Monthly Archives: جويلية 2011

Absence of Insurance in Government Programme for 2011-214

تعليق على غياب التأمين في

برنامج الحكومة للسنوات 2011- 2014

 

 

مصباح كمال

 

ترددت في كتابة هذا التعليق بانتظار أن يقوم أحد الزملاء في قطاع التأمين بذلك، أو أن تقوم جمعية شركات التأمين وإعادة التأمين بذلك كونها، في تقديري، الجهة المهتمة بمكانة قطاع التأمين في الحياة العامة.  ربما قام أحدهم بذلك ولكني لم استهدي إليه.  وقد كتبت في الماضي[1] أن قرارات وبرامج الحكومات والأحزاب السياسية، وخاصة تلك المعروضة أثناء الانتخابات البرلمانية العامة والمؤتمرات، توفر الفرصة للقطاع، أفراداً وكيانات، لإبداء موقف منها.  لكن شيئاً من هذا التمني لم يجد له تعبيراً في الواقع، وهكذا بات علينا، مرة أخرى، أن نرصد ونعلق على أمر ذو علاقة بقطاع التأمين، ولنذكّر بعضنا بأهمية الإعلان عن قطاع التأمين للحكومة والصحافة من خلال إبداء المواقف تجاه قضايا تمس القطاع مباشرة أو بصورة غير مباشرة.  إعلان المواقف من شأنها أن تساهم في تعزيز الوعي بالتأمين.

 

مناسبة هذا التعليق هو نشر جريدة الصباح بتاريخ 18 تموز 2011 لنص رسالة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى مجلس النواب المتضمنة الإطار العام لبرنامج الحكومة الاستراتيجي للسنوات 2011- 2014.  وسنقتبس بعض الفقرات من الرسالة والبرنامج ما نعتقد بأنها تمس قطاع التأمين الغائب تماماً من تصورات الحكومة.

 

جاء في رسالة رئيس الوزراء أن السنوات الماضية شهدت تركيز الحكومة على

 

“ضرورة توفير الأمن والاستقرار المهددين في بلدنا، وقد عملنا جاهدين حتى تحسن الوضع الأمني تحسناً ملحوظا وإن بقيت بعض التهديدات هنا وهناك وبسبب هذا التركيز لم تلق إعادة الإعمار والتنمية الوقت والجهد والإمكانات الكافية، فنرى معاناة المواطنين في توفير الكهرباء لمنازلهم، وضعف الرعاية الصحية والتعليم والسكن المناسب والحصول على فرص العمل الكريمة”

 

قد لا نختلف على أن الأمن، وما يترتب عليه من استقرار، عنصر مهم في إدارة الحياة العامة والخاصة وتحقيق التراكم لكن تعليق غياب السياسات الاقتصادية، ومنها ما يتعلق بالنشاط التأميني، على شماعة الأمن ليس إلا تبريراً يفتقد إلى شرح كامل ومقنع.  لا نية لنا في مناقشة هذا الموضوع ونكتفي بالقول أن الحكومات، منذ 2003، انشغلت بالمغانم والمحاصصات واستغرقت النخبة الحاكمة والمنتفعين منها ومؤسسات الدولة ، على ضعفها، في التسابق عليها بحيث أصبح الاهتمام بإعادة الإعمار والتنمية لا يلقى إلا القليل من الاهتمام.  والحال هذا يذكرنا بأطروحة الثوريين وأصحاب الدعوات القومية بتعليق الديمقراطية والحريات العامة لحين التخلص من الاستعمار أو تحقيق الوحدة القومية.

 

وذكر رئيس الوزراء أن

 

“هذه الوثيقة ..  هي برنامج الحكومة الستراتيجي، وفيها تظهر المحاور الآتية في لغة واضحة وستكون نصب أعيننا في خلال فترة رئاستنا لهذه الحكومة:

 

1-   أمن العراق واستقراره

2-   الارتقاء بالمستوى المعاشي والحياتي للمواطن العراقي

3-   تحقيق اقتصاد أفضل وزيادة القدرة التنافسية للمؤسسات العامة والخاصة

4-   زيادة إنتاج النفط والغاز لتحسين الاستدامة المالية

5-   إصلاح الخدمة المدنية

6-   تنظيم العلاقات الاتحادية – المحلي.”

 

“هذه المحاور جميعها ضرورة ملحة ومتساوية وإن كانت الحاجة مستمرة ً للأمن وتحقيق الاستقرار لما لها من تأثير في تحسين الخدمات العامة التي تؤسس لحياة سعيدة في مجتمع حديث، لذا فإن إنتاج النفط والغاز إنتاجاً مستمراً مهم لتمويل إعادة الإعمار والتنمية التي يحتاجها بلدنا، ويحتاج أيضاً إلى اقتصاد متنوع وحديث ليكون مصدراً للثروة وفرص العمل.  والمحاور جميعها تعكس الحاجة لخطط مدروسة بعناية لكي تنفذ تنفيذاً كاملاً وفقاً للدستور.  وإن ما يواجهنا في عملنا هي البيروقراطية الحكومية، لذلك فإننا نحتاج إلى إصلاحات إدارية وتحسينات كثيرة لدعم التنمية في البلد.

 

ستكون هذه الموضوعات (المحاور آنفة الذكر) محور عملنا، وسنقوم بتقديم التقارير تقديما منتظماً عن أي تقدم محرز.  ونحن نرحب بالآراء والتعليقات حول جعل العراق بلداً آمناً وحراً كريماً للعيش السعيد.

 

نوري المالكي رئيس مجلس الوزراء.”

 

لنلاحظ أن رئيس الوزراء يرحب بالآراء والتعليقات وليس الدعوة إلى التقييم النقدي.  هناك تهيب من النقد لذلك فإن الدعوة له لا يرد في الرسالة وفي البرنامج.  ولعله انعكاس لميل تسلطي كامن قائم على أن المعرفة ليست متاحة للجميع وهو أقرب ما يكون إلى التفكير الديني.

 

لنترك التعليق العام والانجرار نحو مناقشة نص الرسالة ومفردات البرنامج لغيرنا ونركز القول على أن المحاور الستة لبرنامج الحكومة وما سينشأ عنها من أعمال إنشائية وصناعية وخدمية تنطوي على إنفاق من ميزانية الدولة الآن وفي السنوات التالية.  لكن ما يعيب البرنامج غياب أية إشارة لتمويل المحاور الستة.

 

لو عرفنا الكلفة التقديرية التي يتطلبها تحقيق البرنامج الحكومي لكان أركان التأمين العراقي في وضع يستطيعون معه تقدير حجم أقساط التأمين التي يمكن أن تحققها شركات التأمين لقاء توفير الحماية لمفردات البرنامج من موجودات وخدمات ومسؤوليات قانونية.

 

إضافة لذلك لو كانت مفردات البرنامج واضحة وملموسة كان بإمكان شركات التأمين أيضاً تصور الأنواع المختلفة لوثائق التأمين التي يحتاجها البرنامج.  وكذلك العمل المشترك على توفير هذه الوثائق من المصادر الداخلية للشركات أو من خلال التعاون مع شركات إعادة التأمين أو وسطاء إعادة التأمين الدوليين.  في غياب العمل المشترك، لتعظيم فرص الاستفادة من الموارد الداخلية المتاحة، ستلجأ كل شركة تأمين، وتحت دعوى المنافسة والحرية الاقتصادية، إلى العمل لوحدها.  قليل من التخطيط المسبق بين الشركات للعمل المشترك كفيل بخلق شروط الإمساك بزمام المبادرة في الداخل وتعزيز القوة التفاوضية للقطاع.

 

ونضيف إلى ذلك أن العمل المشترك يعطي زخماً للشركات في وضع تصوراتها بشأن بنود التأمين والتعويض في العقود الإنشائية كي لا تُهضم حقوق شركات التأمين العراقية – كما هو حاصل في العديد من عقود الدولة.

 

كما أن العمل المشترك، ويتمناه المرء أن يكون على المستوى الاتحادي، من شأنه أن يدعم أي تحرك من قبل ديوان التأمين العراقي لتعديل أحكام معينة من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 والتي تميل في غير صالح شركات التأمين العراقية – كما تدل التجربة القائمة على ذلك.

 

يبدو لنا أن من قام بصياغة البرنامج، سواء كان فرداً أو أفراداً منتظمين في لجنة صياغة، لم يعرفونا بالكلفة المالية للبرنامج ومصادر التمويل.  ولا ندري إن كان التأمين قد ورد بذهن كاتب البرنامج.  نعرف أن هناك العديد من المستشارين لدى رئاسة الوزراء والبعض منهم له علاقة بقطاع التأمين والمصارف.  وللتدليل على هذه العلاقة نقتبس مطولاً من مقالة للزميل سعدون الربيعي:[2]

 

“استناداً إلى الأمر الديواني المرقم 19 لسنة 2010 الصادر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء – هيئة المستشارين – الخاص بتشكيل فريق عمل استراتيجية القطاع الخاص والحوار الاجتماعي، انبثقت لجنة فرعية لقطاع المصارف والتامين شاركت فيها كممثل عن شركات التامين الخاصة وحضر اجتماعاتها كوادر متقدمة من الوزارات المعنية والبنك المركزي والشركة العراقية لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وشركة الكفالات المصرفية واتحاد رجال الأعمال واتحاد الصناعات العراقية ورابطة المصارف الأهلية العراقية.

 

عقدت هذه اللجنة عدة اجتماعات خلال عام 2010 كان آخرها في 30/8/2010 تدارست فيها خطوات تطوير ودعم القطاع الخاص ومنح القروض لتأهيل المشاريع الصغيرة والمتوسطة بمبالغ تتراوح من خمسة آلاف دولار إلى 250 ألف دولار وبفائدة ميسرة وحسب حجم المشاريع وطاقتها الإنتاجية.

 

وخلال هذه الاجتماعات كنت أؤكد على دور وأهمية شركات التامين العامة والخاصة بالتنسيق مع المصارف الأهلية المعتمدة حاليا” في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وضرورة التامين على حياة المقترضين بمبلغ القرض الممنوح …  واستثمرت مشاركتي في هذه اللجنة لعرض ما يعانيه قطاع التامين من تجاهل بعض المسؤولين في الدولة وتهميش دوره الفاعل في عملية التنمية الاقتصادية، وإغفال ما نكتبه للجهة القطاعية المختصة ( وزارة المالية – ديوان التامين ) عن المشاكل والمعوقات التي يعاني منها قطاع التامين العراقي والتهاون بالرد الايجابي على مقترحات شركات التأمين الخاصة … وعرضت مقترحات عديدة في اللجنة الفرعية لقطاع المصارف والتأمين التي تشرف عليها وتتابع نشاطها – هيئة المستشارين – الأمانة العامة لمجلس الوزراء.”

 

اعتماداً على هذه المعلومات من حقنا أن نسأل لماذا غاب التأمين عن الصورة؟  ذات السؤال يمكن أن يثار من قبل القطاع المصرفي: لماذا لم يجد له مكاناً في البرنامج الذي يقوم على “التحول نحو اقتصاد السوق الحرة.”

 

وفي رأينا أن هناك عدم وضوح في التوجه الاقتصادي لأن الاقتصاد، في حالته الراهنة، ما زال ريعياً يجمع بين الاعتماد المطلق على الموارد النفطية: “زيادة إنتاج النفط والغاز لتحسين الاستدامة المالية” (كما جاء في المحور الرابع من برنامج الحكومة) وبين “الارتقاء بالمستوى المعاشي والحياتي للمواطن العراقي (كما جاء في المحور الثاني)، “إذ تُعدُ الحكومة مسؤولةً عن تهيئة الخدمات العامة التي تؤثر تأثيراً مباشراً في حياة المواطنين التي تشتمل على إيجاد (السكن الملائم، والرعاية الصحية، والتعليم، والرعاية الاجتماعية، والخدمات العامة اليومية للمواطن العراقي)، وإتاحتها للجميع.”

 

من المفيد التذكير هنا أولاً أن عنصر تمويل المحور الثاني غائب ونفترض أن معظم التمويل سيأتي من الريع النفطي.  وثانياً أن مفردات هذا المحور، كغيره، من المفترض أن يجلب معه طلباً فعالاً للحماية التأمينية بأنواعها المختلفة: التأمين البحري والهندسي والمسؤوليات القانونية والحوادث الشخصية وتأمين المعدات الإنشائية .. الخ.  وثالثا

 

هناك مفردات ومصطلحات في الأدبيات الاقتصادية المتداولة على المستوى الصحفي والأكاديمي لا تأتي رسالة رئيس الوزراء أو البرنامج على ذكرها.  لا يرد، مثلاً، ذكر للقطاع العام أو القطاع الخاص، أو القطاع المالي، أو التمويل والميزانية والبطالة والتضخم والتخطيط الاقتصادي والاقتصاد الريعي، وكأن الاقتصاد العراقي ليس معنياً بها.

 

نقرّ إزاء هذا الوضع أن واضعي البرنامج ليسوا مطالبون بذكر التأمين بالتخصيص فالتأمين هو دائما الحلقة الأضعف في تصورات الحكومة والأحزاب السياسية، والأصح القول أن التأمين غائب في هذه التصورات.  نعم يحاول وزير أن يظهر نفسه بأنه مهتم بالتأمين.[3]  ويلغي وزير آخر وجود التأمين في العراق.[4]  ومسؤول كبير يتحدث عن إعادة رسملة وتحديث صناعة التأمين.[5]  أكلُّ هذه الحالات كانت تقوم على دراسات وأوراق عمل أم أنها كانت نزوات أو أفكار غير مكتملة.  ونسأل: كم من أوراق بحثية قام هؤلاء بتكليف خبراء التأمين في العراق القيام بها؟

 

نأمل أن لا يكون مآل رسالة رئيس الوزراء مشابهاً للاهتمام الطارئ بالتأمين لدى هؤلاء فقد أكد على الآتي:

 

“ستكون هذه الموضوعات (المحاور آنفة الذكر) محور عملنا، وسنقوم بتقديم التقارير تقديما منتظماً عن أي تقدم محرز.  ونحن نرحب بالآراء والتعليقات حول جعل العراق بلداً آمناً وحراً كريماً للعيش السعيد.

 

ترى هل أن الصيغ الإنشائية كافية للإقناع؟  هل هي بديل عن سياسات ملموسة بعكس العموميات التي نقرأ منها الكثير وهي لا تختلف مما ينشر في أعمدة الرأي الصحفية.  لكننا سنُحسنُ الظن وننتظر التقارير المنتظمة عن التقدم المحرز بشفافية لا تخفي المعوقات ولا الأطراف المقصرة.  ونأمل أن يذكر أحد التقارير شيئاً عن قطاع التأمين العراقي.  ونأمل من زملاء المهنة في العراق وكذلك جمعية شركات التأمين وإعادة التأمين متابعة الموضوع.

 

لندن 21 تموز 2011

 


[1]أنظر، على سبيل المثال، مصباح كمال، “قطاع التأمين العراقي والانتخابات العامة القادمة،” مجلة التأمين العراقي http://misbahkamal.blogspot.com/2009/11/blog-post_23.html

 

[2] سعدون الربيعي،”شركات التأمين الخاصةتشارك في اجتماعات هيئة المستشارين لتطوير القطاع المصرفي والتأميني” مرصد التأمين العراقي: https://iraqinsurance.wordpress.com/2011/01/05

 

[3] مصباح كمال، نقد “مؤتمر التأمين” وتصريحات وزير المالية” http://misbahkamal.blogspot.com/2009/07/28-2009.htmlمجلة التأمين العراقي.

 

كُلف الزميل سعدون الربيعي تقديم مذكرة بالتوصيات التي عرضت في المؤتمر وقدمها لوزير المالية الذي رعى المؤتمر.  لكن المذكرة لم تخضع إلى متابعة ولم يجري تداول بشأنها مع الزميل الربيعي أو جمعية شركات التأمين العراقية.

 

مصباح كمال، “تفعيل دور شركات التأمين في تعزيز موارد الدولة: مناقشة دعوة وزير المالية” مجلة التأمين العراقي.http://misbahkamal.blogspot.com/2009/05/6-2009.html

 

[4] مصباح كمال، “نزيف أقساط التأمين في العراق” مجلة التأمين العراقي.

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/02/blog-post_23.html

 

[5] مصباح كمال، “د. برهم صالح وإعادة رسملة وتحديث قطاع التأمين العراقي” مجلة التأمين العراقي http://misbahkamal.blogspot.com/2009/05/blog-post_20.html

 

Nationalisation of the Insurance Sector,1964

تأميم قطاع التأمين في العراق 1964: مقدمة نقدية

 

 

مصباح كمال

 

نشرت هذه الورقة في التأمين العربي، مجلة الاتحاد العام العربي للتأمين، العدد 109، حزيران/يونيو 2011، ص 6-25.

 

مدخل

 

أشرتُ إلى تأميم قطاع التأمين، كمرحلة في تاريخ التأمين في العراق، في مقالة بعنوان “مقاربة لتاريخ التأمين في العراق: ملاحظات أولية[1] وقلت فيها:

 

“وجاءت قوانين التأميم في تموز 1964، التي شملت شركات التأمين، لتجهز على القاعدة الاقتصادية الضعيفة للرأسمالية الوطنية إذ لم تكن هناك ضرورة اقتصادية أو سياسية للتأميم وإنما جاء التأميم تقليداً لما جرى في مصر وهرولة نحو تطبيق مواقف إيديولوجية شعاراتية.  ما ترتب على تأميم شركات التأمين من نتائج على بنية سوق التأمين وتطوره اللاحق، سلبياً أو إيجابياً، يستحق الدراسة الموضوعية المتأنية قبل الاستغراق في إطلاق الأحكام، ونكتفي هنا بالقول أن السوق في هذه المرحلة أصبح حكراً على ثلاث شركات متخصصة هي شركة التأمين العراقية (تأمينات الحياة)، شركة التأمين الوطنية (التأمينات العامة) وشركة إعادة التأمين العراقية (إعادة التأمين).

 

كنت أتمنى الحصول على بيانات عن الشركات التي تم تأميمها، حجم رؤوس أموالها، عدد العاملين فيها، ملكيتها (عراقية أو أجنبية ونسبة التملك)، أقساط التأمين التي اكتتبت بها، التعويضات التي دفعتها الحكومة العراقية لمالكي شركات التأمين الخاصة وغيرها من معلومات كانت ستفيد الباحث في تقييم قرار التأميم وآثاره على بنية (هيكل) سوق التأمين.  لم أحصل إلا على القليل غير الكافي لكنني استهديت إلى بعض القوانين ذات العلاقة.  كما فشلت في الحصول على كتابات عن تأميم شركات التأمين ما خلا الإشارة الخبرية له في بعض الكتب أو المقالات الصحفية.  اعتقد أن هناك مقالات وربما بحوث متفرقة عن التأميم في الصحف والمجلات الصادرة أيام صدور قرارات التأميم تنظر من يكشف عنها لأغراض البحث.

 

سأحاول إتمام ما كتبت سابقاً لتوفير مقدمة أولية يمكن لغيري البناء عليها لاحقاً في ضوء الإحصائيات الخاصة بقطاع التأمين ونسبتها إلى الناتج الوطني الإجمالي خلال فترة ستينات القرن الماضي وغيرها من معايير تقييم قطاع التأمين وتأميمه.  وأعتذر للقارئات والقراء لعدم التوسع في الرصد والتحليل بهذا الشأن أو الحديث عن كل الصناعات التي خضعت للتأميم سنة 1964.  ولكون هذه الورقة غير مكتملة وكونها ورقة عمل، أرجو من القارئات والقراء المساهمة في الإضافة إليها تعديلاً وتصحيحاً ونقداً.

 

شركات التأمين وإعادة التأمين العراقية والأجنبية قبل التأميم

 

تاريخ النشاط التأميني في العراق لا يتجاوز القرن إذا اعتمدنا تاريخ دخول شركات أجنبية للعمل في العراق سنة 1920 أو صدور أول قانون عراقي وطني للإشراف على شركات التأمين سنة 1936.  إن دراسة التاريخ الاقتصادي للتأمين في العراق يساعد في فهم العلاقة والتفاعل بين النظامين السياسي (سلطة التشريع) والاقتصادي، وما ينشأ عنها من آثار على بنية سوق التأمين، وكذلك سياسات شركات التأمين (سياسة الاستخدام، طبيعة الاستثمارات، التعامل مع شركات عربية وإقليمية وعالمية).  هذا التاريخ بانتظار من يتصدى له.  ما يهمنا الآن هو تحديد شركات التأمين التي كانت موضوعاً للتأميم.

 

يذكر فؤاد عبدالله عزيز [2] أسماء شركات التأمين وإعادة التأمين وفروع ووكالات شركات التأمين العربية لغاية صدور قرارات التأميم عام 1964 حسب الترتيب التالي:

 

“أ – شركات التأمين وإعادة التأمين المحلية

1-         شركة التأمين الوطنية – شركة حكومية – تأمين مباشر [تأسست سنة 1950 وباشرت أعمالها سنة 1951].

2-         شركة إعادة التأمين العراقية – شركة حكومية – إعادة التأمين [تأسست سنة 1960 كشركة مختلطة وباشرت أعمالها سنة 1961].

3-         شركة بغداد للتأمين [أسستها عائلة الخضيري في بغداد سنة 1958 وهي ثاني شركة تأمين عراقية وطنية وكان مديرها العام الذي ساعد في تأسيس الشركة جون نودي John Naudi، ومعاونه عطا عبد الوهاب[3]].

4-         شركة التأمين العراقية [تأسست سنة 1959 كشركة مساهمة مملوكة للقطاع الخاص].

5-         شركة التأمين التجاري.

6-         شركة الاعتماد للتأمين.

7-         شركة الرشيد للتأمين.

8-         شركة الرافدين للتأمين [أول شركة تأمين وطنية برأسمال عراقي وأجنبي، تأسست في بغداد سنة 1946].

9-         شركة دجلة للتأمين.

 

ب – فروع ووكالات شركات التأمين العربية والأجنبية

1-         شركة الاتحاد الوطني [لبنانية].

2-         شركة الضمان اللبنانية [لبنانية].

3-         شركة الشرق للتأمين [مصرية].

4-         شركة مصر للتأمين [مصرية].

5-         شركة التأمين العربية [أول شركة تأمين في فلسطين تأسست سنة 1944، تحولت إلى الأردن ولبنان].

6-         شركة رويال للتأمين [بريطانية].

7-         شركة أطلس للتأمين [بريطانية].

8-         لندن بروفينشيال مارين أند جنرال إنشورنس [بريطانية].

9-         سان إنشورنس أوفيس [بريطانية].

10-       كارديان للتأمين [بريطانية].

11-       يونيون إنشورنس سوسايتي [بريطانية].

12-       بروفينشال للتأمين [بريطانية].

13-       أميركان لايف إنشورنس [أمريكية].

14-       نيو إنديا للتأمين [هندية].

15-       ناشنال إنشورنس أوف نيوزيلاند [نيوزيلندة].”

 

ملاحظات عن مفهوم التأميم

 

هذه الملاحظات القصيرة هي للتذكير ببعض جوانب مفهوم التأميم، وتحتاج إلى إضافات ومزيد من الشرح.

 

التأميم، وهو عكس الخصخصة المنتشرة في زماننا، هو عملية تحويل صناعة أو أصول، مملوكة للقطاع الخاص أو مملوكة بشكل غير كامل من قبل الدولة، إلى ملكية عامة تملكها وتديرها الدولة.  وقد تكون الملكية العامة كاملة أو تتخذ شكل امتلاك حصة كبيرة في شركات خاصة تمنح الدولة امتياز التأثير والسيطرة على إدارة وقرارات مثل هذه الشركات.

 

دوافع التأميم تجمع بين السياسي والاقتصادي.  فالمعروف أن تيارات اشتراكية مختلفة تدعو إلى امتلاك الدولة، باسم الشعب أو الطبقة العاملة، لوسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل وذلك من باب الإدارة العقلانية للإنتاج، وتعزيز الموارد وترشيد استخدامها، والتخطيط العقلاني أو السيطرة على الاقتصاد.  ويعتقد العديد من الاشتراكيين، وهو اعتقاد يخضع للمناقشة، أن الملكية العامة تمكن الناس من ممارسة الرقابة الديمقراطية الكاملة على الوسائل التي كانوا يكسبون رزقهم من خلالها، وتوفر وسيلة فعالة لتوزيع منافع الإنتاج لصالح الطبقات الشعبية بوجه عام، ووسيلة لتغذية المالية العامة.  كما يربط بعض الاشتراكين القطاع العام بالاشتراكية ويساوي بينهما.

 

إضافة إلى ذلك فإن التفكير بتأميم أي صناعة أو خدمة عامة قد يقوم على اعتبارات أخرى ومنها:

 

1        أن الصناعة أو الشركة موضوع التأميم تقوم بتجهيز سلع وخدمات أساسية، هي بمثابة احتكارات طبيعية، ومثالها السكك الحديدية، توليد وتوزيع الطاقة الكهربائية والمرافق الخدمية العامة وغيرها.  وبفضل التأميم فإن المستهلك يتوقع الحصول على معاملة أفضل (مستوى الخدمة، الأسعار).

 

2        التنظيم الاحتكاري لمثل هذه الصناعة يتركز بأيدي أشخاص ويستهدف تحقيق الربح كأساس دون الاهتمام باعتبارات أخرى أو بالتأثيرات الخارجية externalities.  ولتقليص قوة ونفوذ رأس المال الخاص تقوم الحكومة بالتأميم.

 

3        التنمية السريعة مطلوبة لتوسيع الإنتاج ورفع مستوى الكفاءة التقنية لتمكين الاقتصاد الوطني من الحفاظ على الاستقلال الاقتصادي.  ولذلك تصبح السيطرة، من خلال التأميم، على الصناعات التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني ضرورية بدلاً من تقديم إعانات كبيرة لها، من خزينة الدولة، لتجنب الهبوط في الإنتاج والعمالة عند تعرضها للأزمات.

 

4        تحسين التنظيم وأساليب العمل (في قطاع التأمين) حاجة ماسة لرفع مستوى المعيشة والرفاه الاجتماعي.[4]

 

وفيما بعد سنفصل في الموضوع للبحث عن دوافع تأميم شركات التأمين العراقية.

 

قد تتعرض الصناعات المؤممة، المُكَلَفة بحكم واقعها للعمل من أجل المصلحة العامة، إلى ضغوط سياسية واجتماعية قوية لإيلاء اهتمام أكبر بالتأثيرات الخارجية.  فقد تضطر للقيام بأنشطة خاسرة (بسبب عدم التكافؤ بين التكاليف والأسعار) لكن منافعها الاجتماعية أكبر من التكاليف الاجتماعية – على سبيل المثال، خدمات البريد والنقل في المناطق الريفية قليلة السكان.  إزاء هذا الوضع، أي الاعتراف بهذه الالتزامات الاجتماعية، فإن الحكومات تلجأ في بعض الحالات إلى تقديم الدعم لمثل هذه الأنشطة غير التجارية، وتقوم كذلك بتقديم الضمانات لها حماية لمصالح المستهلكين.

 

إذا كانت نتائج أعمال هذه الصناعات مربحة، فإن أرباحها تكون متوفرة لتمويل خدمات حكومية مثل برامج الرعاية الاجتماعية وتمويل مشاريع حكومية أخرى ومنها البحوث التي يمكن أن تساعد على خفض العبء الضريبي وكذلك التخطيط الإقليمي لصالح الاقتصاد المحلي بما فيه شركات القطاع الخاص.  وبالطبع فإن الأرباح المتحققة تنفق في وجوه أخرى كتوسيع الأصول القائمة والبحوث والتطوير.  وقد كان هذا هو بعض صفات الصناعات المؤممة في الغرب وتحديداً بريطانيا.

 

تعويض المالكين.  يمكن أن يتم التأميم بتعويض المالكين السابقين للمصانع المؤممة أو بدون تعويضهم.  اذا كان التأميم بدون تعويض فإن هذه الحالة تصنف كمصادرة expropriation.  بعض التأميمات تحدث عندما تستولي الحكومة على ممتلكات مكتسبة بطريقة غير مشروعة.  على سبيل المثال، عندما استولت الحكومة الفرنسية على شركة صناعة السيارات رينو لأن أصحابها قد تعاونوا مع المحتل النازي لفرنسا.

 

التأميم الأكثر إثارة للجدل، والمعروف باسم المصادرة، هو الذي لا تدفع الحكومة تعويضاً عنها، أو تسدد مبلغاً أقل بكثير من القيمة السوقية للأصول المؤممة.  والمعروف أن العديد من المصادرات باسم التأميم كانت تأتي بعد الثورات وخاصة تلك التي تعود لأفراد من الطبقة الحاكمة.  ومع نهوض حركات التحرر الوطني اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1962 القرار المرقم 1803 بشأن “السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية”، الذي نص على أنه في حالة التأميم، يجب “دفع التعويضات المناسبة وفقا للقانون الدولي” لصاحب المشروع المؤمم.  التعويضات المناسبة تقع بين قطبي النظرة التقليدية بالتعويض الفوري الكامل والنظرة اليسارية بدفع أقل التعويضات لتسهيل قدرة البلدان النامية على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.

 

بما أن الصناعات المؤممة تصبح ملكاً للدولة، فإن الحكومة تصبح مسؤولة عن مقابلة أية ديون تترتب بذمة هذه الصناعات.  وفي الواقع تقوم الحكومة بضمان الصناعات المؤممة كما سنأتي على ذكره عند استعراض قوانين التأميم في العراق.

 

هناك اعتبارات لتقرير مدى مطابقة التأميم لصناعة أو شركات معينة مع بعض عناصر المشروع الاشتراكي للتغيير قبل الإقدام على التأميم ومنها:

 

1        هل يؤدي التأميم إلى زيادة دور الشعب، المباشر أو من خلال الأحزاب ممثلة في المجالس التشريعية، لتقرير المصائر الاقتصادية للغالبية العظمى من الشعب؟

 

2        هل يؤدي التأميم إلى رفع مستوى الحياة أو إلى مستوى أفضل يقوم على المساواة بين الناس بما فيها تساوي الفرص على أساس طبقي وجندري أو الحدود الدنيا لتساوي الشروط بين مختلف الطبقات؟

 

3        هل يؤدي التأميم إلى توسيع الديمقراطية الصناعية: مشاركة العمال في مجالس إدارات الشركات المؤممة، عمليات صنع القرار، المشاركة في اللجان وغيرها من أشكال المشاركة وتمثيل العاملين.

 

هذه الاعتبارات لا تنطبق على شركات التأمين التي خضعت لقرارات التأميم في العراق، وهي لم تكن أصلاً واردة في تفكير صناع هذه القرارات.  فلم يكن للشعب أي دور في تحديد المصائر الاقتصادية إذ أنه لم يكن ممثلاً في برلمان ظل مفقوداً في الحياة السياسية العراقية لما يزيد عن أربعة عقود.  كما أن الديمقراطية الصناعية لم تكن موضوعاً يستحق التفكير به إلا على مستوى الشعار.  ولعل التحرك نحو شروط أفضل للمساواة بين الجنسين في مواقع العمل في شركات التأمين هو النتيجة الإيجابية الأساسية لتأميم هذه الشركات.  وحتى هذه الإيجابية ليست مرتبطة بالتأميم مباشرة بقدر ما هي انعكاس للنضال النسوي ولتغير المناخ الفكري العام للعلاقات الجندرية آنذاك.

 

التأميم والبعد الاقتصادي للتأمين

 

ليس معروفاً إن كانت بعض الملاحظات أعلاه بشأن مفهوم التأميم يشغل حيزاً في ذهن السياسيين الذين أقدموا على اتخاذ قرارات التأمين.  وقد يكشف البحث التاريخي الخلفية الفكرية والاقتصادية لهذه القرارات وآليات صنعها.

 

عند تأميم شركات التأمين، وغيرها من الشركات الصناعية، نزعم أن مفاهيم الاقتصاد الكلي لم تؤخذ بالحسبان أو بقيت مستترة كخلفية فكرية.  ويقوم هذا الزعم على أن تطبيق هذه المفاهيم كاد أن يكون، وما يزال، مفقوداً في الدراسات التأمينية في العراق من منظور اقتصادي نظري أو تاريخي.

 

هناك عناوين ثانوية معروفة تندرج تحت عنوان الاقتصاد الكلي للتأمين في الدراسات النظرية تضم بعضاً مما يلي.[5]

 

الناتج الوطني الإجمالي ومكوناته ومكانة النشاط التأميني.  دور التأمين في الناتج الوطني الإجمالي ويتمثل بما ينفق على الأجور والرواتب للمستخدمين، الفوائد والأرباح الموزعة على حملة وثائق التأمين على الحياة، الإيجارات المدفوعة على المباني (مقرات العمل)، والضرائب المسددة لخزينة الدولة عن وثائق التأمين ودخل شركات التأمين.  أما استثمارات قطاع التأمين فإنها تؤثر على الناتج الوطني الإجمالي من خلال توفير أرصدة رأسمالية يمكن للحكومة أو للصناعة الاستفادة منها في استثمارات جديدة أو توسيع ما هو قائم منها.  وبهذا يلعب التأمين دوراً في النمو الاقتصادي: نمو الناتج الوطني الإجمالي، أي مجموع السلع والخدمات المنتجة خلال السنة.

 

التأمين على الحياة كوسيلة ادخارية.  وتتمثل هذه بدور شركات التأمين على الحياة كوسطاء ماليين في سوق رأس المال، مزايا التأمين على الحياة كوسيلة للادخار، فرادة التأمين على الحياة كوسيلة ادخارية، استقرار الوسيلة الادخارية في التأمين على الحياة.

 

الاستثمار.  طبيعة استثمار أرصدة التأمين في فرع التأمين على الحياة وفي فروع التأمين الأخرى، التفريق بين الاستثمار المادي (الذي يخلق ويضيف أصولاً جديدة ويوسع الاقتصاد) والاستثمار المالي (الذي لا يتعدى في معظمه تحويل ملكية أصول مادية قائمة من طرف إلى آخر).

 

العمالة والنشاط التأميني.  اعتماد النشاط التأميني على الموارد البشرية المدربة، وهي التكنولوجيا الأساسية في هذا النشاط، وتتمثل بطاقم العاملين في مجالات الاكتتاب والتعويض وإعادة التأمين وغيرها من الوظائف المرتبطة بالتأمين.  وفي حين أن عدد هؤلاء يكون صغيراً نسبياً إلا أن طاقم المنتجين يفترض أن يكون الأكبر عدداً وخاصة في فرع التأمين على الحياة.

 

التضخم ودورة الأعمال وآثارها على النشاط التأميني.  يؤدي التضخم إلى تآكل قيمة الأرصدة والاستثمارات والأرباح.  كما يؤدي إلى تفاوت في قيمة الأصول المؤمنة عند ابتداء التأمين وعند قيام مطالبة بالتعويض وما يترتب على ذلك من إشكالات في التسوية وفي تطبيق نصوص عقود التأمين.  أما دورة الأعمال فإنها تؤثر على ما هو مخطط ومتوقع، وإلى  تزايد المطالبات القائمة على الاحتيال وقت الأزمات الاقتصادية وتخلق حافزاً لإعادة النظر في معايير الاكتتاب بأعمال التأمين.

 

التغيير السكاني والتحضر urbanisation وتأثيره على الطلب على التأمين وعلى المطالبات.  نظرياُ، يؤدي التوسع السكاني إلى زيادة الطلب على منتجات التأمين، وإلى تغيير في الطلب فاحتياجات الفئات الشابة تختلف مع احتياجات غيرها.  كما أن الحياة المدينية تفرض أنماطاً مختلفة من السلوك ومن الطلب على التأمين.

 

السياسة المالية: تأثير الإنفاق العام/الحكومي على الطلب على التأمين، تأثير الضرائب والرسوم على دخول شركات التأمين والطلب على المنتجات التأمينية، السيطرة/التدخل المباشر في تحديد أسعار التأمين والضغط على شركات التأمين الخاصة باتجاه توفير غطاء تأمين معين (الفيضان وغيره من كوارث الطبيعة) أو تولي ذلك من قبل الدولة. 

 

السياسة النقدية.  السيطرة على التضخم من خلال شراء وبيع سندات الحكومة مثلاً، أحد أهداف السياسة النقدية، تعمل لصالح الحفاظ على قيمة أرصدة شركات التأمين.

 

التجارة الدولية.  يدخل التأمين في بند التجارة/الدخول غير المنظورة.  بدون وجود الحماية التأمينية فإن حجم التجارة الدولية يتأثر سلباً.  وبالنسبة لشركات التأمين فإن الطلب على حماية إعادة التأمين من خارج السوق الوطنية يخضع لاعتبارات سياسية-اقتصادية داخلية (تقليل الاعتماد على الإعادة من خلال زيادة الاحتفاظ).

 

بنية السوق.  هيكل السوق التأميني يتحدد بعدد الشركات الخاصة والعامة للتأمين المباشر وإعادة التأمين وصناديق التأمين خارج السوق التجاري للتأمين، وخضوع السوق للمنافسة أو الاحتكار أو احتكار القلة والآثار المترتبة على تغيير البنية.

 

نزعم أيضاً أن مفاهيم الاقتصاد الجزئي للتأمين لم تؤخذ بالحسبان عند الإقدام على تأميم شركات التأمين.  وهناك عناوين معروفة بهذا الشأن ومنها:

 

عرض التأمين: القيود الاكتتابية، القيود الرقابية، التكاليف الثابتة والمتغيرة للعمل التأميني، العرض في المدى القصير والمدى الطويل، ووفورات الحجم.

 

الطلب على التأمين: العوامل السياسية (إلزامية التأمين على مخاطر معينة)، العوامل الاقتصادية (ومنها الدخل الفردي وكذلك موارد الشركات القابلة للإنفاق على شراء الحماية التأمينية)، العوامل الشخصية (إدراك وتقدير أهمية الخطر وثقافة التدبر للمستقبل).

 

سعر التأمين: تحقيق التوازن بين تحمل المسؤوليات وتحقيق رصيد مالي مناسب لمقابلة المسؤوليات، مع هامش للربح، والعوامل المؤثرة في تسعير المنتج التأميني.

 

هذا الاستعراض النظري ليس ترفاً فكرياً بل مؤشراً على الترابط بين عناصر الاقتصاد الكلي والجزئي والنشاط التأميني، ومؤشراً أيضاً على آثار متوقعة وأخرى غير محسوبة النتائج عند الإقدام على تأميم قطاع التأمين.  وبالطبع فإن تأثير هذه العناصر ليس متساوياً، وعلى العموم فإن السياسة الاقتصادية للدولة لا تعير اهتماماً حقيقياً بقطاع التأمين كونه الحلقة الأضعف في الاقتصاد الريعي.  إن تحليل هذه الظواهر بحاجة إلى تدخل الاقتصاديين الحرفيين إضافة إلى التحليل الملموس لتطور قطاع التأمين العراقي منذ تأميمه لغاية صدور القانون رقم 21 لسنة 1997 الذي وفر الإطار لترخيص الشركات الخاصة.

 

تأميم شركات التأمين وإعادة التأمين في العراق

 

يقال إن الدكتور خير الدين حسيب كان هو العقل المدبر لقرارات التأميم حتى أنه ترأس المؤسسة الاقتصادية التي أشرفت على تنفيذ هذه القرارات لحين استقالته بعد تشكيل حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز (1965).

 

ورغم أنه كان عالماً اقتصادياً إلا أنه لم يستخدم علمه بل ميله الإيديولوجي، أي انه غلّب السياسي على الاقتصادي إذ أن التأميم، كما يبدو، لم يكن قائماً على دراسات اقتصادية عميقة، لكن المناخ العام في العراق، كما في غيره من بلدان “العالم الثالث،” كان مهيئاً للتأميم باعتباره شكلاً من أشكال تحقيق الاشتراكية.  وفي الحالة العراقية، ومن باب التمايز على نماذج اشتراكية أخرى، صار التأميم صنواً لما اسماه قانون المؤسسة العامة رقم 166 لسنة 1965 “الاشتراكية العربية الرشيدة” (المادة 3).

 

وقد تعرّف د. حسيب على التجربة المصرية في زيارته لمصر سنة 1961 وبعدها بدأ الإعداد للتشريعات “الاشتراكية.”[6]  وكانت نزعته القومية العربية، وإيمانه بالتعاون الاقتصادي العربي، وراء تلبية حاجة مصر إلى عملة صعبة وقت ذاك لمواجهتها أزمة اقتصادية إذ إنه، وبصفته محافظاً للبنك المركزي العراقي، قام بتسهيل وإتمام الإجراءات في أيام قليلة وتحويل بضعة ملايين من الدولارات لمصر.  الإعجاب بالنموذج المصري في إدارة الاقتصاد وفي التأميم، وعلى رأسه تأميم قناة السويس سنة 1956 الحدث التاريخي الحاسم، كان وراء قرارات التأميم.

 

لقد كان التأميم تطبيقاً مستعجلاً وغير مدروس لشعار بناء الاشتراكية في العراق، إذ لم يرتبط التأميم بنقاش عام موسع،[7] كما سيحصل مع تأميم شركات النفط الأجنبية (د. محمد سلمان حسن، نحو تأميم النفط العراقي،[8] إبراهيم علاوي، النفط وحركة التحرر الوطني)، بل تم اعتماده كأمر مفروغ من صحته.  فلم تجري دراسات جدوى قبل التأميم، وربما لم يناقش الموضوع مع أصحاب وإدارات شركات التأمين للاستفادة من تجاربهم وآرائهم، ولم يجري حتى الكشف الميداني على الصناعات؛ وحتى الصياغة القانونية لم تلق العناية الكافية.  وقد لخص ليث الحمداني[9] الخلفية المباشرة لقرارات التأميم في دراسة له كما يلي:

 

“جاء عبدالسلام عارف وهو يحمل إعجابا مطلقا بالتجربة المصرية، وحاول ومن معه تقليدها في كل شيء حتى إنه حين أقدم على تأميم المشاريع الصناعية مع شركات التأمين والبنوك في عام 1964 اختيرت المشاريع المؤممة من دليل اتحاد الصناعات العراقي، مما أوقع الحكومة في حرج لشمول التأميم صناعات شبه يدوية.”

 

ويضيف في هامش مثالاً عن الحرج في تأميم معمل صابون الغار التابع للعائلة الصناعية المعروفة (كافل حسين)، فعندما

 

“زارت لجنة الجرد الخاصة المعمل وجدت أن هذه الصناعة شبه يدوية ولا تضم أية معدات تكنولوجية، بل تعتمد على طبخ الزيوت في خزانات ثم صبها في قوالب وتقطيعها يدويا.  وأدى ذلك إلى استثنائه من التأميم بقرار لاحق.”

 

وقد بينت التشريعات اللاحقة ما يفيد الاستعجال في اتخاذ قرارات التأميم بالقول إن “قانون المؤسسة الاقتصادية رقم 98 لسنة 1964 الذي تم تشريعه على عجل واضح نافذ المفعول بتاريخ 14/7/1964 قد تضمن أحكاما كثيرة، منها ما اعتبره المشرع ضروريا في بداية تطبيق قوانين التأميم كجعل ارتباط كافة الشركات والمصالح والمنشات المؤممة بهيئة مركزية واحدة هي المؤسسة الاقتصادية، ومنها ما كان غير عملي ولا يتماشى مع طبيعة قانون السلطة التنفيذية والأعراف الدستورية …” [التأكيد من عندنا].

 

قطاع الدولة أو القطاع العام كان موجوداً منذ العهد الملكي (في مجال التأمين ممثلاً بشركة التأمين الوطنية التي تأسست سنة 1950)[10] ولكن لم يقل أحد بأن هذا القطاع اشتراكي لأنه لا يمت بصلة لفكر اشتراكي.  وكذا الأمر بالنسبة لقرارات التأميم عام 1964.  ويمكن النظر إليها من باب تعزيز وتعظيم موقع القطاع العام في الاقتصاد الوطني.  فهذه القرارات لم تكن لها علاقة بإعادة توزيع الثروة الوطنية أو بتغيير البنية الطبقية، أو ببناء دولة الرفاهية كما حصل في بريطانيا إذ تبع قرارات تأميم بعض الصناعات في أربعينات القرن العشرين تطوير المنافع الاجتماعية وعلى رأسها توفير الخدمات الطبية والصحية المجانية.  ولم تكن القرارات العراقية مهتمة بإدخال أساليب ديمقراطية في إدارة الشركات، أو إدخال أشكال جديدة لملكية شركات التأمين (تعاونية أو تبادلية تستهدف تعزيز مصالح حملة وثائق التأمين) كي يقال عنها بأنها خطوة نحو بناء نظام اشتراكي.

 

نقل ملكية شركات التأمين إلى الدولة لا يعني بأي حال تحولها إلى مؤسسات اشتراكية، ولم يشهد التاريخ اللاحق للعراق على أنه وضع الأساس للتحول نحو نظام اشتراكي رغم ما نصت عليه القوانين.  فقد ظلت الشركات هرمية في تنظيمها لا بل زاد تكلس التنظيم مع تسييس الشركات وحزبنة إداراتها فيما بعد، وأبقت على هدف تحقيق الأرباح الذي ينتظم المشروع الرأسمالي.  وباختصار فإن التأميم كان القاعدة الاقتصادية لرأسمالية الدولة – نظام رأسمالي بدون رأسماليين رغم اختلاف المسميات.

 

ويمكن النظر إلى القرارات من باب تعزيز القدرات الوطنية والتأكيد على اختصاص القطاع العام في مجالات معينة، وهذه مسألة قابلة للنقاش.  فالمادة 3 من قانون المؤسسة العامة رقم (166) لسنة 1965 ذكرت أن “أغراض كل مؤسسة النهوض بالتنمية الاقتصادية في حقل اختصاصها، لتصبح أداة تحقيق أغراض الاشتراكية العربية الرشيدة في زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع.”  وخير دليل على هذا التوجه – أي اختصاص القطاع العام – هو ما ورد في قانون تعديل قانون تأسيس شركة إعادة التأمين العراقية رقم 21 لسنة 1960 (صدر التعديل في أيلول 1965).  فقد ورد في الأسباب الموجبة ما يلي:

 

إن تطبيق قوانين التأميم التي صدرت في الرابع عشر من تموز المجيدة والتي شملت شركات التامين وشركة إعادة التامين العراقية يقتضي وضع سياسة جديدة توجه قطاع التامين (وقد أصبح من اختصاص القطاع العام) نحو الأهداف الجديدة التي يطلب من هذا القطاع تحقيقها وأهمها.

 

أولا: أداء خدمة عامة للمواطنين عن طريق توزيع المخاطر وتشجيعهم على الادخار.

 

ثانيا: إسناد الاقتصاد الوطني عن طريق صيانة الاستثمارات.

 

ثالثا: إسناد الاقتصاد الوطني عن طريق توجيه المدخرات الوجهة التي تحقق أهداف خطط التنمية الاقتصادية.

 

وهذا ما تعمل المؤسسة العامة للتأمين على تحقيقه حاليا.  إلا أن هذه الإجراءات لكي تكتمل يجب أن تصحبها إجراءات أخرى في ميدان إعادة التامين وذلك لتحقيق هدفين رئيسيين.

 

الأول: التقليل من استيراد خدمات إعادة التامين عن طريق زيادة ما يحتفظ به من أقساط التامين في الداخل.

 

الثاني: تصدير خدمات إعادة التامين إلى الخارج عن طريق زيادة نشاط شركة إعادة التامين العراقية في الأسواق الدولية.

 

ومن اجل زيادة الحصة الإلزامية التي تسندها شركات التامين المحلية إلى شركة إعادة التامين وذلك لتحقيق الهدفين المشار إليهما أعلاه معا إذا أن زيادة الحصة الإلزامية في الداخل تؤدي إلى تقليل ما يخرج من أقساط التامين من الداخل وتؤدي إلى دعم مركز شركة إعادة التامين العراقية في الخارج ولكل ما تقدم شرع هذا القانون.

 

الهدفين المعلنين في هذا التعديل (زيادة الاحتفاظ وتصدير خدمات إعادة التأمين إلى الخارج) كانا انعكاسا للمقترحات التي كانت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) تدعو لها في ستينات القرن الماضي[11] ضمن وسائل أخرى لتطوير اقتصاد الدول النامية قبل أن تتأسس منظمة التجارة الدولية، وقبل سيادة أطروحة فتح الأسواق أمام رأس المال المعولم ورفع القيود والامتثال لاشتراطات صندوق النقد الدولي.

 

ويمكن التأكيد على أن هذين الهدفين قد ترجما على أرض الواقع من قبل شركة إعادة التأمين العراقية.  فقد كان حجم احتفاظها من أقساط التأمين عالياً مثلما كان نشاطها في الخارج (تصدير خدمات إعادة التأمين)، وخاصة ما كان يعرف بدول العالم الثالث، في توسع مستمر لحين قيام الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) وبعدها الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق (2003).

 

صيغة التأميم وتعويض المالكين

اتخذ تنفيذ التأميم شكل نقل رأسمال كل شركة خاصة إلى الدولة.  وليست لدينا معلومات عن حجم تعويض مالكي الشركات المؤممة لكن قانون المؤسسة الاقتصادية رقم (98) لسنة 1964 يشير إلى شكل التعويض: تحويل الأسهم إلى سندات تخضع لفائدة تدفع لحملة الأسهم.  ويمول إطفاء السندات من صافي الإرباح والمبالغ الاحتياطية للمنشات المؤممة.  فقد نصت المادة 32 على التالي:

 

أ –        يحول صافي أرباح المنشات والمبالغ الاحتياطية إلى المؤسسة ويوزع مجموعها على النحو والأسبقية الآتية:

 

1-         تدفع الفائدة لحملة الأسهم اللذين حولت أسهمهم إلى سندات بموجب قانون التأميم.

2-         يخصص 25 % من مجموع صافي الإرباح والمبالغ الاحتياطية للمنشات المؤممة لإطفاء السندات الوارد ذكرها في الفقرة /1/ من هذه المادة.

3-         يخصص 25 % من مجموع صافي الإرباح والمبالغ الاحتياطية المذكورة في صدر هذه المادة إلى الميزانية الاعتيادية.

4-         ويخصص الباقي لتوسيع المنشات المؤسسة أو لإنشاء مشروعات لدعم الاقتصاد الوطني وتنميته بالشكل الذي يقرره المجلس وضمن الأهداف العامة للخطة الاقتصادية.

 

ب –       إذا كان مجموع صافي الإرباح والاحتياطيات المذكورة في الفقرة / أ / من هذه المادة لا تكفي لدفع الفوائد المذكورة في الفقرة /1/ منها فتدفع الحكومة المبالغ اللازمة لذلك.

 

ج –        إذا لم تكف المبالغ المخصصة في الفقرة / أ – 2 / من هذه المادة لتسديد قيمة السندات في نهاية المدة المحددة لإطفائها، فتلزم الحكومة بتسديدها.

 

ونلاحظ هنا التزام الحكومة بدفع الفوائد وقيمة السندات في حالة عدم كفاية صافي الإرباح والمبالغ الاحتياطية للمنشات المؤممة.  وهذا يعني أن الدولة لم تقم بمصادرة الشركات بل يبدو أنها التزمت بروح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المرقم 1803 لسنة 1962 القاضي بدفع تعويضات مناسبة لصاحب المشروع المؤمم وفقا للقانون الدولي.

 

وتفصل المادة 2 من قانون تأميم بعض الشركات والمنشآت رقم (99) لسنة 1964 آلية تحويل الملكية من القطاع الخاص إلى القطاع العام كالآتي:

 

مادة 2

أ – يتحول أسهم الشركات ورؤوس أموال المنشات المشار إليها إلى سندات اسمية على الدولة تستحق بعد خمسة عشر سنة من تاريخ نشر هذا القانون بفائدة 3% سنويا وتكون السندات قابلة للتداول ويجوز للحكومة أن تطفي هذه السندات كليا أو جزئيا بالقيمة الاسمية بطريق الاقتراع في جلسة علنية وفي حالة الإطفاء الجزئي يعلن عن ذلك في الجريدة الرسمية قبل الموعد المحدد له بشهرين على الأقل.

 

ب – يخصص 25 % من الإرباح السنوية الصافية للشركات والمنشات المشار إليها في المادة الأولى لتعويض حملة السندات وتعطي الألوية لحملة السندات التي لا تزيد قيمتها الاسمية عن خمسمائة دينار وتصدر المؤسسة الاقتصادية المعرفة بقانون المؤسسة الاقتصادية التعليمات اللازمة لتنفيذ ذلك.

 

تقييم تأميم شركات التأمين في العراق

 

التقييم التالي، في حالته الراهنة، أقرب إلى تسجيل انطباعات لأنه لا يقوم على فحص وتدقيق للمستندات والبيانات لأنها ليست متوفرة.  ويحتاج الموضوع حقاً إلى بحث شامل موضوعي ربما يتطوع أحد طلاب الدراسات العليا لقيام به كأطروحة ماجستير.

 

منتجات تأمينية جديدة

أزعم أن التأميم (وقد خَلقَ احتكارات تأمينية ممثلة في ثلاث شركات) ساهم في إدخال منتجات تأمينية جديدة لسوق التأمين العراقي: وثيقة حماية الأسرة في أواخر الستينات؛ وتأمين السيارات الإلزامي وفق مفهوم افتراض المسؤولية القانونية دون الحاجة لإثبات الخطأ لتأسيس حق للطالبة بالتعويض من حوادث السيارات (1980)؛ وتأخر تأسيس فرع متخصص للتأمين الزراعي إلى أوائل سنة 1982).

 

وكان لمثل هذه المنتجات أن تدخل سوق التأمين العراقي بغض النظر عن التأميم إذ أن التأمين كنشاط اقتصادي يجد مرجعيته في التأمين الغربي وظل، على العموم، مُقلداً لم هو موجود في الأسواق المتقدمة.

 

الثقافة التأمينية

لم ينجح التأميم في خلق ثقافة تأمينية على المستوى الشعبي تدفع باتجاه تكثيف شراء الحماية التأمينية إذ ظلت مصادر أقساط التأمين محصورة في إنفاق مؤسسات الدولة على شراء الحماية التأمينية لأصولها المادية ومشاريعها التنموية، وهو ما يفسر ظاهرة عدم توازن العديد من محافظ التأمين.

 

هل ساهم التأميم في إشاعة الوعي التأميني في مجتمع تنقصه الثقافة التأمينية وعادات التدبر الاقتصادي للمستقبل لدى الأفراد؟  هذا السؤال كغيره لم يكن موضوعاً للدراسة والقياس.  ربما تعاب شركات التأمين المؤممة، وقبلها شركات التأمين الخاصة، بفشلها في توسيع مفهوم الحماية الفردية والجماعية من خلال إدارة الأخطار حيث يشغل التأمين آخر محطة في مثل هذه الإدارة كوسيلة لتحويل الأعباء المالية للخطر من المؤمن له إلى شركة التأمين لقاء قسط معين.  يشكل هذا جزءاً من ثقافة التأمين التي فشلت الشركات في تحقيقه إلا بحدود دنيا.

 

ضعف الإقبال على شراء التأمينات الشخصية (تأمين المساكن، تأمين الحوادث الشخصية، تأمينات الحياة) هو انعكاس لغياب الثقافة التأمينية وخاصة لدى الفئات التي بإمكانها الإنفاق على الحماية التأمينية.  ومع ذلك علينا ملاحظة واقع البطالة واقتصاد الظل وشحة الدخل لدى غالبية السكان والمستويات العالية للفقر، وليس الاعتقاد الغيبي والإيمان بالقضاء والقدر، لتفسير ضعف الكثافة التأمينية.

 

وقد يكون التأمين على الحياة استثناءاً من هذا التقييم ومع هذا فإنه كان محصوراً بالفئات الميسورة أو تلك التي كانت تتمتع بدرجة أفضل من وعي الحماية التأمينية ولها فائض صغير من الدخل قابل للإنفاق على التأمين لضمان مستوى لائق للأسرة بعد فقدان معيلها.

 

نمو الأقساط

ساهم تأميم قطاع التأمين في نمو الأقساط إلى حد كبير وبلغ ذروته في سبعينات القرن الماضي مقترناً بالإنفاق الموسع على مجموعة من المشاريع الصناعية الكبيرة وكذلك الهياكل الارتكازية.  فقد ساهم هذا الإنفاق في زيادة أقساط التأمين البحري والهندسي مثلما ساهمت قوانين التأمين الإلزامي على السيارات في زيادة أرصدة التأمين.  جاء هذا النمو بفضل التأميم وهو نمو قائم على احتكار السوق، أي أنه لم يقم على جهد إنتاجي فعقود الدولة كانت تقضي بالتأمين مع شركة تأمين وطنية ولم يكن هناك غير شركة التأمين الوطنية والشركة العراقية للتأمين.  ربما كان وجود المنافسة سيؤدي إلى نمو أكبر وخاصة في فرع التأمينات الشخصية (الحوادث الشخصية، تأمين المساكن، التأمين على الحياة) لكن النمو يظل دائماً أسيراً للحالة المادية للجمهور الأوسع من الناس وهم لا يستطيعون شراء الحماية التأمينية وحتى أنهم لا يفكرون بالتأمين.

 

تزايد حجم أرصدة أقساط التأمين إذن كان بفعل عوامل خارجية (إدخال التأمين الإلزامي على السيارات وتزايد عدد المشاريع الإنشائية الصناعية (التأمين البحري والتأمين الهندسي).  وقد أرتبط ذلك بالريع النفطي.  يقول د. عباس النصراوي إن

 

“النمو السريع لقطاع الخدمات كالتجارة والبنوك والنقل والمواصلات التي ارتبطت بتدفق الإيرادات النفطية، حيث ساهمت هذه التدفقات بزيادة الاستيرادات، وما تمخض عنها من تحفيز أو تحريك الطلب على خدمات هذه القطاعات.”[12]

 

لم يذكر المرحوم النصراوي شركات التأمين ونمو دخلها لكن تقييمه ينطبق عليها.  وبهذا الشأن يذكر د. عبدالزهرة علي أن هامش الملاءة المالية لشركة التأمين الوطنية هبط من 117.5% إلى 42.2% سنة 1980 بسبب زيادة دخل الأقساط المحتفظ بها بمعدل أعلى من رأسمال الشركة واحتياطياتها الحرة.[13] وكان ذلك في أوج ما عرف بخطة التنمية الانفجارية وبداية الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988).

 

ورغم ذلك فإن تأميم شركات التأمين لم يحقق نقلة نوعية في الطلب على الحماية التأمينية إلا قليلاً.  نعرف أن تدني الدخول، وانتشار الفقر، والبطالة الحقيقية والمقنعة، والدور الكبير لاقتصاد الظل، وهو ما لا يلقى اهتماماً عند الحديث عن الوعي التأميني، في العراق وغيره من البلدان العربية، ولنا أن ندرج هذه المظاهر تحت عنوان العامل الاقتصادي، هي التي تفسر ضعف الطلب على التأمين.  وهذا العامل ما زال غائباً عند الحديث عن الوعي التأميني.  ويشهد واقع قطاع التأمين العراقي منذ الغزو الأمريكي سنة 2003 على صحة مقولة أن إنتاج التأمين ظلّ مرتبطاً بالريع النفطي.

 

ومن هذا المنطلق يمكن أن ننظر إلى التأميم كتجربة فاشلة من منظور تأسيس بديل اشتراكي (إدارة ديمقراطية لشركات التأمين، تحويل جزء من الأرباح لصالح حملة وثائق التأمين، خلق رصيد خاص لتمويل أغطية تأمينية منخفضة السعر لتكون في متناول الطبقات الفقيرة).

 

البيروقراطية والتسييس

الميل نحو بقرطة وتسييس الإدارة هو أحد النتائج السلبية للتأميم، وقد ظهر ذلك وتعزز خلال العهد الصدامي 1979-2003 إذ أصبح الهاجس الأمني وكذلك الولاء للسلطة طاغياً في التوظيف والترقيات، وبالطبع كان الموقف من “الحزب القائد” أساسياً في الاختيار والمفاضلة في جميع مفاصل الدولة.  واستمرت هذه التركة بعد 2003 ولكن ضمن معايير المحاصصة والاستحقاق الطائفي والقومي.

 

تكاليف التشغيل

ولنا أن نسأل أيضاً: هل ساهم التأميم في التقليل من تكاليف التشغيل.  ليس هناك جواب عن هذا السؤال فقياس تكاليف التشغيل لم يخضع لدراسة ويصعب الحكم عليها.  ويظل الموضوع بحاجة إلى من يبحث عنه.

 

التوظيفات الاستثمارية

هل حصل تحول في السياسة الاستثمارية من توفير القروض الشخصية، إن كانت موجودة ما قبل التأميم، والاستثمار في أسهم الشركات الخاصة نحو المساهمة بمؤسسات القطاع العام، والتوسع في الاستثمار العيني والمالي.

 

في غياب المعلومات يصعب تقييم هذه السياسة لكن المعروف أن الاستثمارات لم تقتصر على العقارات والودائع المصرفية وشراء الأسهم في بعض الشركات بل تعدتها إلى المشاركة في تأسيس شركات تأمين عربية والمساهمة في رأسمالها (شركة ليبيا للتأمين بنسبة 40% سنة 1964 وشركة البحرين للتأمين سنة 1969 بنسبة 30%).  يضاف إلى ذلك المساهمة في مجمعات التأمين العربية، وشركة إعادة التأمين العربية سنة 1972 والصندوق العربي لتأمين أخطار الحرب سنة 1981 وقبلها الاتحاد العام العربي للتأمين عند تأسيسها سنة 1964.

 

وقد جاءت بعض هذه الاستثمارات متناغمة مع نص الفقرة 5 من المادة 3 من قانون المؤسسة العامة رقم 166 لسنة 1965 والتي تنص على “المساهمة في الشركات غير العراقية وخاصة العربية منها.”  وينسجم هذا مع طموحات تحقيق تعاون اقتصادي بين البلدان العربية.[14]

 

قطاع تأميني متين

يمكن الحجاج أن التأميم ساهم في خلق صناعة تأمين متينة في العراق في شقيها الأساسين: التأمين على الحياة والتأمينات العامة: مدراء وموظفون يتمتعون بدرجة عالية من المهارات الفنية والمعرفة النظرية.  وقد جاء ذلك نتيجة لمنهاج تدريبي مستمر داخل وخارج العراق ساهم في تحسين مستوى الاكتتاب بالأخطار وفي تسوية المطالبات وتحديد متطلبات حماية إعادة التأمين.  وبفضله ظهر جيل من الكوادر المدربة.  وكان ذلك نقلة نوعية في تاريخ التأمين في العراق.  وترافق ذلك بكفاءة في الإدارة على المستويات العليا وفي إدارات الأقسام المختلفة للشركات.

 

وبفضل هذه الميزات كان قطاع التأمين، في الحقبة التي تلت التأميم، يعتبر رائداً عند مقارنته مع قطاع التأمين في الأقطار العربية والعديد من دول “العالم الثالث.”  والدليل على ذلك أن العديد من المدراء والموظفين شغلوا مواقع مرموقة في هذه الأقطار وغيرها بعد مغادرتهم للعراق.

 

كان من نتائج التأميم خلق شركات تأمين كبيرة (احتكار مطلق للتأمينات العامة الممثل بشركة التأمين الوطنية والاحتكار المطلق لتأمينات الحياة الممثل بالشركة العراقية للتأمين على الحياة) حققت بفضل موقعها الاحتكاري وفور في الحجم ساهمت في تعظيم نسبة الاحتفاظ بالأخطار رغم أن هذا الاحتفاظ كان محمياً باتفاقيات إعادية مع شركات إعادة التأمين العريقة في أسواق التأمين العالمية.  لكن التوجه نحو زيادة الاحتفاظ كان موقفاً ثابتاً لإدارات شركات التأمين المؤممة.

 

وبالنسبة لشركة إعادة التأمين العراقية فإنها لعبت دوراً كبيراً في زيادة الاحتفاظ المحلي وبالتالي تقليص تصدير أقساط التأمين إلى الخارج.  فقد زاد دخل الأقساط الإجمالي للشركة من 307,000 دينار عراقي سنة 1961 إلى 4,022,000 دينار وبلغ 53,315,000 دينار سنة 1980.  وفي الفترة 1961-1980 كان معدل النمو السنوي للدخل %31.2.[15]

 

ساهمت شركات التأمين المؤممة في الحفاظ على الثروة الوطنية (الخاصة والعامة) من خلال التعويض المالي للخسائر التي كانت تلحق بالأصول المؤمنة.  ونزعم أن الصرامة في تسوية المطالبات كانت سمة مميزة لهذه الشركات.  وكانت هذه الصرامة تطبق على مطالبات شركات القطاع العام دون محاباة رغم كون شركة التأمين والمؤمن لها من هذه الشركات تابعة للدولة.  وبذلك حافظت الشركات على درجة عالية من المهنية.

 

الكفاءة

عندما يذكر القطاع العام فإنه يربط بتردي الكفاءة، وهو قول يخضع للنقاش ويحتاج إلى دراسة موثقة للتأكد من صحته.  ومن باب التعميم يمكن القول إن إدارة شركات التأمين المؤممة كانت قائمة على إدارة أعمالها ضمن ضوابط تجارية بحتة (تحقيق الأرباح) وبعض هذه الضوابط تتماشى مع متطلبات التعامل مع شركات إعادة التأمين العالمية فهذه ليست مهتمة بقيم أخرى لا تخضع لحساب الخسائر والأرباح.

 

وفيما يخص التأمين فإن الكفاءة الاقتصادية لا تقاس بالعلاقة التي تنشأ من إدخال واستخراج كميات مادية من الأصول بل تقاس بقيم المدخلات (توظيف رأسمال) والمستخرجات (العوائد) مقيمة بالنقود.  وهنا نلحظ الطبيعة المعيارية في مفهوم الكفاءة، فاختيار قيم معينة قد تعكس انحيازاً طبقياً كالربط بين رأس المال والعوائد (الأرباح) وتجعل من النقود قيمة مطلقة لقياس الكفاءة الاقتصادية، وبالتالي فإنها ليست إطاراً مناسباً لوضع السياسات العامة التي لا تتوخى تحقيق الربح هدفاً وحيداً في العمل.

 

ومع هذا فإن شركات التأمين المؤممة كانت خاضعة لقيم الربح والخسارة وبالتالي فإن ما كان ينتظر منها: نهوض المؤسسات “بالتنمية الاقتصادية في حقل اختصاصها، لتصبح أداة لتحقيق أغراض الاشتراكية العربية الرشيدة في زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع” هو من باب التمويه الإيديولوجي.  ربما نستطيع الدفاع عن زيادة الإنتاج (أرصدة أقساط التأمين) إلا أننا لم نشهد عدالة توزيعية فقد بقيت استحقاقات الفئات الفقيرة للرفاه غائبة في السياسات العامة.  وهنا لا نريد أن نظلم شركات التأمين المؤممة في التقاعس في المساهمة في الرفاه الاجتماعي لأن مثل هذه القيمة لم تكن محورا في سياساتها.

 

ولم ينجح قطاع التأمين المؤمم في خلق طاقم من الاكتواريين ممن كان سيكون لهم الأثر الكبير في المساهمة العلمية في تحديد أسعار التأمين وحساب احتفاظ واحتياطيات شركات التأمين بدلاً من الحساب البسيط لحجم أقساط التأمين والمطالبات ونفقات التشغيل الذي ما زال معتمداً.  لا نذكر إن قام قطاع التأمين المؤمم، أو وزارة التعليم العالي، بإحداث بعثة دراسية لهذا الغرض.

 

هناك ملاحظات انتقاديه أخرى لمشاريع التأميم.  منها أن القوة الاحتكارية للشركات المؤممة تخلق لا أبالية في الاستجابة لحاجات المستهلك وشكواه، وأن تدخل الحكومة في قرارات إدارة الشركات فيما يخص التسعير والاستثمار يحجب الكشف عن مسؤولية هذه الإدارات لأدائها إذ أنها مسيرة بقوة خارج إرادتها ومواردها.  هذه الملاحظات ذات طابع عمومي وهي ليست بديلاً عن التحليل الملموس للأثر المباشر لتأميم شركات التأمين والتطور اللاحق لقطاع التأمين العراقي.

 

روح المبادرة

تأميم شركات التأمين قلل إن لم يقضي على روح المبادرة entrepreneurship أي عملية استكشاف طرق جديدة في تجميع الموارد وترجمتها إلى منتجات ومنافع للمؤمن لهم وللجمهور العريض المحتمل من طالبي التأمين ممن لا تسمح لهم قدراتهم المالية لشراء الحماية، وفي تجاوز الإطار التنظيمي السائد.  لم يكن بمستطاع هذه الشركات الإقدام على تحمل مخاطر مترتبة على اتخاذ قرارات ذات أبعاد “اشتراكية عربية رشيدة” كما كان يقضي القانون وظلت، ليومنا، تعمل كمؤسسات رأسمالية تستهدف تحقيق الربح.  وهذا هو من مفارقات التأميم الذي لم يبني أي نظام أو تنظيم اشتراكي للشركات.

 

إعادة تشكيل البنية الطبقية

وساهم التأميم في إعادة تشكيل البنية الطبقية للمجتمع العراقي إذ تعزز عدد البيروقراطيين في أجهزة الدولة والمؤسسات والمنشآت التابعة لها يقابل ذلك تضخم في الجيش والأجهزة الأمنية.  ونمت بفضل التأميم “برجوازية” المقاولات والعقارات والصفقات التجارية ومعها فئة واسعة من المثقفين والمتعلمين، “الخزمجية” المؤدلجين، من دعاة تبرير سياسات الدولة وبعدها “الحزب القائد.”  وغاب من الصورة البرجوازية الصناعية بمراتبها العالية والمتوسطة التي كان يمكن لها أن تلعب دوراً في تصنيع العراق.  أما الطبقة العاملة فقد ظلت ضعيفة إذ تحول معظم أفرادها إلى مستخدمين لدى الدولة ومن بقي منهم على الهامش تحول إلى بروليتاريا رثة سيشهد التاريخ اللاحق المرتبط بالاحتلال الأمريكي للعراق على دورهم في النهب والتخريب والقتل.  واستمر موقع الفلاحين بالتآكل والتخلف ونزوحهم المستمر نحو المدينة لترييفها.

 

وبان تأثير هذه التشكيلة الطبقية على الطلب على الحماية التأمينية إذ أن النمو الحقيقي لأرصدة التأمين بقيت ضعيفة نسبياً (شراء الطبقات الشعبية للحماية التأمينية) فالبرجوازية المرتبطة بالمقاولات والعقارات كانت مضطرة للتأمين لأن عقود الدولة كانت تفرض عليها إجراء التأمين لدى شركات تأمين مسجلة في العراق.

 

إن بعض الأحكام التي ذكرناها يجب أن تقرأ في سياق الزمن الذي اتخذت فيها قرارات التأميم حيث كان المناخ الفكري والموضات الإيديولوجية آنذاك مساعداً للأحزاب السياسية والأفراد في الإقدام على التأميم وخاصة عندما ينصب على تأميم المصالح الأجنبية.  ولذلك لم تجابه قرارات التأميم بمعارضة على المستوى الفكري أو بالتخريب على المستوى الميداني.

 

التأميم وتقليل الاعتماد على الريع النفطي

في محاول لتعميق فهم قرارات التأميم نثير السؤال التالي: هل كان التأميم، في مجمله، محاولة لتقليل الاعتماد على الريع النفطي الذي يمول الميزانية الاعتيادية للدولة والاستثمارات؟  لا نظن ذلك رغم شيوع الدعوة لسياسة تقليل دور الريع النفطي في الاقتصاد الوطني.  ليس لدينا جواب جاهز عن هذا السؤال، ولكننا نطمح إلى توضيح من اقتصاديين محترفين.  نحاول هنا تلمس جانب من هذا الموضوع:

 

“أما السياسات الاقتصادية التي بدأت في مطلع الستينات، فقد كانت أسسها تختلف عن سياسة الخمسينات.  ولكن تلك السياسات لم تثمر هي الأخرى عن تغييرات اقتصادية أو اجتماعية إيجابية هامة.  كانت تتجاذبها اتجاهات سياسية تميل إلى الاشتراكية بمعنى اقتصر على تأميم الدولة لملكية عدد من مشاريع القطاع الخاص الهامة في عام 1964، ولتنزع إلى المحافظة في السنوات الأخيرة من ذلك العقد بعد ظهور النتائج السيئة للتأميم.  وكان وراء تلك النتائج أيضاً حالة عدم الاستقرار السياسي التي شهدتها الفترة (1958-1963)، وضعف السلطة الحاكمة خلال الفترة (1964-1968) وعدم وضوح الدوافع الاقتصادية والاجتماعية للاشتراكية الني تبنتها، هذا إلى جانب عدم زيادة الإيرادات المالية والنفطية العامة.”[16]

 

كان من النتائج السلبية للتأميم في المدى القصير تهريب رؤوس الأموال إلى الخارج، وتحول رأس المال الوطني من الصناعة إلى التجارة في السلع، إضافة إلى ميله التقليدي للاستثمارات العقارية، وبان أثر ذلك، بالنسبة لقطاع التأمين، في تزايد عدد وكالات التأمين.  وبالنسبة لتطور الاقتصاد الصناعي يقول ليث الحمداني إن

 

“تلك التأميمات استهدفت إقامة قطاع الدولة أكثر مما استهدفت تنمية تلك الصناعات وتطويرها، وتركت أثرا سلبيا على الاستثمارات الخاصة في قطاع الصناعة، مما جعل رؤوس الأموال الوطنية تهرب باتجاه التجارة.  أما المشاريع الصغيرة التي أقيمت في تلك المرحلة، فقال لي خدوري خدوري… إن الذين أقاموها كانوا من التجار الذين دخلوا الميدان بعقليات تجارية بحتة، بحيث تغير وجه الصناعة الحقيقي، لأن هؤلاء أسسوا شركات صغيرة كمشاريع فردية لم تعطِ جانب التطور أي اهتمام.  يقابل ذلك حصول تقلص كبير في الشركات المساهمة في بناء صناعة وطنية حقيقية في هذا القطاع واستمر الحال حتى عام 1968.”[17]

 

ضمن هذا التقييم فإن وضع قطاع التأمين كان أفضل من القطاع الصناعي كما تدل على ذلك بيانات تطور دخل شركة إعادة التأمين العراقية للفترة من 1961-1970 كما ذكرنا أعلاه.  وبعض مصادر هذا الدخل متأتية من إعادة تامين أخطار شركة التأمين الوطنية والشركة العراقية للتأمين على الحياة.  ولكن لم تتأسس في تلك الفترة شركات تأمين جديدة إلا أنها شهدت نمواً في تأسيس فروع ومكاتب في مختلف أنحاء العراق.

 

القوانين المنظمة لتأميم شركات التأمين: نظرة سريعة

 

هناك ثلاثة قوانين أساسية هي:

 

قانون المؤسسة الاقتصادية رقم (98) لسنة 1964[18]

قانون تأميم بعض الشركات والمنشآت رقم (99) لسنة [19]1964

قانون المؤسسة العامة رقم (166) لسنة 1965

إلى جانب تعديلاتها وقوانين أخرى ومنها قانون تعديل قانون تأسيس شركة إعادة التأمين العراقية رقم 21 لسنة 1960 الذي صدر في 12 أيلول 1964.

 

صدر قانون المؤسسة الاقتصادية وقانون تأميم بعض الشركات والمنشآت في نفس التاريخ: 14 تموز 1964.  وفيما يلي سنقتبس بعضاً من نصوصهما والتعليق عليها.  هناك حاجة لتحليل مستقل لدراسة نموذج الشركة العامة التي ساهمت هذه القوانين في تشكيلها: مجلس إدارتها، أعضاءها، تعيينهم، مسؤولية المجلس تجاه المجتمع أم الوزير .. الخ.  وكذلك فحص إمكانية اتخاذ الشركات المؤممة صيغة التعاونيات العمالية أو الاستهلاكية، وفيما يخص التأمين صيغة شركة تعاونية أو تبادلية.  نتمنى على زملائنا القيام بمثل هذه الدراسة.

 

عرّفت المادة 1 من قانون المؤسسة الاقتصادية المنشآت بأنها “المؤسسات العامة والشركات التابعة لها على مختلف أنواعها التي تمتلكها المؤسسة أو تساهم برأسمالها أو توجهها أو تشرف عليها نيابة عن الدولة حسبما هو منصوص عليه في هذا القانون.”  وهكذا فإن المؤسسة هي الحاضنة لكل المؤسسات العامة ومنشآتها.

 

نلاحظ هنا عناصر الامتلاك والمساهمة والتوجيه والإشراف على المنشآت نيابة عن الدولة، وهذه تؤشر على طبيعة الشركة العامة التي تشكلت بفعل القانون.

 

وعرفت المادة 3 أغراض المؤسسة وهي “المساهمة في تنمية الاقتصاد القومي عن طريق النشاط الاقتصادي في حقل القطاع العام.”  هذه صياغة فقيرة رغم أن مساهمة المؤسسة الاقتصادية معنية بتنمية الاقتصاد، تمييزا لها عن النمو الاقتصادي الذي ينحصر بالأرقام وليس تحديد الطبقات الاجتماعية المستفيدة منه.  كان بالإمكان التوقف عند هذا الحد بدلاً من الصياغة الفضفاضة لنشاط اقتصادي في حقل القطاع العام.  ولعل المادة 32 تساهم في توضيح المراد عند ذكر تحويل صافي أرباح المنشات والمبالغ الاحتياطية إلى المؤسسة وتوزيع مجموعها على النحو والأسبقية الآتية: دفع الفائدة لحملة الأسهم اللذين حولت أسهمهم إلى سندات بموجب قانون التأميم، تخصيص 25 % من مجموع صافي الإرباح والمبالغ الاحتياطية للمنشات المؤممة لإطفاء السندات، و 25 % إلى الميزانية الاعتيادية، وتخصيص الباقي، وهو المهم في هذا السياق، “لتوسيع منشات المؤسسة أو لإنشاء مشروعات لدعم الاقتصاد الوطني وتنميته بالشكل الذي يقرره المجلس وضمن الأهداف العامة للخطة الاقتصادية.”

 

وتوضّحت الأغراض في قانون المؤسسة العامة رقم (166) لسنة 1965:

 

المادة 3

أغراض كل مؤسسة النهوض بالتنمية الاقتصادية في حقل اختصاصها، لتصبح أداة لتحقيق أغراض الاشتراكية العربية الرشيدة في زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع.

 

للمؤسسة تحقيقا لأغراضها ممارسة النشاط الاقتصادي والقيام بالأعمال والتصرفات القانونية في مجال اختصاصها، ولها على الوجه الخصوص:

 

1- تملك العقارات واستملاكها وفق أحكام القانون وتعتبر أغراض المؤسسة من النفع العام لأغراض قانون الاستملاك.

2- تملك الأراضي الأميرية بدون بدل وفق أحكام القانون.

3- تأسيس شركات عامة وفق أحكام هذا القانون وشركات تجارية وفق أحكام هذا القانون وشركات تجارية وفق أحكام قانون الشركات.

4- المساهمة في الشركات التجارية العراقية التي من أغراضها ممارسة النشاط الاقتصادي لأجل تنمية الاقتصاد القومي في حقل التجارة والصناعة والزراعة ولها شراء أسهم وسندات هذه الشركات.

5- المساهمة في الشركات غير العراقية وخاصة العربية منها.

6- الاستقراض من الحكومة والمؤسسات شبه الرسمية والمصارف بضمان وزارة المالية.

7- الاستقراض من الهيئات الدولية والمصارف والحكومات الأجنبية وعقد القروض العامة الداخلية بموافقة مجلس الوزراء على ان تصدق القروض الخارجية بقانون.  ولا تشمل أحكام هذه الفقرة التسهيلات المصرفية الأجنبية ومعاملات التحويل الخارجي والقروض القصيرة الأمد من المؤسسات المالية والتجارية الأجنبية.

8- إقراض الدوائر الحكومية الرسمية وشبه الرسمية والشركات.  وتتبع المصارف بهذا الشأن الأحكام الخاصة بها.

9- ضمان قروض المنشآت التابعة لها وإقراضها.

10 – إقراض المؤسسات الأخرى والاستقراض منها.

 

وحددت المادة 4 مكونات المؤسسة وهي: المؤسسة العامة للصناعة، المؤسسة العامة للتجارة، والمؤسسة العامة للتامين.  وجاء في هذه المادة أن المؤسسة العامة للتأمين “تشمل جميع منشات التامين وإعادة التامين التي تمتلك الحكومة الآن أو في المستقبل كامل رأسمالها.”  عند اتخاذ قرار التأميم كانت الدولة العراقية تمتلك كامل رأسمال شركة التأمين الوطنية (تأسست سنة 1950) وشركة إعادة التأمين العراقية (تأسست سنة 1960 كشركة مختلطة).  وهذا يفسر الإشارة إلى ما تمتلكه الدولة الآن (1964) أو ما ستمتلكه في المستقبل.  وهو الذي حصل مع تأميم شركات التأمين العراقية والعربية والأجنبية العاملة في العراق.

 

تم ربط نشاط المنشآت المؤممة بضمانة الدولة إذ تنصّ المادة 7: “تزاول المنشات التي تمتلك المؤسسة كامل رأسمالها نشاطها بضمانة الحكومة.”  يعني هذا أن المنشآت الخاسرة تكون مضمونة من قبل الحكومة [الدولة] أي من الريع النفطي أساساً وما تجمعه الدولة من ضرائب على الأفراد والشركات.  وفي هذه الضمانة ما ينفع في حماية حقوق المستهلكين لكن المخفي هي الكفاءة الاقتصادية وهي ما تجد نفسها مختبرة في السوق وعندما يكون السوق قائماً على احتكار القلة، كما كان هو عليه حال التأمين، تنعدم فرصة الاختبار، ولن تنفع التدخلات الفوقية من الوزراء في تحسين الكفاءة والأداء.[20]

 

صدر قانون تأميم بعض الشركات والمنشآت رقم (99) لسنة 1964 متزامناً مع قانون المؤسسة الاقتصادية.  وبموجب المادة 1 من القانون رقم 99 تم تأميم شركات التأمين وغيرها من الشركات:

 

مادة 1

تؤمم جميع شركات التأمين وإعادة التامين في العراق كما تؤمم الشركات والمنشات المبينة في الجدول المرفق لهذا القانون وتؤول ملكيتها إلى الدولة.”

 

وحددت المادة 3 “سعر التأميم لكل سهم حسب آخر جدول للأسهم لدى مصرف الرافدين أو على أساس القيمة الدفترية لصافي الموجودات في يوم صدور هذا القانون أيهما اقل.”  وتم بموجب المادة 5 إلحاق “جميع الشركات والمنشات المشار إليها في المادة الأولى بالمؤسسة الاقتصادية التي تختص بالإشراف عليها وللمؤسسة الاقتصادية إدماج أي شركة أو منشاة منها في شركة أو منشاة أخرى.”

 

في أعقاب صدور قانون التأميم بدأت عملية دمج شركات التأمين وقامت بعدها شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية بتسوية متعلقات الشركات العراقية والأجنبية المؤممة.

 

ومن المثير أن نقرأ مفردات العقوبات في المادة 10:

 

“يعاقب بالإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة كل من قام بأعمال تخريبية ضد أي شركة أو مؤسسة من المؤسسات التي شملها هذا القانون.”

 

قسوة العقوبات هي مثار الاستغراب وخاصة عقوبة الإعدام إذ ليس هناك تناسباً بين الجريمة والعقوبة.  وهذا النص يبدو وكأن من كتبها كان يعمل في مؤسسة أمنية وليس جهازاً مدنياً.  لكن النص يجب أن يقرأ في سياق الفترة التي صدر فيها القانون عندما كانت حقوق الإنسان لا تتجاوز لغة السحرة.  ونلاحظ ضعف صياغة هذه المادة بالقول إن العقوبة تطبق على كل من قام بأعمال تخريبية وكأن الأعمال التخريبية قد قامت فعلاً وآنَ إعمال العقوبات عليه.

 

اقتبسنا بعض مواد قانون المؤسسة العامة رقم (166) لسنة 1965 أعلاه وسنكتفي بالقليل في هذا الجزء من الورقة فيما يخص التأمين.

 

فالمادة 1 أنشأت مؤسسات عامة لها شخصية معنوية واستقلال مالي وإداري مركزها في بغداد وترتبط إداريا بالوزارة المبينة إزاءها.  وبذلك تأسست المؤسسة العامة للتامين وارتبطت بوزارة الاقتصاد.

 

وقد مر بنا أن المادة 3 حددت أغراض كل مؤسسة بالنهوض بالتنمية الاقتصادية في حقل اختصاصها، لتصبح أداة لتحقيق أغراض الاشتراكية العربية الرشيدة في زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع.

 

ويرد في القانون، وتعديلاته، جملة من المواد تتعلق بتنظيم المؤسسات وصلاحياتها.  ويلاحظ أن التعديلات قلّلت من التدخل الوزاري ووسعت من صلاحيات المؤسسات (الاستقلال الإداري والمالي وحرية التصرف الواسعة لمجالس إدارة المؤسسات العامة).  ونترك هذا الموضوع لغيرنا للبحث فيه.

 

من باب الختام: الاقتصاد السياسي للتأميم

 

الملاحظات التي أوردناها في هذه الورقة هي مقدمة للبحث في الاقتصاد السياسي لتأميم قطاع التأمين في العراق، 1964-1997.  1964 تمثل بداية التأميم وتمثل 1997 نهايته القانونية إذ لم تبدأ أول شركة تأمين خاصة بالعمل إلا سنة 2000.

 

لم تكن نتائج التأميم متجانسة: تقدمٌ من ناحية وحجرٌ على التطور من ناحية أخرى، استقلالٌ في الإدارة آناً وتدخلٌ سياسي وهكذا.  وهذا يعلمنا أن لا نقاء في النظرية التي تنتظم التأميم وفي النتائج الفعلية المنظورة وغير المنظورة التي تترتب على التأميم.  ولكن يظل هناك دائماً فسحة للتداول بشأن الخيارات المتوفرة في إدارة قطاع التأمين والاقتصاد الوطني.  القول أن لا بديل هناك هو الموقف المتطرف عند اليمين واليسار معاً لإلغاء حرية المفاضلة بين البدائل.

 

كان بالإمكان التفكير بخيارات أخرى غير التأميم الذي كرّس سيطرة الدولة على ملكية مرافق اقتصادية كان الأفضل أن تترك تحت ملكية وإدارة القطاع الخاص.  هناك دور للدولة وهناك دور للقطاع الخاص وبينهما نماذج أخرى للملكية لم يجري الاستفادة منها، وهي التي لم تلقَ الاهتمام المطلوب من الاقتصاديين ومن أصحاب القرار في الماضي أو الحاضر لإصلاح النظام الاقتصادي وتداخله مع السياسي والاجتماعي.

 

الفشل الأساسي للتأميم يكمن في عدم “تحقيق أغراض الاشتراكية العربية الرشيدة (بغض النظر عن هلامية الصفة العربية والرشيدة الملحقة بالاشتراكية) في زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع” فلم ينشأ نظام اشتراكي ليحقق الزيادة في الإنتاج والعدالة في التوزيع.  الانبهار بالشعار ليس بديلاً عن التحليل الملموس للواقع لفهمه أولاً ومن ثم صياغة خيارات وبدائل قابلة للتقييم ضمن ضوابط الكفاءة الاقتصادية والمعايير الاجتماعية التي تضع الطبقات الشعبية في المقدمة.

 

لندن شباط/فبراير 2011

misbahkamal@btinternet.com


[1][1][1]        نشرت هذه المقالة في مجلة الثقافة الجديدة، بغداد، العدد 328، 2008، ص67-76 وهذا هو الرابط:

http://www.althakafaaljadeda.com/328/15.htm

ونشرت كذلك في مجلة التأمين العراقي الإلكترونية:

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/04/328-2008-67-76.html

 

[2]          فؤاد عبدالله عزيز، التأمين في العراق: الواقع وآفاق المستقبل (بغداد: موسوعة القوانين العراقية، 2005) ص 5-6.

 

[3]          هذه المعلومات تعتمد على رسالة إلكترونية من السيد روبرت نودي (Bob Naudi) للكاتب مؤرخة في 30 أيلول 2008.

 

[4]           فيما يخص محاولات تأميم التأمين الشعبي على الحياة في بريطانيا، أنظر:

Dermot Morrah, A History of Industrial Life Insurance (London: George Allen and Unwin Ltd, 1955), Ch XIV, The Campaign for Nationalisation, p 200.

 

[5]           اعتمدنا في عرض بعض مفاهيم الاقتصاد الكلي والجزئي للتأمين على كتاب:

Irving Pfeffer & David R Klock, Perspectives on Insurance (Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice-Hall Inc, 1974), pp239-251.

[6]          تعتمد معظم المعلومات عن د. خير الدين حسيب على سيرته المنشورة في ويكيبيديا ونقتبس بعضاً منها:

 

“عام 1961، اختير مديراً عاماً لاتحاد الصناعة، وفي العام نفسه زار مصر.  بعد عودته إلى بغداد، بدأ العمل على مخطط لتشريعات اشتراكية، منها «قانون تأمين البنوك» وتعديل قانون ضريبة الدخل والتركات.  بعد ذلك بعامين، وافق على تولي وظيفة «محافظ البنك المركزي». … عاصر الرجل تطورات سياسية، بدأت بإطاحة نوري السعيد والنظام الملكي عام 1958، وتولي عبد الكريم قاسم رئاسة أول جمهورية، وما تلى ذلك من صراعات بين البعثيين والشيوعيين والقوميين، والمعادين للتجربة الناصرية.  من تلك الأحداث كلها، يختار حسيب أن يخبرنا عن ليلة 13 يوليو1964، حين التقى بإبراهيم يسري الرجل الثاني في السفارة المصرية في العراق.  طلب منه حسيب إبلاغ عبد الناصر أن التشريعات الاشتراكية في العراق ستُعلن في اليوم التالي، وستُنشأ بموجبها مؤسسات اقتصادية.  يُحسب لخير دين حسيب الذي كان «حاكماً للمصرف المركزي»، إعطاء قرض لمصر.  ويُحسب له أيضاً، دوره المتقدم في النضال ضد سيطرة الشركات الأجنبية على نفط العراق وكبريته وثروته، ومشاركته في محاربة الفساد فيه.  كلّ ذلك لم يمنعه من أن يجد نفسه في السجن عام 1968، رغم أنّه لم يكن على خلاف فكري مع التيار الحاكم.  تنقّل خلال تسعة أشهر بين أربعة سجون، وذاق جميع أصناف التعذيب، لكن صلابته ساعدته على تحمُّل الآلام.”

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AE%D9%8A%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86_%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D8%A8

 

[7]          من باب المقارنة نذكر مثالاً من بريطانيا فلأكثر من ثلاثة عقود جرت محاولات عديدة لتأميم التأمين الصناعي (تامين على الحياة مُكّيف لتلبية ظروف ومتطلبات جماهير الناس، وتتمثل هذه بجباية أقساط التأمين في فترات متكررة من المؤمن عليهم في منازلهم، والتأمين بمبالغ واطئة تتناسب مع دخول الطبقة العاملة) ولكن في ستينات القرن الماضي تم التحول عن مطلب التأميم.

أنظر:

Dermot Morrah, A History of Industrial Life Insurance (London: George Allen and Unwin Ltd, 1955), Ch XIV, The Campaign for Nationalisation, pp 193-219.

 

Ronald George Garnett, A Century of Co-Operative Insurance (London: George Allen and Unwin Ltd, 1968), pp 232-265

 

[8]           عرض د. محمد سلمان حسن أطروحته في محاضرة في جمعية الاقتصاديين العراقيين في بغداد وقوبل بنقاش موسع.

 

[9]          ليث الحمداني، “الصناعة العراقية مشروع أسست له الدولة الوطنية ودمره الاحتلال،”الحوار المتمدن،

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=237525

 

[10]        دخول الدولة لسوق التأمين له تاريخ طويل في بعض الدول ومنها بريطانيا على سبيل المثال.  ففي سنة 1919 تم تأسيس مصلحة ضمان قروض اعتمادات التصدير Export Credits Guarantee Department

A History of ECGD 1919-1979 (London: ECGD & the Central Office of Information, 1979)

 

وقبل ذلك، في القرن التاسع عشر، ظهر ما يسمى باشتراكية البلديات/الحكومات المحلية التي كانت تدعو ونجحت في تحويل نشاطات معينة كإسالة الماء، وتجهيز الغاز، والطاقة الكهربائية، والمدارس والمستشفيات والمواصلات إلى مرافق عامة تخضع لسيطرة الحكومة.

 

عند تأسيس شركة التأمين الوطنية كان رأسمالها موزعاً بنسبة 50% لوزارة المالية و 50% موزعاً بالتساوي لمصرف الرافدين، المصرف الزراعي، المصرف الصناعي، والمصرف العقاري.  أما شركة إعادة التأمين العراقية فكان مؤسسوها وزير المالية نيابة عن الحكومة العراقية، مدير عام مصلحة الموانئ العراقية، مدير عام شركة التأمين الوطنية، مدير عام مصرف الرافدين، مدير السكك الحديدية العام.  أنظر:

عبد الباقي عنبر فالح، فاروق حبيب الملاك، عبدالرحمن مصطفى طه، إدارة التأمين (جامعة البصرة، كلية الإدارة والاقتصاد، 1990) ص 59-60، 61.

 

[11]         كان د. مصطفى رجب، مدير عام ورئيس شركة إعادة التأمين العراقية، يشارك في بعض اجتماعات الأونكتاد وربما كان له دور في صياغة بعض السياسات.

 

[12]         عباس النصراوي، الاقتصاد العراقي بين دمار التنمية وتوقعات المستقبل، 1950-2010 (بيروت: دار الكنوز الأدبية، 1995، ترجمة د. محمد سعيد عبدالعزيز)، ص 68.

 

[13]         Abdul Zahra Abdullah Ali, Insurance Development in the Arab World (London: Graham and Trotman, 1985), p277-278.

 

[14]          تضمنت الخطة الاقتصادية الخمسية للسنوات 1965-1969 أهدافاً مفصلية ومنها “تعجيل عملية التكامل والاندماج العربي، إضافة إلى تسريع عملية الوحدة الاقتصادية العربية، خصوصاً مع مصر.  لذلك يجب تصميم مشاريع الخطة الإنتاجية بطاقات فائضة تأخذ بالاعتبار السوق العربية المشتركة.”  أنظر: النصراوي، مصدر سابق، ص 66.

 

[15]         Abdul Zahra Abdullah Ali, Insurance Development in the Arab World (London: Graham and Trotman, 1985), p181.

 

[16]         صبري زاير السعدي، التجربة الاقتصادية في العراق الحديث: النفط والديمقراطية والسوق في المشروع الاقتصادي الوطني (1951-2006)، (دمشق، بيروت، بغداد: دار المدى، 2009)، ص 83-84

 

[17]         ليث الحمداني، “الصناعة العراقية مشروع أسست له الدولة الوطنية ودمره الاحتلال،”الحوار المتمدن،

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=237525

 

[18]         يمكن قراءة النص الإلكتروني لقانون المؤسسة الاقتصادية رقم (98) لسنة 1964 باستخدام هذا الرابط:

http://www.iraq-ild.org/LoadLawBook.aspx?SC=120120016192692

[19]         يمكن قراءة النص الإلكتروني لقانون تأميم بعض الشركات والمنشآت رقم (99) لسنة 1964 باستخدام هذا الرابط:

http://iraqilaws.dorar-aliraq.net/?p=3339

 

[20]         يمكن للباحث عند دراسة نموذج المؤسسة/الشركة العامة أن يدخل الضمانة الواردة في هذه المادة وكذلك نص المادة 28 في مبحثه.  تنص المادة 28 على أن: “يكون للمؤسسة نظام مالي خاص بها يصدر بقرار من المجلس تراعى فيه قواعد المحاسبة التجارية دون التقيد بالقوانين والأنظمة والقواعد المالية الحسابية المطبقة في الحكومة.”

Iraq Insurance Diwan & the Arab Forum of Insurance Regulatory Commissions (AFIRC)

أين موقع ديوان التأمين العراقي في

المنتدى العربي لهيئات الرقابة على التأمين

 

مصباح كمال

 

كتب السيد وليد جنادري، رئيس المنتدى العربي لهيئات الرقابة على التأمين، مقالة عن المنتدى بعنوان “مراقبو التأمين يمسكون بمصائرهم بأيديهم.”[1]  تعرض في مقالته إلى تأسيس المنتدى، وقدم ملخصاً لتاريخ التأمين في ما صار يعرف بالشرق الأوسط وشمال أفريقياً (بدلاً من التسمية المختصرة والمناسبة لطبيعة المنتدى “العالم العربي” أو البلدان العربية أو ما شابهها)، واقع التأمين العربي في نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين، استراتيجية المنتدى، والأهداف البعيدة المدى وتطبيق خارطة عمل المنتدى.

 

ما يهمنا في هذه المقالة هو غياب دور تأسيسي للعراق من خلال ديوان التأمين العراقي.  ذكر الكاتب إن المنتدى تأسس في عمّان في 7 أيلول 2006 في لقاء ضم مراقبو التأمين في البحرين، مصر، الأردن، لبنان، ليبيا، عُمان، فلسطين، قطر، المملكة العربية السعودية، سوريا، الإمارات العربية المتحدة واليمن.  وذكر أيضاً أن تونس والسودان والكويت وموريتانيا ستنضم إلى المنتدى.  وغاب العراق هنا أيضاً.

 

نعرف أن الديوان باشر مهامه سنة 2005 لكننا لا نعرف إن كان قد قام بالاتصال بالمنتدى أو أن المنتدى بادر إلى الاتصال بالديوان.  إن كان الجواب سلبياً في الحالتين فإن ذلك يعني بأننا غير مهتمين بما يتحقق من تطور في النشاط التأميني وما يتعلق به خارج العراق وأن المؤسسات العربية ذاتها غير معنية بوجودنا فلم يرد في المقالة ما يفيد توجيه دعوة للعراق.  هكذا يظل قطاع التأمين العراقي بعيداً أو مستبعداً يراوح في مكانه.

 

الحجة الجاهزة، أو التبرير لهذا الواقع، هو أن الديوان لم يُكمل بعد كادره من الموظفات والموظفين الإكفاء.  السؤال المهم: لماذا؟  إلى متى الانتظار؟  هل هناك من يحاول ويعمل على تغيير هذا الواقع؟  هل هناك داخل القطاع من يستطيع مد يد المساعدة للديوان؟

 

يذكر السيد جنادري في ختام مقالته أن المنتدي قد بادر إلى تحقيق بعض الإنجازات هي:

 

1        تطوير برنامج تدريبي بالتعاون مع معهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية يتضمن توفير شهادة أولية للمراقبين الجدد.  ومن المؤمل القيام بأول دورة تدريبية في خريف 2011.

 

2        توقيع مذكرتي تفاهم واحدة مع معهد حوكمة الشركات والأخرى مع الاتحاد العام العربي للتأمين.

 

3        عقد مؤتمر في 17-18 تشرين الأول 2011 تحت عنوان “الجمع بين المراقبين والمؤمنين” وهو الأول من نوعه في العالم العربي.

 

مشاركة قطاع التأمين العراقي في نشاطات كهذه سترجع بالفائدة على القطاع.  أملنا أن يقوم الديوان بتعزيز طاقمه الفني والإداري ويعزز من مكانته داخل وخارج العراق وأن يتعاون أركان القطاع لما فيه تطويره.

 

 

لندن 12 تموز 2011

 


[1] The Genevaِ  Association, Progress No. 53/June 2011, p14-18.