاستثمارية في أسواق الأسهم والسندات والعقارات ومن المتوقع أن تأثيرها المحتمل على التنمية الاقتصادية ستزداد بدلا من الانخفاض بسبب ظهور بعض الظواهر الحديثة كتزايد عدد المسنين وخاصة في المجتمعات الغربية (مما يتطلب تكوين صناديق أكبر للمعاشات التقاعدية والبحث عن أنماط جديدة للاستثمار والمحافظة على قيمة الأموال المتراكمة من التآكل بسبب التضخم النقدي والتقلبات في أسعار العملات الصعبة).

 

ويعتبر التأمين في اقتصادات الدول الغربية المتقدمة حجر الزاوية في الاقتصاد فهو الذي يسدد، على سبيل المثل، تكاليف المحامين والمحاكم والمحكمين (في حالات التنازع على الحقوق والالتزامات بين أطراف عقد التأمين)؛ وتكاليف العناية الصحية والعمليات الجراحية (عند وقوع حوادث تؤدي إلى إصابات بدنية، أو عندما يتعرض المؤمن عليه لمرض يستدعي المعاينة والعلاج)؛ وتكاليف تصليح الأضرار واستبدال المكائن وخسارة الإيراد (عندما يتعرض مصنع لحريق أو انفجار أو ينهار مشروع قيد الإنشاء أو قيد الاختبار) …الخ.[3]

 

هذا على مستوى الأفراد والشركات (الطلب على التأمين)، ولكن التأمين هو جزء من القطاع المالي ويمكن أن يكون له تأثيراً هاماً على النمو الاقتصادي، فقد بينت بعض الدراسات التجريبية، التي تعتمد على عينات كبيرة من البلدان في الستينيات إلى الثمانينيات، أن تنمية القطاع المالي، بضمنه التأمين، يمكن أن يكون له تأثيراً اقتصادياً هاماً على النمو.[4]  في واحدة من هذه الدراسات قام كاتبيها بتحليل المجالات المختلفة التي يظهر فيها تأثير قطاع التأمين على النمو الاقتصادي: [5]

تحويل الأعباء المالية للمخاطر (تَحمُّل قطاع التأمين للمخاطر نيابة عن أشخاص اقتصادية أخرى وبما يساعد هؤلاء على تحقيق استقرار في تدفق إيراداتهم، وتقليل التقلبات في هذه الإيرادات، ودعم نشاطهم الاقتصادي وبالتالي النشاط الاقتصادي العام من خلال الترابطات بين الكيانات الاقتصادية).

 

توفير مدخرات بديلة (من خلال توسيع نطاق الاستثمار الذي من شأنه أن يزيد من فعّالية الوساطة المالية وبالتالي يساعد في النمو الاقتصادي).

 

الاستثمار (التوظيفات الرأسمالية في أعيان مادية أو أسهم وسندات، وبالتالي المساهمة في زيادة الحجم الإجمالي للاستثمار وتعميق أسواق رأس المال).

 

مجالات النفوذ المؤسسية (كالتأمين عبر المصارف).

 

مع ملاحظة أن قطاع التأمين يخضع لإشراف الأجهزة الرقابية المتخصصة والقواعد القانونية، وهذه تؤثر على استثماراتها وأشكال الاستثمار.

 

وهكذا عندما يكون التأمين غائباً، فإن أثره الاقتصادي سيتخذ شكل انخفاضٍ في الاستثمار، وبالتالي يؤدي إلى نمو أقلّ للاقتصاد.

 

التكلفة المباشرة للاقتصاد والمجتمع: مثال عدم التأمين على المسؤولية المهنية

 

ما هي التكلفة المباشرة للاقتصاد والمجتمع عندما لا تقوم الشركات والتنظيمات الأخرى بإجراء التأمين، على سبيل المثل، من أخطاء المسؤولية المهنية أو ترتيب حماية تأمينية كافية من هذه المسؤولية[6] آخذين بنظر الاعتبار حجم الانفاق الكبير على شراء التأمين من المسؤولية؟  في عام 2013 شكَّل هذا الانفاق في سوق لندن، على سبيل المثل، حوالي 16% (2,855bn باون) من إجمالي أقساط التأمين (17,445bn) المكتتبة من قبل شركات التأمين.[7]

 

إن التأثير الرئيسي لعدم شراء هذا التأمين أو عدم كفاية ما يُشترى منه هو أن هذه الشركات قد لا تستطيع أن تصمد أمام المطالبات القانونية بالتعويض التي قد تجابهها بسبب أخطاء مهنية، خاصة إذا كانت هذه الشركات حديثة النشأة أو في مراحلها الأولى من التطور، والمطالبات القانونية ضدها كبيرة.  فالشركة غير المؤمن عليها (الشركة التي لا تشتري التأمين) أو الشركة ذات التأمين الناقص (الشركة التي لا تشتري تأميناً كافياً) تُعرّض نفسها وبشدة للخطر (إضعاف قاعدتها المالية) عند وقوع حادث وقيام مطالبة ضدها لا تستطيع مواجهة أعبائها المالية (أي التعويض عنها) ويعيق قدرتها على القيام بأعمالها بشكل اعتيادي أو حتى إنهاء وجودها بالمرة.

 

لذلك من المرجَّح أن تتوقف الشركة نهائياً عن العمل إذا وقع حادث خطير دون أن يكون لديها تغطية تأمينية كافية، أو إذا توقفت الشركة عن العمل ولا توجد وسيلة لدى المُطالب بالتعويض، أي الشخص الثالث المتضرر، للحصول على تعويض من الشركة.  لذلك يمكن لهذه الحالة أن تؤدي إلى نتيجة/نتائج غير مباشرة، تأثير الدومينو، وهي أن الطرف المتضرر ربما لن يسعى إلى تعيين محامين/ممثلين قانونين له للمطالبة بحقوقه بالتعويض عمّا أصابه بسبب نشاط الشركة، كما أن الطرف المتضرر ربما لن يتمكن من التماس العلاج الطبي إذا لم يكن بمقدوره تحمّل مصاريفه.  وبالتالي فإن الطرف المصاب سيصبح أقل إنتاجية مما يؤثر على عمله وربما قدرته على كسب رزقه.

 

وتسعى المؤسسات المهنية للحصول على الحماية التأمينية لأعضائها لأن أنشطتها تؤثر على الناس والممتلكات.

 

يمكن التكهن بأن الناتج المحلي الإجمالي سيعاني انخفاضاً في حالة عدم وجود تأمين، وبالتالي فإن غياب التأمين من المسؤولية المهنية (وفروع تأمينية أخرى) سيؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي.  هناك إذاً أثر سلبي، سواء أكان اجتماعياً أو اقتصادياً، في حالة عدم شراء التأمين أو عدم توفره أو عدم كفايته.

 

التكلفة الاقتصادية لغياب التأمين بوجه عام

 

إضافة إلى ما أوردناه أعلاه بشأن التأمين من المسؤولية المهنية، يمكن توسيع نطاق النظر في التكلفة الاقتصادية لغياب التأمين من مسؤوليات أخرى كالمسؤولية الناشئة من المنتجات والمسؤوليات البيئية.  فأنشطة الشركات، العامة أو الخاصة، لها تأثير على الناس والممتلكات والبيئة.  والمسألة هنا هي كيفية قياس التكلفة التي يتعين على الاقتصاد الوفاء بها في غياب التأمين.

 

إن الشركات الرأسمالية تشتري حماية التأمين لتمويل:

 

  • التلف أو الضرر المادي الذي قد تلحق بأصولها المادية
  • خسارة الدخل (توقف العمل) نتيجة حادث عرضي
  • المسؤولية القانونية تجاه الغير الناشئة من نشاط الشركة

 

وذلك لضمان البقاء كمؤسسة عاملة وضمان استمرارية الأعمال.  وفي غياب شركات التأمين، على الشركات أن توفر الوسائل المناسبة لتمويل الخسائر المحتملة.  وقد تشمل هذه الوسائل (1) إيرادات التشغيل، ولكن إذا كانت الخسارة كبيرة فإن هذه الإيرادات لن تكون كافية لتمويل أعمال تصليح واستبدال المكائن والمعدات والمباني لتحقيق هذا الهدف.  (2) بدلاً من ذلك، قد تلجأ الشركات إلى الاقتراض من المصارف ولكن القروض قد لا تكون متاحة بسهولة أو متاحة ولكن بشروط صارمة ومكلفة.  وعلى أي حال، فإن الشركة التي تعاني من خسارة جسيمة كبيرة في الممتلكات والدخل لن تكون عميلاً جذاباً للإقراض.  (3) ومن ناحية أخرى، يمكن تخصيص صندوق خاص لتغطية تكاليف تمويل الخسارة، أو اللجوء إلى التأمين الذاتي أو تأسيس شركة تأمين مقبوضة.

 

وقد تمَّت تجربة هذه الحلول كبديل للتأمين في دول عديدة ولكن من الأنسب، اقتصادياً ومن منظور التوفير في التكاليف، نقل عبء الخسارة إلى شركة تأمين مقابل دفع قسط (كلفة معلومة ابتداءً في معظم الحالات يمكن إدراجها في ميزانية الشركة).

 

إن شركات القطاع العام لا تختلف عن الشركات الخاصة في تعرّضها للخسائر والالتزامات التي تواجهها.  وهذا هو السبب في أنها تلجأ أيضاً إلى التأمين التجاري والتأمين الذاتي (من خلال شركة تأمين تبادلية لتأمين الممتلكات والمسؤوليات القانونية، كما هو الحال مع البلديات في بعض البلدان).

 

 

 

غياب التأمين وإمكانية تعرض الاقتصاد إلى تكاليف مختلفة

 

في حالة عدم وجود حماية تأمينية، يتعين على أولئك الذين يعانون من نتائج الخسارة (المنتجات المعيوبة، والأضرار البيئية وغيرها) اللجوء إلى المحاكم للمطالبة باسترداد تكاليف هذه الخسارة من مسببها.  ويمكن للشركات الخاصة أن تقوم بتسوية مطالبة الطرف المتضرر بالتراضي دون اللجوء إلى المحاكم، أو من خلال التحكيم، أو ينتهي الأمر، عند عدم توفر السيولة أو فائض في الدخل لتعويض المتضررين، إلى وضع الشركة تحت إدارة قيِّم أو التصفية.

 

في حين يتعين على المؤسسات والشركات العامة، عند غياب التأمين، أن تدفع التعويضات من ميزانياتها العادية أو أن تطلب من خزانة الدولة (وزارة المالية) تمويل التزاماتها تجاه أطراف ثالثة.  وفي الواقع، فإن هذا الوضع يستلزم تحويل الموارد المالية، التي ربما تكون شحيحة، التي تُنفق على الأشغال العامة، والرعاية الاجتماعية، والاستثمارات الإنتاجية الأخرى، لتعويض المتضررين.  وهذا شكل من أشكال الخسارة للاقتصاد.

 

وبالمثل، عندما لا يكون هناك تأمين، فإن الأخطار الطبيعية والبشرية التي تسبب أشكالاً مختلفة من الأضرار بالممتلكات العامة (المباني والمصانع الطرق والجسور وغيرها من المنشآت) تتطلب إعادة البناء أو الإصلاح التي يجب أن تُموّل تكاليفها من قبل السلطات المحلية أو المركزية.  وهذا استنزاف للمالية العامة يمكن الحد منه والتخفيف من آثاره من خلال التأمين.

 

وفي حالة عدم وجود تأمين (أي عندما لا يوجد طلب على منتجات التأمين)، تتقلص محفظة الاكتتاب لشركات التأمين، وبالتالي فإن الأموال (الأقساط المتراكمة) التي ستكون متاحة لأغراض الاستثمار تأخذ بالتقلص.  وبالتالي فإن دور شركات التأمين كوسيط مالي سيضعف أو يتوقف ومن ثم سيتأثر نمو الاقتصاد.

 

إضافة إلى ذلك، عندما يتقلص حجم أقساط التأمين لدى شركات التأمين، ستتقلص بالنتيجة الضرائب والرسوم (ضريبة الدخل، الضريبة المفروضة على أقساط التأمين، رسم الطابع) التي تقوم وزارة المالية بجبايتها من هذه الشركات.

 

ومن شأن انخفاض الطلب على التأمين وبالتالي تقلّص الإنتاج في شركات التأمين أن يؤدي إلى تقليص الطلب على عمالة جديدة لا بل التخلص من أي عمالة فائضة عن الحاجة في هذه الشركات.  هذا الوضع يزيد من تكلفة إعانات البطالة والرعاية الاجتماعية للمسرَّحين من العمل.

 

ومن أجل احتواء أوجه التكاليف الاجتماعية الخارجية external diseconomies الناشئة من النشاط الصناعي والتجاري، تتدخل الدولة لوضع حدود وضوابط، على سبيل المثال، على التلوث الذي تنتجه الشركات الصناعية وغيرها.  وتتدخل الدولة أيضاً في جعل بعض التأمينات إلزامياً بسبب هذه التكاليف الخارجية؛ يعني هذا تحويل عبء التعامل مع التلوث على المسبب.

 

ماذا يعني غياب التأمين للاقتصاد سؤال كبير بحاجة إلى من يبحث فيه على المستوى النظري، وتقدير تكاليف هذا الغياب على الاقتصاد الوطني.

 

20 أيلول 2017

[1] حاولت دراسة التأمين في الكتابات الاقتصادية العراقية وإبراز بعض الجوانب الاقتصادية لمؤسسة التأمين في كتابي التأمين في الكتابات الاقتصادية العراقية (مكتبة التأمين العراقي، 2014).  الكتاب متوفر في المكتبة الاقتصادية لشبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2014/05/Insurance-in-Iraqi-Economic-Writings-1.pdf

 

[2] Real-World Economic Review Blog:

https://rwer.wordpress.com/2012/11/06/why-natural-disasters-are-good-for-capitalism/

 

Evening Standard, Monday 11 September 2017.

https://www.pressreader.com/uk/london-evening-standard-west-end-final-b/20170911/281547996052249

 

[3] هذا العرض السريع لا يستفد دور قطاع التأمين في الاقتصادات الغربية كوسيط مالي، وكممول غير مباشر للتقدم العلمي والتكنولوجي ويكفي أن نذكر كمثل تأمين مشاريع تطوير وإطلاق الأقمار الصناعية.

[4] Peter R. Haiss and Kjell Sümegi, The Relationship of Insurance and Economic Growth – A Theoretical and Empirical Analysis, Emprica, Journal of Applied Economics and Economic Policy, Vol. 35, No. 4, pp. 405-431, 2008

 

وقد تناولنا دور الأصول المالية والوساطة المالية لشركات التأمين في فصل من كتابنا التأمين في كوردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 12-33.

[5] Haiss and Sümegi, op. cit.

 

[6] اختيار تأمين المسؤولية المهنية كان ضمن ما طلب مني التعليق عليه. يمكن تطبيق التحليل على فروع أخرى كالتأمين على مصنع من خطر الحريق.

[7] International Underwriting Association of London, London Company Market Statistical Report, October 2014.

file:///C:/Users/Misbah%20Kamal/Downloads/Company_Market_Statistics_Report_2014.pdf

الأرقام والنسب التي أوردناها لا تضم إحصائيات سوق لويدز.

Fronting Insurance Policies

وثائق تأمين الواجهة

السادة / وزارة المالية – ديــوان التأمين المحترمين

 

الموضوع: وثائق الواجهة[1]

 

تحية طيبة

 

اشارة إلى كتابيكم المرقمين 360 والمؤرخين 24/12/2012 و2/5/2013 يسرنا ان نبدي رأينا في هذا الموضوع كما يلي:

 

الواجهة تعني ان تقوم شركة التأمين بإصدار وثيقة التأمين بشكل اعتيادي وتضمينها كافة التفاصيل الضرورية عند اصدار وثيقة تأمين مشابهة بالشكل الاعتيادي والفرق بين الحالتين هو عند اصدار وثيقة تامين بالشكل الاعتيادي، تحتفظ الشركة المصدرة بجزء من مبلغ التأمين وتسند الباقي إلى الاتفاقية وفي حالة وجود فائض تقوم الشركة المصدرة بتغطيته اختياريا حسب معرفتها وتكون هذه الشركة مسؤولة قانونا وتعاقديا تجاه المؤمن له ويقع تحت طائلة مسؤوليتها اي تعويض بالكامل بغض النظر عن موقف معيدي التأمين، اما عند اصدار وثيقة على اساس الواجهة (On Fronting Basis) فتتم اعادة التأمين بالكامل لدى شركة أو شركات اعادة التأمين من قبل المؤمن له وبمعرفته أو من قبل من ينوب عنه، (الوسيط مثلا)، و في حالة تلكؤ المعيد عن التسديد لا تتحمل الشركة الواجهة اي مسؤولية. وكي تتحرر الشركة الواجهة من المسؤولية بشكل واضح وصريح يشترط ان تكون هذه الوثيقة خاضعة إلى اتفاقية عــــــدم الاضرار Hold Harmless Agreement (H.H.A) موقعة من كل الاطراف: المؤمن (الشركة الواجهة) والمؤمن له ومعيد التأمين، ويحتفظ بنسخة أصلية منها في ملف الوثيقة لدى الشركة الواجهة.

 

هذا وان الغرض من إصدار الوثيقة على اساس الواجهة يأتي للالتفاف على القوانين والأنظمة السارية، في البلد الذي يتواجد فيه محل التأمين، التي تقضي بوجوب التأمين على الاموال الموجودة في البلد لدى شركة مسجلة في نفس البلد. علما بان هذا الاشتراط مطبق في جميع الدول العربية والإقليمية وفي بعض دول العالم. ومن فوائده ما يلي:-

 

  1. ضمان عدم تسرب نسب كبيرة من اقساط التأمين كعملة صعبة إلى خارج البلد.
  2. ضمان حقوق المؤمن لهم والمستفيدين من التعويض بشكل مناسب وقانوني وفقا لشروط الوثيقة لآن التأمين لدى شركات أجنبية فيه محاذير عدم تسديد التعويضات المستحقة لأسباب شتى منها على سبيل المثال أن اغلب اتفاقيات اعادة التأمين تنص على وجوب ان ينصب التأمين على ممتلكات تعود ملكيتها إلى الاشخاص المواطنين أو المؤسسات والشركات الوطنية أو المقيمين في البلد المعني دون غيرهم، فإذا تم التأمين على اموال موجودة في البلد لدى شركات اجنبية اتفاقياتها الخاصة بإعادة التأمين تشترط النص اعلاه عندها ربما ستعجز شركة التأمين الاجنبية عن التسديد بسبب رفض المعيد للتعويض لمخالفته لشروط الاتفاقية وربما أيضا تمتنع الشركة الاجنبية عن تسديد التعويض لأي سبب مستغلين عدم معرفة المؤمن لهم بشروط وثائق التأمين، وسيكون من الصعب على المؤمن له اتباع الطرق القانونية لاستحصال التعويض من المؤمن الاجنبي وبالأخص إذا كانت اللغة تختلف عن لغة المؤمن له، (هناك حالات مشابهة). بينما التأمين لدى شركات وطنية تعمل داخل البلد وفي حالة تلكؤها أو امتناعها عن التسديد يستطيع المؤمن له وبسهولة اللجوء إلى التحكيم ومقاضاة الشركة لدى المحاكم المختصة ودون تكبد مصاريف اضافية كالسفر إلى بلد الشركة الاجنبية وقد يتعرض للاحتيال وما اكثره في أيامنا هذه.

 

لهذه الاسباب يجب تجنب التأمين على اساس الواجهة حفاظا على حقوق المؤمن لهم وتحقيقا للمصلحة العامة بإصدار تعليمات بهذا الخصوص ولكن مع وجوب المرونة بحيث يمكن الموافقة بشكل خاص بإجراء التأمين على اساس الواجهة بنطاق ضيق وعند الضرورة وحسب ما تقتضيه المصلحة العامة مع وجوب ضمان حقوق البلد في استيفاء الضرائب والرسوم المقررة وكذلك أن تطبق الشروط الضرورية لتحصين الشركات المصدرة لمثل هذه الوثائق. وبسبب ظروفنا الخاصة نؤكد من الضروري جواز اصدار وثائق التأمين على اساس الواجهة بالشروط ادناه عند الضرورة فقط وفي حالة الخشية من عدم اصدار الوثيقة بشكل مطلق داخل البلد لأسباب قانونية تسمح بذلك أو غير قانونية.

 

لذا نرتأي اصدار تعليمات ملحقة بجواز اصدار الوثيقة على اساس الواجهة بعد الحصول على موافقة ديوان التأمين وعند توفر الشروط التالية:-

 

1- إذا اجازت القوانين السارية إجراء التأمين لدى الشركات الأجنبية كما هو الحال في قانون الاستثمار.

2- ادراج تفاصيل الوثيقة بالكامل في سجلات الاصدار للشركة المصدرة مع اعتبار قسط التأمين بالكامل من الاقساط المكتتب بها، وبهذه الطريقة يتم ضمان استيفاء الرسوم المقررة للدولة كرسم الطابع ورسم تجديد اجازة مزاولة العمل التأميني وكذلك ضريبة الدخل في حال تحقيق ارباح سنوية.

3- ان تحدد العمولة للشركة المصدرة بمبلغ مجزي.

4- إخضاع الوثيقة إلى اتفاقية عدم الاضرار Hold Harmless Agreement موقعة من قبل الشركة المصدرة والمؤمن له ومعيد التأمين بشكل مؤكد مع الاحتفاظ بنسخة اصلية منها لدى الشركة الواجهة.

 

بهذه الطريقة مع الرقابة من اجل التصحيح اعتقد اننا سنضمن مصالح قطاع التأمين والمصلحة العامة. وللأهمية نؤيد عقد اجتماع برعاية الديوان للمناقشة وإغناء الموضوع بما هو مفيد.

 

مع التقديــــــــــر.

 

منعم الخفاجي

المدير المفوض

[1] كتب الزميل منعم الخفاجي هذه الرسالة عندما كان مديراً مفوضاً لإحدى شركات التأمين الخاصة في بغداد بعد قيام ديوان التأمين بتوزيع رسالة أواخر سنة 2012 على شركات التأمين يقضي بعدم جواز إصدار وثائق الواجهة. وقد ارتأينا نشر رسالة زميلنا الآن في إطار الحديث الجاري حول ترتيبات الواجهة وما يرتبط بها من احتفاظ بنسبة من الأخطار المكتتبة من قبل شركة التأمين المصدرة لوثيقة التأمين. نأمل أن يستثير نشر هذه الرسالة اهتمام شركات التأمين وكذلك ديوان التأمين. وقد كان لنا مساهمة في الموضوع بعنوان “ترتيبات الواجهة: محاولة أولية لتقييم نقدي،” التأمين العربي، العدد 95، 2007، ص 25-32. (المحرر)

Absence of Insurance, Social Market Economy in the Workshop on Maximising State Revenue

غياب التأمين وخطاب اقتصاد السوق الاجتماعي في ورشة “توجهات تعظيم موارد الدولة”

 

 

نشر هذا التعليق أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/08/Absence-of-Insurance-in-Maximising-State-Revenues-Workshop.-Final.pdf

 

 

من خلال قراءة تقرير السيد ليث محمد رضا عن ورشة “توجهات تعظيم موارد الدولة” التي نظمها منتدى بغداد الاقتصادي بالمشاركة مع الأمانة العامة لمجلس الوزراء في 2 آب/أغسطس 2017،[1] المنشور في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين لاحظتُ غياب ذكر ورقة عن قطاع التأمين في أعمال الورشة. ولكن ربما حضر ممثلٌ عن القطاع ضمن “نخبة من المسؤولين المعنيين والشخصيات الاقتصادية المحلية،” وربما ساهم في المناقشات الجارية.

 

مناقشة سريعة لموضوع التأمين في ورقة السيد فارس آل سلمان

 

مع ذلك جرى ذكرٌ للتأمين في ورقة رئيس منتدى بغداد الاقتصادي السيد فارس آل سلمان: (تعظيم موارد الدولة … أفكار وتجارب ناجحة(. وجاء في التقرير أن السيد آل سلمان أكد “على ضرورة تحديد هوية الاقتصاد العراقي والعقيدة الاقتصادية، مع وضع رؤية حقيقية طموحة للخارطة الاستثمارية ووضع الاولويات وطرق استقطاب التمويل، والتركيز على الصناعات التجميعية والصناعات التحويلية من خلال الشراكة بين القطاع العام والخاص.” وهذه تأكيدات مهمة تستحق اهتماماً من الاقتصاديين رغم أنها معروضة بصيغ مختلفة منذ ما يزيد عن عقد.[2]

 

وفيما يخص موضوع هذا التعليق يقول كاتب التقرير أن آل سلمان أشار” إلى أهمية الدعم الحكومي الذكي، من خلال تشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة من خلال انشاء المناطق الصناعية وصناديق دعم الصادرات، وتحريك قطاع المال والتأمين والعقارات وخدمات الاعمال، والتشييد والبناء، والتجارة والمطاعم والفندقة وتوفير الكهرباء.” (التأكيد من عندنا).

 

لا يسع المرء، في ظل تهميش قطاع التأمين، إلا أن يشكر السيد فارس آل سلمان على إدراجه للتأمين ضمن إشارته لما سمّاه الدعم الحكومي الذكي. تفيد هذه الإشارة، ضمناً، إلى عدم وجود دعم حقيقي لقطاع التأمين المكوّن حالياً من شركات تأمين عامة وخاصّة (قد يكون الإلزام بالتأمين على الصناعات الصغيرة والمتوسطة، مثلاً، مُضمراً في هذا الدعم الحكومي الذكي). وربما يأخذ السيد آل سلمان على عاتقه توسيع رؤيته بشأن ما ذكره عن هذا الدعم وعن التأمين لإفادة صانعي القرار ممن لهم علاقة بالواقع الحالي لقطاع التأمين وتطويره. نعرف أن هيئة الاستشاريين في مجلس الوزراء استعان ببعض الاقتصاديين للنظر في مستقبل القطاع وآفاق تطوره إلا أن شيئاً من دراساتهم ودراسات آخرين ارتبطوا بهم لم يظهر للعلن ليكون موضوعاً للمناقشة المفتوحة. (منذ أيام “المستبد بأمره” بول بريمر الثالث بقي التأمين، الذي اعتبره يتيم القطاع المالي، مهملاً). وحسب علمي، ليس هناك موقفٌ حكومي رسمي واضح تجاه مصائر القطاع دونكم وجود سياسة لقطاع التأمين، وهو موضوع ناقشناه في كتابات سابقة.

 

عوداً إلى أطروحة السيد آل سلمان بشأن الدعم الحكومي الذكي لقطاع التأمين، أرى أنها تستدعي التفكير بمفردات الدعم (في مجال التشريع، تعديل ما هو قائم منه وإضافة الجديد، والتعليمات الرسمية الخاصة بتأمين عقود الدولة مثلاً) والأطراف التي تقوم بها رسماً وتنفيذاً ومتابعةً. مثل هذا الدعم مطلوب بحد ذاته لكن هناك دور لقطاع التأمين ذاته: شركات التأمين العامة والخاصة، جمعية التأمين العراقية وديوان التأمين. لم نقرأ عن مبادرات محددة من هؤلاء لتفعيل القطاع وإخراجه من وضعه الحالي. لم يمارس القطاع ضغطاً على الحكومة لتعديل قانون تنظيم أعمال التأمين مثلاً، أو الضغط لتطبيق شرط التأمين في شروط المقاولة لأعمال الهندسة المدنية والكهربائية والميكانيكية والكيمياوية في العراق.[3]

 

إن الشكوى من حالة التطور البطيء للقطاع مستمرة لكن الحلول المقترحة تظل غارقة في العمومية، أو لا تُترجم إلى مشاريع قانونية تُعرض على الحكومة لتبنيها وعرضها على البرلمان، وحتى ما تتبناه الحكومات في برامجها لا تتجسد في قوانين أو تعليمات ملزمة يمكن أن تحدث نقلة في نشاط القطاع التأميني (يرد في بالنا هنا التأمين الصحي وتأمين المسؤولية المهنية). نفهم أن البيئة الاقتصادية الحالية، والقوانين المنظمة للنشاط التأميني، وثقافة التأمين المتدنية، وضعف مهنية ممارسة النشاط اليومي في شركات التأمين، وقصور الحكومة في التشريع لإلزامية بعض أنواع التأمين … الخ كلها تعمل في غير صالح القطاع. لكن السؤال الكبير هو: إلى متى يستمر هذا الوضع؟

 

اقتصاد السوق الاجتماعي وما يعنيه بالنسبة للنشاط التأميني وإعادة هيكلة المصارف الحكومية

 

جاء في التقرير أن الدكتور ماجد الصوري، الذي قام بإدارة الورشة، “دعا إلى تحديد هوية واضحة للاقتصاد العراقي، وتحديد استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ووضع الخطط اللازمة لتنفيذها وفق جدول زمني، وتحديد مسؤوليات التنفيذ، والمتابعة والرقابة على تنفيذها (الخطة الجديدة تبنت اقتصاد السوق الاجتماعي).” وهو بهذا يقترب من تأكيدات السيد فراس آل سلمان التي أوردها كاتب التقرير، لكنه يربط ما ذكره باقتصاد السوق الاجتماعي. وهذه الأفكار كانت قيد التداول منذ 2003.

 

وقد كتبنا في مقال سابق ما يعنيه اقتصاد السوق الاجتماعي لنشاط التأمين.[4] نود هنا اقتباس ما كتبنا بدلاً من الإحالة إلى المصدر خاصة وأنه لم يلق اهتماماً من الغير وقت النشر:

 

ماذا يعني ذلك [اقتصاد السوق الاجتماعي] بالنسبة للنشاط التأميني؟ ربما يعني خروج الدولة من السوق التجاري للتأمين. ويقتضي هذا خصخصة شركات التأمين وإعادة التأمين التابعة لها، وحصر دورها (دور الدولة) بتوفير أنماط من التأمين الاجتماعي، أو تطوير ما هو قائم منها، كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية، أو تكوين مُجمّع تأميني لمقابلة الخسائر والأضرار المادية المترتبة على الكوارث أو خطر الإرهاب. وقد يكون هذا المجمع ممولاً من الميزانية العامة أو من مساهمة الشركات أو رسوم مفروضة على وثائق تأمين معينة، وقد يكون مشروعاً مشتركاً بين شركات التأمين والدولة. لكننا نستبق ما سيسفر أو لا يسفر عنه المستقبل.

 

يعني ذلك أيضاً ضمان الدولة للمنافسة (منع الاحتكار) بين شركات التأمين، وتوفير الشروط لتحقيق تكافؤ الفرص بين الكيانات الاقتصادية (عدم تفضيل شركة تأمين على غيرها في التأمين على الأصول المادية والمسؤوليات المادية) وتعطيل سيطرة فئة على مقاليد النشاط التأميني (الاندماج بين مجموعة من شركات التأمين بهدف السيطرة على السوق لتعظيم أرباحها)، وتدخل الدولة عند فشل شركات التأمين في أداء دورها (دور اضطراري ربما قد تلجأ إليه عند إفلاس شركة تأمين للحفاظ على حقوق حملة وثائق التأمين كما هو الحال بالنسبة للمودعين في المصارف). وقد يضاف إلى هذه السياسات تدخل الدولة لتوجيه الإنفاق والاستثمار لتلبية حاجات اجتماعية (وهو ما تمارسه الدولة من خلال الإنفاق العام الذي يخلق فرص جديدة لشراء أغطية التأمين، وتحديد مجالات استثمار صناديق التأمين، والسياسة الضريبية الخاصة بالنشاط التأميني ومنها عدم فرض ضريبة على عقود التأمين على الحياة لتشجيع الادخار، أو وثائق التأمين الصحي لتقليل الضغط على الخدمات الصحية التي تقدمها الدولة).

 

وبودنا هنا أن نربط مسألة اقتصاد السوق الاجتماعي مع ما أشار إليه الدكتور الصوري حول “أهمية اعادة هيكلة جريئة للمؤسسات المالية في العراق وبالذات المصارف الحكومية، ومن ذلك دمج المصارف الحكومية التجارية في مصرف واحد، وكذلك جميع المصارف المتخصصة في مصرف تنموي كبير، وضبط التجارة الخارجية والمنافذ الحدودية، البرية والجوية والبحرية، التي تعتبر مجالا حيويا للفساد المالي، وعاملا مهما في عرقلة الانتاج المحلي والتنمية الاقتصادية، وتوفير البيئة الملائمة لتطوير القطاع الخاص الانتاجي والخدمي في جميع المجالات والعمل على تمكينه من التعاون مع القطاع العام.”

 

لقد حصر الدكتور الصوري اعادة الهيكلة الجريئة للمؤسسات المالية في العراق بالمصارف الحكومية وأهمل ذكر شركات التأمين الحكومية (شركة التأمين الوطنية، شركة التأمين العراقية، شركة إعادة التأمين العراقية) وشركات التأمين الخاصة (يقرب عددها من ثلاثين شركة)، التي هي أيضاً بحاجة إلى إعادة هيكلة – رغم أن هذه الشركات مؤسسات مالية وسيطة تقوم باستثمار فوائضها المالية في رأسمال عيني أو أوراق مالية (أسهم وسندات)، وهي بذلك ليست بعيدة عن واحدة من الوظائف التي يقوم بها القطاع المصرفي. ربما جاء هذا الإهمال لصغر حجم أعمال هذه الشركات مقارنة بأعمال المصارف الحكومية، أو أن إعادة الهيكلة ستطال الشركات الحكومية عاجلاً أو آجلاً.

 

إن خلق الكيانات المصرفية الكبيرة من خلال عمليات الدمج من شأنه أن يؤدي إلى تزايد الاستقطاب بين المصارف الحكومية المدمجة والمصارف الخاصة، واستمرار سيطرة المصارف الحكومية على مجمل الأعمال المصرفية ما لم يرتبط الدمج بقيود وقواعد انضباطية تحول دون قيام وضع شبه احتكاري، وهو ما لا يرغب به دعاة ومروجي الاقتصاد الحر على المستوى النظري. مثل هذا الوضع لا يتماشى مع متطلبات خلق اقتصاد السوق الاجتماعي الذي وصفنا بعض ملامحه بالنسبة لقطاع التأمين. ذات الأمر، الاستقطاب والميل إلى وضع شبه احتكاري، ينطبق على دمج شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية (صدر قرار من وزارة المالية في آذار 2017 يقضي بدمج الشركتين لكن إجراءات الدمج، حتى الآن، ليست معروفة لنا).

 

نأمل أن يأخذ منتدى بغداد الاقتصادي على عاتقه متابعة ما أورده رئيسها السيد فارس آل سلمان عن التأمين من خلال التعاون والتنسيق مع غرفة تجارة بغداد وجمعية التأمين العراقية، والقيام بالدراسات المناسبة[5] وصياغة المقترحات. ونتمنى أن تتجاوز المقترحات وضع قائمة طويلة بها دون أن تقترن بالأرقام والحجج لكيلا تضيع في عمومياتها.

 

مصباح كمال

4 آب/أغسطس 2017

[1] موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/08/Laith-Mohammad-Ridha-Workshop-Report.pdf

 

[2] أنظر، على سبيل المثل، صبري زاير السعدي، نموذج اقتصادي جديد للعراق: الرؤيا المستقبلية وشركات الدولة الكبرى والريع النفطي (Saarbrucken: Noor Publishing, 2017)

[3] أنظر: وزارة التخطيط، بغداد، شروط المقاولة لأعمال الهندسة المدنية، المادة الخامسة والعشرون “عدم قيام “المقاول” بالتأمين،” ص 198-199. وكذلك وزارة التخطيط، بغداد، شروط المقاولة لأعمال الهندسة الكهربائية والميكانيكية والكيمياوية، المادة السادسة عشرة، “العناية “بالأعمال” والتأمين والتعويضات،” ص 261-264.

 

أنظر أيضاً:

مصباح كمال، “شركة عامة لا تؤمن على عقودها،” نشرت في المواقع التالية:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/03/Misbah-Kamal-Avoiding-Construction-Project-Insurance.pdf

 

https://www.academia.edu/22932124/State-Owned_Company_Avoiding_Insurance_of_a_Construction_Project

 

[4] مصباح كمال، “التأمين: موضوع مهمل في الكتابات الاقتصادية العراقية،” مجلة الثقافة الجديدة، العدد 336، 2010، ص36-49.

[5] يمكن الاستفادة من الطاقات المحلية وتكليفها مقابل أجر مناسب لإجراء المسوح والدراسات.

Insurance in Iraq’s Free Zones

التأمين في المناطق الحرة

 

مصباح كمال

 

نشر هذا التعليق أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2017/07/01/%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%88%d9%82-%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%b6%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%86%d8%a7%d8%b4%d8%b7-%d9%85%d8%af%d9%86%d9%8a/

 

نشر الأستاذ فاروق يونس حواراً افتراضياً شيّقاً ومفيداً بين ناشط مدني وخبير اقتصادي حول المناطق الحرة (موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين)[1] وقد ضمَّ الحوار فقرة ذكر فيها التأمين على لسان الخبير جواباً على سؤال عن فوائد المناطق الحرة منها: تنشيط “المؤسسات المالية والمصرفية وخاصة شركات التأمين والنقل.”

 

وذكر التأمين أيضاً في ختام الحوار جواباً على أطروحة أن اقامة المناطق الحرة في العراق يساعد على تكيف الشركات التجارية مع اقتصاد السوق:

 

الخبير – نعم؛ إن نشوء ونمو وتطور المناطق الحرة يتوقف على مدى توفر الخدمات المساندة كخدمات المطارات والسكك الحديد وخدمات النقل البحري ومكاتب الشحن والتخليص الكمركي وليس بإمكان المستثمرين العاملين في المناطق الحرة ممارسة عملهم في الاستيراد والتخزين والتصنيع واعادة التصدير دون وجود خدمات تأمين وخدمات مصرفية وخدمات اتصالات حديثة.

 

حسب المعلومات المتوفرة فإن المناطق الحرة الثلاث في خور الزبير والقائم ونينوى لا تضم شركات تأمين عراقية أو فروع لشركات تأمين أجنبية، إذ أن الموقع الرسمي للهيئة العامة للمناطق الحرة[2] يخلو من إشارة لوجود شركات تأمين في هذه المناطق. وقبل سنوات (كانون الثاني 2012) أكد الخبير الاقتصادي باسم أنطوان لجريدة الحياة بمناسبة قيام الهيئة العامة للمناطق الحرة وضع خطة لاستحداث مناطق حرة جديدة وإحياء المناطق القائمة[3]:

 

عدم إمكانية تسمية المناطق التي استحدثها النظام السابق بالمناطق الحرة بالمعنى الحقيقي، فالعراق لا يملك البيئة المناسبة لقيام تلك المناطق من حيث القوانين التي تحمي نشاطها والقوانين المشجعة على الاستثمار ودخول الأموال من الخارج. وقال: «لا يملك العراق الخبرات الكافية لإدارة تلك المناطق ولا البنية التحتية مثل المصارف التي تعمل بأنظمة حديثة، كما أن البلاد تخلو من شركات التأمين الرصينة». وسأل: «كيف ستعمل المناطق الحرة والأجهزة الأمنية حتى الآن غير قادرة على وضع حد لنشاط عصابات ومافيات السلب؟ من سيحمي الأموال التي سيستثمرها رجل الأعمال المحلي أو العربي أو الأجنبي؟”

 

بعد وزن الأمور خلال الفترة من 2102، عندما قيَّم الأستاذ باسم أنطوان أوضاع المناطق الحرة، وخالفته في مسألة وجود شركات تأمين رصينة، وحتى الوقت الحاضر فإننا لم نشهد تطوراً حقيقياً في هذه الأوضاع. لذلك فإن ما أكَّد عليه يظل صحيحاً.

 

كما أن مجلس إدارة الهيئة العامة للمناطق الحرة لم يحدد “الاجراءات الخاصة بأمور التأمين في المناطق الحرة” كما تقضي بذلك الفقرة 6 من المادة 4 من القانون رقم (3) لسنة 1998، قانون الهيئة العامة للمناطق الحرة.

 

يعني هذا، إن صحَّت المعلومات المتوفرة، بأن الهيئة لم تنجز الكثير لما هو مطلوب منها بموجب القانون سواء في مجال التأمين أو غيره. يعني ذلك أنها متخلفة مقارنة بما هو موجود في الأردن والإمارات العربية المتحدة (المنطقة الحرة في جبل علي تضم شركتين للتأمين) وغيرها من البلدان العربية. ولكي نكون منصفين علينا أن نذكر بأن موقع الهيئة يذكر توقيع عقدين مع شركتين محلتين (لا تضم الكثير من التفاصيل) تعملان في التجارة العامة في خور الزبير– أي أن الشركات المصنعة غائبة في الوقت الحاضر. كما أن الخراب الذي صنعه داعش في غرب العراق ونينوى قد أوقف عمل هاتين المنطقتين، وقد يمضي وقت طويل قبل أن تستطيعا تحقيق شيء من الجاذبية للاستثمار. والأمل معقود على تعزيز دور الدولة الاتحادية في “وضع حد لنشاط عصابات ومافيات السلب” التي ذكرها الأستاذ باسم أنطوان، وكذلك الفساد المالي والإداري، لجذب الاستثمار الصناعي والتجاري للمناطق الحرة بفضل مزايا هذه المناطق.

 

أتمنى أن يقوم أصحاب الاختصاص بتقديم مشروع لإدماج دور المناطق الحرة ضمن مشروع إعادة بناء المناطق المنكوبة بعد دحر داعش منها، مثلما أتمنى على شركات التأمين العراقية التفكير جدياً بسبل التواجد في المناطق الحرة.

 

مصباح كمال

14 تموز 2017

 

[1] فاروق يونس*: حوار افتراضي بين ناشط مدني رئيس جمعية مجتمع مدني وخبير اقتصادي

[2] http://freezones.mof.gov.iq/

[3] مصباح كمال، “البلاد تخلو من شركات التأمين الرصينة: مناقشة لرأي اقتصادي،” مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/03/belittling-iraqi-insurance-companies.html

 

Baha Baheej Shukri: Letters on Islamic Sharia & the Contract of Insurance

رسائل بهاء بهيج شكري في الشريعة الإسلامية وعقد التأمين

 

 

نشرت هذه الرسائل لأول مرة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/07/الشريعة-الإسلامية-والتأمين-منقحة-2.pdf

 

 

الرسالة الأولى

عقد الضمان وعقد التأمين

 

تموز في ٢٨ حزيران ٢٠١٧

 

الاخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

في التعقيب على بحثكم المتعلق بموقف الشريعة الإسلامية من عقد التأمين،[1] أرى من الضروري قبل أن أخوض في صلب البحث أن أناقش مسألتين وردت في البحث. الأولى، تتعلق بما درج عليه بعض المشرعين وبعض الباحثين من الخلط بين نظام الضمان ونظام التأمين، والثانية تتعلق بموقف الإمامين محمد بن عابدين الحنفي ومحمد عبده من عقد التأمين.

 

الخلط بين نظام الضمان ونظام التأمين

 

ففيما يتعلق بالمسألة الأولى، فإننا لو رجعنا إلى قانون التجارة البحرية اللبناني الصادر سنة ١٩٤٧ وقانون التجارة البحرية السوري الصادر سنة ١٩٥٠ لتبين لنا ان كلا المشرعين المذكورين قد وصفا عقد التأمين البحري بعقد الضمان البحري والمؤمن بالضامن والمؤمن له بالمضمون، وهذا خلطٌ غير مقبول بين عقد التأمين وعقد الضمان، غير ان المشرع الاردني الذي اقتبس نصوص القانون السوري وضمَّنها في قانون التجارة البحرية الاردني الصادر سنة ١٩٧٢، قد انتبه إلى هذا الخطأ فاستبدل عبارة عقد الضمان بعبارة عقد التأمين وكلمة الضامن بكلمة المؤمِن وكلمة المضمون بكلمة المؤمَن له، وحسناً فعل.

 

ولم يقتصر الأمر على بعض المشرعين بل تورط بعض الباحثين بهذا الخلط بين عقد الضمان وعقد التأمين كالدكتور إنطاكي والدكتور نهاد السباعي إذ اعتبرا قول شخص لآخر أسلك هذا الطريق فهو آمن فإذا سُلِبَ مالُكَ فأنا ضامن.

 

أقول: إنهما اعتبرا ضمان خطر الطريق مؤشراً على قبول الشريعة الإسلامية لعقد التأمين. والفرق بين نظام الضمان ونظام التأمين هو أن الأول ينقل عبء الخسارة من عاتق شخص إلى عاتق شخص آخر. فعقد الكفالة عقد ضمان ينقل عبء الدين من عاتق المدين إلى عاتق الكفيل إذا عجز المدين عن سداد الدين لأي سبب كان، كما يتحقق الضمان في حالة التعدّي على الغير فيلتزم المتعدّي بتعويض المعتدى عليه، أي أن ينقل الخسارة التي لحقت بالمضرور إلى عاتقه، وهذا النظام عُرف في صدر الدولة الإسلامية وتمَّ التعامل به بين المسلمين منذ فجر الإسلام وتضمنته القواعد الكلية للشريعة الإسلامية.

 

أما نظام التأمين فهو لا ينقل الخسارة من عاتق المؤمن له إلى عاتق المؤمن، بل يتمُّ بموجبه توزيع الخسارة التي تصيب القلَّة من الناس على الكثرة منهم فيخف بل ينعدم أثرها، والمؤمن هو مهندس عملية التوزيع يقوم بها على ضوء ما يعرف بقانون الأعداد الكبيرة.

 

ولم يعرف هذا النظام في صدر الدولة الإسلامية، بل هو نظام طارئ ودخيل عليها، لذلك قوبل بالرفض من فقهاء الشريعة الإسلامية.

 

موقف محمد بن عابدين ومحمد عبده من عقد التأمين

 

أما المسالة الثانية، فإن الإمام محمد بن عابدين الحنفي المتوفى سنة ١٢٥٢ هجرية، وهو أول من تصدّى للإفتاء ببطلان عقد التأمين البحري في كتابه (رد المحتار على الدر المختار) وسبب بطلانه لكونه يتضمن التزاماً بما لا يلزم.

 

أما ما نُسب للأمام محمد عبده من انه أجاز التأمين على الحياة فهو غير دقيق لأن السؤال الذي وُجّه له يتعلق بعقد المضاربة وليس بعقد التأمين، بل هو من القائلين بتحريم عقود التأمين (أنظر الدكتور احمد سعيد شرف الدين “عقود التأمين وضمان الاستثمار” – ص ١٨٦).

 

اكتفي بهذا القدر من المبحث على أن أعود في رسالة قادمة لشرح موقف المذاهب الإسلامية المختلفة من نظام التأمين وعقوده.

 

مع التقدير.

 

بهاء بهيج شكري

 

 

الرسالة الثانية

موقف المذاهب الإسلامية من عقد التأمين

 

عمان في ٢٩ حزيران ٢٠١٧

 

الاخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

إكمالاً لبحث التأمين في الشريعة الإسلامية، وحسب وعدي لك بأن أبحث موقف المذاهب الإسلامية المختلفة من نظام وعقد التأمين، أرى من الضروري أن أوضح في البداية بأن العديد من رجال الدين من المذاهب السنية الأربعة سارع بتتبع خطى الإمام محمد بن عابدين الحنفي بإصدار الفتوى بتحريم عقود التأمين على اختلاف أنواعها، ولا اريد اطالة البحث بذكر أسماءهم ودولهم. كما أرى من الضروري أيضاً، وقبل أن أبين فتاوى المذاهب السنية الأربعة، ان أتناول بالبحث موقف المذهب الظاهري، وهو مذهب سني متشدد نشأ في الأندلس، ومن ابرز أئمته الإمام بن حزم الأندلسي، وهو قد أفتى بتحريم ليس عقد التأمين فقط، بل كل عقد لم يكن موضع تعامل عند هبوط الوحي، حيث قال في فتواه (لا يجوز إحداث عقد لم يرد به شرع، لأننا إن أحدثناه ولم نجعله ملزماً لم يكن ذَا اثر مفيد، وإن ألزمنا به أنفسنا فأوجبنا على أنفسنا المضي فيه، فقد أحدثنا ما لم يوجّبه الله عليها …… لذلك فإن الأصل في العقود التحريم والخروج من التحريم إلى الإباحة لابد أن يكون بنص، فإذا كان العقد لم يرد به نص فلا يترتب أثره الشرعي ولا يعمل به). والمقصود بالنص هنا هو نص قرآني أو حديث نبوي صحيح. وعلى رأي الظاهرية هذا فإن جميع العقود التي استحدثت بعد انقطاع الوحي ووفاة الرسول عليه الصلاة والسلام هي عقود باطلة لا يترتب عليها أثر ملزم، وأنهم وان كانوا لم يذكروا عقد التأمين بالتسمية إلا أنه، حسب فتواهم، مشمول بالتحريم لأنه عقد مستحدث لم يرد على إباحته نص في القرآن ولا في السنة النبوية الصحيحة.

 

غير أن الحنابلة والمالكية على الرغم من عدم إقرارهم بشرعية عقد التأمين، لم يتفقوا مع الظاهرية في أسباب البطلان فذهب كلٌ من الإمام احمد بن حَنْبَل والإمام بن تيمية بأن الآية الكريمة “يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود” من سورة المائدة لم تحصر وجوب الوفاء بعقود محدودة بل شملت كل اتفاق اساسه التراضي بين الطرفين لقوله تعالى “إلا ان تكون تجارة عن تراضٍ منكم”. كما ان السنة الشريفة قد قصرت التحريم على الشروط التي تحرم الحلال وتحل الحرام لقوله عليه الصلاة والسلام (المسلمون على شروطهم الا شرطا أحلَّ حراماً أو حرَّمَ حلالاً) لذلك ينحصر التحريم، حسب رأي الحنبلية والمالكية، بعقود الغرر والعقود التي تنطوي على الربا وهذا ما هو متوفر في عقد التأمين حسب رأيهم.

 

أما الحنفية والشافعية فقد قسموا الشروط إلى شروط صحيحة وباطلة وفاسدة، فالشرط الصحيح هو ما كان موافقاً لمقتضى العقد أو أقره الشارع أو جرى به العرف إذ الثابت بالعُرف عندهم كالثابت بالنص “فما يراه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن” وواجب الوفاء به، والشرط الباطل هو ما لا تقتضيه طبيعة العقد وليس فيه منفعة للطرفين، والشرط الفاسد هو ما لا تقتصيه طبيعة العقد وفيه منفعة لأحد العائدين، فإذا وجد الشرط الفاسد في عقود المعاوضات بطل العقد، ويخلصون من ذلك إلى بطلان عقد التأمين لفساد شروطه بحيث يكسب المؤمن إذا تخلف الحادث المؤمن منه ويكسب المؤمن له إذا تحقق الحادث.

 

ولغرض توحيد رأي المذاهب الأربعة في المسائل المختلف عليها عقد مجمع الفقه الإسلامي اجتماعاً في مكة المكرمة في شعبان سنة ١٣٩٨ هجرية المصادف تموز ١٩٧٨ ميلادية حيث افتى بأكثرية ساحقة بتحريم التأمين التجاري لأنه:

 

١: من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش، لأن المستأمن (المؤمن له) لا يستطيع ان يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ فقد يدفع قسط التأمين ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة مطلقاً فلا يأخذ شيئاً.

٢: انه ضرب من ضروب المقامرة لما فيه من الغرم بلا جناية ومن الغُنم بلا مقابل.

٣: انه يشتمل على ربا الفضل والنساء.

٤: انه من الرهان المحرَّم، فلم يبح الشرع الرهان الا ما فيه نصرة للإسلام.

٥: فيه أخذ مال الغير بلا مقابل.

٦: انه إلزام بما لا يلزم شرعاً.

 

أما الجعفرية فقد ذهبوا إلى القول بشرعية عقد التأمين فاعتمد أكثريتهم على تفسير الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) في سورة المائدة، فميزوا بين ما إذا كانت “اللام” في كلمة العقود الواردة في الآية الكريمة هي لام عهدية أي تخص العقود المعهودة والمتعارف عليها عند نزول الآية الكريمة، أم انها لام جنسية تشمل كل ما يصدق عليه وصف العقد، فذهب أكثريتهم إلى القول بأنها لام جنسية موضحين ذلك بأن النصوص الشرعية في الكتاب والسنة لم تحصر أنواع العقود بل أمرت المؤمنين بالوفاء بها وأحلت لهم التجارة عن تراض ولم تحدد نوعها والالتزام بجميع شروط العقد الا ما احلَّ حراماً أو حرَّم حلالا،ً و يخرج هذا الفريق إلى القول بأن عقد التأمين هو من العقود المستحدثة التي ينصرف إليها قوله تعالى أوفوا بالعقود.

 

كما ذهب فريق اخر من الجعفرية بتحليل عقد التأمين بإنزاله منزلة عقود أخرى فأنزله بعضهم منزلة عقد الضمان وآخرون منزلة الهبة المشروطة بعوض وفريق ثالث بمنزلة عقد الصلح.

 

ونتيجة لفتوى المذاهب السنية بتحريم عقد التأمين أحجم رأس المال الخاص السني، عدا العلماني، عن الاستثمار في تأسيس شركات تجارية للتأمين. ولسد هذا الفراغ ظهر ما يُعرف بشركات التأمين الإسلامي، والتي ستكون موضوع رسالة قادمة.

 

وتقبل فائق التقدير.

 

بهاء بهيج شكري

 

الرسالة الثالثة

شركة التأمين الإسلامي

 

عمان في الأول من تموز ٢٠١٧

 

الاخ العزيز مصباح المحترم

 

تحية طيبة

 

ذكرتُ في رسالتي المؤرخة ٢٨ حزيران ٢٠١٧ انه نتيجة لفتاوي تحريم عقد التأمين التجاري أحجم البعض من أصحاب رؤوس الأموال في القطاع الخاص عن استثمار أموالهم في تأسيس شركات تأمين تجارية، وقد فكَّرَ البعض من هؤلاء بعد التشاور مع بعض رجال الدين من المذاهب الأربعة في إيجاد شركات بديلة عن شركات التأمين التجارية تُصاغ عقودها بطريقة تحجب عنها فتاوى التحريم، فكان هذا البديل هو ما عُرفَ بشركة التأمين الإسلامي أو التأمين التكافلي، فتأسست أولى هذه الشركات في السودان سنة ١٩٧٩ وبعد ذلك تأسست شركات أخرى في بعض الدول العربية الأخرى ومنها المملكة الاردنية الهاشمية، ولكن لم تؤسس، حسب علمي، حتى الآن شركة مماثلة في العراق على الرغم من ان الفقرة الرابعة من المادة (١٣) من قانون تنظيم أعمال التأمين العراقي الصادر بموجب الامر رقم ١٠ لسنة ٢٠٠٥ قد أجازت لما أطلَقت عليها “كيانات التأمين التكافلي” العمل في العراق بعد حصولها على ترخيص من ديوان التأمين. وفي التطبيق العملي يشترط ان يكون لكل شركة إسلامية هيئة للرقابة الشرعية، تلتزم إدارة الشركة بما تقدمه الهيئة من مشورة سواء في عمليات التأمين المباشر أو عمليات اعادة التأمين.

 

وعلى ضوء. شروط عقد التأمين الإسلامي والبحوث التي سطرها الباحثون الإسلاميون، فإن هذا التأمين يقوم على ركنين أساسيين: الأول، إن شركة التأمين لا تُمارس التأمين أصالةً بل وكالةً عن المؤمن لهم، حيث يعتبر كل واحد منهم مؤمنا للآخرين ومؤمنا له من قبلهم. والركن الثاني، هو ركن التبرع، فالمؤمن له مُلزَمٌ بأن يتبرع بمبلغ من المال كي يساهم بتعويض الضرر الذي يصيب الآخرين، وفي حالة عدم كفاية المبالغ المتبرع بها فإن الشركة تغطي الفرق، وتعتبره قرضاً حسناً يحق لها أن ترجع به على المؤمن لهم لتسترده منهم، وبالنتيجة لا تتحمل الشركة أية خسارة.  وفيما يلي سنحاول مناقشة الأسس التي يقوم عليها هذا التأمين.

 

أولا – الوكالة

 

في تكييف العلاقة بين المؤمن لهم وشركة التأمين، وصفت بأنها علاقة وكالة بأجر وان عقود التأمين الإسلامي لا تبرم بين طالبي التأمين والشركة، بل تبرم بين طالبي التأمين أنفسهم مع بعضهم البعض، فيكون كل منهم مؤمِناً له من قبل الآخرين ومؤمَناً للآخرين، وينحصر دور شركة التأمين بكونها وكيلة عنهم في إبرام العقود بينهم، فقد نصّتْ شروط وثيقة التأمين الإسلامي على ان الشركة (تدير العمليات التأمينية بوصفها وكيلا عن حملة الوثائق بأجر معلوم، فهي ليست طرفا أصيلا في عقد التأمين).  وجاء فيها أيضاً (يعتبر قبول حامل هذه الوثيقة التعامل مع الشركة موافقة صريحة منه على اعتبار الشركة وكيلاً عنه بأجر معلوم لإدارة عمليات التأمين).

 

وفي مناقشتنا ذلك سنجزئ المناقشة إلى فقرتين، الأولى تتعلق بالناحية القانونية والثانية تتعلق بالناحية الشرعية.

 

فمن الناحية القانونية

 

١- على الرغم من ان عقد الوكالة هو من العقود الرضائية التي تنعقد بارتباط الإيجاب بالقبول، الا انه نظرا لما يتضمنه من تخويل للغير بإدارة شؤون الموكل فقد اشترط القانون ان يكون الإيجاب صريحا ومحددا لصلاحيات الوكيل، وان القوانين الإجرائية قد اشترطت لنفاذ عقد الوكالة ان يكون مُصدقاً من قبل الكاتب العدل، لذلك لا يجوز قانونا ان يكون الإيجاب بإبرام عقد الوكالة مفترضا ومفروضا من قبل الوكيل، فالشرط الذي تضمنته وثيقة التأمين الإسلامي بهذا الخصوص هو شرط إذعان باطل لا اثر له في التعامل بين الطرفين بل ويترتب على وجوده في العقد بطلان العقد أصلا.

 

٢- نصت القوانين المدنية ومنها الفقرة الأولى من المادة (٩٣٠) من القانون المدني العراقي والفقرة الأولى من المادة (٨٣٤) من القانون المدني الاردني على (ان يكون الموكل ممن يملك التصرف بنفسه فيما وُكّلَ به) وهذا الشرط غير متوفر في الوكالة المشار اليها في شروط التأمين الإسلامي لان قوانين تنظيم أعمال التأمين قد حصرت ممارسة أعمال التأمين بالشركات المساهمة دون الأفراد، لذلك فالشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يتعاقد مع شركة التأمين الإسلامي لا يملك الحق بممارسة أعمال التأمين وغير مجاز بممارستها وفقا للقانون كي يوكّل الشركة الإسلامية بممارستها نيابة عنه، (لا اريد ان أخوض هنا في موضوع إجازة الشركات الإسلامية، والاخطاء التي ارتكبتها اجهزة تنظيم أعمال التأمين في بعض الدول التي توجد فيها شركة تأمين إسلامي، لان ذلك قد يخرجنا عن موضوع موقف الشريعة الإسلامية من عقد التأمين)، ولعدم توفر هذان الشرطان في الوكالة محل البحث، فإنها تعتبر باطلةً ولا حُكمَ لها من الناحية القانونية.

 

أما من الناحية الشرعية

 

قد سبق أن أوضحتُ بأن الحنفية والشافعية يقسمون الشروط إلى شرط صحيح وشرط باطل وشرط فاسد والشرط الفاسد هو ما لا تقتضيه طبيعة العقد وفيه منفعة لأحد العاقدين، وإذا وجد في عقد معاوضة بَطُلَ العقد، فشرط الوكالة المنصوص عليه في وثيقة التأمين الإسلامي لا تقتضيه طبيعة عقد التأمين وفيه منفعة لشركة التأمين تتمثل في الأجر الذي تتقاضاه مقابل وكالتها عن المؤمن لهم، فهو شرط فاسد يترتب على وجوده في عقد التأمين بُطلان العقد.

 

أما الحنبلية فقد اعتبروا الشرط الذي يجعل العقد عقدين في عقد واحد شرطا فاسدا يترتب عليه بطلان العقد (انظر الشيخ منصور بن ادريس الحنبلي – كشاف القناع على متن الاقتناع – ج ٣ ص ١٩٥)، وهو ما ينطبق على شرط الوكالة في وثيقة التأمين الإسلامي الذي يجعل من عقد التأمين عقد وكالة وعقد تأمين في عقد واحد.

 

يتضح مما تقدم ان شرط الوكالة المفترضة هو شرط باطل شرعا وقانونا، وبذلك ينهار أهم ركن من أركان التأمين الإسلامي.

 

ثانيا – فكرة التبرع الإلزامي

 

يقول الباحثون الإسلاميون في وصفهم العلاقة القائمة بين أطراف التأمين الإسلامي ان ما يدفعه المؤمن له من قسط التأمين إنما يدفعه على سبيل التبرع لترميم الخسارة التي تلحق ببقية المؤمن لهم بسبب وقوع الحوادث المؤمن منها ويصفون هذا التبرع بأنه (تبرع إلزامي تتطلبه طبيعة عقود التأمين الإسلامي)، ويستندون في تبرير إلزامية التبرع إلى المذهب المالكي.

 

وفي مناقشة ذلك نقول، ان القول بإلزامية التبرع يجمع بين نقيضين لا رابط بينهما، هما الإلزام والتبرع. كما ان المذاهب الإسلامية جميعا بما في ذلك المذهب الظاهري والمذهب الجعفري لم تبحث في إلزامية التبرع بل بحثت في إلزامية الوعد، وهناك فرق ظاهر بين الوعد والتبرع. فالتبرع فعلٌ نافذ يتم طواعية والوعد قولٌ بفعل مؤجل. وقد اجمعت المذاهب مع اكثرية المالكية على عدم إلزامية الوعد، وقد خرجت أقلية من المالكية على هذا الاجماع بالقول بإلزامية الوعد، لذلك لا يصلح رأي هذه الأقلية من المالكية الذي ليس له علاقة بالتبرع ان يكون سندا شرعيا للادعاء بإلزامية التبرع.

 

فضلا عن ذلك فإن المؤمن له عندما يدفع قسط التأمين إنما يقوم بالوفاء بالتزام مترتب بذمته نتيجة تعاقده مع المؤمِن فإن قصده لم ينصرف إلى التبرع بل إلى الوفاء بالتزام بذمته والقاعدة الكلية في الشريعة الإسلامية تقول “الأمور بمقاصدها”، وبهذا ينهار الركن الثاني من أركان التأمين الإسلامي.

 

ومن المقارنة بين شركة التأمين التجارية والشركة الإسلامية نجد ان كُلاً من الشركتين تهدف إلى الربح وان مصادر ربح الشركة الإسلامية أكثر من مصادر ربح الشركة التجارية، كما ان الشركة التجارية هي التي تتحمل الخسارة إذا قصر رصيد التغطية عن تغطية كافة الخسائر، اما الشركة الإسلامية فلا تتحمل ذلك بل ان المؤمن لهم هم الذين يتحملون هذه الخسارة.

 

وبنتيجة دراسة معمقة لطبيعة عمل الشركات الإسلامية نبين لي انها لا يمكن ان تعتبر كيان تأمين تبادلي لان كيانات التأمين التبادلي لا تهدف إلى الربح، كما انها لا تعتبر وكيلة عن أعضاءها، بل مُنَظِمَة لعلاقتهم التعاونية. وكذلك لا يمكن اعتبارها جمعية تأمين تعاوني، لان جمعيات التأمين التعاوني هي الأخرى لا تهدف إلى الربح. وأنها تؤمن لحملة أسهمها فقط بشروط ملاءمة، كما أن الشركات الإسلامية لم تلتزم بالضوابط التي رسمها المجمع الفقهي في اجتماعه الأخير في مكة المكرمة لنوع التأمين التعاوني الذي لا تشوبه المحرمات.

 

هذا ما وددت ان اختصر به البحث في موضوع عقد التأمين في الشريعة الإسلامية، علما بأن هناك الكثير مما يجب قوله ولكن المجال لا يتسع له في هذه الرسائل.

 

وتقبل فائق تقديري.

 

بهاء بهيج شكري

 

الرسالة الرابعة

مناقشة شبهات تحريم التأمين

 

عمان ٧ تموز ٢٠١٧

 

الاخ العزيز مصباح المحترم

 

قبل ان أنهي موضوع التأمين في الشريعة الإسلامية، ارى ان أوضح بأني شخصياً أميز بين موقف الشريعة الإسلامية بنصوص أحكامها المبينة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والقواعد الكلية، وبين الفتاوى التي تصدر عن بعض رجال الدين على اختلاف مذاهبهم والتي تتحكم في صدورها عنهم اهواء عاطفية أكثر من كونها مبنية على قناعة موضوعية. مثال ذلك، ما قاله الإمام محمد بن عابدين الحنفي من ان عقد التامين البحري مُحَرَّم لأنه يتضمن التزاما بما لا يلزم، فهو اكتفى بأن وصف هذا العقد بهذا الوصف دون ان يشرح لماذا يرى انه التزام بما لا يلزم، ولو كان الإمام الحنفي قد ربط بين حاجة رؤوس الأموال المستثمرة من قبل المسلمين في التجارة البحرية الى الحماية من الكوارث البحرية كي تستمر في انتاج ثمارها وبين ما يوفره لها عقد التامين البحري من الحماية الضرورية لما اصدر فتواه المذكورة، ولا يبرر تلك الفتوى كون عقد التامين البحري مبرما مع شخص حربي، أي غير مسلم، لان الشريعة الإسلامية لم تمنع المسلم من التعامل مع غير المسلم إذا كان في ذلك مصلحة للمسلم.

 

وقد حاول مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة إعطاء تفسير لهذه الفتوى بالقول بأن المؤمن يأخذ قسط التامين ولا يعمل شيئاً في مقابله، فالمجمع في هذا التفسير لم يأخذ باعتباره كون المؤمن هو مهندس عملية نشر الخسارة التي تلحق بالقلة على الكثرة ليخف أو ينعدم أثرها وهو عمل فني لا يستطيع القيام به إلا من كان من ذوي الخبرة به، كما ان المؤمن لا يأخذ قِسط التامين لنفسه بل لتكوين رصيد تغطية الخسائر المُحتملة.

 

ومن أمثلة هذه الفتاوى أيضاً، الفتوى الصادرة عن الهيئة الشرعية في احدى الدول العربية بحرمة استلام شركة التأمين المباشر عمولة وعمولة أرباح من شركة إعادة التأمين، دون ان تتبين تلك الهيئة الشرعية ان وصف المبلغ الذي تدفعه شركة إعادة التامين لشركة التأمين المباشر بالعمولة هو وصف مجازي لان ذلك المبلغ هو جزء من أقساط التأمين المستحقة لشركة إعادة التأمين من شركة التأمين المباشر، وان شركة اعادة التأمين بوصفها دائناً لتلك الاقساط قد تنازلت للمدين عن جزء منها، وان الشريعة الإسلامية لم تحرم على المدين قبول تنازل الدائن عن جزء من دينه له. اما عن عمولة الأرباح، فإن الأرباح المذكورة ليست ثمرة استثمار غير شرعي، بل هي نتيجة مقاصَّة بين اقساط التامين المستحقة لمعيد التأمين ومبالغ التعويضات المستحقة عليه، فإن زاد مجموع الاقساط على التعويضات كان هناك ربح لاتفاقية اعادة التأمين، وان الشريعة الإسلامية لم تُحرّم على طرفي العقد الاتفاق على تقاسم الربح الناجم عن العقد المبرم بينهما.

 

وباستثناء بيع الغرر الذي حرّمته السنة الشريفة بتسميته فإن السور القرآنية الكريمة والسنة الشريفة لم تسم العقود المحرمة، بل يستفاد تحريم بعض العقود من تعلقها بأمور حرمها القرآن الكريم كعقد الاتجار بالخمور وبالخنازير والعقود المرتبطة بممارسة الفحش.

 

أما ما يتعلق ببيع الغرر الذي حرمته السنة الشرفية كبيع السمك في الماء والطير في الهواء ذلك لان كلا من صياد السمك وصياد الطيور لا يملك السمك أو الطير إلا بعد نجاحه في صيده فبيعه قبل ذلك هو ما يوصف ببيع الغرر، أي بيع الشخص لما لا يملك، وحيث ان السنة الشريفة قد خصَّت بيع الغرر بالتحريم، فإن ذلك لا ينسحب على العقود الأخرى حتى لو شابها بعض الغرر.  اما وصف عقد التأمين بكونه من عقود الغرر لأنه حسب وصف بعض الفقهاء يتعلق بمجهول يحتمل الوجود والعدم، فهو وصف غير دقيق، لان احتمال الحوادث المؤمن منها لا يعتمد على المصادفة وإنما هو مبنيٌ على حسابات احصائية دقيقة تُمكّن المؤمن من تقدير احتمال وقوع حادث معين خلال فترة زمنية معينة، وهو لم يُبْنَ على المصادفة والجَهالة الفاحشة، فالحادث المؤمن منه يوصف بأنه ممكن الحدوث ولكنه غير مؤكد، وهذا ما ينفي صفة الغرر المطلق عن عقد التأمين.

 

وقبل ان نناقش شبهة الربا التي ألصقت بعقد التامين، يجب ان نحدد المقصود بالربا، فقد عرَّفه الفقهاء بأنه “زيادة أحد البدلين المتجانسين من غير ان يقابل هذه الزيادة عِوَض”. وقد نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد). والربا نوعان، وفقا لقواعد الفقه الإسلامي، هما:

 

ربا الفضل وربا النساء، ويتحقق ربا الفضل في معاوضة مال بمال إذا تضمنت فضل مال لا يقابله عِوَض، اما ربا النساء فهو فضل مال في مقابلة الاجل اي تأخير الوفاء، وقد ذهب مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة الى الافتاء بحرمة عقد التامين التجاري لأنه (يشتمل على ربا الفضل والنساء، فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود فهو ربا الفضل والمؤمن يدفع ذلك للمستفيدين بعد مدة فيكون ربا نساء وكلاهما محرم بالنص والإجماع). وقد كان هذا الموضوع محل نقاش طويل بين الفقهاء، وانا لا اريد الاطالة بالرد، فأقول إن الربا بنوعيه إنما يكون في عقود المعاوضة إذ يجب ان تتطابق قيمة البدلين وتتم المعاوضة في وقت واحد، اما التأمين فهو ليس عقد معاوضة (Commutative Contract) بل هو عقد تعويض (Contract of Indemnity) لذلك لا يشترط فيه تساوي البَدَلين وتزامن المبادلة.

 

هده هي اهم الشبهات التي تمسَّك بها الفقهاء للإفتاء بتحريم عقد التامين، وأكرر القول هنا بأن الله عز وجل لم يسم العقود المحرمة والمحللة في كتابة الكريم، بل أشار للمسائل المحرمة فتكون العقود التي ترتبط بها محرمة شرعا بدلالة النص. كما ان السنة الشريفة قد حرمت بيع الغرر، وفي ما عدا ذلك فإن جميع العقود تعتبر مباحة لقوله عليه الصلاة والسلام (المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا). وإذا تفحصنا شروط عقد التأمين لم نجد فيها ما يحلل الحرام أو يحرم الحلال، وان فتاوى الفقهاء بتحريم عقد التامين هي مجرد اجتهاد والاجتهاد لا يرقى الى منزلة النص الشرعي.

 

ونخلص من ذلك الى ان الشريعة الإسلامية وان لم تذكر عقد التامين بالتسمية إلا انها لم تتضمن أية دلائل ضمنية على تحريمه، لذلك يعتبر مشمولا بعبارة التجارة عن تراض في الآية الكريمة “إلا ان تكون تجارة عن تراض بينكم”.

 

هذا ما وددتُ ان أضيفه الى رسائلي الثلاثة السابقة إكمالاً للبحث.

 

وتقبل فائق تقديري.

 

بهاء بهيج شكري

[1] ترجع خلفية هذه الرسائل إلى تعليق كتبه الأستاذ فاروق يونس نشر في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بتاريخ 9 آذار 2015 حول كتابي أوراق في تاريخ التأمين في العراق-نظرات انتقائية، وقمت بدوري بالتعليق عليه في نفس الموقع تحت عنوان “هل هناك عقد للتأمين في الفقه الإسلامي؟”:

http://iraqieconomists.net/ar/2015/03/08/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a/

وقد أرسلت في وقت لاحق نسخة من تعليقي إلى الأستاذ بهاء بهيج شكري، فكتب هذ الرسائل التي اتفقنا على نشرها كي لا تظل حبيسة بيننا.

 

ولمن يرغب الاطلاع على تحليل وتقييم واسعين لموضوع التأمين في الشريعة الإسلامية عليه أن يرجع إلى كتاب الأستاذ بهاء بهيج شكري بحوث في التأمين (عمّان: دار الثقافة، 2012)، ص 83-255.

[مصباح كمال]