محمد حسين جعفر، شهيد النزاهة

محمد حسين جعفر … شهيد النزاهة

 

 

قرأت بتأثر كبير ما كتبه كل من السيدة سحر الحمداني والسيد أسعد سعد برهان الدين[1] الذين ربطتني بهما زمالة عمل وود واحترام خلال عملنا في شركة التأمين الوطنية.

 

لقد حرَّكت الكتابة عن واحد من أعز أصدقاء عمري المرحوم محمد حسين جعفر في داخلي مشاعر دفينة أختزنها باعتزاز وحزن عن رجل تفتخر الرجولة أن ينتمي لها هذا الرجل.

 

لغرض توثيق بعض ما عايشته معه سأحاول أن استرجع بعضاً من الذكريات على مدى ما يقارب الثلاثين سنة ما بين تعرفي عليه واغتياله بأيدي غادرة وآثمة.

 

تعرفت على محمد حسين بعد فترة قصيرة من انضمامي لشركة التامين الوطنية في نهاية عام 1975. أعترفُ نادماً أن الود لم ينبت بيننا سريعاً على الرغم من أنه كان في مكتبٍ يجاور المكتب الذي كنت أعمل فيه في الطابق الخامس من البناية القديمة للشركة قرب ساحة النافورة رغم اننا من عمر مقارب ومن نفس الطائفة (للذين يحلو لهم هذا الكلام) لأن ذلك لم يكن يلعب دوراً في الصداقات حينئذ.

 

لم تكن تعجني نبرة صوته العالية ونظراته الجانبية الحادة وضخامة جسمه. لهذا بقت صداقتنا على مستوى منخفض لعدة سنوات.

 

الانعطاف في مسار صداقتنا حصل في بداية عام 1987. ففي 25 كانون الأول/ديسمبر 1986 تم اختطاف إحدى طائرات الخطوط الجوية العراقية عندما كانت في رحلة من بغداد إلى عمان من قبل خاطفين لبنانيين اثنين متعاطفين مع إيران.

 

فجَّر أحد الخاطفين قنبلة كان يخفيها بين ساقيه في قمرة القيادة. أدى الانفجار إلى كسر يد الكابتن وتضرر نظام الهيدروليك في الطائرة.

 

رغم محاولات الكابتن الشجاع لإنزال الطائرة يدوياً في مطار عرعر في السعودية إلا أن المحاولات باءت بالفشل. وأخيراً هبطت الطائرة في أرض زراعية مجاورة لمدرج المطار مما أدى الى تحطم الطائرة إلى ثلاثة أجزاء.

 

حسبما أذكر فإن عدد الضحايا كان 123 شخصاً غالبيتهم من العمال السودانيين والمصريين العاملين في العراق. عددٌ قليلٌ جداً من الركاب خرجوا سالمين ومنهم كابتن الطائرة وراكب أردني في الدرجة الأولى يعمل كمحامي (ولذلك قصة) في حين تحوَّل الكثير من الركاب إلى أشلاء متناثرة.

 

الأستاذ موفق حسن رضا، مدير عام شركة التأمين الوطنية في حينها، أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية، أمر بتشكيل لجنة للنظر في تسوية مطالبات الضحايا بدلاً من تركها لخبراء تسوية الخسائر في لندن كما هو معتاد لأن طائرات الخطوط الجوية العراقية كانت معادة تأمينيا مع سوق لويدز في لندن. الهدف من ذلك هو لضمان العدالة والحرفية في التسويات إضافة إلى تقليل كلفة تسوية المطالبات.

 

تسميتي كرئيس للجنة كانت بحكم وظيفتي كمدير فرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين، وأيضاً تسمية السيدة المرحومة هدى الصفواني بصفتها مديرة قسم تأمين الطيران.

 

أما الثقل القانوني لعمل اللجنة فقد أُسند إلى السيد محمد حسين جعفر من بين العديد من القانونيين في الشركة لما يتمتع به من خبرة قانونية وحرفية عالية وحيادية ونزاهة يشهد لها الجميع. كما تمَّ ضم المرحوم السيد زهير العاني، مدير التأمين في الخطوط الجوية العراقية، إلى اللجنة كممثل للمؤمن لها.

 

بدأت اللجنة عملها بوتيرة متسارعة لإنهاء المطالبات بأسرع ما يمكن. أول عمل قامت به اللجنة تحت إشراف الأستاذ موفق حسن رضا، ذو الخلفية القانونية من بريطانيا، أن قمنا بإلغاء حد المسؤولية المثبت على تذكرة السفر والبالغ 20,000 دولار (حوالي 6,000 دينار بالسعر الرسمي) على أساس أن الخطوط الجوية العراقية كانت مُهملة بدرجة كبيرة في تفتيش وكشف الخاطفين قبل صعودهما للطائرة، وبالتالي تمَّ فتح حدود المسؤولية ليتم تسوية بعض المطالبات بمبالغ تجاوزت عشرات الآلاف من الدنانير.

 

نعود لقصة المسافر الأردني، المحامي الذي حاول استمالة المرحوم محمد حسين جعفر على أساس أنهما من نفس الخلفية المهنية، حيث طالب بتعويض بمئات الآلاف من الدولارات. وكان أساس مطالبته هو أنه نتيجة حادث الاختطاف حصل له عجز جنسي وهو في عز رجولته!

 

كما هو متوقع من أبو اسيل، لما يتمتع به من نزاهة وإنصاف وحزم، رفض المطالبة وبشدّة وهدده باختبار عملي (أتركه لخيالكم). وبالتالي حكمت اللجنة بتعويض المسافر الأردني المحامي بمبلغ منصف لأنه لم يصب نتيجة الحادث بأذى جسدي.

 

أما إنسانية محمد حسين جعفر فقد تجسَّدت في تسوية العشرات من مطالبات الضحايا من المصريين والسودانيين بنزاهة وعدالة رغم عدم وجود من يدافع عن حقوقهم.

 

إن عملي في اللجنة مع أبو أسيل واكتشافي لجوهره السامي سارع في أن تنتقل صداقتنا إلى مرتبة عالية، وبدأنا مرحلة صداقة حميمية ربما للتعويض عن سنوات الصداقة الباهتة. لذلك فإن صداقتنا المتجددة أصبحت مضرب مثل في الشركة.

خلال تسنمه لمنصب المدير العام لشركة التأمين الوطنية في منتصف التسعينيات كنت أعمل حينها في اليمن. وكان يستثمر زياراتي إلى بغداد للتداول معي في الأمور المعقدة والاستشارة ولاسيما في إعادة التأمين.

 

كان المرحوم قليل الالمام باللغة الإنكليزية لكنه كان يتغلب على هذه المعضلة من خلال الاستعانة بمن يجيدها من المقربين له مثل الزميل العزيز مكي رزوقي مصطفى وآخرين. وبالتالي تغلَّب على هذا النقص في المهارة. يُضاف إلى ذلك خبرته الإدارية الطويلة التي مكنته من استثمار الطاقات المتوفرة في الشركة وبالتالي إدارة الشركة على أحسن ما يرام في ظل الظروف الصعبة.

 

إن اختيار المرحوم أبو أسيل كمدير عام لعقارات الدولة كان بسبب نزاهته أولاً وحسن إدارته ثانياً في ظل الفوضى التي سادت العراق بعد عام 2003.

 

لقد أسرني المرحوم أبو أسيل لأكثر من مرة من أنه لم يكن سعيداً بنقله من التأمين الوطنية إلى عقارات الدولة ولكن ليس باليد حيلة.

 

إن قناعتي بخصوص اغتيال المرحوم محمد حسين جعفر كان لإسكاته عن فضح السياسيين المتنفذين الذين كانوا يمارسون ضغوطاً كبيرةً عليه لتمليكهم عقارات الدولة مجاناً أو بسعر بخس ولاسيما المصادرة منها والتي كان يرفضها بشدة.

 

تلقيت خبر فاجعة اغتياله من صديقنا المشترك سعد البيروتي وأنا احتفل مع عائلتي بذكرى ميلاد ابنتي نسمة في صنعاء. وعندما أبلغتها بخبر استشهاده بكت نسمة بحرقة لأنها كانت تحبه بشكل خاص لأنه كان يداعبها كثيراً عندما كانت طفلة.

 

رحمك الله يا أبو أسيل يا شهيد النزاهة والطيبة، واللعنة على كلِ يدٍ ساهمت في اغتيالك، واسكنك الرحمن في جنات الخلد والنعم.

 

باقر المنشئ

18 نيسان 2017

الولايات المتحدة الامريكية

[1] سحر الحمداني والسيد أسعد سعد برهان الدين “في ذكر المرحوم محمد حسين جعفر: مدير عام شركة التأمين الوطنية (20 تشرين الثاني 1946 – 30 كانون الثاني 2001،” مرصد التأمين العراقي

Remembering Muhammad Hussain Jafar (1946-2001)

 

Remembering Muhammad Hussain Jafar (1946-2001)

في ذكر المرحوم محمد حسين جعفر

مدير عام شركة التأمين الوطنية (20 تشرين الثاني 1946 – 30 كانون الثاني 2001)

 

 

أسعد سعد برهان الدين وسحر الحمداني

 

 

عرفت المرحوم الأستاذ محمد حسين جعفر الجشعمي (2006-1946)، خريج كلية الحقوق، جامعة بغداد، عندما عُينت في شركة التأمين الوطنية/قسم الشؤون القانونية في أيلول 1977 حيث كان مدير القسم آنذاك المرحوم السيد عبد المنعم النهر (توفي سنة 2011؟) ومعاونته المرحومة سهير حسين جميل (بغداد 8 أيار 1938 – عمّان 21 تشرين الأول 2012) ثم المرحوم محمد حسين جعفر. كنا عدداً كبيراً من الموظفين والموظفات نعمل بتوجيه هؤلاء الأساتذة حيث كانوا خبراء في مجال القانون وإخوة كبار لنا في مساعدتنا وتصحيح أخطاءنا ونحن نخطو أولى خطواتنا في التأمين.

 

وعندما أتكلم عن المرحوم محمد، وكما كنا نناديه (أبو أسيل)، أتذكر جديته وحزمه وتمكنه من أداء متطلبات عمله، إضافة الى روح النكتة والدعابة التي يمتلكها، وحسن الأخلاق، ولطف المعاشرة.

 

في اليوم التالي لمباشرتي العمل ذهبنا مع المرحوم محمد وزملاء آخرين لتناول وجبة غداء في مطعم شعبي قرب الشركة حيث كنا نشوي الكباب بأنفسنا. ومن ضمن أصدقاء المرحوم محمد كان المرحوم عماد تكليف الفرعون، ابن الفرات الأصيل وصاحب الاخلاق العالية، والسيد عبد الرحمن الكيلاني، موسوعة الأطباء كما كنا نسميه إضافة لطيبته الفائقة. وكانت الشركة آنذاك بقيادة حازمة ومتميزة من قبل الأستاذ عبد الباقي رضا (شباط 1966- آذار 1978) أطال الله عمره بالصحة والعافية.

 

لا أنسى دور المرحومين محمد وعماد الفرعون في تدريبي على المرافعات أمام المحاكم.

 

انتقلت من الشركة إلى مجلس البحث العلمي سنة 1980 ولكن علاقتي استمرت مع اصدقائي في الشركة ومنهم أبو أسيل إلى أن اغتيل في فترة الحرب الطائفية في منطقة سكنه في حي الخضراء ذات الغالبية السنية على ايدي آثمة. ربما كان اغتياله لسبب طائفي أو ربما كان تصفية حسابات حيث انه خلال فترة عمله القصيرة في دائرة عقارات الدولة تعرض إلى ضغوطات قوية من بعض أصحاب النفوذ بشأن عقارات الدولة وهو لا يقبل غير الحق والصحيح في أداء واجبات عمله. ولهذا أحال نفسه على التقاعد، وكان ذلك قبل اغتياله بفترة قصيرة. ربما أرادوا إسكاته كي لا يتكلم عمّا تعرض له. ومن المفارقات أن القتلة المأجورين لم يكتفوا باغتياله بل سرقوا سيارته. لقد اختلطت الأمور والأسباب في تلك الفترة ولم يعد من السهل الكشف عن الدوافع وفاعلي الجريمة. لقد قتل أناس أبرياء كثر كانوا بعيدين عن السياسة والحكومة. وهنا اتذكر أحد الذين كان يسكن في منطقتنا منذ سنوات عديدة. كان موظفاً في بنك وجلّ اهتمامه هو أناقته. وضعوا عبوّة ناسفة في سيارته، انفجرت وقتلته. لماذا؟ هو السؤال عينه وراء ما نراه اغتيالاً لأبو أسيل.[1]

 

كان المرحوم أبو أسيل في حياته الشخصية محباً لعائلته وأولاده، حريصاً على تقديم الأكثر لهم حيث كانوا ما زالوا أطفالاً. كنا لا ننقطع عن تبادل الزيارات.

 

لا يمكن للمرء ان ينسى المرحوم محمد حسين جعفر والمرحوم عماد الفرعون الذي اغتالته هو الآخر يد اثيمة في هذا الزمن الذي يغادره الشرفاء بصمت. ومن المؤسف أننا لا نملك معلومات عن اغتيال المرحوم عماد الفرعون، وهو من عشيرة معروفة. لقد عشنا زمناً طائفياً في تلك الفترة لا نعرف فيها لماذا يقتل إنسان.

 

أسعد سعد برهان الدين

 

أتمنى أن نكون قد وفينا جزءً من حق من عاشرناهم في شركة التامين الوطنية وكانوا خير الناس سواء على صعيد العمل وكرمهم في تقديم المعلومة والنصيحة لنا نحن كموظفين جدد آنذاك أو على صعيد العلاقة الشخصية التي استمرت حتى بعد مغادرتنا الشركة.

 

بالطبع فرحنا جداً عندما اختير المرحوم أبو أسيل مديراً عاماً لشركة التامين الوطنية سنة 1996 وهو الذي نشأ فيها، مهنياً، وعمل بجد وإخلاص، فكان هذا الاختيار تتويجاً لسنوات من المثابرة، إضافة الى رفعة خلقه وانسانيته.

 

فاتحني أبو اسيل بعد صدور الأمر الإداري بتعيينه مديراً عاماً للشركة للعودة إلى الشركة وفعلاً عدت إلى عائلة التأمين بعد غياب سبع سنوات. وكنت في فرع التأمين البحري/التعويضات، وكان نشاط الفرع قليلاً ليس كالسابق، بسبب الظروف التي كان يمر بها العراق، ولكن المرحوم حاول ضمي إلى اللجان المتنوعة بالشركة حيث كان يرغب بتطوير الشركة وخاصة من ناحية إدخال الحاسوب في كل نشاطاتها وحتى حثّ الموظفين على تعلم الحاسوب وتوفير الفرصة لهم لأجل ذلك. الانتقاد الوحيد الذي سمعته عنه في حينه هو تردده في اتخاذ القرار. وأنا اعتقد أن هذا ليس مثلبةً بقدر ما هو تعبير عن حرصه المفرط والدقيق لاتخاذ القرار الصحيح سيما، وهو جديدٌ في إدارة الشركة، وتجنب العواقب السلبية. لقد عمل بجد وإخلاص في الشركة سنوات طويلة وساهم بشكل كبير في الارتقاء بها استكمالاً لما قام به أسلافه من المدراء العامين.

 

انتقلت للعمل في قسم الرقابة الداخلية في الشركة مع الأخ المرحوم ضرغام الغظنفري الذي كان مديراً الرقابة للداخلية (استشهد في 10 كانون الثاني 2008 في حادثة تفجير في منطقة زيّونه في بغداد وهو يقدم العزاء لأحدى العوائل. أعجز عن وصف دماثة خلقه وبرّه بأمه الذي تفرغ للعناية بها حتى أنه لم يتزوج). وكذلك كان أبو أسيل باراً جداً بوالدته والتي توفَّت قبله ببضعة أشهر، وهذا لطف من الله أن لا تشهد فقدانه. ولكني، بعد المباشرة، اضطررت لترك العمل لمرض ابني. ولا يمكن ان أنسى وقفة أبو أسيل وزوجته الكريمة معي في محنتي، نعم الاخوة التي أشعروني بها.

 

التواضع هي الصفة المحببة التي تمتع بها أبو أسيل حيث وهو مدير عام للشركة زارنا بنفسه لتقديم بطاقة الدعوة لعرس ابنته.

 

أود أن اكتب أكثر وأكثر عن أبي أسيل ولكن الذاكرة تعجز عن تذكر التفاصيل التي عشناها معا حيث كنا نتناقش في أمورنا الحياتية، ونتبادل الأفكار دائماً مع اختلافنا في التقييم إذ انه كان يحب النظام الملكي ويتفق مع زوجي في ذلك. ولا أنسى مدى السعادة التي شعرنا بها نحن أصدقاء المرحوم ومن ضمنهم الدكتور سليم الوردي عندما دخل ابنه جامعة صدام، كلية الطب، وكأنه ابننا جميعاً. وكان الاثنان تربطهما صداقة قوية.

 

كانت فترة إدارته للشركة قصيرة قد لا تتعدى الأربع سنوات امتدت من 20 تشرين الثاني 1996 لغاية 30 كانون الثاني 2001. إلا أنه نُقل إلى دائرة عقارات الدولة، حسبما اتذكر، والتي عانى فيها واضطر الى التقاعد وهو في قمة عطاءه. واعتقد أن إصراره على الحق والانصاف في التعامل كانت سببا في اغتياله.

 

لم يكتب المرحوم مقالات تأمينية وحقوقية متخصصة للنشر وكل ما قدمه من دراسات ومطالعات كانت في سياق العمل. من انجازاته تفعيل المكاتب الحدودية وزيادة إيراداتها بتأمين الترانزيت الذي كان مهملاً. كما أنه أوجد وثيقة تأمين على الحياة جماعية وتم تسويقها لدوائر الدولة ومنها وزارة النفط. واهتم بحوافز الموظفين وكان يتابعها ويسعى إلى زيادتها.[2]

 

أنا أسأل نفسي كل يوم، بعد الذي حصل لنا نحن العراقيين، أين ذهب ذلك الحب الذي كان يجمعنا على الخير ونتمناه لأصدقائنا وفرحنا لفرحهم وحزننا لحزنهم دون النظر إلى الطائفة وغيرها من الانتماءات الضيقة. هل سنعود يوما كما كنا؟ مع الأسف، أشك في ذلك لأننا ببساطة جيل منقرض ومشتت في منافي الأرض.

 

رحم الله أبو أسيل وأبقى ذكراه الطيبة في نفوسنا دائماً.

 

سحر الحمداني

 

كندا 22 نيسان 2013 – 27 آذار 2017

[1] لاستحضار أجواء الاقتتال الطائفي الجديد في العراق وبعض أشكاله وضحاياه، ذلك الذي بدأ بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003 واستمر لغاية 2008 وما يزال بدرجات متفاوتة، يمكن قراءة روايات برهان شاوي ومنها مشرحة بغداد (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012) ورواية متاهة قابيل (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2013). (المحرر)

[2] أشكر صديقتي السيدة عفيفة دارا على تزويدي بهذه المعلومات وغيرها.

ملاحظات حول مساهمة رئيس جمعية التأمين العراقية في

مناقشة ورقة الخبيرين النفطيين طارق شفيق واحمد موسى جياد: الدعوة لخارطة طريق جديدة

 

 

مصباح كمال

 

 

[1]

نشر مـعـهد التـقـدم للسياسات الإنمائية بتاريخ 2 نيسان 2017 تقريراً عن الندوة[1] التي عقدها لعرض ومناقشة الورقة التي قدمها الخبيران النفطيان طارق شفيق وأحمد موسى جياد[2] “والتي تضمنت مجموعة من الملاحظات والمعالجات الهادفة لوضع خطط وسياسات وحوكمة رشيدة للثروة النفطية في العراق.” وجاء في التقرير أن النائب الدكتور مهدي الحافظ ادار الندوة، وشارك في التعقيب على الورقة: النائب عدنان الجنابي، الرئيس السابق للجنة النفط البرلمانية، الخبير النفطي حمزة الجواهري، الخبير النفطي فؤاد الامير، وزير الموارد المائية الأسبق الدكتور عبداللطيف جمال رشيد، الدكتور محمد الحاج حمود الوكيل الأسبق لوزارة الخارجية، الخبير الاقتصادي عبدالله البندر، الخبير المصرفي سمير النصيري، الخبير المصرفي عبدالعزيز حسون، السيد هاشم الشماع، مدير ملتقى بغداد الفكري، المهندس ياسين عباس، الدكتور فلاح خلف الربيعي، الجامعة المستنصرية، السيد عبد الحسن الزيادي، رئيس جمعية التأمين.

 

[2]

من المسرّ أن نقرأ أن السيد عبد الحسن الزيادي قد ساهم في المناقشة بصفته رئيساً لجمعية التأمين العراقية وليس بصفته رئيساً لمجلس إدارة شركة الرهام للتأمين أو كونه مقاولاً مستقلاً. وقد قدَّم نفسه بصفته رئيساً للجمعية في مناسبة سابقة.[3]   وأرى في موقفه هذا فهماً أصيلاً لدوره كممثل لجميع شركات التأمين الأعضاء في الجمعية. مثل هذا الموقف يعزّز مكانة من يشغل موقع الرئاسة في الجمعية ويقصي أي تحيز لجهة أخرى يعمل فيها الرئيس بصفات أخرى.

 

[3]

كيف لخصَّ التقرير مساهمة السيد عبد الحسن الزيادي في الندوة؟ بعد التعريف به كرئيس لجمعية التأمين نقرأ التالي:

 

اشار إلى ان الحكومة تنتج النفط وتقوم بتصديره من دون ان تعطي للقطاع الخاص اي دور في هذه العملية .. داعيا إلى ان يسهم القطاع الخاص في عملية استثمار الغاز.

 

لقد تركّزت مساهمة رئيس الجمعية على غياب دور القطاع الخاص في إنتاج الحكومة للنفط وتصديره، ودعوته لمساهمة هذا القطاع في استثمار الغاز (وربما النفط الذي لم يذكره التقرير). وهو بهذا يلتقي مع الخبير المصرفي سمير النصيري الذي أكد، كما جاء في التقرير، على “رسم سياسة استراتيجية نفطية مثل باقي الدول، ورؤى اقتصادية تترافق مع السياسة النفطية لتقليل الاعتماد على النفط، مستبعدا تحقيق مثل هذه الاهداف في ظل عدم وجود مشاركة للقطاع الخاصة وعدم خصخصة وهيكلة للقطاعات الانتاجية وغياب هيكلية جديدة للاقتصاد.”

 

 

 

[4]

الكل يتحدث عن العصا السحرية المتمثلة بالقطاع الخاص والخصخصة لحل أزمة الاقتصاد العراقي. لكننا “نسمع جعجعة ولا نرى طحناً.” وهذا موضوع آخر يمكن أن يُدرس ضمن إطار المساهمة المحلية العراقية في صناعة النفط، في مختلف مراحلها، بشكل عام، وضمن عقود جولات التراخيص التي أهملت المحتوى المحلي local content.[4] أو، في أحسن الحالات، أضعفت من فاعليته في التطبيق العملي، كما هو الحال بالنسبة لشرط التأمين في العقد النموذجي لجولات التراخيص. لعله من المفيد هنا أن نقتبس ما كتبه الخبيران طارق شفيق وأحمد موسى جياد بشأن المحتوى المحلي. ففي معرض الحديث عن أخطاء رئيسية في عقود الخدمات طويلة الأجل كتبا أن

 

“اعتماد عقود طويلة الأجل، تخلو من نسبة محددة مسبقاً من “المحتوى المحلي،” (التعاقد من الباطن للشركات المحلية ومساعدتها على التنفيذ والعمل بكفاءة) يؤدي إلى تصدير جزء أكبر من الثروة الوطنية بينما يعيق نقل الدراية التكنولوجية للشركات الوطنية الخاصة. إن المحتوى المحلي مهم إلى درجة أن إيران وروسيا تطالبان بـمنح 51% للشركات المحلية وترتفع هذه النسبة إلى 70% في النرويج.”[5]

 

لا ندري إن كان السيد الزيادي يفكّر بهذا الجانب من الموضوع عندما قدَّم مساهمته. آمل أن يوضح موقفه لأن له علاقة أيضاً بجانب آخر ونعني به دور التأمين المحلي – وهو ما كان غائباً في مساهمته، اعتماداً على ما جاء في التقرير عن الندوة. لقد كان رئيس الجمعية أكثر تأثيراً في مساهمته في اللقاء الأول لمبادرة تأسيس المجلس الاقتصادي الأعلى عندما نُقل عنه الآتي:[6]

 

‌أ. بيّن ما تعرض له قطاع التامين في العراق من اجحاف بينما يشكل اولويات بناء اي استراتيجية اقتصادية.

‌ب. تأييده لتأسيس المجلس الاقتصادي الاعلى مع ضرورة ان يكون ممثلا بخبرات وكفاءات اقتصادية.

‌ج. تشريع القوانين الاقتصادية بما يمنح قطاع التامين دورا وطنيا بارزا لأهميته في كافة استراتيجيات البناء الاقتصادي.

 

وقد علقنا عليه في حينه، ولم نلقَ رداً منه أو من آخرين من المهتمين بالشأن التأميني.

 

[5]

رغم خصوصية الندوة فإن غياب أي ذكر للتأمين فيها يؤكد الإهمال الذي تعانيه مؤسسة التأمين في العراق من أصحابها ومن الغير. لقد كانت فرصة عقد هذه الندوة مناسبة جيدة لرئيس الجمعية لعرض موقف الجمعية من تأمين صناعة النفط في العراق خاصة وأن “المشاركون في الندوة [قرروا] رفع مذكرة تفصيلية إلى الرئاسات الثلاث ووزارة النفط لاطلاعهم بما تم التوصل اليه وماهي المقترحات المناسبة لوضع سياسية نفطية ناجحة في البلاد.” نقول هذا وفي بالنا أن السياسة النفطية يجب أن لا تخلو من اهتمامٍ بدور قطاع التأمين العراقي (ضمن إطار المحتوى المحلي) كجزء من الارتباطات الأمامية والخلفية forward & backward linkages رغم أن قانون الاستثمار والعديد من عقود الدولة لا تحدد دوراً مهماً لقطاع التأمين العراقي.

 

 

مصباح كمال

7 نيسان 2017

 

[1] أشكر الزميل الصديق جون ملكون على توفير نسخة من هذا التقرير.

[2] كتب النص أصلاً باللغة الإنجليزية ونشر في موقع Iraq Business News

http://www.iraq-businessnews.com/2017/03/21/towards-sound-oil-plans-policy-and-governance/

[3] راجع مصباح كمال “التأمين في اللقاء الأول لمبادرة تأسيس المجلس الاقتصادي الأعلى” في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2017/01/12/%d8%aa%d9%82%d8%b1%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%88%d9%84-%d9%84%d9%85%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%b1%d8%a9-%d8%aa%d8%a3%d8%b3%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84/

[4] كتبنا أكثر من مرة حول موضوع التأمين في عقود جولات التراخيص ولدى وزارة النفط والشركات التابعة لها. أنظر بهذا الشأن: مصباح كمال، وزارة النفط والتأمين: ملاحظات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، 2014). ص 45-57. مقدمة الكتاب منشورة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2014/03/19/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86/

 

لقراءة النص الكامل للكتاب يمكن استخدام هذا الرابط:

https://www.academia.edu/6476765/Ministry_of_Oil_and_Insurance_Critical_Remarks

 

[5] ترجمة مصباح كمال.

[6] أنظر الرابط في الهامش رقم 3.

Merger of NIC & IIC-lack of proper procedure and adherence to law

قرار وزارة المالية بدمج شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية: تجاوز الإجراءات السليمة ومتطلبات القانون

 

 

مصباح كمال

 

 

نشر أيضاً في المواقع التالية:

 

https://www.academia.edu/32184847/Merger_of_NIC_IIC_-_lack_of_proper_procedures_and_adherence_to_law

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2017/04/merger-of-national-insurance-co-iraq.html

 

 

مقدمة

 

ورد إلى علمنا مؤخراً أن قراراً وزارياً صدر بتاريخ 22 آذار 2017 من وزارة المالية (لم نستطع الحصول على نص القرار وهو ليس منشوراً في موقع الوزارة أو مواقع شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية) بدمج الشركتين، وتعيين الآنسة هيفاء شمعون عيسى، مدير عاماً وكالةً للشركتين (كانت تشغل موقع مدير عام وكالةً لشركة التأمين العراقية)، وتعيّين السيد صادق عبد الحمن الخالدي رئيساً وكالةً لديوان التأمين العراقي (وكان يشغل موقع مدير عام شركة التأمين الوطنية).

 

لم نتعرف حتى الآن على أسباب دمج هاتين الشركتين العامتين، وهما شركتان ناجحتان بالمقاييس العراقية السائدة إذ أنهما تحققان أرباحاً يوزع قسماً منها على الموظفين ويغذي القسم الآخر منها خزينة الدولة بالضرائب والرسوم التي تدفعها الشركتان. ربما يضمُّ القرار الوزاري الأسباب الموجبة للدمج، وهو ما سنتعرف عليه متى ما توفر نص القرار، وعندها يمكن إبداء الرأي بالقيمة الاقتصادية للدمج.

 

لا نهدف من هذه الورقة الموجزة مناقشة مبررات الدمج، وضرورتها من عدمها، فقد كان لنا موقف من موضوع الدمج كشفنا عنه في مقالتين سابقتين.[1] ما يعنينا هنا هو ما يبدو عدم الاهتمام بالإجراءات السليمة لإدارة عملية الدمج، وما يبدو أنه عدم التزام بالأحكام القانونية.

 

أهمية الإجراءات السليمة

 

قرار الدمج يذكّرنا بقرار تأمين شركات ووكالات التأمين سنة 1964 الذي لم يتأسس على دراسة موضوعية لواقع قطاع التأمين في العراق، واكتفى باستلهام أفكار عامة (“الاشتراكية الرشيدة”) لإدارة الاقتصاد من منظور ناقص وتقليد لتجربة مصر في هذا المجال. مثلما يذكرنا بالقرارات التي كان يتخذها مجلس قيادة الثورة وتلك التي كان يتخذها “المستبد بأمره” بول بريمر الثالث.

 

العقلية لم تتغير منذ ذلك الوقت فهي ذاتها التي استخدمت في قرار الدمج هذه السنة. وهي عقلية غير ديمقراطية لا تعتمد النقاش المفتوح وتكتفي بالعمل خلف الكواليس. ليس أصعب على الناس تجاهل أفكارهم بدعوى الاختصاص وامتلاك أصحاب القرار للحقيقة فهو استهانة بعقول الغير وما يمكن أن يقدموه من أجل الصالح العام.

 

حسب علمنا، لم تنشر أياً من الشركتين مقالات ودراسات عن موضوع دمج الشركات.

 

إن قراراً خطيراً كهذا، يمسُّ مصالح العاملات والعاملين في الشركتين ويؤثر على بنية سوق التأمين العراقي، كان يجب أن يُطرح للنقاش على الأقل داخل شركتي التأمين. وكان من المناسب تقديم ورقة موقف position paper تجاهه من قبل الداعين للدمج ليكون موضوعاً لتبادل الآراء قبل الإقدام على اتخاذ القرار، هذا إن كان متعذراً عليهم تقديم ورقة تشاور consultation paper كما هو معهود في الممارسات الديمقراطية. إن كانت الإجراءات الديمقراطية بعيدة عن تفكير أصحاب القرار كان الأولى، على الأقل، الالتزام بأحكام قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (الأمر رقم 10). وهو ما اقتبسناه في مقالة سابقة ومن المفيد استعادتها لأغراض المقالة الحالية:

 

الضوابط القانونية لاندماج شركات التأمين

 

ترد القواعد الضابطة لاندماج شركات التأمين في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 تحت الباب الخامس، تحويل الوثائق وتملك واندماج وتصفية المؤمنين، في الفصل الثالث: اندماج المؤمنين. تتناول المادة 50 اندماج المؤمنين كما يلي:

 

“أولا- يجوز اندماج مؤمن أو معيد تأمين في مؤمن أو معيد تأمين اخر بما في ذلك المؤمنين او معيدي التأمين المملوكين للدولة.

 

ثانيا-  على المؤمنين الراغبين بالاندماج تقديم طلب للديوان مرفق به كافة التقارير والبيانات اللازمة التي يحددها رئيس الديوان بتعليمات يصدرها لهذا الغرض.

 

ثالثا-  يدقق رئيس الديوان التقارير والبيانات والوثائق المقدمة، وله الموافقة على الاندماج أو رفضه بقرار مسبب.

 

رابعا- إذا وافق رئيس الديوان على طلب الاندماج فينشر أعلانا على نفقات طالبي الاندماج في صحيفة يومية واسعة الانتشار في العراق لمدة (5) خمسة أيام متتالية، ولكل ذي مصلحة التظلم من القرار خلال (30) ثلاثين يوما من تاريخ اخر نشر لإعلان الموافقة على الاندماج.

 

خامسا-       يبت رئيس الديوان في التظلمات المقدمة وفقا لأحكام البند (رابعا) من هذه المادة خلال (30) ثلاثين يوما من تاريخ انتهاء مدة تقديمها، ولكل ذي مصلحة الاعتراض على القرار الصادر نتيجة التظلم أمام محكمة البداءة المختصة خلال (7) سبعة أيام من تاريخ التبلغ به.”

 

البند الأول يُشرّع جواز اندماج مؤمن أو معيد تأمين في مؤمن أو معيد تأمين اخر بما في ذلك المؤمنين او معيدي التأمين المملوكين للدولة (التأكيد من عندي). أي أن الأساس القانوني لمشروع الوزارة جاهز، لكن هذا لا يعفي الوزارة من عرض الدافع أو الدوافع لمشروعها المستمدة، ربما، من مجلس أدارة شركتي التأمين الوطنية والتأمين العراقية.

 

ترى هل تمَّ الالتزام بهذه الأحكام؟ هل أن شركتي التأمين قامتا بـ “تقديم طلب للديوان مرفق به كافة التقارير والبيانات اللازمة التي يحددها رئيس الديوان بتعليمات يصدرها لهذا الغرض.” للسير بعملية الدمج؟

 

المصادرة على المطلوب

 

لقد كانت موافقة رئيس الديوان وكالةً على الدمج، قبل صدور قرار وزارة المالية بدمج الشركتين، مصادرة على المطلوب، فقد أعلن عن إجراءات الدمج في تشرين الأول 2016، كما جاء في مقال في الصفحة الاقتصادية لجريدة الصباح (العدد 3787 بتاريخ 4/10/2016)،[2] ذُكر فيه، اعتماداً على مصدرٍ في ديوان التأمين، البدء بالإجراءات القانونية للاندماج.

 

إضافة إلى ذلك فإن موقف شركة التأمين العراقية، عند صدور الإعلان في جريدة الصباح كان يقوم على تفنيد ورفض الدمج والتظلم لدى وزارة المالية بهذا الشأن، وتوصية مجلس إدارتها بتقديم مشروعها الخاص باستعادة تخصصها السابق في التأمين على الحياة (الذي توقف بقوة القانون عام 1988).

هناك كما يبدو عيب أساسي في القرار الوزاري لأنه يفتقر إلى مسوّغ قانوني واضح خاصة وأن مجلس إدارة الشركتين، حسب علمنا، لم يُقْدِما على اتخاذ قرار للبدء بالدمج – وهو ما ينصُّ عليه قانون تنظيم أعمال التأمين. وكما كتبتُ في مقالتي السابقة “مشروع دمج شركات التأمين العامة” فإن “تحقيق الاندماج يتطلب قراراً من مجلس إدارة كل شركة بحل الشركة للتمهيد لتأسيس الشركة الجديدة. وفي الوقت الحاضر ليس معروفاً إن كانت الوزارة [وزارة المالية] (أو الشركة الراغبة في الاندماج) ستقوم بتكليف جهة مهنية مستقلة للتقييم المالي للشركات موضوع الدمج، أو أن ديوان التأمين سيشترط على الشركات الراغبة بالاندماج تقديم مثل هذا التقييم المستقل.

 

كلمة أخيرة

 

من المعروف إن عدم الالتزام بالإجراءات القانونية الصحيحة يعتبر عيباً، ويوفر الفرصة للمحاكم لرد الدعاوى. ونحن هنا لسنا في مواجهة قضية قانونية صرفة معروضة على المحاكم بقدر ما نودُّ أن نشير إلى ما يبدو حتى الآن، في غياب المعلومات الدقيقة والكاملة والوثائق ذات العلاقة، أنه عدم التزامٍ بأحكام قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 دونكم الإجراءات السليمة المعهودة في أسواق التأمين المتقدمة.

 

1 آذار 2017

[1] مصباح كمال، “عودة إلى مشروع دمج شركات التأمين العامة،” موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2016/11/19/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%af%d9%85%d8%ac-%d8%b4%d8%b1%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84/

مصباح كمال، “مشروع دمج شركات التأمين العامة،” مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2016/02/proposed-merger-of-state-owned.html

نشرت أيضاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2016/02/21/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%af%d9%85%d8%ac-%d8%b4%d8%b1%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9/

[2] وقبل ذلك وبتاريخ 18 أيلول 2016 نشرت جريدة الصباح الإعلان التالي: “وزارة المالية/ديوان التأمين، إعلان. استناداً إلى المادة (50) من قانون تنظيم أعمال التأمين رقم (10) لسنة 2005 وبناء على قرار السيد رئيس ديوان التأمين بالموافقة على طلب اندماج شركة التأمين العراقية العامة بشركة التأمين الوطنية ولكل ذي مصلحة التظلم من القرار خلال (30) يوماً من تاريخ آخر نشر في الصحيفة بالموافقة على الاندماج.” وقتها لم تكن الشركة العراقية للتأمين قد تقدمت بأي طلب للاندماج مع شركة التأمين الوطنية!

Dr Mustafa Rajab on Abolition of Insurance Agencies and other Issues – a comment on the views of Mr Ata Abdul Wahab

د. مصطفى رجب: حيثيات إلغاء نظام وكالات التأمين وقضايا أخرى – تعليق على ما كتبه الأستاذ عطا عبد الوهاب في كتابه (سلالة الطين) عن فترة عمله في ميدان التأمين

 

 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

د. مصطفى رجب*: حيثيات إلغاء نظام وكالات التأمين وقضايا أخرى – تعليق على ما كتبه الأستاذ عطا عبد الوهاب في كتابه (سلالة الطين) عن فترة عمله في ميدان التأمين

 

مقدمة: قبل عدة سنوات قرأت كتاب الأستاذ عطا[1] وتوقفت عند الفصل المتعلق بفترة عمله في حقل التأمين. وقررت، في حينه، عدم التعليق على ما كتبه بشأن إلغاء وكالات التأمين وإعادة عملها الذي اتخذه مجلس إدارة المؤسسة العامة للتأمين في بغداد وذلك للأسباب الآتية:-

 

  1. تربطني بالأستاذ عطا علاقة شخصية نشأت عن علاقة العمل خلال الفترة التي أمضاها في حقل التأمين. وحيث أنه تعرض لما تعرض له من مأساة تفوق ما يستطيع تحمله البشر، فقد قررت في حينه أنه من غير المناسب أن أضيف جرحاً للجروح العميقة التي تعرض لها.
  2. أكن احتراماً لعائلته الكريمة التي تحملت ما تحملت من أهوال ومآسي فكانت بحق (السيدة الصابرة المتصبرة).
  3. وأخيراً احتراماً لذكرى شخص زكي النفس عفيف اليد واللسان صاحب الذكرى العطرة هو المرحوم الأستاذ/زكي عبد الوهاب، طيب الله ثراه.خلال شهر شباط (فبراير) من هذه السنة (2017) كتب إلىَّ أحد الإخوان الذين أحترم رأيهم رسالة يشير فيها أنه اطلع (ويبدو مؤخراً) على ما كتبه الأستاذ عطا ويطلب مني، للتاريخ، إبداء الرأي فيما كتب. وحيث قد مضت مدة تزيد على (12) سنة على صدور الكتاب فاعتقد أن النفوس قد بلغت درجة من الهدوء تسمح بالاستماع إلى رأي آخر.التعليق: ينقسم ما سأقوله إلى جانبين: جانب موضوعي وآخر شخصي.الجانب الموضوعي: في إدارة المؤسسات الحكومية والشركات التابعة لها هناك نوعان من القرارات: قرارات نابعة من السياسة الاقتصادية للنظام الحاكم (أياً كان النظام الحاكم) وقرارات فنية صرفة. هذه القرارات الأخيرة تختص بها الإدارات العليا للمؤسسات والشركات والكادر الفني التابع لها.أما الأولى: فإنه يفترض بأي نظام يأتي إلى الحكم سواء عن طريق الانتخاب أم الانقلاب كما حصل في العراق أن تكون له سياسة اقتصادية يسعى إلى تطبيقها وأهدافاً يسعى لتحقيقها. وحينما يتخذ النظام الجديد قرارات تتعلق بالسياسة الاقتصادية العليا للدولة فعلى إدارات المؤسسات والشركات التابعة لها (أي للقطاع العام) أن تنفذ أو أن تترك موقعها أو أن تجبر على ترك موقعها.في الدول الديمقراطية حينما يتم تغيير الفئة الحاكمة عن طريق الانتخاب فإن الفئة الجديدة تأتي بوزراء جدد ويتم تغيير رؤساء بعض المؤسسات الحساسة (وأؤكد على كلمة الحساسة). أما بقية الكوادر الحكومية فإنه لا يطالها التغيير أما في العراق وبسبب تغيير الأنظمة عن طريق العنف فإن التغيير شمل المؤسسات الحساسة وغير الحساسة بل وصل الأمر أحياناً إلى إنهاء خدمات فراشين على أساس أنهم من أتباع النظام السابق! وبالرغم من أن شركات التأمين ليست من قبيل المؤسسات الحساسة إلا أن الطريقة العراقية في التغيير لا تهمها درجة الحساسية في المؤسسات وبالتالي فإن التغيير يطال الجميع. شخص واحد لم تشمله الطريقة العراقية بالرغم من التغييرات المتعددة التي طالت أنظمة الحكم في العراق سآتي على ذكره فيما بعد.قرارات مثل قرار التأميم وقرار إلزام شركات التأمين بإسناد حصة إلزامية إلى شركة إعادة التأمين العراقية وقرار إلغاء وكالات التأمين وقرار إعادة وكالات التأمين للعمل في السوق قرارات نابعة من السياسة الاقتصادية للنظام الحاكم (أياً كان النظام الحاكم). بعض هذه القرارات نتيجة طبيعية لقرارات أخرى. وكالات التأمين ألغيت بتوجيه من المؤسسة الاقتصادية التي كانت قائمة آنذاك، وهو قرار ينسجم مع السياسة الاقتصادية التي تبناها نظام الحكم آنذاك وهي سياسة قائمة على تأميم العديد من المنشآت الاقتصادية ومن بينها شركات التأمين. فلما تغير نظام الحكم وجاءت فئة أخرى لا تؤمن بالتأميم ولا بالإجراءات التي اتخذها النظام السابق، كان من الطبيعي أن تكون إعادة وكالات التأمين ثم الانتقال بها إلى نظام الوساطة في التأمين من بين أولويات النظام الجديد.مجلس إدارة المؤسسة العامة للتأمين كان، في حينه، يضم أعضاء لم يأت بهم أي نظام من الأنظمة التي توالت على الحكم في العراق وآخرين يبدو أنهم جاءوا بسبب علاقاتهم بهذه المجموعة أو تلك. الفئة الأخيرة هي التي كان عليها أن تختار وبالتالي فإنه حين تقرر إعادة الوكالات بحكم السياسة الاقتصادية للنظام الجديد كان على كل فئة أن تختار: الفئة الأولى ليست من المتخاذلين والفئة الثانية ليست من الأبطال، بل كل عضو اتخذ الموقف الذي ينسجم مع تاريخه ومبادئه وأسلوب عمله ومفهومه للعمل في القطاع العام.وليت الأعضاء من الفئة الثانية استمعوا إلى صوت الحكمة الصادر عن الفئة الأولى لما جرت الأمور بالشكل الذي جرت به لاحقاً.لقد علق الأستاذ عطا موضوع استمراره في إدارة شركة التأمين الوطنية على موضوع وكالات التأمين وجوداً أو تغييراً في حين أن الأمر، باعتقادي، ليس بالأمر الخطير الذي يستدعي اتخاذ موقف حدّي كهذا. وقد يكون للأمر جانب شخصي ولا علاقة له بالجانب الموضوعي.لم يستمع الأستاذ عطا لوجهة نظرنا أنا والدكتور خالد الشاوي وآثر الاستقالة. وبالتالي لا أجد أي مبرر لإلقاء اللوم على الآخرين. وليته ألقى اللوم فقط.الجانب الشخصي:-
  4. يكيل السيد عطا الانتقادات (وبعضها يخرج عما هو لائق) لأشخاص مثل ممتاز العمري وخالد الشاوي ومصطفى رجب ولا يجد مكانه بينهم في حين أنهم من خيار القوم، هم من الصفوة الإدارية التي لا يرقى الشك إلى سيرتها، يصفها بأقذع الأوصاف… يترك أناساً يضعون أفضل ما عندهم في خدمة بلدهم وخدمة المؤسسات والشركات التي يديرونها بكل تجرد.
  1. وأعود إلى الذي لم تشمله الطريقة العراقية في التغيير بالرغم من التغييرات العديدة التي طرأت على أنظمة الحكم في العراق فأقول: لقد بقيت أدير شركة إعادة التأمين العراقية لمدة عشرين عاماً (بعد أن قمت بتأسيسها) بالرغم من التغييرات التي طرأت على أنظمة الحكم في العراق. فما هو السبب؟لتسهيل مهمة القارئ حسن النية، أعرض بعضاً من المبادئ التي اعتنقها وأطبقها (وقد طبقتها فعلياً) في حياتي الشخصية والوظيفية: -تكويني الذهني ينفر من التبعية الفكرية لأية مجموعة أو فئة أو حزب سواء كان حاكماً أو غير حاكم. وكنت، ولا زلت، أعتقد أنني بانتمائي لأية فئة أو جماعة إنما أفقد استقلاليتي في الرأي وحياديتي في الحكم على الأمور والأشخاص وحريتي في اتخاذ القرار، لذلك أستطيع أن أقول، بكل فخر، أنني لست مديناً في جميع المواقع الحكومية وغير الحكومية التي أشغلتها لأية فئة أو جماعة، سواء المواقع التي أشغلتها في بلدي العراق أو في بعض البلدان العربية الشقيقة. هدفي الوحيد هو خدمة بلدي وخدمة البلد الشقيق الذي يستضيفني. أضع كل إمكانياتي العلمية والعملية في خدمة المؤسسة التي أديرها أو التي أعمل فيها.
  • لا أحاسب الناس على أفكارهم بل أحكم عليهم (في قرارة نفسي فقط) حسب تصرفاتهم.
  • لا أطلب من الآخرين أن يتضامنوا معي في أي قرار أتخذه فانا وحدي المسؤول عن نتائجه دون إلقاء اللوم على الآخرين.
  • أُؤمن بالحوار الهادئ ولا أستسيغ العنف بكل أشكاله: العنف المادي والمعنوي بل وحتى العنف اللفظي (من المؤسف أن يحتوي الفصل الخاص بالتأمين من كتاب الأستاذ عطا على قدر كبير من العنف اللفظي!)هذه ليست فردية في التفكير بل قواعد تعني احترام النفس واحترام الآخرين. وفي هذا السياق أقول:-لقد طبقت هذه المبادئ حينما كنت اتخذ قرارات تعيين العاملين معي في جميع الشركات التي كلفت بإدارتها. فأنا لا أسألهم عن رأيهم السياسي أو الفئة التي ينتمون إليها. المعايير الوحيدة التي آخذها بنظر الاعتبار هي الكفاءة والنزاهة ثم أصبحت النزاهة والكفاءة.المتقدمون للعمل يخضعون لامتحان تحريري وآخر خلال المقابلة ثم يتم تعيين الأفضل.وفي إحدى المرات التي تغير فيها نظام الحكم في العراق أعلمني الوزير الجديد المسؤول عن التأمين انه تبين لهم انه لا يوجد في الشركة التي أديرها من هو من الجماعة التي أتت مع النظام الجديد فأجبته أن هذه معلومة لا علم لي بها لأنني لا اسأل الموظفين لأية جهة أو جماعة ينتمون؟كما طبقت هذه المبادئ على علاقتي بالعاملين معي في الشركات التي كنت أديرها فكنت أغرس في فكرهم أنهم غير مدينين لي في مواقعهم في الشركة، وأنهم إنما يحتلون مواقعهم بحكم كفاءتهم وإخلاصهم. لذلك ليس عليهم من حرج أن يكون لهم رأي يختلف عن رأيي بل أن بإمكان أي منهم أن يكتب رأيه المخالف تحريرياً على أن يبقى رأيه داخل الشركة فقط.
  1. يقول السيد عطا في كتابه أنه (أي مصطفى رجب) أمكر من أن يسعى إلى الحيلولة دون انسحاب عنصر (يقصد نفسه) يبدو انه وجد فيه نداً، رغم صداقتي له ودعمي الدائم لشركة الإعادة منذ تأسيسها. ولعله لم يكن وحده من المتربصين والطامعين بإزاحتي)؟هذا كلام غريب فمن المعروف عني أنني لم أفكر يوماً أن أزاحم أحداً على موقعه بل لم أشعر يوماً أن أحداً يزاحمني على موقعي. ثم أنني أعمل في إعادة التأمين وهو يعمل في التأمين المباشر فأين مني من الطامعين بإزاحته ولماذا التربص به؟ فقد كنت ولا زلت أكن له كل مودة وتقدير واحترام لا لشيء إلا لكفاءته وإخلاصه في عمله. وأعتقد أن هذا الكلام هو من قبيل التخيلات.وفي هذا السياق أقول:للتدليل على أنني لا أفكر في مزاحمة أحد على موقعه، أقدم ما طبقته في الشركات التي كنت أديرها:-لقد اتبعت سياسة قلما تتبناها الإدارات العربية في الشركات التي تعهد إليها إدارتها وهي تحضير الخلف المناسب. وقد طبقت هذه السياسة في بغداد وبيروت وأبو ظبي فكان انتقال الإدارة حينما يحين موعد رحيلي عن الشركة انتقالاً هادئاً. وقد اثبتوا جميعاً حسن ظني بهم. هذه السياسة منطلقة من قاعدة أؤمن بها أن المدير الناجح ليس هو الذي يحقق الأهداف فقط بل الذي يُعدُ من يخلفه عند رحيله كذلك.
  2. ولتوضيح وجهة نظري متى وأين يجب اتخاذ قرارات حدية أسرد الواقعة الآتية: – تغيّر نظام الحكم ذات مرة في بغداد وحينما أتيت إلى مكتبي في الشركة التي كنت أديرها علمت أن ثلاثة من المدراء الفنيين في الشركة قد ألقي القبض عليهم في الليلة السابقة.كان هذا الإجراء بالنسبة لي إجراءً مؤلماً يتطلب أن أفهم أسبابه كما أنه يؤثر على السمعة الدولية للشركة تلك السمعة التي كانت تشكل جزءاً كبيراً من رأسمال الشركة.اتصلت بوكيل وزارة الداخلية الجديد وكنت على معرفة به ورجوته إعلامي عن أسباب اعتقالهم حيث أنني لم ألمس أي نشاط سياسي لهم طيلة فترة عملهم في الشركة. وعدني بالاستفسار والعودة إلىّ. مضت ساعتان وإذا به يتصل بي ويبلغني أنه لا توجد أشياء خطيرة وأنه سيطلق سراحهم بعد بضعة أيام. أجبته أنه حيث لا يوجد ما يبرر اعتقالهم فإنني سأذهب إلى بيتي وأعود للعمل حينما يطلق سراحهم. أجابني أن الأمر لا يستدعى اتخاذ هذا الموقف. أبلغته أنني أشعر أنني مسؤول عنهم وحيث أنك تقول إنه لا توجد أمور خطيرة فلا أستطيع تحمل بقائهم قيد الاعتقال دون جريمة أو شبهة جدية وذهبت إلى بيتي. في اليوم التالي اتصل بي وكيل الوزارة وأبلغني أنه سيتم إطلاق سراح أثنين وقد أطلق سراحهما فعلاً وسينظر في أمر الثالث في اليوم اللاحق. أبلغته أنني سأعود للعمل اليوم وآمل أن يطلق سراح الثالث يوم غد وبالفعل تم إطلاق سراحه في اليوم اللاحق. حينما قصصت ما جرى على أحد الأصدقاء عاتبني على موقفي وقال إنك تعرض نفسك لمشاكل أنت في غنى عنها! أسوق هذه الحادثة لأدلل على أن المسؤول يفترض به أن يتخذ موقفاً حدياً حينما تقتضي دواعي الواجب والضمير أن يتخذه، وليس عليه أن يتخذ موقفاً حدياً في أمر يعود القرار النهائي فيه إلى جهة رسمية أخرى وضمن اختصاصها وإلا كان مندفعاً حيث لا يجدي تسمية الاندفاع بطولة.وأخيراً وبصرف النظر عما أكتبه أنا أو ما يكتبه غيري فإن التاريخ وحده هو الذي يحكم على الأشخاص ومواقفهم وليس ما يكتبون هم عن أنفسهم.20/3/2017* مؤسس ومدير عام شركة إعادة التأمين العراقية (1980-1960)

[1] عطا عبد الوهاب، سلالة الطين (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004)، ص 375 وما بعدها لها علاقة بموضوع هذه الورقة. يمكن الاطلاع عليه باستخدام هذا الرابط:

https://books.google.co.uk/books?id=dKRdXZ5QVzQC&pg=PT252&lpg=PT252&dq=%D8%B9%D8%B7%D8%A7+%D8%B9%D8%A8%D8%AF+%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%A8+%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89+%D8%B1%D8%AC%D8%A8&source=bl&ots=KEPe6bVopK&sig=pV964UFP73kcD0GrIXvuWNi3PfE&hl=en&sa=X&ved=0ahUKEwjXzub11L3SAhVLL8AKHaODDlQQ6AEIOTAH#v=onepage&q=%D8%B9%D8%B7%D8%A7%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%A8%20%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89%20%D8%B1%D8%AC%D8%A8&f=false

(المحرر)

 

Abdulbaki Redha: On the Abolition of Insurance Agencies in the 1960s

من رسائل الأستاذ عبد الباقي رضا

 تطورات موضوع إلغاء وكالات التأمين واستبدالها بنظام المنتجين

 

 

تقديم

 

يسرني أن أنشر نص رسالتين من الأستاذ عبد الباقي رضا والأستاذ بهاء بهيج شكري، بعد الحصول على موافقتهما، يخص موضوع إلغاء نظام وكالات التأمين واستبداله بنظام المنتجين بعد صدور قرار تأميم شركات ووكالات التأمين في 14 تموز 1964. وقد كان هذا الموضوع مثار نقاش، وربما سوء فهم، بين أركان التأمين العراقي آنذاك لوظيفة توزيع المنتجات التأمينية والقنوات المناسبة لها. النصين المنشورين هنا يوفران خلفية أولية لمناقشة الموضوع. وأظن بأن د. مصطفى رجب سيدلو بدلوه أيضاً خاصة وأن الأستاذ عطا عبد الوهاب تعرَّض لموقف الدكتور من الوكالات ونظام المنتجين في كتابه سلالة الطين.

 

آمل استلام المزيد من المعلومات عن هذا الموضوع تمهيداً لمناقشته في سياقه التاريخي. وقد ذكر لي الأستاذ بهيج في رسالة قصيرة له مؤخراً “ان الموضوع يحتاج إلى بحث أكثر تفصيلاً من النواحي القانونية والفنية والإدارية، وربما أجد الوقت لإعداد بحث كهذا في المستقبل القريب.”

 

مصباح كمال

27 آذار 2017

 

 

رسالة الأستاذ عبد الباقي رضا

 

1 آذار 2017

 

عزيزي الأخ الوفي الأستاذ مصباح

 

صباح الخير

 

توضيحاً لتطورات موضوع الوكالات[1] أروي لك الاحداث كما أتذكر. مع قرارات التأميم في 14/7/1964 تولى الأستاذ عطا عبد الوهاب إدارة التأمين الوطنية، وكان يشغل قبلها إدارة شركة بغداد للتأمين. حين صدر قرار تعيينه ضمن التعيينات الجديدة كان خارج العراق والتحق بإدارة التأمين الوطنية فور عودته واستمرت حتى 31/1/1966. واستمر الدكتور مصطفى رجب في إدارة شركة اعادة التأمين العراقية. كان لهما دور أنشط وأعلى في شؤون المؤسسة العامة للتأمين في عهد رئاسة المرحوم طالب جميل للمؤسسة لقدمهما في الخدمة وعلاقتهما الشخصية برئيس المؤسسة حيث كان بقية المدراء العامين، من أمثالي، مستجدين في مراكزهم الجديدة ويفتقرون إلى ميزة العلاقات الشخصية وتأثيرها.

 

تقرر إلغاء الوكالات بناء على دراسة مقدمة من الأستاذ عطا والدكتور مصطفى لا أتذكر اني اطلعت عليها أو عرفت مضمونها.

 

استقال المرحوم طالب جميل من رئاسة المؤسسة وبعد فترة قصيرة تولى رئاستها وكالةً الدكتور خالد الشاوي لفترة وجيزة ثم عين المرحوم كليمان شماس رئيساً أصيلاً.

 

كان تغيير وزاري قد حصل بتعيين المرحوم عبد الرحمن البزاز رئيساً للوزارة التي جاءت بسياسات مختلفة في الجانب الاقتصادي، وكان اختيار الشماس من القطاع الخاص أحد مؤشراتها فقد كان الشماس يعمل في وكالة شركة يونيون الفرنسية للتأمين[2] منذ أمد غير قصير. في اجتماع مجلس إدارة المؤسسة مساء يوم 31/1/1966، وكنت أحضره باعتباري مدير عام المؤسسة وسكرتير مجلس إدارتها، فوجئنا بطلب رئيس المؤسسة إعادة دراسة موضوع وكالات التأمين بهدف العودة إليها. خلال مناقشة الموضوع ظهر موقف الدكتور مصطفى مؤيداً لرئيس المؤسسة مما أثار غضب الأستاذ عطا. وبعد بعض الأخذ والرد تناول الأستاذ عطا ورقة وكتب استقالته وترك الاجتماع غاضباً ولم تنفع محاولات اقناعه بعدم الانسحاب. بناءً عليه قرر المجلس نقلي من المؤسسة إلى ادارة التأمين الوطنية فامتثلت للقرار وباشرت عملي الجديد في اليوم التالي مباشرة والذي امتد إلى 4/3/1978.

 

بلغني أن الدكتور مصطفى قام بزيارة إلى دار الأستاذ عطا بعد الاجتماع مباشرة لإقناعه بالعدول عن الاستقالة إلا أنه لم يفلح وأصر الأستاذ عطا على موقفه وابتعد عن أي عمل حكومي.

 

لا أتذكر الآن أية تفاصيل عن أسلوب عمل الوكالات أو المنتجين والضوابط التي تنظمه مع الأسف.

 

عوداً إلى قول الأستاذ بهاء (ان عبد الباقي هو الذي وضع القانون العراقي [قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005] بالتعاون مع الخبير الامريكي لشؤون التأمين [Mike Pekins] بالاسترشاد بالقانون الأردني)[3] أود أن أبين الآتي:

 

لم أجتمع بأي خبير أمريكي في شؤون التأمين اطلاقاً ولكني اجتمعت بمن كان متابعاً لشؤون المصارف ثم بالشخص الذي كُلّف بإعادة إحياء سوق الاوراق المالية الذي كان لي دور في إعداد قانونه ثم في تأسيسه وأشغلت عضوية مجلس إدارته كخبير منذ تشكيله في 1992 حتى إيقاف أعماله من قبل الأمريكان سنة 2003. وقد عرض عليَّ منصب (مساعد رئيس الهيئة – Assistant-Commissioner) في هيئة الأوراق المالية التي تأسست بالأمر الموقت رقم 74 لسنة 2004 فسألت عمن سيكون الـ Commissioner الذي أكون أنا مساعده فلم يعجبهم السؤال! ولم أندم على سؤالي.

 

أما قانون التأمين[4] فأتذكر أن مشروعاً عرض عليَّ يوم كان السيد عادل عبد المهدي وزيراً للمالية فكتبت عنه مذكرة طويلة، مع الأسف لم أحتفظ بالمشروع ولا بمذكرتي، وحيث تسنى لي فيما بعد الاطلاع على القانون الأردني الذي وجدته أفضل من المشروع تكلمت مع الصديق السيد عدنان الجنابي الذي كان يشغل منصب وزير دولة – على ما أتذكر- في وزارة الدكتور أياد علاوي – وهو نائب حالياً – وبيَّنتُ له أفضلية اعتماد القانون الأردني وتعريقه بما ينسجم مع متطلباتنا وصياغاتنا القانونية. نُقل هذا الرأي إلى الدكتور علاوي فقبل به وكلفني العمل عليه مع الدكتور فاضل محمد جواد الذي كان قد عين تواً مستشاراً قانونياً في مجلس الوزراء (يعمل حالياً في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية). في هذا الوقت حان موعد سفري إلى الولايات المتحدة فسلمت ما عندي إلى الدكتور فاضل ليقوم هو بالمهمة. إلى هنا انتهى دوري بالنسبة لقانون التأمين العراقي.

 

أكرر مع الاعتذار اني لا أتذكر أية تفاصيل عن نظام المنتجين فقد مضى عهد طويل على تركي إدارة الشركة.

 

أتمنى لك التوفيق في جهدك الفريد في (نبش) تاريخ قطاع التأمين واستخراج ما غاب منه من الذاكرة، ولك أطيب تحياتي.

 

عبد الباقي

 


 

ملحق 1

رسالة مصباح كمال إلى الأستاذ عبد الباقي رضا

 

أستاذي العزيز عبد الباقي

 

تحية طيبة

 

كما تلاحظ أدناه فقد تخاطبتُ مع الأستاذ بهاء بهيج شكري بشأن نظام الوكالات التأمينية ونظام المنتجين، على أثر رسالة استلمتها منه حول أسباب استقالة الأستاذ عطا عبد الوهاب من شركة التأمين الوطنية وموقف الأخير من هذين النظامين ومن د. مصطفى رجب.

 

أنا مهتم بالجانب التاريخي للموضوع والحجج الاقتصادية والفنية التي كانت وراء إلغاء نظام الوكالات واستبداله بنظام المنتجين.  وبما أن هذا الأخير ارتبط بإداراتك أرى أن تكتب ما يفيد في توضيح خلفيات الموضوع ووضعه في نصابه، كما يقال، وبذلك تملأ فراغاً في تاريخ تطور قطاع التأمين في عهدك.

 

فيما يخص موضوع وكلاء التأمين ووسطاء التأمين ووسطاء إعادة التأمين، كما يرد في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (الأمر رقم 10)، الذي أتى الأستاذ بهاء على ذكره في آخر رسالته، فإن التعليق عليه رهن باختيارك.

 

بانتظار الرد، أتمنى لك أطيب الأوقات.

 

مصباح

27 شباط 2017

 


 

ملحق 2

رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري لمصباح كمال

 

عمان 27 شباط 2017

 

الأخ مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

إذا جزء الموضوع حسب اقتراحك فإن المتبقي منه يتعلق بصحة اعتماد نظام المنتجين أو عدم صحته، وهذا موضوع مستقل لا علاقة له بعطا عبد الوهاب فقط وإنما طبقه عبد الباقي رضا أيضاً، لذا يجب أن يكون هذا البحث بحثاً مستقلاً.

 

ولا أخفى عليك فإني اعتقد أن هذا النظام يتعارض مع أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين الذي يفهم من عموم نصوصه أنه لا يجوز لأي شخص طبيعي أو شخصية اعتبارية ممارسة أي نشاط تأميني دون الحصول على ترخيص من السلط المعينة بموجب القانون، علماً بأن المقصود بالوكلاء هم ليسوا وكلاء الشركات الأجنبية بل هم الوكلاء الذين أجيزوا من قبل الديوان بالتعامل مع الشركات العراقية، كوكالة مجيد الياسين مثلاً وغيرها من الوكالات.

 

لهذا فأنا اقترح أن توجه سؤالاً إلى السيد عبد الباقي رضا باعتباره كان مديراً عاماً لشركة التأمين الوطنية، التي تبنت في زمانه نظام المنتجين، عن ماهية هذا النظام والعلاقة الوظيفية والمالية بين المنتج والشركة، وهل يخضع المنتج لشرط الحصول على رخصة ممارسة عمل الوساطة، وهل أن تبني هذا النظام يتفق مع أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين الذي حدد الوسطاء بالوكلاء (Agents) والسماسرة (Brokers) (علما بأن عبد الباقي هو الذي وضع القانون العراقي بالتعاون مع الخبير الأمريكي لشؤون التأمين بالاستشراد بالقانون الأردني). إن إجابة عبد الباقي ستكون باباً للمناقشة والبحث في كلا النظامين، الوكلاء والمنتجين، من الناحيتين القانونية والمالية.

 

هذا هو رأي، مع التقدير.

 

بهاء شكري

[1] أنظر رسالتي إلى الأستاذ عبد الباقي رضا حول موضوع إلغاء وكالات التأمين في الملحق 1 في نهاية هذه الورقة.

[2] كان وكيل شركة يونيون الفرنسية للتأمين L’Union de Paris (أصبحت فيما بعد جزءاً من مجموعة أكسا AXA) هو السيد إدوار فرام الذي يمتد تاريخ وكالته إلى ثلاثينيات القرن العشرين. أنظر: مصباح كمال “وكالات التأمين في العراق عام 1936: محاولة في التوثيق”، مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/05/1936-19-2012-1936-1936-883.html

[3] أنظر رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري لمصباح كمال بتاريخ 27 شباط 2017 في الملحق 2 في نهاية هذه الورقة.

[4] للتعرف على المزيد من التفاصيل أنظر: مصباح كمال، قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014).

A View on the Implementation of Health Insurance in Iraq

افكار حول تفعيل التأمين الصحي في العراق

 

مصباح كمال

 

http://iraqieconomists.net/ar/2017/03/01/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%81%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%aa%d9%81%d8%b9%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5/

 

 

مقدمة

 

كان السيد مصطفى الهاشمي، محرر الصفحة الاقتصادية لجريدة الصباح، قد كتب لي رسالة بتاريخ 22 شباط 2017 طالباً الإجابة على مجموعة من الأسئلة حول التأمين الصحي في العراق وقد استجبت، شاكراً له طلبه. وقام من جانبه بإعادة صياغة إجاباتي، ونشرها في الصباح الاقتصادي تحت عنوان “دعوات إلى تفعيل التأمين الصحي.” (الصباح، 27 شباط 2017):

http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=132512

 

أشكر زميلي السيد منذر عباس الأسود على تزويدي بنسخة من نص المقابلة المنشورة.

 

فيما يلي النص الكامل للمقابلة الذي اعتمد عليه السيد مصطفى الهاشمي.

 

مصباح كمال

1 آذار 2017

 

 

النص الكامل للمقابلة

 

 

هل تعتقدون ان الوقت مناسب للعمل بالتأمين الصحي في العراق؟

 

عرضت الحكومة في برنامجها المنشور في جريدة الصباح (أيلول 2014) اعتماد نظام التأمين الصحي للمواطنين كافة وتطبيق نظام طبيب الأسرة. إلا أن هذا النظام لم يجد تطبيقاً له حسب المعلومات المتوفرة لدينا. ربما هناك في أروقة الحكومة المختلفة من يعمل على صياغة تفاصيل هذا النظام.

 

قد يقال بأن الحرب ضد داعش، والعجز في الموازنة، ولجوء العراق إلى الاستدانة من الخارج تجعل من الشروع بنظام التأمين الصحي، غير محدد الملامح حتى الآن، عبئاً على القدرات المالية المحدودة للدولة في الوقت الحاضر. لكننا نرى أن تطبيق المشروع، بعد أن تتوضح معالمه، يمكن أن يبدأ كخطة تجريبية محدودة النطاق في إحدى المحافظات. مثل هذه الخطة ستكون تمريناً أساسياً للتعرف على مشاكل التطبيق وإيجاد الحلول والضوابط المناسبة لها. كما يمكن للمشروع أن يتخذ تطبيقه صفة الإلزام على الشركات العاملة في العراق والتي تستخدم عدداً معيناً من العمال لتوفير التأمين الصحي لهم– وهو ما أقدمت عليه بعض الحكومات، الإمارات العربية على سبيل المثل. ويمكن الاستفادة من تجارب ماضية كالضمان الصحي الذي كانت وزارة النفط تطبقه على منتسبيها لقاء أقساط (استقطاع بسيط) من المرتبات.

 

إن الصحة، كالتعليم، حاجة أساسية وليس من المناسب الاستمرار في تأجيل الاهتمام بها بحجة أن الوقت غير مناسب.

 

وهل تعتقدون ان المؤسسات الصحية والمستشفيات قادرة على التعامل بموجبه – من وجهة نظركم؟ علماً كان لي حديث قبل سنتين مع أحد المسؤولين في وزارة الصحة بهذا الخصوص وقال لي لا يوجد مثل هذا التنسيق بين الوزارة والتأمين الوطنية.

 

المؤسسات الصحية والمستشفيات العائدة للدولة تعمل دون المستوى المطلوب في توفير خدماتها غير المرتبطة بالتأمين. هناك حاجة لتطوير النظام الصحي الحكومي، ويمكن لأصحاب الاختصاص تقديم أفكارهم بشأنه ومنها تطوير وتوسيع استخدام تكنولوجيا المعلومات. ولكن قبل الحكم على قدرة هذه المؤسسات والمستشفيات للتعامل مع متطلبات نظام التأمين الصحي يجب التعريف بهذا النظام ونطاقه.

 

ربط النظام الصحي المرجو بشركة التأمين الوطنية العامة، كما يبدو من السؤال حول انعدام التنسيق بين وزارة الصحة وهذه الشركة، قد يجابه باعتراض شركات التأمين الخاصة خاصة وأن العديد من هذه الشركات، وكذلك التأمين الوطنية ذاتها، تمارس أشكالاً من التأمين الصحي التجاري. ولعل أحدث وأوسع ممارسة له هو التعاون بين مستشفى الكفيل التخصصي في كربلاء وشركة الرهام للتأمين (شركة خاصة) منذ أيار 2016 على توفير ما أعلن عنه بأنه تامين صحي شامل لقاء قسط تأمين سنوي بمبلغ (175) ألف دينار عراقي للفرد الواحد يغطي العلاج الكامل للفرد وبحدود تعويضية للنفقات الطبية والعلاجية قد تصل الى (6) ملايين دينار.

 

ويبدو أن سوق التأمين الصحي التجاري بدأ يتطور في العراق ويتوقع له أن يكون رافداً أساسياً للنشاط التأميني مثلما حصل في المملكة العربية السعودية وغيرها من أسواق التأمين العربية التي تعمل على استبعاد دور الدولة في تقديم الرعاية الصحية.

 

وماهي الآليات المطلوب اتباعها من قبل شركات التأمين الحكومية بغية انجاح هذا النظام وتوسيع العمل به في عموم العراق؟

 

تقوم شركتي التأمين العامتين، التأمين الوطنية والتأمين العراقية، ببيع وثائق التأمين الصحي الجماعي والفردي لتغطية تكاليف العمليات الجراحية، ضمن مبلغ التأمين، في المستشفيات الأهلية في العراق، وتمتد لتشمل الرقود في المستشفى لأغراض المعالجة … الخ.

 

سوق التأمين الصحي في العراق قائم على المنافسة بين الشركات كافة، ويمكن لهذه المنافسة أن تعمل على إشاعة الوعي بأهمية التأمين الصحي وخاصة بين أفراد الفئات الميسورة وتلك التي تملك ما يكفي من الدخل للإنفاق على شراء الحماية التأمينية (الطبقات الفقيرة غير معنية بالتأمين لأنها لا تملك ما يكفي لمواجهة متطلبات المعيشة). ويمكن اللجوء إلى إجراءات محددة لتوسيع استخدام التأمين الصحي ومنها: جعل التأمين إلزامياً على الشركات التي تستخدم عدداً معيناً من العمال، إعفاء أقساط التأمين المسددة لشراء الحماية التأمينية من قبل هذه الشركات من ضريبة الدخل، تشجيع الجمعيات والنقابات على شراء التأمين الصحي لأعضائها مقابل أقساط تأمين تنافسية، إلزام شركات القطاع العام بتوفير التأمين الصحي لمنتسبيها (مع الاهتمام بإشكالية العجز المالي التي تعاني منها هذه الشركات)، وإلزامية التأمين على الوزارات والإدارات المحلية للتأمين على منتسبيها.

 

22 شباط 2017

Bahaa Baheej Shukri on Atta Abdul Wahab

من رسائل بهاء بهيج شكري:

رسالة عن الأستاذ عطا عبد الوهاب

 

 

عمان في ٢١ شباط ٢٠١٧

 

الأخ العزيز مصباح المحترم

 

بعد التحية

 

كما وعدتك اثبت أدناه ترجمة حياة عطا عبد الوهاب.

 

يعتبر عطا عبد الوهاب واحداً من أعمدة سوق التأمين العراقي في بداية تطوره، وهو ينتمي إلى عائلة بغدادية عريقة، ولد سنة ١٩٢٣. وهو الشقيق الأصغر للسياسي البارز في العهد الملكي المرحوم جميل عبد الوهاب وللاقتصادي المرحوم زكي عبد الوهاب المدير العام لمصرف الرافدين ورئيس مجلس إدارة شركة التأمين الوطنية من بداية العهد الجمهوري ولحين انقلاب ٨ شباط (١٤ رمضان) ١٩٦٣.

 

تخرج عطا من كلية الحقوق سنة ١٩٤٤ وعين في السلك القضائي وكان آخر منصب شغله هو القاضي الأول في محكمة بداية بغداد، نقل على أثره إلى السلك الدبلوماسي. وكان آخر منصب شغله في هذا السلك هو عضو في الوفد العراقي في الأمم المتحدة، وعند زيارة الأمير عبد الاله إلى الولايات المتحدة بدعوة من الحكومة الأمريكية، عين عطا مرافقاً للأمير، فأعجب الأمير بقوة شخصيته وسعة معلوماته، فنقله إلى البلاط الملكي وعين سكرتيراً للأمير وللملك فيصل الثاني، وبقي في هذا المنصب طيلة فترة العهد الملكي، حيث اعتقل في بداية العهد الجمهوري وفرضت عليه الإقامة الجبرية. وعند رفع الإقامة الجبرية عنه كان نوري الخضيري قد أسس أول شركة تأمين عراقية في القطاع الخاص هي شركة بغداد للتأمين وعين مديراً عاماً إنجليزياً لها هو مستر [جون] نودي [John Naudi]،[1] واختار عطا عبد الوهاب ليكون معاوناً للمدير العام. وكي يتمكن عطا من إنجاح الشركة عمد إلى سحب بعض الكفاءات من شركة التأمين الوطنية وبعض وكالات التأمين الأجنبية بعرض رواتب مغرية عليهم. وكان من أبرز الأشخاص الذين سحبهم من شركة التأمين الوطنية هو السيد بيرسي سكويرا فعينه مديراً للتأمين البحري.[2]

 

لقد كان عطا يتميز بدرجة عالية من الذكاء وسعة الاطلاع فضلاً عما اكتسبه من خبرة من عمله في السلكين القضائي والدبلوماسي، وقد ساعده ذلك بمعاونة كل من مستر نودي وبيرسي سكويرا ان يلم الماما عاما بالضوابط الفنية لنظام التأمين، كما أدت علاقاته الاجتماعية الواسعة وثقة الوسط التجاري به إلى ان تحقق الشركة نجاحاً في التسويق، كما كان قوة شخصيته وطلاقته في التحدث باللغة الإنجليزية عاملاً مهماً في احترام العاملين في شركات الإعادة له وتقديرهم لكفاءته. وبعد انتهاء عقد عمل مستر نودي عين عطا مديراً عاماً للشركة وبقي في منصبه هذا لحين تأميم شركات التأمين في ١٤ تموز ١٩٦٤ حيث عين مديراً عاماً لشركة التأمين الوطنية ثم استقال منها وافتتح مكتبا للمحاماة.

 

وعند عودة حزب البعث إلى السلطة بانقلاب ١٧-٣٠ تموز ١٩٦٨ اتهم هو وشقيقه المرحوم زكي عبد الوهاب بالتجسس لصالح دولة كبرى ظلما وعدوانا، فألقي القبض على زكي وحوكم وأعدم واستطاع عطا ان يفرَّ إلى الكويت، غير ان المخابرات العراقية تمكنت من اختطافه من هناك والعودة به إلى العراق حيث تمت محاكمته والحكم عليه بالإعدام شنقاً. وقد قضى خمسة عشر عاما في سجن ابي غريب منها خمس أعوام في زنزانة الإعدام، ثم عفا عنه صدام حسين فأطلق سراحه وغادر إلى بيروت، وبقي مقيماً هناك إلى الاحتلال الأمريكي للعراق، فعاد بصحبة السياسي العراقي المخضرم عدنان الباججي على أمل ان يؤلفوا حكومة تكنوا قراط مدنية بعيدة عن المحاصصة ولكن الرفيق بول بريمر أفشل مشروعهم. وقد التقيت به في دار عدنان الباججي وكانت الانسة ميسون الدملوجي بصحبتهم فوجدته ما يزال محتفظاً بشخصيته القوية وثقته العالية بنفسه. وبعد فشل مشروع حكومة التكنوقراط غادر الباججي إلى مقر أقامته في ابي ظبي، والتحقت ميسون الدملوجي بكتلة أياد علاوي، وعين عطا سفيراً للعراق في المملكة الأردنية الهاشمية. وبعد فترة طلب إحالته على التقاعد، وما زال حتى هذا اليوم مقيماً في الأردن.

 

وبالرغم من انه يبلغ الآن الرابعة والتسعين من العمر، الا انه ما زال محتفظاً بقدراته العقلية، وانه ما زال يعقد في داره كل يوم ثلاثاء ندوة فكرية يحضرها العديد من الكفاءات العراقية المقيمة في الأردن ويتم فيها بحث مختلف المواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

لقد كان عطا عبد الوهاب منفتحا على شركة التأمين الوطنية وعلى المرحوم عبد الوهاب الدباغ،[3] وقد نشأت بيني وبينه علاقة صداقة وثيقة جدا، وكان من نتائج هذا الانفتاح، وباقتراح من الآنسة سعاد برنوطي،[4] ان أنشأتُ بين التأمين الوطنية وشركة بغداد للتأمين محفظة إعادة تأمين متبادل.

 

والعجيب في الامر ان عطا كان أيضاَ شاعرا وأديبا وهو في مرحلة الدراسة الثانوية واستمر كذلك حتى بعد الحكم عليه بالإعدام، فنظم وهو في زنزانة الإعدام قصائد يصف حالته في ذلك الوضع.

 

هؤلاء هم رجال التأمين في النصف الثاني من القرن الماضي، فما هو حال المحسوبين على نظام التأمين في القرن الحادي والعشرين؟

[1] بعض العاملين في قطاع التأمين العراقي يعرفون ابنه بوب نودي Bob Naudi الذي عمل لسنوات عديدة في شركة مينيت Minet لوساطة التأمين البريطانية (تم الاستحواذ عليها من قبل شركة أيون Aon سنة 1997)، وبعد تقاعده من الأخيرة، بعد أربعين سنة من العمل، عمل مستشاراً في شركة وساطة التأمين RFIB وتقاعد منها ليؤسس شركة استشارية مستقلة في جبل طارق لتقديم الخدمات التأمينية. احتفل بعيد ميلاده الثمانين سنة 2016. (المحرر)

 

[2] عمل بيرسي سكويرا بعد ذلك كمعاون للمدير العام لشركة إعادة التأمين العراقية، وساهم كجزء من وظيفته في وضع أسس وعمل الشركة الصومالية للتأمين. أكمل أطروحة ماجستير في جامعة تركية حول العلاقة بين التأمين والدين. عمل لعدة سنوات، وفي مواقع رئيسية، في شركة اتحاد الخليج للتأمين التعاوني في فترة ما من حياته العملية كان يملك ويدير وكالة بيرسي سكويرا للتأمين، وكان موقعها في عمارة ميناس، الباب الشرقي، بغداد. (المحرر)

 

[3] عبد الوهاب الدباغ، مدير عام شركة التأمين الوطنية (8 أيلول 1958-10 آب 1963). (المحرر)

 

[4] كانت مديرة قسم إعادة التأمين في شركة التأمين الوطنية في أوائل ستينيات القرن الماضي. تركت العمل في الشركة لإكمال دراسة الدكتوراه في الولايات المتحدة. لها عدة مؤلفات في العلوم الإدارية: إدارة الموارد البشرية – إدارة الأفراد، الإدارة: أساسيات إدارة الأعمال، الأعمال (الخصائص والوظائف الإدارية). كتب عنها الأستاذ بهاء بهيج شكري في هامش كتابه بحوث في التأمين (دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2010)، ص 37 ما يلي:

 

“الدكتورة الآنسة سعاد نايف برنوطي:

 

كانت إحدى الموظفات الثلاث في مكتب السكرتارية [في شركة التأمين الوطنية]، وهي خريجة كلية الآداب في جامعة بغداد فرع الأدب الإنجليزي. تجيد اللغة الإنجليزية إجادة تامة، وتتمتع بأخلاق عالية وشخصية قوية نافذة تفرض احترامها على كل من يتعامل معها. وبعد انقلاب 8 شباط 1963 استقالت من الشركة وسافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية فحصلت على شهادة الدكتوراه. وهي الآن أستاذة في قسم الدراسات العليا في إحدى الجامعات الأردنية في عمان. وقد كانت الدكتورة برنوطي ساعدي الأيمن، إذ أصبحت مديرة القسم الفني والقائمة بأعمال قسم إعادة التأمين بعد أن تم تجزئة مكتب السكرتارية إلى قسمين. وقد كنت أتشاور معها في كل أمر أريد القيام به قبل أن أقدم مذكرة به إلى المدير العام.” (المحرر)

 

Bahaa Baheej Shukri: Letter to Abdulbaki Redha

من رسائل بهاء بهيج شكري:

رسالة إلى الأستاذ عبد الباقي رضا

 

 

تقديم

 

كتب الأستاذ بهاء بهيج شكري هذه الرسالة إلى الأستاذ عبد الباقي رضا بتاريخ 7 كانون الثاني 2017 على خلفية قراءته لمقالة الانسة هيفاء شمعون عيسى “عبد الباقي رضا: الشخصية الموسوعية” المنشورة في مرصد التأمين العراقي.[1] وكان من رأي أن هذه الرسالة تنطوي على قيمة شخصية وتاريخية، وقد يكون نشرها، ربما، مدعاة للتأمل من قبل بعض العاملين في قطاع التأمين العراقي في تاريخ صناعتهم وأركانها وما آلت إليه في العقود الأخيرة. لذلك اقترحت على الأستاذ بهيج نشرها في مرصد التأمين العراقي بعد موافقته وموافقة الأستاذ عبد الباقي والآنسة هيفاء. وقد وافقا على النشر.

 

كانت الرسالة موجهة بالاسم للأستاذ عبد الباقي رضا ونسخة منها للسيد محمد جواد المظفر[2] ومصباح كمال.

 

كتب لي الأستاذ بهيج رسائل أخرى تتناول أحداثاً في قطاع التأمين العراقي وشخصيات عملت فيه، وهي بمثابة إضافات لما كتبه سابقا[3]. ربما يحين الوقت المناسب لنشرها بمعرفته.

 

مصباح كمال

21 شباط 2017

 

 

نص رسالة الأستاذ بهاء بهيج شكري

 

عمّان في ٧ يناير ٢٠١٧

 

الأخ العريق عبد الباقي المحترم

 

تحية طيبة

 

قرأت ما كتبته السيدة هيفاء شمعون عيسى حول فترة عملها معكم في شركة التأمين الوطنية وفي مجلس إدارتها، وفي تعليقي على ذلك أبدأ بأن أعلن شديد أسفي لأَنِّني لم تتح لي فرصة لقاء هذه السيدة الفاضلة التي حباها الله بصفة الوفاء الفطري لمن ترتبط بهم بزمالة عمل، فهي بالرغم من تعيينها مديرة عامة لشركة التأمين العراقية في نفس فترة إعفاءكم من آخر ارتباط لكم بالتأمين الرسمي، لم تغفل عن التصدي لما كان يتمتع به رئيسها السابق عبد الباقي رضا من كفاءة عالية ومعرفة واسعة في الشؤون الحسابية والمالية والتفاصيل الفنية للتأمين، فضلا عن قدراته الإدارية.

 

إن ما لفت نظري قولها إنك كنت تصحح ما تقع به هي وبقية الموظفين من أخطاء نحوية، إذ يبدو أنها كانت تجهل أن رئيسها السابق عبد الباقي رضا كان شاعراً وأديباً قبل أن يصبح رجل تأمين وأن الشاعر والأديب ينبغي أن يكون ملماً بجميع مفاصل اللغة، من نحوٍ وصرفٍ وإعرابٍ وبلاغةٍ وبيان، وأن عبد الباقي كان ينبغي أن يُلام لو لاحظ خطأً نحوياً في بيانٍ مقدم له ولم يبادر إلى تصحيحه وإلفات نظر الموظف الذي ارتكبه.

 

إني أشبّه السيدة هيفاء بالآنسة سعاد نايف برنوطي (الدكتورة سعاد برنوطي[4] حالياً الأستاذ في قسم الدراسات العليا في إحدى الجامعات الاردنية) والتي كانت مساعدتي ويدي اليمنى عندما كنت نائباً للمدير العام لشركة التأمين الوطنية ١٩٦٠- ١٩٦٣ مع فارق بسيط، فهي وإن كانت كالسيدة هيفاء ذات وفاء فطري إلا انها كانت هي التي تناقشني وتصحح أخطائي وليس العكس.

 

وإذا سمح لي أخي العزيز عبد الباقي، فإني أودّ ان أضيف إلى ما ذكرته السيدة الفاضلة هيفاء، ما لمسته أنا شخصياً من سلوكية عبد الباقي رضا مديراً عاماً لشركة التأمين الوطنية، فقد كانت إدارته للشركة تتميز بالحكمة في معالجة الأمور، وعدم الانجرار وراء الانفعالات العاطفية، ودون النظر إلى طبيعة العلاقة التي تربطه بالشخص الذي يتعامل معه. ومن الأمثلة على ذلك، انني كنت في زمن إدارته للشركة، من أشد الأشخاص في خصومته القضائية لشركة التأمين الوطنية سواء في الدعاوى المقامة عليها من قبل المؤمن لهم أم في دعاوى الرجوع على شركات النقل المقامة من قبلها. وقد أدت خصومتي القضائية هذه ببعض المسؤولين في الشركة من أصدقائي، وممن لي فضل عليهم، إلى إثارة حملة ضدي بأني أتعمد في كسر قواعد التأمين، أما عبد الباقي، المدير العام، فقد كان موقفه مغايراً تماماً، إذ كان يمتدحني ويثني على كفاءتي، بشهادة الأخ مصباح كمال الذي كان موظفاً في شركة التأمين الوطنية حينذاك.

 

وفي نفس هذه الفترة كنت قد سافرت أنا وعائلتي إلى أوروبا بسيارتي المرسيدس الجديدة، بعد أن مددت وثيقة التأمين لتغطية توسيع النطاق الجغرافي، ويشاء سوء الطالع أن تنقلب بِنَا السيارة في طريق العودة في المنطقة بين مدينتي كولون وفرانكفورت، ولم نُصَبْ لا أنا ولا زوجتي ولا بناتي الثلاث بأي أذى، ولكن السيارة تحطمت تماما. وبعد أن تم نقلنا ونقل حطام السيارة إلى أقرب فندق في المنطقة أرسلت برقية إلى عبد الباقي المدير العام للشركة أخبره بالحادث وانه لم تبقَ لدي نقود لأدفعها من أجل تصليح السيارة، وفي الوقت نفسه اتصلت هاتفياً بشركة ميونخ ري بوصفها من معيدي التأمين لشركة التأمين الوطنية، لأخبرهم بالحادث، وهم يعرفونني جيداً لأَنِّي أنا الذي أنشأت العلاقة بينهم وبين شركة التأمين الوطنية في بداية النصف الأول من القرن الماضي. ويبدو أن تنسيقاً قد حصل بشكل فوري بين شركة التأمين الوطنية والشركة الألمانية حول الموضوع، فقد زارني في صباح اليوم التالي في الفندق ممثلٌ عن الشركة الألمانية مع مهندس متخصص بتصليح سيارات المرسيدس وبعد إجراء الكشف على السيارة أكد المهندس سلامة الماكنة والشاصي وأن جسم السيارة ينبغي أن يستبدل بالكامل، فطلب مني ممثل الشركة الألمانية ترك السيارة بعهدتهم وسوف تشحن لي إلى بغداد بعد إكمال تصليحها. وهذا ما حدث. هكذا كان عبد الباقي يتصرف في إدارته للشركة، دون النظر لطبيعة العلاقة بين الشركة والطرف الثالث.

 

والغريب في الأمر أن تتشابه فواصل حياتنا مُنذ الولادة وحتى التقاعد، فكلانا ولد في شهر تموز مع فارق بسيط في السن، وكلانا ولد في منطقة الفرات الأوسط، هو في كربلاء وأنا في الحلة، وكلانا بدأ بنظم الشعر ونحن في الصف الثاني متوسط فأصبحنا أديبين وشاعرين ونحن لا زلنا في مرحلة الدراسة الثانوية، وكلانا حصد جوائز المباريات الشعرية، وكلانا مارس العمل الصحفي هو في الملصقة الجدارية لمدرسته وأنا في مجلة الوعي التي كانت تصدرها ثانوية الحلة، وكلانا يعشق القراءة والمتابعة، وكلانا درس التأمين خارج العراق: هو في الولايات المتحدة وأنا في المملكة المتحدة، وكلانا ساهم في إدارة شركة التأمين الوطنية أنا في بداية الستينات من القرن الماضي بوصفي نائباً للمدير العام، وهو خلال السبعينات ممن القرن المذكور، وكلانا ترك أثراً معيناً في الوسط التأميني سنة ٢٠١٦. ولم يقتصر الأمر على هذا الترابط، بل أن كلينا نشترك في صداقة شخص واحد مخلص لكلينا هو الأخ العزيز محمد جواد المظفر.

 

هذا هو عبد الباقي كما عرفته خلال علاقتي الطويلة به التي بدأت في بداية الستينات من القرن الماضي، وإذا كان هناك من أبعده عن ممارسة التأمين الرسمي، فسوف لن يُخلق الشخص الذي يفكر مجرد تفكير بمحاولة محو البصمات التي تركها في سوق التأمين.

 

هذا كل ما لدي من تعليق وتقبل من أخيك ورفيق مسيرتك أسمى آيات الحب والتقدير.

 

بهاء بهيج شكري

 

كان بودّي أن أرسل صورة هذا التعليق للسيدة الفاضلة هيفاء عيسى ولكني مع الأسف لا أعرف عنوان بريدها الإلكتروني.[5]

[1] مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2016/12/27/abdulbaki-redha-a-towering-insurance-man/

نشرت أيضاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2016/12/27/%d9%87%d9%8a%d9%81%d8%a7%d8%a1-%d8%b4%d9%85%d8%b9%d9%88%d9%86-%d8%b9%d9%8a%d8%b3%d9%89-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d8%b1%d8%b6%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%ae%d8%b5%d9%8a/

 

[2] عمل مديراً لفرع السعدون في شركة التأمين الوطنية، وكان عضواً في لجنة التعيينات في الشركة. أشرف على تأسيس شركة العراق الدولية للتأمين، شركة خاصة (2007)، وهو أحد المساهمين فيها. (وردتني هذه المعلومات من الزميل منعم الخفاجي بتاريخ 6 شباط 2017. ووثق الأستاذ عبد الباقي رضا إدارته لفرع السعدون في رسالة مؤرخة في 13 شباط 2017. المحرر)

 

[3] راجع بهذا الشأن الفصل التمهيدي بعنوان “تجربتي مع التأمين” في كتابه بحوث في التأمين (عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 15-82. (المحرر)

[4] كانت مديرة قسم إعادة التأمين في شركة التأمين الوطنية في أوائل ستينيات القرن الماضي. تركت العمل في الشركة لإكمال دراسة الدكتوراه في الولايات المتحدة. لها عدة مؤلفات في العلوم الإدارية: إدارة الموارد البشرية – إدارة الأفراد، الإدارة: أساسيات إدارة الأعمال، الأعمال (الخصائص والوظائف الإدارية). كتب عنها الأستاذ بهاء بهيج شكري في هامش كتابه بحوث في التأمين (دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2010)، ص 37 ما يلي:

 

“الدكتورة الآنسة سعاد نايف برنوطي:

كانت إحدى الموظفات الثلاث في مكتب السكرتارية [في شركة التأمين الوطنية]، وهي خريجة كلية الآداب في جامعة بغداد فرع الأدب الإنجليزي. تجيد اللغة الإنجليزية إجادة تامة، وتتمتع بأخلاق عالية وشخصية قوية نافذة تفرض احترامها على كل من يتعامل معها. وبعد انقلاب 8 شباط 1963 استقالت من الشركة وسافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية فحصلت على شهادة الدكتوراه. وهي الآن أستاذة في قسم الدراسات العليا في إحدى الجامعات الأردنية في عمان. وقد كانت الدكتورة برنوطي ساعدي الأيمن، إذ أصبحت مديرة القسم الفني والقائمة بأعمال قسم إعادة التأمين بعد أن تم تجزئة مكتب السكرتارية إلى قسمين. وقد كنت أتشاور معها في كل أمر أريد القيام به قبل أن أقدم مذكرة به إلى المدير العام.”

 

وقد أفادني الزميل أسامة الغرباوي بالمعلومات التالية بتاريخ 6 شباط 2017:

 

“عندما التحقت بالتأمين الوطنية في ديسمبر/٦٣ كان المدير العام هو الدكتور هاشم الدباغ، وكنت أعمل في قسم إعادة التأمين ومديرته سعاد برنوطي ولا أعرف بالضبط متى عُيّنت، وكان أنطوان سليم معاون ملاحظ في القسم نفسه. وبعد عدة أشهر، أي في منتصف عام ١٩٦٤، نقلها الدكتور الدباغ الى قسم الحياة وكلف أنطوان سليم بأعمال معاون مدير قسم إعادة التأمين. (وحسب معلوماتي فإن أنطوان التحق بالشركة عام ١٩٦٢). لم تستمر سعاد برنوطي بالعمل في قسم الحياة سوى عدة أشهر ومن ثم استقالت من الشركة، وأعتقد بأنها رتَّبت أمورها لتكملة الدراسات العليا. وبالمناسبة، خلال عام ٦٣ تم استبعاد كل من بهاء بهيج، سعاد برنوطي، فاروق جورج، إليزابيث بدروس من التأمين الوطنية، في اعتقادي لأسباب سياسية بحتة، وهم من خيرة كفاءات الوطنية.” “(المحرر)

[5] تم إرسال التعليق إلى الآنسة هيفاء شمعون. (المحرر).

Dr Kadhim Habib and Insurance Issues in Iraq

 

د. كاظم حبيب وبعض قضايا التأمين بالعراق

 

 

 

 

 

مصباح كمال

 

 

 

 

 

نشرت لأول مرة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

 

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2017/02/Kadhim-Habib-further-discussion-on-insurance-issues.pdf

 

 

 

 

 

نشر د. كاظم حبيب مقالة بعنوان “نقاش مفتوح حول التأمين وإعادة التأمين بالعراق مع الاستاذ مصباح كمال” في بعض المواقع الإلكترونية،[1] أثنى فيها على اهتمامي بموضوع التأمين في العراق، وكتب، بتواضع علمي، بأنه ليس متخصصاً بشؤون التأمين وإعادة التأمين، ولكن

 

 

 

كاقتصادي وباحث في قضايا المجتمع المدني وحقوق الإنسان، أدرك أهميته لعميلة إعادة الإنتاج الموسعة في الاقتصاد والمجتمع، وبالنسبة للأفراد، في آن واحد، إنه القطاع الاقتصادي الذي يوفر الحماية التي يقدمها للجميع من جهة، وهو التعويض عن الخسائر المحتملة ومواجهة المخاطر غير المتوقعة في حالة حصولها من جهة ثانية، وهو الذي يوفر التوظيفات أو الاستثمارات المالية للتوسع في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وتنمية ثروة المجتمع، وهو الذي يمكن أن يحمي الشركات والأفراد من الإفلاس أيضاً في حالات التعرض لمخاطر محتملة.

 

 

 

وهو بذلك قد لخصَّ الوظيفة الاقتصادية للتأمين.

 

ونظراً لأهمية الأفكار والتعليقات التي يقدمها د. كاظم أود تقديم بعض الإضافات السريعة لما جاء في ورقته طالما أن النقاش مفتوح وأن الاستغراق فيه يفيد في توضيح الأفكار.  آمل أن يشجع هذا النقاش على مساهمة المهتمين بموضوعه من العاملين في قطاع التأمين أو خارجه.  فيما يلي سأتناول ما أراه أهم الأفكار التي أثارها تحت العناوين التالية:

 

 

 

§      أهمية التأمين لعملية إعادة الإنتاج الموسعة في الاقتصاد والمجتمع

 

§      قرارات التأميم لعام 1964

 

§      السياسة الاقتصادية والسياسة العامة والفساد في قطاع التأمين

 

§  وضع رؤية علمية حديثة ومتقدمة، شاملة وموضوعية، لنشاط التأمين بالعراق

 

§  بول بريمر ودوره السيئ في الاقتصاد العراقي وبضمنه التأمين وإعادة التأمين

 

§  ثقافة التأمين ما بين الإنسان العراقي وأصحاب القرار في دولة المحاصصة

 

 

 

أهمية التأمين لعميلة إعادة الإنتاج الموسعة في الاقتصاد والمجتمع

 

 

 

إعادة الإنتاج البسيط في أبسط صوره هو تكرار عملية الإنتاج في مستواها السابق دو تغيير في كمية ونوعية العناصر الداخلة في الإنتاج.  أما إعادة الإنتاج الموسع فهو تكرار لعملية الإنتاج بمستوى أعلى مما كان عليه في فترة سابقة من خلال استخدام قيمة الفائض المتحقق، كلاً أو بعضاً، لتوسيع عملية الإنتاج (تحقيق التراكم).

 

لا أعرف إن جرى تطبيق هذين المفهومين على التأمين، نظرياً أو عملياً.  نعرف بأن التأمين، بشكل عام وفي أبسط صوره، هو آلية للتعويض عن الأضرار والخسائر المادية التي يتعرض لها الأفراد والشركات.  ويتم ذلك من خلال تجميع أقساط التأمين التي يسددها الأفراد والشركات لصندوق التأمين (لدى شركات التأمين أو الهيئات التي تماثلها).  تمويل الخسائر (المؤمن عليها) مصدره هذا الصندوق.  ولأن شركات التأمين هي الحارس للأموال المتجمعة في الصندوق فإنها تقوم بالتعويض عن الآثار المالية للخسائر وإرجاع وضع المؤمن لهم (الأفراد والشركات) إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل وقوع الخسائر (وعدم التعويض عن الربح، ما لم يكن متفقاً عليه، أو التعويض عن خسائر غير مؤمن عليها أو خسائر قائمة على الغش).

 

 

 

ضمن هذا الإطار المبسط فإن آلية التأمين تلعب دوراً مهماً في إدامة الإنتاج البسيط والموسع، بتعويض الأفراد (العمال، كأفراد وأرباب أسر) بما يصيبهم من أضرار والشركات (بأنواعها المختلفة) للتعويض عن المخزون من السلع الجاهزة للسوق، وعن أدوات الإنتاج (رأس المال الثابت) التي تتعرض للأضرار بفعل العامل البشري أو ديناميكية العملية الإنتاجية أو عوارض الطبيعة المدمرة.  (التأمين لا يعوض الخسائر الناتجة عن المضاربة في سوق الأوراق المالية أو الخسائر المرتبطة بتقلبات السوق كانخفاض الطلب على السلع).  وقد كتبت في مكان آخر في عرض أفكار ماركس عن التأمين ما يلي:[2]

 

 

 

يقول ماركس إن رأس المال الثابت هذا، منظوراً إليه من وجهة نظر موضوعية، يتعرض لحوادث معينة، ومخاطر في عملية إعادة الإنتاج.”  رأس المال الثابت يتعرض “لحوادث معينة” في عملية الإنتاج الأساسية، أثناء تكوين رأس المال العيني الثابت، وليس فقط في عملية إعادة الإنتاج.  في الواقع إن الحوادث يمكن أن تقع في مختلف المراحل الإنتاجية بضمنها النقل والخزن والمناولة.  هذه المقولة هي ذاتها التي ذكرها ماركس في نقد برنامج غوتا.  لكن ماركس هنا ليس معنياً بذلك بل بما تتركه الحوادث من آثار سلبية على عملية التراكم الرأسمالي، عملية إعادة الإنتاج.  والحماية التأمينية، كما هو الحال في الاقتصاد الرأسمالي القائم، تدخل كعنصر غير مباشر في الإنتاج من خلال توفير أرصدة نقدية، بمثابة تعويض، للخسائر المادية والمالية التي تتعرض لها وسائل الإنتاج.

 

 

 

التأمين ليس هبة إذ ارتبط دائماً، حتى في أشكاله الأولية، بمساهمة من نوع ما من المستفيدين من صندوق التأمين.  لذلك فإن إدامة الإنتاج يقتضي تخصيص مبلغ معين (قسط التأمين) لشراء الحماية التأمينية أو خلق صندوق للتأمين داخل المؤسسة الرأسمالية، كما ذكرنا في عرضنا لأفكار ماركس في كتابه نقد برنامج غوتا “لتوفير التعويض لرأس المال الثابت الذي يتعرض للحوادث ويستوجب التصليح أو الاستبدال؛ أو يستخدم مخصصات هذا الصندوق لشراء الحماية التأمينية من شركة تأمين مستقلة.  صندوق التأمين الذي يذكره ماركس هو المعادل لآلية التأمين الذاتي، أو في صورته العصرية هو شركة التأمين المقبوضة.  تأسيس شركات التأمين المقبوضة لها أسباب عديدة منها تدوير الأرباح داخل المؤسسة وهي تشكل أحد عناصر التكامل العامودي للمؤسسة الرأسمالية.[3]

 

 

 

هذه مقاربة أولية لأهمية التأمين في إعادة الإنتاج، قابلة للتعديل والإضافة ممن لهم علم أفضل بالاقتصاد السياسي الماركسي.

 

 

 

ذكر د. كاظم أيضاً أن التأمين “يوفر التوظيفات أو الاستثمارات المالية للتوسع في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وتنمية ثروة المجتمع.”  وقد تناولنا بعض جوانب هذا الموضوع في دراسة سابقة.[4]  وبالنسبة للعراق فإن مساهمة قطاع التأمين في تكوين رأس المال الثابت لم يخضع للدراسة.  ونزعم بأن المساهمة ضعيفة وزادت ضعفاً بعد تدهور القطاع منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، إذ أن حجم أقساط التأمين المتجمعة لشركات التأمين لا يتجاوز بضعة ملايين دولار، أقل مما هو في الأردن أو لبنان مثلاً.

 

 

 

قرارات التأميم لعام 1964

 

 

 

أفرد د. كاظم فقرات من مقالته الحوارية لقرارات التأميم، خلفيتها واستنساخها لقرارات التأميم في مصر خلال الفترة 1961-1964 وأنها

 

 

 

ساهمت في توسيع قاعدة قطاع الدولة وزيادة نشاطه ودوره في الإنتاج الصناعي وفي السياسة المصرفية والتأمين والتجارة عموما، ولكنها لم تغير من طبيعة قطاع الدولة الرأسمالي ولا من عدالة توزيع الدخل القومي أو منع تركز الثروة وإساءة كبيرة للقطاع الخاص العراقي والاقتصاد الوطني ولجم عملية الاستثمار الخاص في الاقتصاد الوطني، علماً بأن أغلب المشاريع الصناعية المؤممة كانت صغيرة أو متوسطة الحجم وملكيتها تعود للبرجوازية المتوسطة، كما إنها أضافت تبعات أخرى على قطاع الإدارة الاقتصادية الضعيف حينذاك للدولة العراقية.  وتأميم شركات التأمين كان بدوره لا معنى له، إذ كان في مقدور الحكومة العراقية تأسيس شركات خاصة بها، إن كانت راغبة بذلك، أو أن تدخل شريكاً مساهماً معها ومعززاً لنشاطها، علماً بأن شركات التأمين الخاصة كانت ناجحة فعلاً وفعالة وكسبت ثقة الناس بها.

 

 

 

ليس هناك اختلاف على التقييم العام لقرارات التأميم، ما خص منه تغول القطاع العام، وأضراره بالقطاع الخاص وتطوره اللاحق، وتوفر بدائل غير التأميم لتوجيه وبناء الاقتصاد الوطني.  لكن التحليل الدقيق لآثار تأميم شركات التأمين ربما يكشف عن جوانب أخرى، وهذا ما ذكرته في مقالة بعنوان “مقاربة لتاريخ التأمين في العراق: ملاحظات أولية”[5] وقلت فيها:

 

 

 

وجاءت قوانين التأميم في تموز 1964، التي شملت شركات التأمين، لتجهز على القاعدة الاقتصادية الضعيفة للرأسمالية الوطنية إذ لم تكن هناك ضرورة اقتصادية أو سياسية للتأميم وإنما جاء التأميم تقليداً لما جرى في مصر وهرولة نحو تطبيق مواقف إيديولوجية شعاراتية.  ما ترتب على تأميم شركات التأمين من نتائج على بنية سوق التأمين وتطوره اللاحق، سلبياً أو إيجابياً، يستحق الدراسة الموضوعية المتأنية قبل الاستغراق في إطلاق الأحكام، ونكتفي هنا بالقول إن السوق في هذه المرحلة أصبح حكراً على ثلاث شركات متخصصة هي شركة التأمين العراقية (تأمينات الحياة)، شركة التأمين الوطنية (التأمينات العامة) وشركة إعادة التأمين العراقية (إعادة التأمين).

 

 

 

 

 

 

 

وقد توسعت في دراسة آثار التأميم في مقالة لي بعنوان “تأميم قطاع التأمين في العراق 1964: مقدمة نقدية.”[6]  ومن بين ما استنتجته في ختام الدراسة (ص 136) أنه “كان بالإمكان التفكير بخيارات أخرى غير التأميم الذي كرّس سيطرة الدولة على ملكية مرافق اقتصادية كان الأفضل أن تترك تحت ملكية وإدارة القطاع الخاص.  هناك دور للدولة وهناك دور للقطاع الخاص وبينهما نماذج أخرى للملكية لم تجرِ الاستفادة منها، وهي التي لم تلقَ الاهتمام المطلوب من الاقتصاديين ومن أصحاب القرار في الماضي أو الحاضر لإصلاح النظام الاقتصادي وتداخله مع السياسي والاجتماعي.”

 

 

 

السياسة الاقتصادية والسياسة العامة والفساد: هل كان الفساد غائباً في قطاع التأمين قبل 2003؟

 

 

 

يتناول د. كاظم حبيب الفساد من خلال ربط السياسة الاقتصادية بالسياسة العامة، ونظراً لأهمية الموضوع ووضعه في إطاره الصحيح سأقتبس مطولاً مما كتبه، فهو يقول في البدء:

 

 

 

أدرك تماماً ومقتنع جداً بأن السياسة الاقتصادية في بلد ما تشكل الوجه الثاني للسياسة العامة للبلد ذاته، فهما وجهان لعملة واحدة، وحين يكون النظام السياسي فاسداً ومستبداً وفاقداً للشرعية الدستورية، فلا يمن أن يكون الاقتصاد نظيفاً وديمقراطياً ومنفذاً لإرادة مصالح الشعب. ومن عاش الاقتصاد في فترة البعث الطويلة الأمد، يدرك كيف كان الاستبداد والظلم والفساد منتشراً في قضايا العقود والنشاط التجاري

 

 

 

وبعد ذلك يناقش حضور الفساد من عدمه في قطاع التأمين كما يلي:

 

 

 

أعرف جيداً بأن الأستاذ الفاضل والخبير المهني الكبير، في مجال التأمين ورئيس الشركة الوطنية للتأمين الأخ عبد الباقي رضا، الذي أكن له كل الاحترام والتقدير، نظيف جداً وحريص على عمله ونزيه في عمله، وكذا الكثير من العاملين في جهاز التأمين التابع للدولة، ومنهم شخصكم الكريم، مصباح كمال. ولكن هذا لا يعني أن كل جهاز التأمين وإعادة التأمين والشركات العاملة في هذا القطاع كانت كلها نظيفةً ونزيهةً وحريصةً على أموال الدولة والمجتمع.

 

 

 

وحين تحدثت عن سيطرة الدولة على القطاعات الاقتصادية، بما فيها قطاع التأمين وإعادة التأمين، فاعتمادي يستند إلى طبيعة الدولة ومجمل السياسة الاقتصادية والاجتماعية ووجهتها في التنمية الانفجارية التي أقرتها حكومة البعث في المؤتمر القطري الثامن في العام 1974.

 

 

 

في مثل هذا النظام الدموي المستبد والفاسد والأهوج لا يمكن أن أتصور أن قطاع التأمين قد سلم من الفساد في أجزاء منه، إن لم يكن كله، وليس بالضرورة بمعرفة رئيس الشركة الوطنية للتأمين أو بعض العاملين فيه. واتفق تماماً مع ضرورة دراسة هذه الفترة والتمعن والتدقيق في الاتهامات الموجهة لقطاع التأمين ايضاً.

 

 

 

ليس من السهل مناقشة مقترب د. كاظم لموضوع الفساد في قطاع التأمين في فترة ما قبل 2003.  وقد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى مصادر الفساد المالي والإداري المحتملة.  ويمكن إيجاز بعضها فيما يخص الفساد المالي بالآتي:

 

 

 

§  التلاعب بأقساط التأمين (تخفيضها دون وجه حق، على سبيل المثل) لصالح أشخاص معينين مقربين من مكتتب التأمين في شركة التأمين أو لهم علاقات مباشرة أو غير مباشرة بالسلطة الحاكمة.

 

 

 

§  التساهل في تسوية المطالبات بالتعويض، المشكوك بشمولها بغطاء وثيقة التأمين أو التي تنطوي على مبالغات في تقدير حجم الأضرار وتكاليف التصليح والاستبدال حسب مقتضى الحال، لخدمة وترضية أصحاب السلطة والمقربين منهم.

 

 

 

§  التواطؤ على تسوية مطالبات التعويض بأكثر من قيمتها الحقيقية ومن ثم اقتسام القيمة الفائضة عن القيمة الحقيقية بين مسوّي التعويض في شركة التأمين والمؤمن له.

 

 

 

§  حصر أعمال إعادة التأمين الاختياري، دون مبرر حقيقي، من قبل إدارة إعادة التأمين في شركة التأمين مع وسيط دولي لإعادة التأمين أو شركة إعادة تأمين دولية مقابل الرشى.

 

 

 

حسب تجربتنا في أواخر ستينيات ومعظم سنوات سبعينيات القرن الماضي لم نلحظ وجود مثل هذه الظواهر في شركة التأمين الوطنية.  كما أن نظام الاكتتاب وتسوية مطالبات التعويض كان مقيداً بحيث أن القرار لا يكون فردياً، محصوراً بشخص واحد.  ولعله من المفيد قراءة ما كتبناه عن أحد مكتتبي شركة التأمين الوطنية للتعرف على جوانب من العملية الاكتتابية ومنهج تسوية التعويضات.[7]

 

 

 

وقد يتخذ الفساد الإداري في شركات التأمين، على سبيل المثل، بعض الأشكال التالية.

 

 

 

§  تدخل الوزراء وغيرهم في تعيين أشخاص مرتبطين بهم عائلياً أو طائفياً أو قومياً في شركات التأمين العامة أو في مؤسسات تأمينية أخرى.

 

 

 

§      تعيين أفراد العائلة دون وجه حق وفي مواقع ليسوا مؤهلين لها.

 

 

 

§  ضم أفراد غير فنيين لا يتمتعون بمعرفة اللغة الإنكليزية، وسيلة التخاطب المعتمدة، إلى الوفود المرسلة للخارج للتباحث مع وسطاء إعادة التأمين أو شركات إعادة التأمين أو حضور دورات مهنية في التأمين.

 

 

 

§  منح قروض عقارية دون القيام بدراسات وتحقيقات عن شخص المقترض: موثوقيته كرجل أعمال، إمكانياته المالية، جدوى المشروع الذي يقوم به، تجربته السابقة في العمل الاستثماري   الخ.

 

 

 

§  التغاضي عن العقوبات المالية وغيرها المفروضة على البعض لا بل مكافأتهم بتعيينهم في مواقع وظيفية لا يستحقونها.

 

 

 

وكل هذه الأشكال من الفساد الإداري وغيرها قائمة الآن بفضل نظام المحاصصة الطائفية والاثنية التي تأسست مع الاحتلال الأمريكي عام 2003.

 

 

 

قد يرى البعض ان عقد مقارنة مع ما كان قائماً في عهد البعث ليس مناسباً من وجهة نظر سياسية وبالتالي يجب عدم الخوض فيه.  نعرف بأن هذا العهد، وكما يصفه د. كاظم، كان دموياً مستبداً وفاسداً وأهوجاً، ولا خلاف في هذا التقييم لكن البحث التاريخي يستدعي الوقوف أمام بعض التفاصيل، وما يخصنا منها ينصبُّ على قطاع التأمين الذي كان حكراً على القطاع العام بشركاته الثلاث منذ 1964 وحتى 1997.  وقد كان د. كاظم حبيب أميناً لحسه التاريخي بقوله “واتفق تماماً مع ضرورة دراسة هذه الفترة والتمعن والتدقيق في الاتهامات الموجهة لقطاع التأمين.”

 

 

 

نكتفي هنا بذكر تجربتنا في التعين في شركة التأمين الوطنية (1968) في عهد الأستاذ عبد الباقي رضا.[8]  وكذلك التمعن في حقيقة أن الأستاذ عبد الباقي رضا، مدير عام شركة التأمين الوطنية (1978-1966)، والدكتور مصطفى رجب، مدير عام شركة إعادة التأمين العراقية (1980-1960)، احتفظا بمنصبيهما دون أن تكون لهما أية علاقة بحزب البعث   ومن رأينا أن الصورة ليست دائماً بهذا الصفاء فربما هناك ما ينتقص منها، ولن نعرف ذلك إلا من خلال البحث الذي لا يخاف من نتائجه.

 

 

 

وضع رؤية علمية حديثة ومتقدمة، شاملة وموضوعية، لنشاط التأمين بالعراق

 

 

 

كتب د. كاظم حبيب ما يلي:

 

 

 

حين أتحدث عن التأمين وإعادة التأمين أقصد به مجالات التأمين كافة، ولهذا أطالب بوضع رؤية علمية حديثة ومتقدمة، شاملة وموضوعية، لنشاط التأمين بالعراق وفي جميع جوانبه وفي علاقته العضوية مع جميع فروع الاقتصاد الوطني وقطاعاته والمجتمع والرعاية الاجتماعية، إذ أن الوعي بأهمية ودور وفوائد التأمين ليس مغيباً عند الناس البسطاء حسب، بل وعند جميع الأوساط الحاكمة بالعراق. ومن المؤسف حقاً أن تفتقد مسودة برنامج الحزب الشيوعي العراقي لفقرة خاصة تشير إلى دور التأمين وأهميته للاقتصاد والمجتمع بالعراق، وأعتقد أن مؤتمره العاشر سيضيفها إلى البرنامج.

 

 

 

لقد قام العديد من مستشاري حكومات ما بعد 2003 بجهود غير معلنة لتطوير قطاع التأمين، وحشر البعض الآخر نفسه، من داخل قطاع التأمين وخارجه، وبنية حسنة، في تناول هذا الموضوع.  لكنه من المؤسف أن تشاور هؤلاء مع “أركان” التأمين، في الداخل أو الخارج (هناك عدد كبير من ممارسي التأمين العراقيين في الخارج يحتلون مواقع مهمة ولديهم معارف وخبرات واسعة) إما كان ضيقاً أو مفقوداً.  إضافة إلى ذلك فإن الدراسات التي قاموا بإعدادها لم تنشر وبذلك فقد ضاعت الفرصة لمناقشة أطروحات تطوير القطاع.

 

 

 

وكما بيّنتُ في أكثر من مقالة منشورة في مجلة التأمين العراقي وموقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، حول برامج الحكومات وبيانتها التي تضم إشارات غير مكتملة للتأمين وغير مقترنة بدراسات معمقة، فإن الأوساط الحاكمة، على المستوى الاتحادي ومستوى إقليم كوردستان، ليست لها رؤية تجاه النشاط التأميني الوطني.  وقل مثل ذلك بالنسبة للبرلمان.

 

 

 

التأمين هو يتيم القطاع المالي رغم أهميته الكامنة في إدامة الإنتاج المادي في القطاعات الأخرى، والمساهمة في الخروج من أسر القيم العشائرية في التعامل مع ما يقع بين الناس من اختلاف عند وقوع الأضرار والإصابات، وتجميع الأرصدة القابلة للاستثمار.

 

 

 

أما الأحزاب فإن موضوع التأمين غائب عن تفكيرها حسب المعلومات المتوفرة لدينا باستثناء الحزب الشيوعي العراق الذي أبدى اهتماماً متقطعاً بالنشاط التأميني.[9]

 

بول بريمر ودوره السيئ في الاقتصاد العراقي، وبضمنه التأمين وإعادة التأمين

 

 

 

يقول د. كاظم:

 

 

 

لقد لعب بريمر دوراً سيئاً في الاقتصاد العراقي، وبضمنه التأمين وإعادة التأمين، وترك آثاره السلبية والسيئة على الوضع كله.

 

 

 

لقد حاولت في أكثر من مقالة تتبع الإجراءات التي أقدم عليها بول بريمر لإعادة هيكلة قطاع التأمين العراقي، وكان في باله ومستشاريه، أساساً، الشركات العامة الثلاث (شركة إعادة التأمين العراقية، شركة التأمين الوطنية، شركة التأمين العراقية).

 

 

 

ففي المسودة الأولى لقانون تنظيم أعمال التأمين، المكتوبة باللغة الإنكليزية، أعد الخبير الأمريكي المعتمد نصاً أميناً لليبرالية الجديدة في مجال التأمين.  وقد تم التخفيف من آثارها عند إعداد النص العربي.  وقد تتبعت ذلك في عدد من الدراسات جمعتها في كتاب.[10]  وقبل ذلك قام بمحاولة “العلاج من خلال الصدمة” وفي غضون بضعة أشهر من خلال إعادة هيكلة سوق التأمين العراقي.  وفي دراستي للموضوع في 2004 ذكرت الآتي:

 

 

 

إن تفكيك الشركات العامة الثلاث وتحويلها إلى شركات متخصصة يعكس السياسة العامة لسلطة الأتلاف المؤقتة لخصخصة الاقتصاد.  ومن هنا منشأ خطة خصخصة شركتي التأمين العامتين على مرحلتين وإلغاء شركة إعادة التأمين ضمن الإطار العام لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي المنوط بالشركة الاستشارية بيرنغ بوينت.  وهكذا سيجري الاكتتاب العام بـ 49% من أسهم الشركات الأربع الجديدة عند تأسيسها وإبقاء 51% من الأسهم للدولة مؤقتاً كي تُعرض للاكتتاب العام في نهاية 2004.  ليست هناك وثائق معلنة تصفُ هذه التغييرات الجذرية المقترحة، أو تُفصّل الحجج الاقتصادية لإصلاح قطاع التامين والأسباب التي تستدعي ضرورة تفكيك شركتي التأمين المباشر لخصخصتها وإلغاء شركة إعادة التأمين.[11]

 

 

 

حقاً كان دور بريمر سيئاً كما يشهد عليه مراحل إعداد قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005، فقد وضع هذا القانون، رغم إيجابياته في مجالات معينة، الأساس لتجاوز شركات التأمين العراقية، مثلما ساهم دعاة الليبرالية الجديدة في حكومات المحاصصة في تأكيد هذا التجاوز بصيغ مختلفة: الحرية في التأمين خارج العراق، كما هو الحال في تأمين الاستثمارات، عدم نص عقود الدولة على فقرة التأمين (بعض العقود خالية تماماً من إي إشارة للتأمين)، صياغة عقود الاستيراد على أساس سيف (CIF)، إهمال موضوع التأمين في مشاريع القوانين (كمشروع قانون صندوق الإعمار والتنمية العراقي، ومشروع قانون شركة النفط الوطنية العراقية).  وما زال قطاع التأمين العراقي يعاني من آثار هذا القانون.

 

 

 

ثقافة التأمين ما بين الإنسان العراقي وأصحاب القرار في دولة المحاصصة

 

 

 

يدعو د. كاظم حبيب إلى

 

 

 

كتابة مقالات مبسطة تصل إلى الإنسان العراقي في مجال التأمين، وأملي أن يقوم الأستاذ الفاضل مصباح كمال، وخبراء تأمين أخرين بهذه المهمة، لأن المسؤولين الحاليين لا أمل فيهم في تطوير قطاع التأمين، باعتباره جزءاً حيوياً وأساسياً وضرورياً من الاقتصاد العراقي ولا يجوز التعويل عليهم.

 

 

 

تضم هذه الدعوة عدة أفكار يمكن معالجتها تحت عنوانين:[12]

 

 

 

أولاً، تكثيف الوعي بالتأمين وإشاعة الثقافة التأمينية في المجتمع من خلال مقالات مبسطة.

 

 

 

هناك مقالات مبسطة عن التأمين يمكن قراءة البعض منها في المواقع الإلكترونية مثلما يمكن متابعتها في بعض الكتب التأمينية المنهجية.  ومن رأي أن الثقافة التأمينية مسألة تتجاوز كتابة المقالات المبسطة أو الأكاديمية.  فهناك فقر في وعي دور المؤسسات في تنظيم وإدامة الإنتاج وتقديم الخدمات.  نجد ذلك في نقص الوعي بالتأمين مثلما نجده في نقص الوعي بالوظيفة الضريبية للدولة.

 

 

 

يرُجِع البعض تدني الوعي التأميني إلى الحرب العراقية الإيرانية (1988-1980) والغزو العراقي للكويت (1990) وما تبعه من تحرير الكويت، والغزو الأمريكي للعراق (2003).  ويمكن أن نضيف إليها سنوات العقوبات الدولية (2003-1990) التي ساهمت بشكل مباشر في تآكل دخل المواطنين وإفقارهم بحيث صار شراء الحماية التأمينية ترفاً لا يقدر عليه إلا قلة منهم.  لكن هذه الإحالة لم تقترن بدراسة موثقة تجمع بين السبب والنتيجة إذ أنها وردت في سياق مقابلات صحفية سريعة، وغالباً ما يتركز التعليل على مقارنة بين الوضع القائم وما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي.  لا تتوفر لدينا الإحصائيات لقياس مستوى الوعي التأميني في تطوره التاريخي فهذه مهمة بحثية تقع خارج إمكانياتنا الحالية.

 

 

 

يتعين علينا أن نتذكر بأن التأمين سلعة غير منظورة، هو وعدٌ بتعويض المؤمن له في المستقبل إن تعرَّض هو أو أسرته أو أمواله إلى ضرر.  معظم الناس لا يستشعرون الحاجة لمثل هذا الوعد دونكم توفر القدرة المالية لديهم على شراء هذا الوعد.  هم أكثر قناعة، بفعل الموروث الديني، وبقراءة سلبية له، بالقبول بالقضاء والقدر: “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.” (سورة التوبة، الآية 51)

 

 

 

ديوان التأمين مُلزم بقوة القانون للقيام بدوره في مجال زيادة الوعي التأميني.  فقد جاء في المادة 6-البند 4 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 أن الديوان يهدف إلى:

 

 

 

تنظيم قطاع التامين والاشراف عليه بما يكفل تطويره وتامين سوق مفتوح وشفاف وامن ماليا، وتعزيز دور صناعة التامين في ضمان الاشخاص والممتلكات ضد المخاطر لحماية الاقتصاد الوطني ولتجميع المدخرات الوطنية وتنميتها واستثمارها لدعم التنمية الاقتصادية، وله في سبيل ذلك القيام بالمهام الاتية:

 

 

 

زيادة الوعي التأميني وإجراء الدراسات والبحوث التأمينية وطباعتها.

 

 

 

المعلومات المتوفرة لا تدل على أن الديوان قد قام بتنفيذ مهمة زيادة الوعي، أو إجراء الدراسات والبحوث التأمينية، وهذه من شأنها أن توسع دائرة الاهتمام بالتأمين خارج نطاق شركات التأمين.

 

 

 

ومن رأي أن ديوان التأمين وجمعية التأمين العراقية، التي تمثل شركات التأمين، ليس لديها برنامج خاص بنشر ثقافة التأمين.  صحيح أن بعض الشركات تلجأ إلى الإعلان التجاري أو الاتصال ببعض الشركات والمنظمات بهدف بيع وثائق التأمين لها أو التعاون معها بهذا الشأن فيما يخص أعضاء هذه التنظيمات، إلا أن هذا الجهد ينصبُّ على التعريف بشركة التأمين وبمنتجاتها من وثائق التأمين.  وهذا الجهد يقابله ما تقوم به جمعية التأمين من خلال الندوات والمحاضرات التي تنحصر فائدتها بمنظميها وبعض المشاركين فيها.

 

 

 

فقر ثقافة التأمين يعكس نفسه في ضعف وربما أحياناً غياب الحملات الإعلانية المركزة، والمتخصصين الاستشاريين في شؤون التأمين، أو المحامين المتخصصين في تفسير عقود التأمين، ومقيّمي الأصول لأغراض التأمين، والكاشفين على الأخطار المعروضة للتأمين (ومعظم هؤلاء لا يرقون في مهاراتهم الفنية إلى ما هو متوقع منهم مهنياً وبالمقارنة مع ما هو متوفر عالمياً)، والصحفيين الذين يتمتعون بمعرفة تأمينية رفيعة.

 

 

 

ويجد هذا الفقر انعكاساً له في غياب مجلة تأمينية إلكترونية أو ورقية بعد توقف مجلة (رسالة التأمين) أواخر ثمانينيات القرن الماضي.  مثلما ينعكس في غياب حملات أسبوعية أو شهرية، حسب الحاجة، لترويج منتجات تأمينية محددة.  (لم تقم أية شركة للتأمين بنشر المعرفة عن تأمينات الحياة من خلال حملات خاصة للتوعية.  مثال ذلك شريط فيديو للتوعية بتأمينات الحياة).  وكذلك إجراء مسح ميداني حول الموقف من الخطر (الخطر الطبيعي، الخطر في المسكن وفي موقع العمل)، والوسائل التي يلجأ لها الناس للتدبر ضد آثار الخطر، ومكانة التأمين ضمن هذه الوسائل … الخ.

 

 

 

ونجده أيضاً بالحضور الضعيف أو الغائب عند وقوع حوادث كبيرة، قد تكون لها تداعيات تأمينية، كاحتلال داعش للموصل، وحادث التفجير الإرهابي في الكرادة، أو حوادث تفجير/انفجار عدد من آبار النفط.  كما نجده في الصمت المطبق من قطاع التأمين عند وضع مشاريع لقوانين لها آثار تأمينية على سبيل المثل، مشروع قانون شركة النفط الوطنية العراقية ومشروع قانون صندوق الإعمار والتنمية العراقي.  كما أن قطاع التأمين غائب عند إعداد موازنة الحكومة.  ثم أن علاقة شركات الـتأمين والجمعية والديوان بوكالات الأنباء والصحف ضعيفة ويباشرها الصحفيون.  وأكاد أن أجزم أن شركات التأمين والجمعية والديوان ليس له موظف مختص لإصدار البيانات الصحفية عن شؤون عامة ذات علاقة بالتأمين، أو إطلاق منتج تأميني، أو تنظيم فعالية معينة.  بعبارة أخرى، فإنها تفتقر إلى التواصل مع الجمهور، ومع الشركات الصناعية والتجارية، والدوائر الحكومية وغير الحكومية.

 

 

 

وباختصار، فإن التأمين يكاد أن يكون غائباً في الحياة العامة إلا من خلال شراء نسبة صغيرة من السكان لوثائق التأمين، وهو موضوع يستحق من يبحث فيه.  ولعله من المفيد الإشارة إلى أن الوعي بمؤسسات أخرى للدولة الحديثة لا تقتصر على التأمين بل تشمل أيضاً ما يمكن تسميته بالوعي الضريبي.  وقد حاولت في بعض دراساتي المنشورة الإشارة إلى هذا الغياب لدى الأحزاب السياسية العراقية.

 

 

 

ثانياً، المسؤولين الحاليين لقطاع التأمين لا أمل فيهم في تطوير القطاع، لأن رؤيتهم قاصرة ولا ترى مؤسسة التأمين كجزء حيوي وأساسي وضروري من الاقتصاد العراقي.

 

 

 

لم يحدد لنا د. كاظم من هم المسؤولون عن قطاع التأمين، وهو موقف مفهوم بفضل طبيعة مقالته.  وأرى أن هؤلاء ممثلون بالآتي: ديوان التأمين العراقي، شركات التأمين وإعادة التأمين العامة (ثلاث شركات)، وشركات التأمين الخاصة (حوالي 30 شركة).  ويمكن أن نختصر الفئتين الأخيرتين بجمعية التأمين العراقية التي تضم في عضويتها جميع شركات التأمين.  وليست هناك مؤسسات تأمينية في العراق غير هذه.

 

 

 

ديوان التأمين، الجهاز الرقابي، ولد هزيلاً سنة 2005، وكغيره من مؤسسات ما بعد الاحتلال الأمريكي لم يتطور إذ اقتصر دوره على إصدار التعليمات وبعض الرسائل التنظيمية، وظل موقع رئيس الديوان قائماً بالوكالة حتى اليوم، وعلى أساس يزعم بأنه طائفي.  ووصل الأمر إلى أن من يحتل موقع رئيس الديوان وكالة هو في نفس الوقت مدير عام أصالة لشركة تأمين عامة، وهو ما يتناقض مع ما لا يجوز لأن الجمع بين هذين الموقعين فيه تضارب في المصالح.  الديوان هو في أسفل هيئات الرقابة في العالم العربي دونكم الهيئات العالمية، من حيث فعاليته في الإشراف على النشاط التأميني.  لم يصدر الديوان منذ تأسيسه ورقة موقف تجاه أية قضية تأمينية أو مسألة لها علاقة بالتأمين.  موقعه الإلكتروني توقف عن العمل.  ويؤدي مهامه المحددة في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 كأي جهاز بيروقراطي.

 

 

 

جمعية التأمين العراقية ليست بأحسن حال من الديوان فهي الأخرى لم تطور عملها إلا في حدود ضيقة كتنظيم دورات تدريبية وعقد بعض اللقاءات، إلا أن حضورها في المجتمع، كالديوان، غائب أيضاً.  وهي كالديوان لا تعير اهتماماً حقيقياً بما له علاقة بالنشاط التأميني إذ أن دائرة اهتمامها محصورة بمصالح أعضائها وليس مكانة التأمين في الاقتصاد الوطني.  وهي ومنذ تأسيسها سنة 2005 لم تقم بإصدار مجلة تأمينية ورقية أو إلكترونية يمكن أن تساهم في إشاعة وعي تأميني خارج دائرتها الضيقة.

 

 

 

أما شركات التأمين فهي مهتمة بتحقيق الأرباح والحفاظ على حصتها من أعمال التأمين في السوق.  ليس لمعظمها خطط عمل سنوية واستراتيجية، وكوادرها دون المستوى المطلوب فنياً.  يكتشف المرء ذلك من قراءة ما يصدر منها من رسائل وتقارير بالعربية أو الإنكليزية.

 

 

 

نعرف بأن التخطيط المركزي صار موضوعاً للإدانة، وحتى التخطيط التأشيري لا يجد له حضوراً.  وهكذا لم يشهد قطاع التأمين تخطيطاً أو سياسة معينة تروج لها الحكومة.  ويتخبط مستشارو الحكومة بتقديم أفكار لإدخال هذا المنتج التأميني أو ذاك ودعم شركات القطاع الخاص ثم لا نسمع شيئاً عنها.

 

 

 

حكومات ما بعد 2003 مهووسة بالاقتصاد الحر وبمفاهيم الليبرالية الجديدة لكنها وبرغم هذا الهوس لم تقدم على ما يساعد في النهوض بقطاع التأمين وتوطين النشاط التأميني.  هي لم تعمل على تعديل المواد الضارة بالقطاع في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005.  وهي لم تُعر اهتماماً حقيقياً بإجراء التأمين من قبل المستثمرين مع شركات تأمين عراقية إذ تركت لهم حرية التأمين في العراق أو خارجه (الموقف ذاته ينطبق على قانون الاستثمار في إقليم كوردستان).  وحتى أحكام التأمين في عقود جولات التراخيص صيغت بشكل بحيث صار دور شركات التأمين العراقية مهمشاً.  وهكذا فشلت هذه الحكومات في خلق البيئة القانونية لعمل شركات التأمين وحرمتها من فرصة تطوير أعمالها.

 

 

 

هناك أزمة في إدارة الدولة ومؤسساتها مثلما هناك أزمة في إدارة الاقتصاد “الوطني” ولذلك فإن وضع قطاع التأمين يشكل صورة مصغرة لمثل هذه الأزمة.

 

 

 

4 كانون الثاني/يناير 2016

 


[1] على سبيل المثل، موقع مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي:

http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?t=2&aid=539853

[2] مصباح كمال، مؤسسة التأمين: دراسات تاريخية ونقدية (بيروت: منتدى المعارف، 2015)، ص 171-172.

[3] مصدر سابق، ص 172-173.

[4] مصباح كمال، التأمين في كوردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 12-32.

[5]           نشرت هذه المقالة في مجلة الثقافة الجديدة، بغداد، العدد 328، 2008، ص 67-76 وهذا هو الرابط:

http://www.althakafaaljadeda.com/328/15.htm

ونشرت كذلك في مجلة التأمين العراقي الإلكترونية:

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/04/328-2008-67-76.html

 

[6] مصباح كمال، أوراق في تاريخ التأمين في العراق: نظرات انتقائية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2011)، 136-109.  النسخة الإلكترونية من الكتاب متوفرة في المكتبة الاقتصادية، شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2015/03/History-of-Insurance-in-Iraq-selected-perspectives-electronic-edition.pdf

 

[7] مصباح كمال، “مؤيد الصفار: مكتتب ومدير في شركة تأمين عامة،” الثقافة الجديدة، العدد 380، كانون الثاني 2016، ص 57-66.  نشرت المقالة أيضاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين ويمكن قراءة النص باستخدام هذا الرابط:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/04/Misbah-Kamal-Mouayyad-Al-Saffar-manager-and-undewriter-in-a-state-owned-insurance-com-final.pdf

أو

https://www.academia.edu/24641469/Mouayyad_Al-Saffar_Manager_and_Underwriter_in_a_State-Owned_Insurance_Company

 

ولي مقالة تلقي بعض الضوء على أحد مظاهر الفساد في قطاع التأمين في فترة ما بعد 2003: مصباح كمال، “وصل القبض بديلاً عن التأمين،” مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2013/02/receipt-voucher-or-insurance-policy.html

[8] أنظر: عبد الباقي رضا، فاروق يونس ومصباح كمال، “شذرات من التاريخ المروي والذكريات الشخصية حول التأمين في العراق،” شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2015/08/Authors-team-Fragments-from-the-History-of-Insurance-in-Iraq-final-editing.pdf

لدي مجموعة من رسائل الأستاذ عبد الباقي رضا، مجموعة كمسودة لكتاب بعنوان رسائل في السيرة الذاتية والتأمين لم ينشر بعد، تضم وقائع مهمة في إدارته لشركة التأمين الوطنية في عهد البعث.

[9] مصباح كمال، الاحزاب العراقية والتأمين: قراءة أولية في موضوعة حضور وغياب التأمين – الحزب الشيوعي العراقي نموذجاً (مكتبة التأمين العراقي، 2016).  الكتاب متوفر في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2016/09/Iraqi-Political-Parties-and-Insurance-The-Communist-Party-as-a-Model.pdf

 

[10] مصباح كمال، قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2014).  نشرت النسخة الإلكترونية في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين.

 

[11] MEES (Middle East Economic Survey) Vol. 47. No. 19 (10 May 2004) pp D1-D5

نشرت الدراسة أيضاً تحت عنوان “ملاحظات نقدية حول إعادة هيكلة سوق التأمين العراقي،” الثقافة الجديدة، العدد 314، 2005، ص 48-58.

 

[12] كتبت الفقرات التالية أصلاً كجزء من مقابلة أجراها السيد مصطفى الهاشمي، المحرر الاقتصادي لجريدة الصباح، معي في كانون الأول 2016.