Author Archives: Iraq Insurance Monitor - Misbah Kamal

London-based insurance practitioner, focused on insurance in Iraq.
Learnt insurance in Iraq (1968-1977). Worked in re/insurance broking in the London market (1978-2016). Published a number of books on insurance themes in Arabic, and co-translated a few insurance books. Moderates two blogs: Iraq Insurance Review and Iraq Insurance Monitor.

Insurance in Iraqi Kurdistan-comment on Dr S Kadduri & H Badir

موقع التأمين في تصورات

د. صباح قدوري ود. حسن عبد الله بدر حول الاصلاح الاقتصادي في اقليم كردستان العراق

 

 

مصباح كمال

 

 

نشرت هذه المقالة في شبكة الاقتصاديين العراقيين

 

http://iraqieconomists.net/ar/2015/08/27/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%85%d9%88%d9%82%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%af-%d8%b5%d8%a8/

 

 

شكر وتقدير

أشكر السيد عبد القادر عبد الرزاق فاضل، المدير المفوض لشركة كوردستان الدولية للتأمين، والدكتور هيثم أبو العينين، المدير العام لشركة أور الدولية للتأمين، والسيد جمال عصفور، الرئيس التنفيذي لشركة آسيا للتأمين والسيد عماد أحمد محمد المدير المالي للشركة، لتوفير البيانات عن نشاط شركاتهم التي استفدت من بعضها في هذه الورقة. كما أشكر السيد بخيت حداد، المدير الفني لشركة كار للتأمين والسيد محمد الكبيسي، استشاري تأمين، لتقديمهما بعض الملاحظات حول واقع ممارسة النشاط التأميني في الإقليم.

 

تنبيه

أود تنبيه القراء إلى أن الأفكار والتقييمات في هذا التعليق ليست ثابتة خاصة وأنها ليست مدعومة بمستندات رسمية وغيرها. قد تكون هناك بيانات منشورة عن أحوال قطاع التأمين في إقليم كوردستان إلا أننا لم نستهدي إليها. لقد توخينا الحذر في الكتابة عن واقع الحال لحين توفر معلومات مؤكدة. أتمنى على القراء المهتمين تقويم ما جاء في هذه الورقة وإرشادي إلى بيانات ومستندات لم أستطع الوصول لها.

 

الآراء الواردة في هذه الورقة تمثل وجهة نظري الشخصية ولا علاقة لها بشركات التأمين والأشخاص الذين تفضلوا بتقديم المعلومات.

 

 

 

خطة الورقة

نشر د. صباح قدوري ود. حسن عبد الله بدر دراسة مهمة بعنوان “بعض التصورات حول الاصلاح الاقتصادي في اقليم كردستان العراق” في شبكة الاقتصاديين العراقيين[1] تستحق المناقشة من قبل أصحاب الاختصاص. وما يهمنا منها هنا هو مكانة التأمين التجاري والاجتماعي في اقتصاد الإقليم التي أشار إليها الكاتبان. وسيقتصر تعليقنا على تقديم بعض الملاحظات الانتقائية. سنتبع في التعليق الأقسام الثلاثة في دراسة الكاتبين حسب تسلسلها مع تعديل طفيف لعناوينها وهي: المدخل، وقيود التنمية في اقليم كوردستان العراق، وأفكار للإصلاح الاقتصادي.

 

مدخل: توصيف اقتصاد إقليم كردستان وتبعية التأمين للريع النفطي

 

تقوم دراسة د. صباح قدوري ود. حسن عبد الله بدر على قناعة بأن اقتصاد إقليم كردستان العراق يعاني من خلل ولذلك فإنه بحاجة إلى إصلاح. وكما يؤكد الكاتبان فإن

 

اقتصاد الاقليم اقتصاد ريعي، حاله حال الاقتصاد العراقي. وهذا يعني تبعية الاقليم للمداخيل الناتجة من تصدير النفط بالدرجة الاساسية. ويجد الطابع الريعي لاقتصاد الاقليم تعبيره في الضعف الشديد، وحتى المتناقص، لمساهمة قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية في تكوين الناتج القومي. فالأرقام الرسمية المتاحة تشير الى مساهمة متواضعة للقطاعين الاساسيين معا في مجموع الناتج، وعلى نحو لا يتناسب مع الموارد المالية وغير المالية الكبيرة المتاحة، ولا حتى مع كان عليه الحال بالفعل حتى أواسط الثمانينيات.

 

نزعم أن قطاع التأمين في الإقليم كان سيكون تابعاً حقاً للاقتصاد الريعي لو أنه كان المستفيد الرئيس من تأمينات صناعة النفط في مختلف أطوارها (تأمين المنشآت والمكائن والمعدات والمسؤوليات القانونية المتعلقة بمراحل الاستكشاف والحفر والإنتاج والخزن والنقل والتكرير). وهو بمعنى ما يظل تابعاً لأن الريع النفطي، في الوقت الحاضر، هو الذي يقرر مستوى النشاط الاقتصادي والاستثماري، الذي يؤثر بدوره على حجم الطلب على منتجات التأمين. ليست هناك، حسب علمنا، دراسة موثقة تربط بين واقع الصناعة النفطية في الإقليم وتأمينها.[2]

 

 

قيود التنمية في اقليم كردستان وأثرها على التأمين

 

في قسم قيود التنمية في اقليم كردستان يشير الكاتبان في الفقرة 10 من دراستهما إلى شركات التأمين ضمن توصيف طبيعة النظام الاقتصادي وآلياته في الاقليم كما يلي:

 

ضعف مساهمة النظام الضريبي والرسوم الجمركية في تمويل الميزانية المحلية، بسبب انتشار الفساد الاداري والمالي في اجهزتها، وانعدام الرقابة الشعبية عليها، وصعوبة الجباية، وضعف سيطرة الادارات المختصة في تنظيم امورها، مع هيمنة وطغيان السلطات الحزبية في شؤونها. ومن ناحية اخرى، ثمة ضعف واضح في اداء التشريعات المالية وفي تطوير النظام الضريبي والمؤسسات المالية، وعلى راسها البنوك والمصارف وشركات التامين، وتعدد الانظمة المحاسبية في المؤسسات العامة والخاصة. [التأكيد من عندنا]

 

هناك حقاً ضعف في تطوير شركات التأمين والتشريعات المتعلقة بها ودورها في التنمية الاقتصادية. فعدد شركات التأمين المجازة من قبل وزارة المالية والاقتصاد هو ثماني شركات وهذه الشركات حسب الترتيب الألفبائي هي:

 

شركة آسيا للتأمين، شركة الإخاء للتأمين (وهي أحدث الشركات)، شركة أور الدولية للتأمين، شركة جيهان للتأمين، شركة دلنيا للتأمين، شركة ستار كار للتأمين (وهي أقدم الشركات، تأسست عام 2004)، شركة كار للتأمين، شركة كوردستان الدولية للتأمين.

 

إن كثرة شركات التأمين ليس مقياساً مهماً للحكم على مدى انتشار التأمين ونوعية الخدمات التأمينية سوى أن تعدد الشركات قد يعني وجود حالة من التنافس بينها، وربما عرض منتجات تأمينية متميزة من قبل بعض الشركات دون غيرها كالتأمين على الحياة الذي لا توفره جميع الشركات العاملة، وهو الفرع الأقل انتاجاً للأقساط في الإقليم في الوقت الحاضر رغم أهميتها في تمويل الاستثمار.

 

تعتمد معظم الدراسات الحديثة لتقييم النشاط التأميني ومكانته في الاقتصاد الوطني على مقياسين. أحدهما هو الكثافة التأمينية وهو المقياس الذي يؤشر على

 

… ما ينفقه الفرد على شراء الحماية التأمينية ويمثل ذلك بنسبة إجمالي أقساط التأمين المتحققة إلى عدد السكان). وتقديرنا أن دور التأمين حالياً كمساهم في التنمية الاقتصادية من خلال تجميع المدخرات وتوفيرها للمستثمرين وكمشغل للأيدي العاملة مفقود وفي أحسن تقدير هامشي جداً. وهذا التقدير نابع من حقيقة أن الكثافة التأمينية في الدول النامية عموماً ومنها الدول العربية ضعيفة مقارنة بمثيلاتها في بعض الدول الآسيوية هذا إذا غضضنا النظر عن المقارنة مع مجموعة الثماني، وكذلك الانقطاع الطويل عن ممارسة النشاط التأميني في الإقليم.[3]

 

لو كانت بيانات أقساط التأمين الإجمالية المكتتبة في الإقليم معروفة لكان من الممكن حساب الكثافة التأمينية بشكل تقريبي اعتماداً على عدد السكان حتى لو كان هذا العدد غير دقيقاً.[4] والمقياس الثاني هو التغلغل التأميني الذي يتمثل بنسبة دخل أقساط التأمين المكتتبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. وهنا أيضاً لا تتوفر لدينا الإحصائيات.

 

ونحن نرجح أن الكثافة التأمينية في الوقت الحاضر متدنية لأن الطلب على الحماية التأمينية من قبل الأفراد وحتى الشركات ضعيف. فالتأمين لا يدخل في تفكير الأفراد للتدبر ضد ما قد يخبئه المستقبل من آثار ضارة على حياتهم وممتلكاتهم.[5] ولا يجد التأمين حضوراً قوياً له في إدارات ومجالس إدارات الشركات ربما باستثناء الشركات النفطية أو تلك التي لها علاقة بهذه الشركات وخاصة عندما تكون الشركات النفطية أجنبية. وحتى عندما يكون التأمين حاضراً في تفكير الشركات والمستثمرين فإن معرفتهم بوجود شركات تأمين في الإقليم غائبة. لنقرأ ما يقوله رئيس اتحاد مستثمري كوردستان (15 آب 2015):

 

من الواضح ان المستثمر الاجنبي لن يتوجه الى اي مكان للعمل فيه ان لم يضمن تحقيق فائدة بنسبة %100، لذلك فان عدم وجود نظام مصرفي ملحوظ في اقليم كوردستان يعيق حضور غالبية المستثمرين الاجانب للعمل في كوردستان، الى جانب عدم وجود شركات تأمين في كوردستان٬ فالمواطن الاجنبي لا يقتني سيارة ان لم يقم بالتأمين عليها[6] [التأكيد من عندنا]

 

وليس معلوماً أن شركات التأمين الكردية، منفردة أو مجتمعة، قامت بحملات حقيقية لترويج مؤسسة التأمين سوى الإعلان عن نفسها وخدماتها في الشبكة العنكبوتية وربما في منافذ أخرى لم نتعرف عليها. مثلما لم تقم بالضغط على حكومة الإقليم للالتفات إلى مكانة التأمين في اقتصاد الإقليم ورعايته من خلال التشريعات المناسبة والتوجيهات الرقابية أو تعديل ما هو قائم منها.

 

إضافة إلى حجم أقساط التأمين المكتتبة، وفيما يخص سياق هذه الورقة، هناك معيار الحكم على حجم استثمارات شركات التأمين، وعلى حجم العمالة المستخدمة في النشاط التأميني، وكذلك حجم الضرائب والرسوم التي تدفعها شركات التأمين للخزينة.[7] وقد قمنا بمخاطبة شركات التأمين المجازة لمزاولة التأمين في الإقليم بهدف الحصول على بعض البيانات والمعلومات الأساسية لتكوين صورة أفضل عن واقع النشاط التأميني في الإقليم ضمن هذه المعايير. إلا أن الاستجابة اقتصرت على الشركات التالية: شركة كوردستان الدولية للتأمين وشركة أور الدولية للتأمين وشركة آسيا للتأمين.

 

ونلخص هنا بعض البيانات الإجمالية لهذه الشركات للسنة المنتهية في 31 كانون الأول 2014 في الجدول التالي.

 

الأرقام بالدولار الأمريكي (تقريبية لأنها تعكس سعر الصرف السائد)

اسم الشركة إجمالي الأقساط المكتتبة إجمالي الاستثمارات حصة الهيئة العامة للضرائب عدد العاملين

 

شركة آسيا للتأمين 16,286,540

 

20,091,200 بضمنه: 19,721,671

استثمارات طويلة الأجل (ودائع وحسابات توفير لدى البنوك)

 

387,292

استثمارات قصيرة الأجل (حسابات توفير لدى البنوك)

الشركة معفية من ضريبة الدخل بموجب قانون الاستثمار 31
شركة الإخاء للتأمين        
شركة أور الدولية للتأمين 1,400,000 1,000,000 بضمنه: 522,236

استثمارات طويلة الأجل (مباني وشقق)558,317 استثمارات قصيرة الأجل (ودائع مصرفية)

97,242 13
شركة جيهان للتأمين        
شركة دلنيا للتأمين        
شركة ستار كار للتأمين        
شركة كار للتأمين        
شركة كوردستان الدولية للتأمين 949,101 5,895,945

بضمنه 348,879

أسهم وسندات

143,520 4

 

تمثل الأرقام الواردة في هذا الجدول إجمالي ما وصلنا، ولم يردنا بيانات من الشركات الأخرى التي قمنا بمخاطبتها حتى كتابة هذه الورقة. وكما يلاحظ فإن هناك تبايناً ملحوظاً في حجم النشاط بين الشركات. ونأمل أن نستطيع إكمال البيانات بمعاونة شركات التأمين.

 

من المعروف أن شركات التأمين لا تمتلك حرية مطلقة في استثمار الأموال المتجمعة لديها إذ أن هناك قيود داخلية ترتبط بتكوين الاحتياطيات وبالتقلبات في دخل الأقساط المكتتبة، وخاصة عند انخفاض هذا الدخل، وقيود رقابية تفرض على شركات التأمين الإبقاء على هامش معين للملاءة المالية.[8] وعلى العموم فإن المجال الاستثماري لشركات التأمين العراقية كان تاريخياً محصوراً بحسابات التوفير والودائع لدى المصارف والعقارات مع بعض الاستثمار في الأسهم والسندات. وبالنسبة لشركات التأمين الثلاث في الجدول، فإن واحدة منها تستثمر بالأسهم والسندات.

 

إن ضعف تطور شركات التأمين في الإقليم ليست مسألة داخلية خاصة بالشركات فقط، إذ أن هناك عامل مهم يؤثر على حجم أقساط التأمين التي تكتتب بها (غير الطلب من قبل الأفراد)، والأصح الأقساط التي لا تكتتب أو لا تستطيع الاكتتاب بها بسبب التشريع وضعف الرقابة وغياب رؤية/سياسة لقطاع التأمين. ويمكن تلخيص ذلك تحت عنوان تسريب أقساط التأمين خارج الإقليم. كيف يحصل التسريب؟

 

منح قانون الاستثمار في إقليم كوردستان-العراق رقم 4 لسنة 2006 المستثمر الأجنبي حرية شراء التأمين من شركة تأمين أجنبية أو وطنية. ويرد ذلك في الفصل الثالث، الضمانات القانونية، المادة السابعة، كما يلي:

 

أولاً: للمستثمر ان يؤمن على مشروعه الاستثماري من قبل اية شركة تأمين أجنبية أو وطنية يعتبرها ملائمة، ويتم بموجبه تأمين كافة جوانب العمليات التي يقوم بها.[9]

 

لاحظ أن الصياغة تُعطي الأولوية في التأمين لدى شركة التأمين الأجنبية. وتدل الممارسة على أن المستثمر يتجنب التأمين لدى شركات التأمين المحلية إلا في حالات خاصة.

 

حرمان الشركات الكردية بقوة القانون من الاكتتاب بأعمال التأمين البحري-بضائع، التأمين الهندسي (تأمين كافة أخطار المقاولين وتأمين كافة أخطار النصب)، تأمين المسؤوليات المدنية، تأمين المشروع بعد انتهاء الاختبار والدخول في مرحلة التشغيل، تأمين المكاتب.. الخ. هذه وغيرها من وثائق التأمين هي مصادر لتحقيق الإيرادات لشركات التأمين المحلية الكردية، وتوفير فرص لزيادة العمالة، وكذلك تطوير المهارات لدى العاملين في شركات التأمين للتعامل مع المطالب المتطورة للمستثمر الأجنبي.

 

ومن آثار هذا القانون هو حرمان خزينة الإقليم من رسم الطابع الذي يفرض على إصدار وثائق التأمين، وكذلك ضريبة الدخل على إيرادات شركات التأمين من أقساط التأمين في حال تأمينها على مشاريع المستثمر الأجنبي إذ أنه يزيد من حجم الإيرادات وبالتالي حجم ضريبة الدخل.

 

مثل هذه القوانين والتفكير الاقتصادي المرتبط بها لن تخدم قضية بناء وتطوير قطاع تأمين كردستاني أو عراقي.

 

وبالنسبة لتأمين الممتلكات والمسؤوليات القانونية والتحكم في الآبار للمشاريع النفطية في الإقليم، وهي الأكبر من حيث حجم أقساط التأمين، فإن القليل من هذا التأمين تقوم به شركات التأمين الكردية. والحديث الدائر هو أن الأطراف الحاكمة، صانعة القرارات في الإقليم، قلّما تفكر بموضوع التأمين المتعلق بالاستثمارات النفطية الأجنبية، باعتبار أن التأمين مسألة غير ذي أهمية. وليس هناك معلومات تفيد أن شركات التأمين قد سجلت موقفاً تجاه الموضوع كأن تدعو إلى دفع الشركات النفطية، وغيرها من الشركات، للتأمين على أصولها ومسؤولياتها لدى شركات التأمين المجازة في الإقليم. المهم في التفكير السائد لدى الأطراف الحاكمة هو تشجيع الاستثمار الأجنبي وعدم إيلاء قطاع التأمين ما يستحقه من أهمية في اقتصاد الإقليم ودون تقدير لآثار هذا القانون وغيره على هذا القطاع.

إضافة إلى دور قانون الاستثمار في التشريع لتسرب أقساط التأمين خارج الإقليم هناك التسريب غير المرئي بفضل ضعف الرقابة على من يزاول النشاط التأميني. نسمع أن هناك مكاتب وشركات تأمين تزاول أعمال التأمين بدون ترخيص من الجهات الرسمية في الإقليم. ويقال إن معظمها تركية أو لبنانية توفر التأمين للشركات التركية واللبنانية التي تعمل في الإقليم وتقوم بالاكتتاب بالأغطية التأمينية في أوطانها وليس لدى شركات التأمين الكردية المجازة. وهذه الشركات لا تسدد ضرائب ورسوم على أعمالها.

 

ويلاحظ غياب رؤية/سياسة تجاه قطاع التأمين ما خلا تشجيع قيام شركات تأمين طالما أن بعض أفراد الطبقة الحاكمة أو المرتبطين بها لهم حصة فيها.[10] مثلما يلاحظ ضعف صياغة التشريعات الخاصة بالتأمين.[11] ويمكن ربط ضعف أداء “التشريعات المالية… وتطوير المؤسسات المالية” بما جاء في الفقرة 11 من دراسة د. قدوري و د. بدر:

 

كما أن هناك ضعف ومحدودية في مصادر القوى البشرية المؤهلة والمتطورة وذات الخبرة اللازمة في العملية الانتاجية.

 

وينطبق هذا التحديد على قطاع التأمين فالقوى البشرية “المؤهلة والمتطورة وذات الخبرة اللازمة” تكاد أن تعد على أصابع اليد الواحدة. ليست هناك إحصائيات عن حجم العمالة ونوعيتها لتقديم حكم قاطع بهذا الشأن لكن الملاحظات التالية قد تساعد في تقريب الصورة.

 

جيل الشباب الذي يعمل في القطاع لا يعرف اللغة العربية ومعرفة اللغة الإنجليزية محدودة، ولذلك تلجأ بعض الشركات إلى استخدام عمالة عربية أو أجنبية. تلعب اللغة دوراً مهماً في تكوين القوى البشرية واكتسابها للمعارف اللازمة لخدمة العملية الإنتاجية إذ ان اللغة الكردية تفتقر إلى كتب في التأمين حتى أن المدير العام لأحد شركات التأمين الكردية عندما أراد وضع كتاب تعليمي في التأمين أضطر إلى كتابتها ونشرها باللغة العربية.[12] وذكر في مقدمة الكتاب أنه استخدم في تأليف الكتاب

 

“لغة وأسلوبا أكثر وضوحا وبساطة ورشاقة من الأسلوب العلمي والاقتصادي الجاف، حتى يتمكن قراء اللغة العربية، الذين ليست العربية لغتهم الأم من استيعابها دون عناء. وأعتقد بأنني تمكنت من تقريب المسائل المعقدة إلى أقصى حد ممكن.”[13]

 

بعد أن ذكر:

 

“إن المكتبة الكوردية تفتقر تماما إلى هذا النوع من الكتب. كانت الفكرة في بادئ الأمر أن تكون اللغة الكوردية هي لغة الكتاب إلا أن خشيتي من الوقوع في أخطاء ترجمة التعبيرات التأمينية الدقيقة والمصطلحات اللغوية الخاصة بمجال التأمين منعتني من ذلك، حتى لا تأتي التعابير ناقصة ومشوهة وتبتعد عن المعنى المطلوب ..”[14]

 

وحتى على مستوى القيادات الإدارية لشركات التأمين الكردية فإن البعض منها ليست عراقية. على سبيل المثل، عندما قامت مجموعة فاروق بتأسيس شركة للتأمين في السليمانية فإنها استقدمت ممارساً تأمينياً من الأردن. وكذا الأمر بالنسبة لشركة أخرى في السليمانية فإنها استخدمت سيدة لبنانية بعد أن تركها مديرها المفوض الكردي المتمرس في العمل التأميني لأربعين سنة أو أكثر في العمل مع شركة التأمين الوطنية في بغداد. وقل مثل ذلك عن شركة تأمين في أربيل تشكلت برأسمال كردي وعربي من خارج العراق، استخدمت ممارساً تأمينياً مصرياً بعد أن تركها مديرها المفوض صاحب خبرة تزيد عن أربعين سنة في العمل مع شركة التأمين العراقية في بغداد. وعلى نحو ذلك شركة تأمين كردية تدار من قبل مدير مفوض يقيم في بغداد.

 

لنتذكر أن تاريخ النشاط التأميني في كوردستان العراق ارتبط أصلاً بفروع شركتي التأمين العامتين: شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية (حتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي كان اسمها شركة التأمين العراقية على الحياة). وتوقفت هذه الفروع عن العمل بعد أن سحب النظام الدكتاتوري جميع الدوائر والمؤسسات الرسمية من الإقليم في تشرين الثاني 1991.[15] كما ساهمت سنوات الحصار المزدوج للإقليم (الحصار الدولي للعراق وحصار النظام الدكتاتوري) في إضعاف الانتاج والتطوير ونشوء اقتصاد التهريب. وهكذا فإن التراكم في المعرفة والخبرة التأمينية قد توقف تقريباً. ولم تهتم حكومة الإقليم بتحسين مصادر القوى البشرية في مجال التأمين إذ أن جلّ اهتمامها كان منصباً قبل 2003 على ضمان جباية قسط التأمين على السيارات في المنافذ الحدودية كمورد لماليتها.

 

أفكار للإصلاح الاقتصادي: التأمين والضمان الاجتماعي

 

وفي القسم المعنون “أفكار للإصلاح الاقتصادي” يؤكد الكاتبان على حاجة الإقليم الى جملة من الاصلاحات والتغيرات البنيوية، ويقدمان جملة من المقترحات ومن بينها “تحديد دور القطاع العام والقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي وآلية الاختيار” من خلال

 

“رسم وتبني استراتيجية واضحة وواقعية لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وينبغي على هكذا استراتيجية ان تحدد الدور الذي يمكن وينبغي ان يؤديه القطاع الحكومي … وضرورة الاستفادة من الامكانات الكبيرة (أفكار، قدرات تنظيمية، رؤوس أموال) التي يمتلكها القطاع الخاص … وبالطريقة نفسها ينبغي النظر فيما يمكن ان يقدمه القطاع الاجنبي من استثمارات لتكملة الدور الذي يؤديه القطاعان الحكومي والخاص.

 

ويرد اهتمامهما بالمنافع الاجتماعية المرتبطة بدولة الرفاهية ومنها التأمين الاجتماعي والضمان الصحي في الفقرة التالية:

 

كما ان التوجه نحو تحقيق درجة ما من العدل والرفاه لهذا الجيل والاجيال القادمة (من خلال ضمان الحق بالتعليم والعلاج والتأمين والضمان الاجتماعي)، هو من اساسيات وواجبات الدولة في كل مكان، وهذا لا يتم عبر انتهاج سياسة اقتصاد السوق فقط. ومن هنا تأتي ضرورة التأكيد على تدخل السلطات الحكومية لتحقيق وضمان تلك الحقوق.

 

الحق بالتعليم والعلاج الطبي والتأمين الاجتماعي جاء بفضل جهود المصلحين والحركات الاجتماعية، ورغم تعرضه للهجوم والتقويض من خلال السياسات الليبرالية الجديدة منذ ثمانينيات القرن الماضي فإن الدولة لم تتخل عن هذا الواجب. لكن هذا الواجب صار يدار بالتوازي مع ما يستطيع القطاع الخاص تقديمه من خدمات، أي من خلال سياسات الحكومات لتسليع التعليم والتطبيب وتحويل أنظمة التقاعد من تحديد المنافع إلى تحديد مساهمة المشتركين في برامج التقاعد.

 

وفي الإقليم نلاحظ أن الحكومة، وهي ذات توجه ليبرالي في اعتماد آليات السوق في تقديم الخدمات العامة، شرعت بالتداول في مشروع قانون التأمين الصحي. لكن معلوماتنا عن هذا المشروع ناقصة ولا نستطيع الحكم عليه. والمعلومات المتوفرة عنه تدور حول العموميات – كما يرد في موقع برلمان كوردستان.[16]

 

ونلاحظ أيضاً دخول شركات عربية خاصة، تعمل مع شركات تأمين أجنبية متخصصة في التأمين الصحي، في تقديم خدمات ادارة اعمال التامين الطبي للمؤمن لهم من خلال التعاقد مع مقدمي الخدمات الطبية في اقليم كوردستان – العراق (مستشفيات وأطباء وصيدليات ومختبرات ومراكز طبية للأسنان والبصريات والعلاج الطبيعي ومراكز الفحص بالأشعة وغيرها من وسائل الفحص). وهذه الخدمات هي رديفة للخدمات الطبية العامة ومقتبسة مما هو موجود في الدول الغربية المتقدمة. وبالطبع فإن هذه الخدمات متوفرة لمن له القدرة المالية لتسديد أقساط التأمين الخاصة بها ما لم تقم أجهزة حكومة الإقليم أو الشركات التجارية بشراء هذه الخدمات التأمينية لصالح المستفيدين منها. أي أن شرائح واسعة من الناس لا تستطيع شراء الحماية وبالتالي فهي تعتمد على ما توفره المستشفيات والمراكز الصحية العامة.

 

في المفاضلة بين القطاع الخاص والقطاع العام

 

في استنتاج مهم يؤكد الكاتبان:

 

وفي كل ذلك (أي ما يخص “تحديد دور القطاع العام والقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي وآلية الاختيار”)، ومنعا لأي التباس، لابد من التأكيد على ان الدور القيادي لأي قطاع لا يجوز ان يعتمد على مُحاجة ايديولوجية، بل على أساس دراسات عيانية ملموسة تنيط بهذا القطاع او ذاك دوره الفعلي، الحقيقي، وليس الدور المفترض في اذهان صانعي الخطابات المصممة لكل المقاسات.

 

هذا هو الموقف العقلاني الذي يخفف من الآثار غير المنظورة للخصخصة أو التأميم أو الاعتماد فقط على القطاع الخاص طالما أن السير في بناء نظام اقتصادي رأسمالي، هجين، هو السائد، رغم الفساد والزبائنية المرتبطة به. وبقدر تعلق الأمر بقطاع التأمين في الإقليم فإنه جزء من هذا النظام يتخلق بصفاته. ولأن التطور المستقبلي للقطاع ليس مطروحاً للمناقشة لدى الحكومة أو القطاع نفسه، فإن دراسة واقع قطاع التأمين في الإقليم يتطلب الكشف عن المعلومات الرسمية الخاصة به، وكذلك الإحصائيات عن حجم العمالة، وأقساط التأمين المكتتبة وغيرها من البيانات كاستثمارات شركات التأمين، ومعدل الخسارة، والتعويضات المسددة والموقوفة، ورأس المال لتكوين صورة عنه مقاربة للواقع يمكن الإفادة منها في رسم خطة تأشيرية لتطوير القطاع. وبدون ذلك يبقى التعليق محصوراً بالوصف وبالسرد ويصعب الدفاع عنه.

 

 

27 آب 2015

[1] أنظر نص الدراسة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2015/08/24/%d8%af-%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%82%d8%af%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d9%88-%d8%af-%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d8%a8%d8%af%d8%b1-%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%ad%d9%88/

[2] حاولنا الاقتراب من موضوع صناعة النفط في العراق والتأمين عليها، مع بعض الإشارات إلى كوردستان، في كتابنا: وزارة النفط والتأمين: ملاحظات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، طبعة إلكترونية، الناشر: مصباح كمال، 2014). يمكن قراءة الكتاب باستخدام هذا الرابط: https://www.academia.edu/6476765/Ministry_of_Oil_and_Insurance_Critical_Remarks

[3] مصباح كمال، التأمين في كردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، طبعة إلكترونية، الناشر: مصباح كمال، 2014)، ص 63-64.

[4] يقدر د. قدوري و د. بدر عدد سكان الإقليم اعتماداً على مصادر رسمية بحوالي (5) مليون نسمة، اي (13.6) % من سكان العراق البالغ حوالي (36) مليون نسمة. ويقدر مصدر آخر عدد سكان الإقليم بما يزيد عن 6 مليون (http://www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-28147263)، ويقدره مصدر آخر بـ 8,35 مليون (https://en.wikipedia.org/wiki/Irّaqi_Kurdistan).

[5] من الضروري ألا ننسى أن الطلب على التأمين ضعيف لدى الأفراد ليس فقط بسبب عدم التفكير بالتدبر للمستقبل، وهو وريث فكر اجتماعي ديني، وإنما بسبب الفقر لدى شرائح من الناس وتدني مستوى الدخل لدى شرائح أخرى بحيث يصبح موضوع التفكير بشراء الحماية التأمينية، عندما يكون الوعي بها قائماً، مسألة تدخل في خانة الترف.

[6] يمكم قراءة النص الكامل في موقع اتحاد مستثمري كوردستان باستخدام هذا الرابط:

http://www.kriu.org/3_to_print.php?id=1818&section=1

[7] من منظور المساهمين في رأسمال شركة التأمين يمكن أيضاً دراسة العائد على رأس المال، وهو ليس ذات صلة بموضوع هذه الورقة. للتعرف على هذا الجانب أنظر: جون هانكوك، بول هوبر، بابلو كوخ، اقتصاديات التأمين: تخليق القيمة للمساهمين في شركات التأمين، ترجمة: تيسير التريكي ومصباح كمال (بيروت: منتدى المعارف: 2015)

[8] راجع: مصباح كمال، التأمين في كوردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، طبعة إلكترونية، 2014)، ص 26-28.

[9] يمكن قراءة نص قانون الاستثمار باستخدام هذا الرابط:

http://cabinet.gov.krd/a/d.aspx?l=14&s=04030000&r=114&a=12159&s=010000

 

[10] قد يعترض البعض على هذا التقييم كونه يقوم على تعميم لكن واقع الحال هو أن شركات التأمين مملوكة لبضعة أفراد أو مجموعات وحسب المعلومات المتوفرة لم تعرض أسهمها للاكتتاب العام.

[11] راجع بهذا الشأن: فؤاد شمقار، التأمين في كوردستان العراق ومقالات أخرى، (مكتبة التأمين العراقي، طبعة إلكترونية،2014)، وخاصة فصل دستور جمهورية العراق وقانون تنظيم أعمال التأمين ورغبة سلطات إقليم كوردستان في تنظيم القطاع والإشراف عليه، 10-16، ورسالة إلى السيد رئيس مجلس وزراء حكومة إقليم كوردستان، 36-47.

[12] أنظر: نوزاد أمجد رفيق، مقدمة في مفهوم التأمين، (أربيل: منشورات شركة ستار للتأمين، 2005). وكذلك مصباح كمال: التأمين في كوردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، الناشر: مصباح كمال، طبعة إلكترونية، 2014)، ص 136-147.

[13] نوزاد أمجد رفيق، مصدر سابق، ص 6.

[14] نوزاد أمجد رفيق، مصدر سابق، ص 5.

[15] ما زالت هذه الفروع متوقفة عن العمل بسبب موقف غير معلن من حكومة الإقليم تجاهها رغم الجهود التي قيل بأن الشركتين العامتين قامتا ببذلها مع وزارة المالية في الإقليم، إلا أن الموقف والجهود لم يخرج للعلن في الصحافة مثلاً. وهذا موضوع يستحق البحث في أسبابه الاقتصادية (منع مشاركة شركات التأمين العراقية العامة والخاصة أيضاً من التواجد والعمل في الإقليم ليظل القطاع حكراً على شركات التأمين الكردية أو الشركات التي تتمتع بمشاركة كردية في رأسمالها) وربما أسبابه السياسية أيضاً (وقف منافع وثائق التأمين الصادرة من الشركتين عن أصحابها الأكراد بحجة التبعية وربما بحجج أخرى أيام الديكتاتورية). ويبدو لي بأن القوى المتنفذة في الإقليم لا ترغب أو حتى لا تفكر بالنظر إلى النشاط الإقليمي عراقياً، أي من منظور اتحادي – وهو ما كتبنا عنه في مقالات سابقة منشورة في مجلة التأمين العراقي الإلكترونية، مثلما كتب عنه الزميل فؤاد شمقار، التأمين في كوردستان العراق ومقالات أخرى (مكتبة التأمين العراقي، الناشر: مصباح كمال، طبعة إلكترونية، 2014)

[16] يمكن قراءة الخبر في موقع برلمان كوردستان باستخدام هذا الرابط:

http://www.perlemanikurdistan.com/Default.aspx?page=article&id=22444&l=2

ونلاحظ نفس التغطية العمومية الخالية من التفاصيل فيما يخص مشروع قانون التأمين الزراعي. أنظر بهذا الشأن:

http://etelafaliraq.net/news/index.php?readmore=15340#.VdW7OWZwbF4

ولم يرد إلى علمنا أن مشروع قانون التأمين الصحي ومشروع قانون التأمين الزراعي قد نال اهتماماً من ممارسي التأمين في الإقليم أو أن اللجان المختصة في البرلمان قد استأنست بآرائهم.

Advertisements

Remebering Mouayyad Jawad Al-Saffar

في استذكار
المرحوم مؤيد جواد الصفار

عبدالكريم حسن شافي
مديـر أقـدم، مدير فرع التأمين على الحياة
شركة التأمين الوطنية / بغداد

عندما دعاني الزميل مصباح كمال للمساهمة بالكتابة عن المرحوم مؤيد الصفار، ضمن مشروع استذكار رجالات ونساء التأمين، لم أتردد بتلبية هذه الدعوة، رغم أني لم أكن قد واكبت المرحوم في عمله اليومي منذ تعيينه في شركة التأمين الوطنية بحكم فارق العمر الذي يفصلنا حيث تعينت في الشركة أوائل عام 1978. إلا أنني وبحكم عملي في قسم الأفراد للفترة 1978 – 1984 وقبل التحاقي بالخدمة العسكرية، تعرفت على بعض ملامح حياته وأتذكر عنه أشياء كثيرة ترسخت في ذهني. ولعلي في هذه السطور أستطيع، ولو بشكل مختصر، تسليط الضوء على بعض جوانب شخصيته.

المرحوم مؤيد الصفار خريج جامعة بغداد / كلية الآداب / فرع الاقتصاد للعام الدراسي 1962 -1963. بعد تخرجه تم تعيينه بوظيفة معاون ملاحظ في شركة التأمين الوطنية في بغداد حيث باشر العمل في مديرية الدراسات والأبحاث بتاريخ 18/3/1964 ثم تمت إعارة خدماته إلى المؤسسة العامة للتأمين للفترة من 1/9/1964 لغاية 17/1/1965. نُقل بعدها إلى مديرية الحريق والحوادث وعمل أيضاً في قسم السيارات بتاريخ 26/9/1965. ثم نقل إلى قسم التأمينات الهندسية اعتباراً من 1/8/1966 والتي كانت تحت إدارة أصلان باليان، وحلَّ محله فيما بعد ليصبح مديراً للقسم. بعد إعادة هيكلة الشركة، تمَّ تحويل القسم إلى فرع التأمين الهندسي. أثناء فترة ترشيق الجهاز الهيكلي للدولة كان المرحوم يحتل موقع معاون مدير عام للفرع، وخلال فترة الثمانينات عاد مديراً للفرع المذكور.

خلال فترة خدماته في الشركة التي تمتد من عام 1964 ولغاية عام 1992 كان المرحوم من رجال التأمين أو لنقل من صناع التأمين العراقي. وقد ساهم بشكل كبير في توطيد علاقة سوق التأمين العراقي مع كبريات شركات إعادة التأمين المعروفة في العالم ومنها شركة ميونخ لإعادة التأمين بشكل خاص وكذلك بعض وسطاء إعادة التأمين في سوق لندن.

كان المرحوم يجيد التحاور باللغة الإنكليزية مع الوفود والشركات التي كانت تزور الشركة. وهذا ما أهله للترشيح ولمرات عديدة للإيفاد إلى كبريات شركات إعادة التأمين العالمية لعقد اتفاقيات إعادة أو الحصول على أسعار خاصة للمشاريع الهندسية الكبيرة، حيث تم إيفاده في بداية حياته الوظيفية إلى إنكلترا لمدة (13) أسبوع للانتساب إلى كلية التأمين في لندن. وقد أمضى الأسبوعين الأخيرين من الإيفاد في شركة ميونخ لإعادة التأمين كجزء من تدريبه التأميني. كما أوفد ولمرات عديدة إلى كل من (سويسرا، إنكلترا، ألمانيا الاتحادية، البحرين، اليابان، السويد، الاتحاد السوفيتي) لإجراء مباحثات مع المعيدين وعقد الاتفاقيات أو الحصول على أسعار وشروط مناسبة للمشاريع الإنشائية العراقية.

ثم أوفد للفترة من 7/4/1984 ولمدة خمسة أيام إلى ألمانيا الاتحادية لغرض إلقاء محاضرات في التأمين وإعادة التأمين في الندوة التي أقامتها شركة كيرلنگ كونزيرن Gerling Konzern في كولون في ألمانيا بهدف تبادل المعلومات بين السوق العراقية والأسواق الدولية.

وقد وجهت له كتب شكر وتقدير عديدة، ومنح درجات وظيفية أعلى خلال مدة قصيرة نظير كفاءته وتميزه في العمل.

أما عن الجانب الشخصي فقد كان المرحوم، وهو شخص ثقيل الوزن لكنه خفيف الظل وصاحب (معشر)، فقد كان يدخن (السيگار) بشكل كبير ويحب الطعام. وقد أخبرتني ذات مره السيدة بربارا الياس حنا (كانت تعمل في قسم الأفراد وتقيم حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية) بأنها أعدت للمرحوم وصديقه محمد صالح عبدالقادر، معاون مدير قسم الأفراد آنذاك، (جدر كبه) يحتوي على أكثر من مائة كباية لم يبقيا منها شيء.

كان المرحوم إنساناً بسيطاً يحب الآخرين ويساعدهم ولا يحتفظ بالمال. وأتذكر بأنه كان مؤمناً على حياته بمبلغ عشرة آلاف دينار، وقد سددت بشكل فوري بعد وفاته إلى عائلته كمصاريف دفن.

كان يُكنّى (بأبي هند) رغم أنه لم يتزوج رحمه الله.

عند وفاته بتاريخ 9/4/1992 كان مديراً لفرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين في شركة التأمين الوطنية.

أتمنى أن أكون قد ساهمت وبشكل بسيط في تسليط الضوء على بعض جوانب شخصية المرحوم ودوره في سوق التأمين العراقي.

بغداد 10 آب 2015

Memories of my years with the late Mouayyad Al-Saffar

ذكريات سنواتي مع مؤيد الصفار

باقر المنشئ

المقدمة

سأحاول في سردي هذا أن أسترجع بعضاً من ذكرياتي مع إنسان قلّ نظيره، وترك بصمة في حياتي المهنية والشخصية ألا وهو المرحوم مؤيد جواد الصفار[1] التي امتدت من نهاية عام 1975 ولغاية أيلول 1991م.

عدت إلى مدينتي الحبيبة بغداد من أمريكا في أيلول من عام 1975 بعد غياب قارب الخمس سنوات قضيتها في الدراسة والعمل. بعد أسابيع من المراجعات الروتينية حططت الرحال في شركة التأمين الوطنية. والفضل في ذلك يرجع إلى أستاذي المبجل عبد الباقي رضا (أطال الله بعمره ومتعه بوافر الصحة) إذ “أغراني” بالانضمام إلى الوطنية بدلاً من شركة إعادة التأمين العراقية أو التدريس في الجامعة.

باشرت العمل في الوطنية في 19/11/1975 وبعدها بأيام تعرفت على المرحوم مؤيد الصفار في  كافتيريا الشركة قرب ساحة النافورة بعد أن لفت نظري إليه بحجمه الضخم وصوته الجهوري وهو مع شلته التي شملت في الغالب فؤاد عبد الله عزيز وطارق خليل وكمال الزبيدي.

بعد بضعة أسابيع قضيتها في قسم الشؤون الفنية للتعرف والتدرب على نمط العمل في الشركة صدر قرار تعييني في قسم التأمين الهندسي. وأعتقد بأن المرحوم مؤيد الصفار “حاك” ذلك مع المدير العام الأستاذ عبد الباقي رضا.

التحقت بقسم التأمين الهندسي تحت إدارة المرحوم مؤيد ومعاونته السيدة الفاضلة نجيبة كاكا في شعبة إصدار وثائق التأمين. وعلى الفور أدركت بأن المرحوم مؤيد هو ربان القسم بلا منازع ويميل إلى المركزية في العمل.

صـفاتـه

اتصف المرحوم مؤيد بشخصية قيادية شديدة وأيضاً صارمة عند الحاجة! وأعتقد إن انخراطه في العمل السياسي في مرحلة مبكرة من عمره طورت صفات الصرامة والقيادة عنده.

كنت من المعجبين بأسلوبه في التفاوض والتحاور بشكل عام وخصوصاً مع اليابانيين. فاليابانيون، وبعد ساعات من النقاش يلجؤون إلى ذكر تلخيص لما دار في الاجتماع، وعادة ما كانوا “يحشرون” أموراً لم يتم تناولها. وهذا ما كان يثير المرحوم مؤيد وبالتالي يصر على درج ما تم تناوله والاتفاق عليه فقط من دون زيادة في محضر الاجتماع.

الدعابة وخفة الدم كانت إحدى صفات المرحوم مؤيد، وكان يجيد القاء النكات والطرائف. وكان يضحك على نكاته بصوت عالي وفم مفتوح وكرش مهتز!

البساطة والتواضع مع المرؤوسين والزملاء كانت الصفة الغالبة في تعامل المرحوم مؤيد كما تميز بحبه للأكل! وكان المرحوم عبد بدّاي رسوله إلى أبو علي أبو التكة بشكل شبه يومي!. ومن الأسرار التي لم نتمكن من الوصول إليها هو الوزن الحقيقي للمرحوم مؤيد!.

تعاملي معه

شهد تعاملي مع المرحوم مؤيد مرحلتين. الأولى، عندما تم تعييني كملاحظ في شعبة إصدار الوثائق في قسم التأمين الهندسي الذي كان يترأسه والتي امتدت لأكثر من عامين. تعلمت منه الكثير من فنيات وإجراءات العمل. بالمقابل أستطاع بفراسته أن ينمي قدراتي في العمل، فمنحني صلاحية تسعير المشاريع الهندسية الصغيرة تأمينياً لأول مرة، إذا كان التسعير يتم حصراً في قسم الخدمات الهندسية تحت إدارة المهندس جاسم العاني وطاقمه المؤلف من المرحوم المهندس باسل النوري والمهندس سعد البيروتي والمهندس عامر الغائب.

المرحلة الثانية كانت بعد نقلي إلى قسم إعادة التأمين لأكون مساعداً للمرحوم أنطوان سليم إيليا، ومن بعدها ترقيتي لأشغل إدارة فرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين. بذلك أصبحت في مستوى إداري واحد مع المرحوم مؤيد الصفار. إلا أنه حافظ على مكانته المميزة في الشركة، وأحتفظ بمسؤولية ترتيب إعادة التأمين الاختيارية للمشاريع العملاقة على الرغم من مركزية إعادة التأمين في الفرع المتخصص.

شخصياً لم أجد غضاضة في ذلك لثقتي بأن المرحوم مؤيد بقدراته الخارقة في التعامل مع المقاولين الأجانب ومعيدي التأمين العالميين كان قادراً على تحقيق أفضل الشروط لإعادة تأمين المشاريع العملاقة.

المرحوم مؤيد أدخل أسلوباً جديداً في التعامل مع معيدي التأمين من ناحية والمقاولين من ناحية أخرى، إذ كان يتفق مع المعيدين على أن تكون إعادة التأمين الاختيارية وفق السعر الصافي، في حين انه يقوم بتحميل السعر بعمولة مرتفعة في اتفاقه مع المقاولين وبذلك كان يحقق عائداً كبيراً للشركة.

من ذكرياتي الحلوة مع المرحوم مؤيد هي ما رافق سفرتنا إلى كولون الألمانية في نيسان من عام 1986م. المرحوم غسان رضا مندوب شركة گيرلنگ[2] الألمانية قام بترتيب لقاء ما بين الكادر المتقدم في سوق التأمين العراقي وشركة گيرلنگ في مقرها في كولون. وضم الوفد العراقي كلاً من المرحوم مؤيد الصفار وقيس الجبوري وباقر المنشيء ونبيل قزانجي من الإعادة العراقية. وقام كل مشارك بإعداد ورقة قدمها في اللقاء. تطرقنا فيها إلى ما تتوقعه شركة التأمين من المعيد وأيضاً ممارسات العملية التأمينية في السوق العراقي، ونالت جميع الأوراق أستحسان المسؤولين في گيرلنگ.

كانت رحلة كولون أول سفرة جوية لي مع المرحوم مؤيد. جلست إلى جانبه وكانت المفاجأة الكبرى لي عندما بدأت الطائرة بالسير على أرضية المطار. إذ تسمر المرحوم مؤيد بمقعده وأغلق عينيه ولم يتكلم ولا كلمة طوال الرحلة التي دامت عدة ساعات. وحتى لم يعر أي اهتمام لصينية الأكل وهو الشغوف به!. لذا مازحته وقلت له سأكل نيابة عنك! ومع ذلك لم ينطق بأي كلمة.

أما في دعوات العشاء أو السفرات التي رتبتها لنا گيرلنگ فكان المرحوم مؤيد كعادته مرحاً متحدثاً لبقاً وذو روح دعابة يضيف جو المرح والضحك في أي تجمع يضمه.

وفــاته

بعد أن غادرت العراق في أيلول 1991، علمت بصدور قرار إداري بنقل المرحوم مؤيد من فرع التأمين الهندسي إلى فرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين الذي كنت أشغل إدارته لسنوات. وكانت هذه إحدى رغباته بعد أن أنحسر العمل في التأمين الهندسي بسبب الحصار والمقاطعة، في حين تحول العمل في الفرع الجديد إلى عمل ينطوي على الكثير من التحديات والصعوبات بعد الحرب على العراق وإلغاء اتفاقيات إعادة التأمين من قبل كل المعيدين العالميين. ولا يمكن أن يكون هنالك شخص أكثر قدرة من المرحوم مؤيد على شغل هذا المنصب في ظل الظروف الصعبة التي كانت سائدة. لكن يبدو أن الحالة النفسية والصحية له والتي تدهورت كثيراً في الفترة التي لحقت قيام الحرب أثرت على قلبه الكبير فأسكتته وهو جالس على الكرسي في مكتبه وخلال ساعات العمل في يوم حزين من شهر أيار من عام 1992 كما أذكر.

بذلك تكون وفاته وهو في عمر الـ 53 عاماً، قد طوت صفحة ناصعة من صفحات التأمين الوطنية، ووضعت نهاية لمشوار لم يكتمل للمرحوم مؤيد الصفار.

لقد تلقيت نبأ وفاته المفجع وأنا في صنعاء بدموع حزينة لشخص عزيز على قلبي، ومن المؤلم أن المرحوم مؤيد لم ينل في حياته الشخصية ما يستحقه فهو لم يكتب له الزواج وبالتالي ليس له من يخلفه أو يحمل أسمه.

أسأل الله أن يتغمد المرحوم مؤيد الصفار بواسع رحمته ويسكنه جنات الخلد.

ستبقى ذكراك يا مؤيد حية وعطرة في قلوب محبيك وبالتأكيد أنا منهم.

باقر المنشيء

صنعاء

آب 2015

[1] كانت وفاته في 9 نيسان 1992 حسب المعلومات التي أوردها الزميل عبد الكريم حسن شافي في مقالته “في استذكار المرحوم مؤيد جواد الصفار” المؤمل نشرها في مرصد التأمين العراقي قريباً (المحرر)

[2] Gerling Konzern Allgemine Versicherung AG (المحرر).

Fragments and Recollections on Iraq’s Insurance History

عبد الباقي رضا، فاروق يونس ومصباح كمال:

 

شذرات من التاريخ المروي والذكريات الشخصية حول التأمين في العراق

 

 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين

http://iraqieconomists.net/ar/2015/08/17/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d8%b1%d8%b6%d8%a7%d8%8c-%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%88%d9%82-%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%b3-%d9%88%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84/

 

 

مقدمة

 

تم إعداد هذه الورقة بطلب وتشجيع من د. بارق شبر، وهو الذي اقترح علينا عنوانها. جميع الهوامش هي من وضع مصباح كمال.

 

لكل واحد منا حكاية في اختياره لمهنة ما. أحياناً يكون الاختيار مدروساً قائماً على قناعات معينة، واحياناً يكون “الاختيار” مفروضاً على المرء بحكم الظروف التي تحيط به. وأنا [م. ك]، مثل غيري، لي تجربتي وقد كتبتُ عنها عام 2007،[1] وتشاء الظروف أن يتجدد موضوعها في سياق غير متوقع، كما سأرويه أدناه ثانية.

 

هي حكاية وتجربة عادية لكنها تلقي بعض الضوء على سياسة التوظيف في العراق وبخاصة في شركة التأمين الوطنية التي تميزت تحت إدارة الأستاذ عبد الباقي رضا (1966-1978) باعتماد معايير موضوعية في انتقاء العاملين والعاملات دون السؤال عن اللقب والدين والطائفة والقومية والانتماء السياسي والحزبي. وهذ التجربة، وتجارب الآخرين، تحمل رسالة توجيهية لرسم سياسة للتوظيف لا تعتمد على المحاصصة الأمريكية-العراقية الصنع والسائدة منذ 2003.

 

أنا لا أدعو إلى استعادة الماضي بل مجرد رصده واستنباط درس منه. آمل أن تشجع هذه الورقة الآخرين للكتابة عن تجاربهم في التوظيف. وبالطبع فإن ما نكتبه من حكايات ليس بديلاً عن تحليل سياسات التوظيف وآثارها الاقتصادية على الموظفات والموظفين وعلى المؤسسات والشركات التي يعملون فيه، فهذه الحكايات هي مجرد إشارات قد يُستفاد منها للتدليل على حالات معينة.

 

 

ترجع خلفية هذه الورقة إلى تعليق وسؤال كتبه الأستاذ فاروق يونس حول مقالتي “أيسر الخفاف: عقيلة رائد الاقتصاد العراقي محمد سلمان حسن وشريكته في النضال من أجل حرية العراقيين” المنشورة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين.[2] ولولا تعليقات وإيضاحات الأستاذين فاروق يونس وعبد الباقي رضا وتشجيع د. باقر شبر، لما اكتمل موضوع هذه الورقة.

 

 

كيف يهتدي المرء إلى اختيار العمل والمهنة؟

 

كتب الأستاذ فاروق يونس التعليق التالي في موقع الشبكة بتاريخ 5 آب 2015:

 

“ورد في مقالك – بأنك بدأت عملك في شركة التامين الوطنية عام 1968 اضطرارا ولست مختارا – وانك تمتلك مؤهل معرفة اللغة الانكليزية والتي ربما كانت من العوامل المهمة التي شجعت على تعينك لكن الامر الجدير بالذكر ايضا هو: كيف اهتديت الى العمل في مجال التامين اضطرارا؟ ومن كان حلقة الوصل بينك وبين شركة التامين الوطنية؟ لقد كنت محظوظا أستاذي الكريم في قبول تعينك في قطاع التامين لأنك كما قال الشاعر الجاهلي:

 

جاورتهم زمن الفساد —– فنعم الجار في العسراء واليسر.

 

مع خالص الود والتقدير.”

 

 

العمل في شركة التأمين الوطنية

 

في تعليقي على سؤال الأستاذ فاروق يونس كتبتُ الآتي بتاريخ 5 آب 2015، وهو منشور أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

 

“الأستاذ العزيز فاروق

 

تسأل: كيف اهتديتُ إلى العمل في مجال التأمين؟ ومن كان حلقة الوصل بيني وبين شركة التأمين الوطنية؟

 

أشكرك على إثارة هذا السؤال الشخصي، وجوابي عليه شخصي أيضاً. آمل أن يتسع صدر مدير تحرير الشبكة لقبول ما سأكتب لأن ما سأذكره قد يلقي قليلاً من الضوء على بعض الممارسات الإدارية في الماضي، مثلما قد يؤشر على الانحدار القائم منذ أكثر من عقد في مختلف مناحي الحياة. سأكتب مع حفظ الألقاب.

 

عندما حصلت على شهادة البكالوريوس في السياسة من جامعة ويلز (سوانزي) عام 1967 رغبت في إكمال دراستي للحصول على شهادة الماجستير. تم قبولي في جامعة برمنغهام وكنت أؤمل نفسي بالحصول على تمديد لبعثتي الدراسية. لم توافق وزارة المعارف على التمديد فرجعت إلى العراق لعدم توفر المورد المالي لدفع أجور الدراسة والسكن بعد أن قطعت شوطاً في الدراسة (ما يزيد عن ثلاثة شهور، وكنت أعد لأطروحة عن روبرت أوين) عملت خلالها كتدريسي مؤقت لمجموعة من طلبة الصف الأول الجامعي (كان عليَّ تدريس شيء من تاريخ الفكر الاشتراكي وخاصة البيان الشيوعي).

 

في جامعة برمنغهام تعرفتُ على صبري زاير السعدي، وكان يُعدُّ لأطروحة الدكتوراه في التخطيط الاقتصادي الوطني. قبل رجوعي إلى العراق سلّمني أمانة كي أوصلها لخطيبته، التي كانت تعمل في الجهاز المركزي للإحصاء، وزارة التخطيط، وذكر لي اسم اثنين من زملائه في الوزارة كامل العضاض وحارث الحيالي. وكانت لي زيارات لهما، وصار لهما علم بوضعي كخريج عاطل عن العمل رغم أن عقد البعثة مع وزارة المعارف كان ينص على العمل في وزارة الخارجية.[3]

 

بعد انقضاء عام وعدم توظيفي طلبت من مديرية البعثات إلغاء العقد كي أبرئ ذمتي تجاه الدولة (تمويل خمسة أعوام من الدراسة) وأحاول العمل في إحدى دول الخليج. نصحني مدير البعثات، خطاب العاني، بالتريث لأنه سيعمم كتاباً إلى الوزارات كافة يذكر فيه بأنني خريج من جامعة بريطانية أحمل شهادة بكالوريوس بدرجة شرف ويطلب النظر في أمر تعييني. تمخض هذا الكتاب بدعوة يتيمة من قبل وزارة الشباب للعمل كمترجم، وهو ما لم أتحمس له. في هذه الأثناء، ولم أكن قد قررت النظر في العمل في وزارة الشباب، علمت زوجة عبد الباقي رضا (مدير عام شركة التأمين الوطنية آنذاك)، التي كانت تعمل في وزارة التخطيط وعلى صلة مهنية بكامل العضاض وحارث الحيالي، علِمتْ منهما بحالتي وبموضوع كتاب التعميم للوزارات. أخبرتْ زوجها بالأمر فطلبَ الكتاب من وزارة الاقتصاد.

 

على إثر ذلك دُعيت إلى شركة التأمين الوطنية لمراجعة محمد جواد المظفر في الشركة، وأخضعتُ لامتحان تحريري في اللغة الإنجليزية ضم الامتحان ترجمة جملة من الفقرات والمصطلحات المستخدمة في التأمين؛ ومن حسن حظي أن بعضها كانت مما أعرفه كالقوة القاهرة والأعمال العدائية والتمرد والخطر وغيرها. تبع ذلك مقابلة صارمة من قبل رفعت الفارسي، المعاون الفني للمدير العام، انصبّت على اللغة وكذلك نطاق معرفتي بالتأمين.[4] وهكذا تم تعييني في الشركة أواخر عام 1968. وكما علمتُ من محمد جواد المظفر (عضو مجلس إدارة شركة العراق الدولية للتأمين) عندما التقيته في بغداد في تموز 2012 فقد كان نجاحي باهراً ومحط استحسان كبير من قبل رفعت الفارسي وهو الذي أوصى بتعييني وكان القرار النهائي لعبد الباقي رضا.

 

وقد استفدت من تجربتي في التعيين في شركة التأمين الوطنية في كتابة ورقتي (الأستاذ عبد الباقي رضا: تقييم دور القائد الإداري في مؤسسة تابعة للقطاع العام) المنشور في موقع الشبكة. ففيها كتبت التالي حول بعض ملامح سياسته في الإدارة والاستخدام:

 

“انتقاء الموظفات والموظفين (وكان ذلك قبل إدخال التعيين المركزي الذي سلب إدارات المؤسسات العائدة للدولة حرية التعيين) دون انحياز، واعتماد معايير الجدارة والمعرفة واللغة (العربية والإنجليزية)، وتعريض مقدم طلب التعيين لامتحان تحريري ومقابلة، للكشف عن مدى توفر هذه المعايير لدى مقدم الطلب.”[5]

 

ومن المناسب أن أذكر هنا أن مصطفى رجب، مدير عام شركة إعادة التأمين العراقية، وكان معاصراً لعبد الباقي رضا، كان يستخدم نفس الأسلوب الإداري في التعيين الذي كان مطبقاً في شركة التأمين الوطنية، وبخاصة ما تعلق منه بمعرفة باللغة الإنجليزية. كانت اللغة أساسية لأن طبيعة عمل شركة إعادة التأمين العراقية تقتضي التعامل مع شركات تأمين وإعادة تأمين أجنبية. ومما يؤسف له أن هذه الميزة أصبحت مفقودة الآن وفي أحسن الأحوال ضعيفة. ومن المؤسف أيضاً أن العراق يشهد تراجعاً مريعاً يمتد على مختلف الحقول، ولم يحقق التراكم المطلوب في المجال المعرفي والمهني والصناعي… الخ.

 

وهكذا يا أستاذي العزيز يصبح ما نقلته عن الشاعر العربي مناسباً، فقد تعلمتُ مبادئ التأمين الأساسية والمهارات المرتبطة بها في العراق يوم كان أركان التأمين رفيعي المستوى يتحركون في فضائه ونحن الشباب ننهل من معارفهم ونتخلق بما هو الأحسن في أدبهم وسلوكهم. وكان ذلك في زمن كانت فيه شركات التأمين مملوكة للدولة.[6] حقاً ما قاله شاعرك فقد كنتُ محظوظاً:

 

جاورتهم زمن الفساد —– فنعم الجارُ في العسراء واليسر

 

دمت بخير. مع مودتي وتقديري.”

 

السؤال مفتاح المعرفة

 

بعدها كتب الأستاذ فاروق في 6 آب 2015 مؤكداً على أهمية السؤال في تطوير المعرفة ومعايير الجدارة في التعيين في شركة التأمين الوطنية:

 

“الاخ العزيز الاستاذ مصباح كمال يُقال بأن (السؤال مفتاح المعرفة وطريق العلم). كما يقال: (حسن السؤال نصف العلم). لقد وجهت أسئلتي اليك وكنت مطمئنا بأن (نجاحك كان باهرا) وتم انتقائك للتعيين وفقا لمعايير الجدارة المعتمدة آنذاك في شركة التامين الوطنية وحسب ما اخبرك بذلك ايضا الاستاذ محمد جواد. اتمنى لك عمرا مديدا مع النجاح الدائم في جميع اعمالكم.

 

فاروق”

 

 

 

عبد الباقي رضا: تصحيح رواية مصباح كمال

 

عرضتُ هذه التعليقات على الأستاذ عبد الباقي رضا لورود اسمه فيها، فكتب لي ما يلي:

 

“عزيزي الاخ الوفي السيد مصباح

 

تحية عطرة مع أطيب التمنيات. قرأت روايتك عن علاقتك بالتأمين وكيف نشأت ولي عليها بعض التوضيح:

 

1- صحيح ان زوجتي هي التي ذكرت لي قصتك ولكنها ذكرت شخصا ثالثا كنت تزوره في التخطيط غير السيدين اللذين ذكرتهما.

 

2- طلبتُ منها أن تطلب منك زيارتي في التأمين الوطنية فاستقبلتك فيها وكان بيننا حديث قصير كونت خلاله انطباعا طيبا عنك وسألتك عما اذا كنت مستعدا لأداء اختبار فأيدت ذلك وحيث كنا قد أجرينا قبل أيام امتحانا في اللغة الانكليزية لعدد من خريجي فرع اللغة الانكليزية فقد طلبت نسخة من اسئلته وطلبت منك الاجابة عليها فجلست في غرفة الاجتماعات الصغيرة بين غرفتي السكرتير والمعاون. بعد وقت قصير توجهت الى غرفة المعاون السيد الفارسي عن طريق القاعة التي كنت تكتب فيها فوجدتك متوقفا عن الكتابة فسالتك السبب فأجبت بأنك أكملت الاجابة. وردتني ورقتك وبعد الاطلاع عليها أحلتها الى السيد الفارسي الذي دخل علي بعد قليل قائلا (استاذ هذا منين؟) فأخبرته بقصتك فقال (استاذ لتخلي هذا يفوت علينا) فكان أن صدر أمر تعيينك وأؤكد لك اني لم أطلب أي كتاب من وزارة الاقتصاد ولا علم لي حتى الآن بالكتاب الذي تحدثت عنه.

 

3- بعد مدة من عملك في الشركة بلغني انك تسعى للعمل في الخارجية أو غيرها فطلبتك وسألتك عن صحة الخبر قائلا اني أقدر طموحك واختصاصك ولكني أود أن أعرف ما اذا كنت موقتا عندنا أم لا لأني أخطط لك أن تكون رجل تأمين وذكرت العبارة التالية (Career Insurer) فاستمهلت لإعلامي بقرارك. بعد أيام جئتني مؤكدا قرارك البقاء في الشركة. بعد هذا بوقت غير طويل رشحتك للدراسة في معهد شركة اعادة التأمين السويسرية في زوريخ. أتذكر جيدا ان التقرير الذي وردني عنك كان ممتازا واعتبرك واحدا من أحسن من انتسب الى هذا المعهد. من حسن الحظ وسعادتي ان ما توقعته لك قد تحقق فعلا واصبحت رجل تأمين من الدرجة الاولى وهو ما أفخر به.

 

4- أخيرا أذكرك بأني اقترحت عليك دراسة الحقوق مساء استكمالا لاختصاصك في التأمين.

 

لك مني كل التقدير والاعتزاز ومعذرة عن الاطالة.

 

عبدالباقي

 

8 آب 2015”

 

المزيد من الذكريات الشخصية

 

وبدوري علقت على رسالة الأستاذ عبد الباقي رضا كما يلي:

 

“أستاذي العزيز

 

نهارك سعيد

 

توضيحاتك سديدة وأرحب بها، وأنا على ثقة عالية بذاكرتك الفذّة. إن كنت لا تمانع بودي توصيل ما كتبتَ إلى السيد فاروق يونس رغم عدم معرفتي الشخصية به، لكنني أنظر إليه كعراقي محب لوطنه ويتابع عن كثب ما ينشر عن التأمين كونه كان في الماضي عضواً في مجلس إدارة شركة التأمين العراقية.

 

لقد قمت بتثبيت بعض التعليقات على رسالتك من باب استكمال المعلومات.

 

طابت أوقاتك ودمت بخير.

 

مصباح

 

8 آب 2015

 

الفقرة 1

لقد كانت علاقتي محصورة بكامل العضاض وحارث الحيّالي. لا أذكر شخصاً ثالثاً. ربما كان الشخص الثالث هي السيدة عطية الكيلاني التي تزوجت من صبري زاير السعدي الذي أنجز شهادة الدكتوراه في جامعة برمنغهام في موضوع التخطيط الاقتصادي (وهما يعيشان الآن في بريطانيا).

 

الفقرة 3

حقاً كنتُ أسعى للعمل في وزارة الخارجية بحكم العقد بيني وبين وزارة المعارف التي تضمنت فقرة للعمل في الدولة لفترة تعادل سنوات الدراسة، وهي خمس سنوات، وبالتخصيص في وزارة الخارجية. ولم يتحقق هذا الأمر بسبب التغيرات السياسية.[7]

 

خلفية استمهالي لأخذ قرار نهائي بالعمل بشكل دائمي في شركة التأمين الوطنية كانت تكمن في خشيتي من خسارة استقلالي الفكري والخضوع للأوامر الحزبية والسياسية. ولذلك طلبت الاستمهال لتقليب وجهات النظر وتوصلت أخيراً إلى قرار نهائي للاستمرار في العمل في التأمين الوطنية باعتبارها مؤسسة تجارية مهنية لا تخضع للإملاءات السياسية المباشرة. وقد تحقق ظني وحسن اختياري في ظل إدارتك المهنية رفيعة المستوى للشركة، إذ لم أتعرض إلى أي ضغط سياسي أو حزبي سوى ما كنا نخضع له جميعاً في ملء استمارات التصريح بالانتماء السياسي، وفيما إذا كان أحد الأقارب قد تعرض للسجن أو الإعدام … الخ.

 

وكنتُ محط احترام إدارة الشركة وزملائي. وبفضل سياستك في بناء الكوادر صار ارتباطي بالتأمين الوطنية ثابتاً حتى أنني، في وقت ما عند تأسيس الشركة العامة لتسويق النفط عرض عليَّ السيد عدنان الجنابي، وهو من خريجي بريطانيا، العمل في الشركة لكنني اعتذرت بأدب.

 

لقد كنتُ محظوظاً حقاً أن أعمل تحت إدارتك، وأدين بفضلك في التوجيه وفي توفير الفرص لي. أذكر أنك “انتشلتني” من قسم إعادة التأمين، وكان يرأسها المرحوم أنطوان سليم إيليا، كي أعمل في قسم التأمين الهندسي مع المرحوم مؤيد الصفار. وحتى أنك أسرت لي بأن طبيعة أسلوب عمل أنطوان، وكان متمرساً ومهنياً جيداً، كانت تميل نحو “الاحتكار” بحيث لم تتوفر لي فرصة التقدم في القسم. ربما عبّرتُ عن بعض التذمر بهذا الخصوص، وربما التقطه مؤيد وأوصله إليك. لقد كان ذلك نقلة أساسية في حياتي الوظيفية في الشركة وقد استمتعت بها.”

 

 

 

 

فاروق يونس يحدد سر النجاح في العمل

 

وقد استأذنت الأستاذ عبد الباقي رضا لعرض إيضاحاته على الأستاذ فاروق يونس فوافق على عرضها عليه أو على غيره. وعلى إثر ذلك كتب الأستاذ فاروق ما يلي بعد أن أثنى في رسالة قصيرة للدكتور بارق شبر “على هذا التفاعل الإيجابي في نشر تجارب الاخرين الخاصة بحياتهم المهنية”:

 

“أستاذي العزيز الدكتور بارق شبر

 

قرأت توضيحات الاستاذ عبد الباقي رضا والحوار المتناغم بينه وبين الاستاذ مصباح كمال.

 

الخلاصة:

 

يذكر عالم الاجتماع العراقي الدكتور على الوردي ما معناه:

ان سر النجاح والتفوق في الحياة يتطلب توافر ثلاثة عوامل مجتمعة وهى:

 

اولا – الموهبة

ثانيا – الجد (مَنْ جدَّ وَجَدْ)

ثالثا – الحظ (البخت)

لقد اجتمعت هذه العوامل الثلاثة لدى الاستاذ مصباح كمال – امتلك الموهبة وتدل سيرته – اطال الله عمره – على انه كرس حياته للبحث والتعلم في اللغة اولا وفى صناعة التامين ثانيا.

وكانت الثالثة ان حالفه الحظ في العمل مع ذلك الفريق من خبراء التامين – اصحاب الأيادي النظيفة والفكر التأميني الخلاق.

وبالمناسبة بعد تأميم شركات التامين حصلت مشكلة تمثلت في اعادة احتساب رواتب الموظفين على اساس الشهادة المدرسية او الجامعية وكان من نتيجة ذلك ان خسر قطاع التامين العراقي بعض كوادره ممن لا يملكون الشهادة الجامعية والذين غادروا العراق للعمل في شركات التامين الاجنبية في منطقة الخليج.

ارجو – ان رأيتم ذلك مناسبا التكرم بإعادة ارسال رسالتي هذه للسيدين المذكورين مع خالص تحياتي لكم جميعاً.

اخوك ابو محمد”

لا أحمل موهبة أو مواهب لكنني كنت من النمط المثابر، وكنت اعتبر العمل مصدر متعة وليس سخرة مملة لا فكاك منها للحصول على مرتب شهري. وكنت حقاً محظوظاً في عملي مع من يسميهم فاروق يونس “اصحاب الأيادي النظيفة والفكر التأميني الخلاق،” وفي كسب الاحترام الذي لقيت منه الكثير من رؤسائي وأقراني في شركة التأمين الوطنية.

 

11 آب 2015

 

فاروق يونس يروي حكاية مهمة عن اليهود، وافتتاح كلية التجارة والاقتصاد، وأهمية اللغة، وآثار الجهل الرسمي بالتأمين وإعادة التأمين

 

12 آب 2015

 

أستاذي العزيز مصباح كمال

 

اذا اتجهت النية الى تحويل الملاحظات والتعليقات المتبادلة بيننا الى خاطرة، حسب ما اقترحه الاخ العزيز الدكتور بارق شبر، فأرجو اضافة ما يلى بعد موافقتك وموافقة أخي العزيز الاستاذ عبد الباقي رضا.

 

  1. منذ العهد العثماني وحتى نهاية الحرب العالمية الاولى (1918) هيمنت فروع الشركات الاجنبية ووكالاتها على النشاط التأميني في العراق.
  2. بعد تأسيس الدولة العراقية (1921) كان لليهود الدور الفاعل في النشاط التجاري اذ شكل التجار اليهود الاكثرية في مجلس ادارة غرفة تجارة بغداد التي تأسست عام 1926.

 

  1. قبل الحرب العالمية الثانية ظهر وكلاء التامين العراقيين[8] وتأسست اول شركة تامين في العراق وهي شركة الرافدين للتأمين برأسمال عراقي وأجنبي (1946).
  2. من الجدير بالذكر ان انتشار مدارس اليهود في العراق منذ أواسط القرن التاسع عشر واتقانهم للغات الاجنبية (الفرنسية والانكليزية) كان خير عون لهم لولوج الاسواق الخارجية واقامة العلاقات الوطيدة مع شركائهم في بريطانيا والهند.
  3. ومنذ عام 1878 كانت الشركات التجارية اليهودية في بغداد تهيمن بشكل كلى على تجارة الاستيراد مع بريطانيا بينما يسيطر التجار المسيحيون المحليون على التجارة مع فرنسا. وفى عام 1910 كان التجار اليهود يحتكرون التجارة المحلية بالكامل (انظر: د. عماد عبد اللطيف سالم، الدولة والقطاع الخاص في العراق، بغداد 2001، ص79). وقد ترافق صعود التجار اليهود في العراق مع نمو المصالح الانكليزية وكان هناك تزامن بين الايقاع المحموم للاختراق الإنكليزي للسوق العراقية والتزايد السريع لعدد سكان بغداد من اليهود في النصف الثاني من القرن التاسع عشر(سالم، مصدر سابق). ويضيف: “وما يهمنا في هذا الصدد هو ان تركز راس المال في أيدى التجار اليهود كان يعنى عدم استقرار راس المال في العراق وعدم الرغبة في توطينه واستثماره في أي مجال إنتاجي حتى قبل ظهور الكيان الصهيوني بوقت طويل بل ان بقاء المال اليهودي دون وطن ربما كان تمهيدا لخلق دولة اسرائيل وتوطين هذا المال فيها لاحقا.
  4. بعد قيام دولة اسرائيل وقيام الحكومة العراقية (حكومة توفيق السويدي) بإسقاط الجنسية العراقية عن اليهود العراقيين (قانون إسقاط الجنسية عن اليهود العراقيين رقم 1 لسنة 1950) خسر العراق عددا لا يستهان به من التكنوقراط من المحاسبيين والمختصين بصناعة التامين والصيرفة والتجارة الخارجية والوكلاء بالعمولة … الخ.[9]
  5. وجدت الحكومة آنذاك الحل المناسب في افتتاح كلية التجارة والاقتصاد لتدريس الاقتصاد والمحاسبة، وافتتاح فرع لدراسة التامين سرعان ما اغلق. اتخذت الكلية من طُولَه مهجورة (اصطبل)، كانت تقع مقابل محطة قطار شرق بغداد، مقرا لها، وتم جلب بعض (المدرسين) من مصر ومن اساتذة الاقتصاد والحقوق العاملين في كلية الحقوق العراقية. وتخرجت اول دورة من الكلية في 1949-1950.
  6. استطاع خريجو الدفعة الاولى والدفعة الثانية من كلية التجارة والاقتصاد إملاء بعض الشواغر في المصارف وشركات التامين والمحاسبين في دوائر الدولة وبعض الشركات التجارية القليلة في القطاع الخاص.

 

9-     لكن المشكلة المستعصية المتمثلة بعدم اجادة معظم خريجي كلية التجارة والاقتصاد وخريجي اعداديات التجارة اللغة الانكليزية الضرورية لممارسة اعمال التامين والتجارة الخارجية والصيرفة … الخ ظلت قائمة مثلما ظلت قيمة التأمين ضعيفة لدى الجمهور العام وحتى في الدوائر الرسمية. وبهذا الصدد، بودي أن اذكر القصة الطريفة الاتية:

 

كان ضمن تشكيلات وزارة المالية وحدة باسم دائرة التفتيش الإداري ومن بين اختصاصاتها التفتيش والمراقبة على اعمال شركات التامين، وحصل ان عثر مدير التفتيش على ضالته حيث وجد ان شركة اعادة التامين العراقية تقوم بإعادة التامين لدى مكتب (شركة) تأمين أجنبية لعدة سنوات وتتحمل دفع اقساط التامين دون تحمل الشركة الاجنبية اية خسارة.

 

وصل الخبر الى وزير التجارة فقام بتكليفي مع الاستاذ فاروق جورج المدير الفني لشركة اعادة التامين بالتحقيق في الموضوع، ولكن ما ان سمع الدكتور مصطفى رجب، مدير عام شركة اعادة التامين العراقية بالخبر حتى قدم استقالته الى الوزير احتجاجا على هذا التصرف. اتصلت بالسيد فاروق جورج (هذا اسمه على ما اتذكر) وقلت له ان مهمتنا هي تدقيق عملية اعادة التامين وليس التحقيق مع مدير عام الشركة. المهم، استدعينا كاتب التقرير الإداري فقال الرجل والله انا لا افهم بالتامين ولا بإعادة التامين. ثم القى عليه الاخ جورج محاضرة في كيفية اتخاذ قرار اعادة التامين بالاعتماد على الـ Value Judgement. فتأمل عزيزي القارئ من يُقيّم عمل من؟ المهم، أُغلق التحقيق وسحب الدكتور مصطفى رجب استقالته لكنه حسب ظني لم يكن مرتاحا من تصرف الوزير معه بهذا الاسلوب البعيد عن آداب التعامل المهني النزيه.

 

مع التقدير.

 

فاروق يونس

[1] عنوان النص الذي كتبته هو “مقاطع غير مكتملة من سيرة العمل في شركة التأمين الوطنية 1968-1977” متوفر لدي لمن يرغب الاطلاع عليه.

 

[2] http://iraqieconomists.net/ar/2015/07/29/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a3%d9%8a%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%81%d8%a7%d9%81-%d8%b9%d9%82%d9%8a%d9%84%d8%a9-%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a7/#comment-10563

[3] ربما يذكر البعض أن عام 1967 وبعده شهد ما كان يعرف بأزمة الخريجين. شهدت هذه الفترة خروج أعداد من كوادر العراق في مجالات مختلفة للعمل في الخارج.

 

[4] كانت معرفتي بالتأمين محدودة تكاد أن تقتصر على ما تعلمته في المرحلة ما قبل دخول الجامعة من بعض الكتب المقررة أذكر منها:

  1. L. Hanson, A Textbook of Economics

[5] موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين

http://iraqieconomists.net/ar/2014/08/15/%D9%85%D8%B5%D8%A8%D8%A7%D8%AD-%D9%83%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B0-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%B1%D8%B6%D8%A7-%D8%AA%D9%82%D9%8A/

 

نشرت بعد ذلك في مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2014/08/abdulbaki-redha-assessment-of-leaders.html

[6] أتحدث هنا عن حالة خاصة وقطاع واحد دون أن يعني ذلك التغاضي عن السياسات الخاطئة والمدمرة ومحاربة الأفكار والبطش بالناس. أقول هذا لأنني حُرمت أيضاً من إكمال دراستي العليا لأن هناك مجلس لقيادة الثورة يقرر من هو المؤهل للدراسة العليا. ولولا موافقة الأستاذ عبد الباقي رضا، المدير العام لشركة التأمين الوطنية، على قبول طلبي لإجازة دراسية عام 1977 لما استطعت السفر وإكمال دراستي للماجستير في بريطانيا على حسابي الشخصي. ولكن في منتصف دراستي أعلمني قسم الأفراد في الشركة أن مجلس قيادة الثورة لم يوافق على دراستي للماجستير وعليَّ أن التحق بالعمل وإلا فإنني سأعتبر مستقيلاً – أي حرماني من التوظيف في شركات أو مؤسسات الدولة في المستقبل.

[7] إضافة: وبسبب إخضاعي لامتحان في القانون الدولي الخاص مُعد لمن هو خبير في هذا المجال وليس لخريج جامعي جديد، وبالتالي فشلي أو إفشالي في الامتحان. وفي ظني أن فشلي كان بسبب افتقادي لمن يدعمني سياسياً. واستغربُ أن الامتحان لم يضم اختباراً للغة العربية أو الإنكليزية.

[8] مصباح كمال، أوراق في تاريخ التأمين في العراق: نظرات انتقائية، فصل: “وكالات التأمين في العراق عام 1936: محاولة في التوثيق”، (طبعة إلكترونية منقحة ومزيدة، 2014)، ص 58-91. صدرت الطبعة الورقية بدون هذا الفصل، (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2011 [2012]).

https://www.academia.edu/7540006/History_of_Insurance_in_Iraq_selected_perspectives

[9] إن عدداً من يهود العراق استمروا في العمل في وكالات التأمين، وهي وكالات خاصة كانت تقوم بإنتاج الأعمال لشركات التأمين ومنها شركة التأمين الوطنية. وقد علمت من زملاء لي في لندن أن البعض منهم ظل يعمل حتى سبعينيات القرن الماضي ثم اضطروا أخيراً إلى مغادرة العراق. ومن المعروف أن انشغال اليهود في أعمال التأمين والصيرفة وتجارة الاستيراد والتصدير … الخ قديمة، وكان لهم دور مهم أيام الإمبراطورية العثمانية سوية مع الملل الأخرى. ولعل أشهر وأغنى عائلة يهودية تجارية ومالية هي عائلة ساسون البغدادية التي عمل أفرادها في التجارة الخارجية منذ القرن التاسع عشر، وقامت بتأسيس محطات ومكاتب لها في الهند وبريطانيا (مانشستر على وجه التحديد متخصصة في تجارة الأقطان). كما قامت العائلة بتأسيس أول ميناء في بومباي عام 1875 ما زال يحمل اسمها حتى اليوم.

 

هناك معلومات وبيانات اقتصادية عن يهود العراق في كتاب حنا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، الكتاب الأول: من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، ترجمة: عفيف الرزاز (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1990)، الفصل التاسع: الجلبيون والتجار والتجار-الصرافون اليهود.

 

وكذلك كتاب:

Abbas Shiblak, Iraqi Jews: A History of Mass Exodus (London: Saqi, 2005), pp 39-55.

 

Baha’a Baheej Shukri as I have known him

الأستاذ بهاء بهيج شكري

كما عرفته

 

منعم الخفاجي

 

 

كنت قد وجهتُ دعوة لعدد من زملائي للكتابة عن الأستاذ بهاء بهيج شكري من بينهم الزميل منعم الخفاجي. وقد استجاب للدعوة بهذه الرسالة. (المحرر)

 

 

الاخ مصباح

 

تحية طيبة

 

قرأتُ ما كتبتَ وما كتبه الاخ فؤاد عبد الله عن السيد بهاء بهيج شكري. ومنذ بداية دعوتك كنت انوي الكتابة عن هذا الاستاذ الشامخ ولكني آثرت ان اقرأ ما سيُكتب عنه لأضيف ما لدي عن استاذي الاول الذي كنت احد تلامذته في معهد المحاسبة العالي التابع لجامعة بغداد سنة 1961-1963. كان المنهج الذي درّسنا اياه هو كتابه الاول النظرية العامة للتأمين. وبحق كان كتاباً ذا منهجية صحيحة في دراسة التأمين كبداية حيث تناول آلية العمل التأميني ومن ثم تطرق الى الناحية القانونية لعقد التأمين ومبادئه الاساسية ثم التعريف بأنواع التأمين.

 

هذه المنهجية التي اتبعها الاستاذ بهاء كان لها الفضل الكبير في فهمي للتأمين بسهولة ويسر.

 

وكان الاستاذ في تدريسه للمادة جاداً متمكناً حريصاً على تفهمنا للموضوع. ولا اخفي سراً بأنني قد تأثرت به وسرت على منهجه في القائي المحاضرات. كما ان كتابي المطبوع الكترونياً مدخل لدراسة التأمين (مكتبة التأمين العراقي، الناشر: مصباح كمال، 2014) كتب بنفس منهجية الاستاذ بهاء في التعليم.

 

عرفت الاستاذ بهاء آنذاك محاضراً لمادة التأمين وكان بمنصب وكيل المدير العام لشركة التأمين الوطنية عندما كان مديرها العام انكليزياً ومن ثم السيد عبد الوهاب الدباغ. وكان الأستاذ بهيج هو الذي يدير شؤون الشركة وبالأخص الجانب الفني منها. وما يؤسف له ان عمل الاستاذ بهاء في مؤسسات التأمين العراقية قد انتهى مع بداية تأميم شركات التأمين في العراق سنة 1964. اما كتبه القيمة المدرجة في كلمتك عزيزي مصباح فهي خير مرجع وازخر علماً واوسع تغطية من حيث المعلومات لكل ما كتب عن التأمين بالعربية.

 

هذا ما عرفته عن رائد العمل التأميني فنياً وأما سيرته الذاتية الاخرى فهي للآخرين ولكن تأثيره في قطاع التأمين ظلَّ مستمراً ولحد الان عن طريق كتبه القيمة التي هي خير مرجع ومعين للعاملين العرب في التأمين.

 

منعم الخفاجي

بغداد 16 آب 2015

Mowaffaq Hasan Ridha on Proposed Amendment of the 1980 Compulsory Motor Accident Insurance Law

رسالة تعقيب على

مذكرات حول مداخلات مجلس النواب العراقي بشأن مشروع تعديل قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات رقم 52 لسنة 1980

 

 

موفق حسن رضا

 

 

وردت هذه الرسالة من الأستاذ موفق حسن رضا كتعقيب على مذكرة الزميلين فؤاد شمقار وتعليق الزميل مصباح كمال المنشورين في مرصد التأمين العراقي حول مقترح تعديل قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات رقم 52 لسنة 1980 (أنظر الرابط أدناه). ولهذا التعقيب أهميته لأنه وقت صدور قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات رقم 52 لسنة 1980 كان الأستاذ موفق المدير العام لشركة التأمين الوطنية، وكانت شركة التأمينات العامة الوحيدة في العراق. وقد وافق الأستاذ موفق على نشرها.

 

https://iraqinsurance.wordpress.com/2015/05/18/notes-on-bill-to-amend-the-1980-compulsory-motor-insurance-law/

 

https://iraqinsurance.wordpress.com/2015/07/20/iraqi-parliament-debates-amendment-of-compulsory-motor-insurance-law-of-1980/

 

المحرر، 27 تموز 2015

 

 

الأخ الفاضل مصباح

مع الشكر الجزيل. لقد أطلعت على تعليقاتكم بشأن مناقشات مجلس النواب ووجدتها فنية وموضوعية. أما ما ورد في مذكرة الأخ فؤاد شمقار والأخ منذر الأسود فقد كان هو الآخر موضوعيا إذ انهما عاشا تطورات موضوع إضافة قسط التأمين ورسوم إجازة التسجيل على أسعار الوقود، باعتباره يحقق العدالة في جعل القسط منسجماً مع الخطر وحدته (استخدام السيارة) ويوفر للمواطن عناء مراجعة شركة التأمين سنوياً.

اؤيد ما ذهب اليه الأخ فؤاد والأخ منذر بأن ما يقابل قسط التأمين يجب ان يكون مبلغاً محدداً وليس نسبة من كلفة الوقود. واسمح أن أبين كيفية تحديد قسط التأمين الإلزامي، كجزء من قيمة الوقود، عندما بدأ بتطبيق النظام الجديد. لقد درسنا في حينه تطورات محفظة التأمين الإلزامي، في ظل التغطية التامة التي جاء بها القانون رقم (52) لسنة 1980، وحددنا توقعاتنا لحجم التعويضات للمستقبل المنظور (في حينه). ثم أخذنا بعين الاعتبار استهلاك الوقود وتوقعات نموه المستقبلية، وتوصلنا الى ما يراد تحصيله لمواجهة التعويضات والنفقات الإدارية لخدمة التعويضات. وكان المبلغ في حينه 68% من 15 فلس عن كل لتر بنزين و 20 فلس عن كل لتر من زيت الغاز، أما الـ 32% الباقية فقد ذهبت الى الموازنة العامة عن رسوم إجازة التسجيل

وقد استمر التطبيق المذكور أعلاه وأعيد النظر بما ينبغي استيفاؤه عن قسط التأمين وفي ضوء تطور التعويضات.

وأسمح لي أيضاً ان اعقب على ما أورده الأستاذ الفاضل بهاء بهيج بشأن مستويات تعويضات التأمين الإلزامي وحالة الرجوع في حالات الخطأ الجسيم.

بالنسبة لمستوى تعويضات الوفاة والإصابة البدنية، لم يرد في القانون ولا في قرار تشكيل لجان تسوية تعويضات الـتأمين الإلزامي أي سقف للتعويض، وإنما الموضوع متروك لقناعة اللجان والتي يمكن الطعن بقرارتها أمام محكمة التمييز. فالمفروض أن تكون التعويضات جابرة للضرر، وإذا ما حصل وان وجد ان أقساط التأمين غير كافية لمواجهة التعويضات، وهذا متوقع، فيمكن حينئذ زيادة ما يضاف الى كلفة الوقود عن قسط التأمين.

أما بالنسبة لحالة الرجوع عندما تنشأ الوفاة أو الإصابة البدنية بسبب خطأ جسيم ارتكبه سائق السيارة، فإن حالة الرجوع هذه فيها جانب ردع وبُعد توجيهي اجتماعي. وهنالك العديد من القرارات التي استندت الى حالة الرجوع هذه، الأمر الذي جعل في حالة الرجوع هذه وضوح مقبول.

مع خالص الشكر على اهتمامكم بمتابعة تطورات قطاع التأمين في العراق وعملكم الجاد الدؤوب على المحافظة عليه وتطويره باتجاه الأفضل كلما كان ذلك ممكنا.

مع تحياتي

موفق حسن رضا

26 تموز 2015

Iraqi Parliament Debates Amendment of Compulsory Motor Insurance Law of 1980

وقفة مع مداخلات مجلس النواب العراقي في القراءة الثانية لمشروع قانون تعديل قانون التأمين الالزامي من حوادث السيارات رقم (52) لسنة 1980

 

 

مصباح كمال

 

 

جاء في نشرة الدائرة الاعلامية لمجلس النواب العراقي (4 تموز 2015) أن المجلس انجز “…. القراءة الثانية لمشروع قانون تعديل قانون التأمين الالزامي من حوادث السيارات رقم (52) لسنة 1980 والمقدم من اللجان المالية والامن والدفاع والنفط والطاقة والثروات الطبيعية.” ولخصت النشرة مداخلات أعضاء المجلس نعرضها أدناه ونعلق عليها باختصار كما يلي:

 

“وفي المداخلات اكد النائب جوزيف صليوا وجود فوضى عارمة في السيارات بسبب دخولها بشكل غير منظم، مطالبا بان تستوفي السيارات المستوردة كافة مستلزمات الامان.”

 

لا أدري ماهي العلاقة السببية بين الدخول غير المنظم للسيارات إلى العراق [استيراد السيارات] وتعديل قانون 1980. هل أراد أن يقول بأن فقدان مستلزمات الأمان في السيارات المستوردة هي وراء بعض حوادث السيارات وبالتالي مطالبات التعويض الناشئة عنها؟ لكن التعديل لا علاقة له باستيراد السيارات.

 

“وابدى النائب محمد تميم اعتراضه على مشروع [الـ]قانون كون شركة التامين مختلطة [هكذا]، لافتا الى اهمية اظهار السند القانوني بشان ذهاب الاموال لوزارة المالية.”

 

لم أفهم ما الذي يرمي إليه النائب من اعتراضه على “كون شركة التأمين مختلطة”، وما هي هذه الشركة. هل كان يفكر أن سوق التأمين العراقي الآن يتكون من شركات تأمين عامة وخاصة، وأن حصر إدارة التأمين الإلزامي بشركة التأمين الوطنية ليس مقبولاً؟

 

ولا ندري ماذا يعني من “ذهاب الاموال لوزارة المالية” فالأموال [قسط التأمين الإلزامي من مجموع مبالغ المبيعات الفعلية لشركة توزيع المنتجات النفطية من البنزين وزيت الغاز] تذهب إلى شركة التأمين الوطنية لتمويل المطالبات بالتعويض، والتعديل المقترح هو أن “توزع المبالغ المتحققة لدى شركة توزيع المنتجات النفطية بعد استقطاع حصتها البالغة نصف بالمئة من هذه الزيادة بواقع (68%) الى شركة التأمين الوطنية و(32%) الى الموازنة العامة للدولة وتسدد بأقساط ربع سنوية.”

 

لمن يريد أن تذهب هذه الأموال [أقساط التأمين] إذاً؟ مداخلة النائب لا تكشف عن مصير هذه الأموال. ومن المفارقة أن نائباً آخراً، مثنى أمين، شدَّد على تحويل المبالغ التي تستحصل من الوقود الى وزارة المالية.

 

“ودعا النائب عبود العيساوي الى تعديل القانون ليتلائم مع المتغيرات الاجتماعية خصوصا مع لجوء ذوي ضحايا الحوادث الى الدية العشائرية.”

 

المتغير الأساسي، كما يظهر من قراءة هذه المداخلة، هو اللجوء إلى الدية العشائرية. وهو ليس بالجديد بل استمرار لسياسات السلطة الدكتاتورية الماضية كما حلله د. سليم الوردي:

 

“لم يقتصر تشجيع السلطة للعلاقات العشائرية على دعمها مادياً ومعنوياً، بل وعلى إضعاف فاعلية بعض القوانين المدنية المصممة لتسوية النزاعات المدنية، مما فتح الباب على مصراعيه لإحلال أسلوب الفصل العشائري بديلاً عنها. وكنت شاهداً على مثال حي يتعلق بتطبيقات قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات، بحكم عملي في شركة التأمين الوطنية.”[1]

 

ونضيف إلى ذلك ما كتبه المحامي بهاء بهيج شكري بوجود ما يراه عيباً أساسياً في قانون 1980 مقارنة بالقانون القديم (قانون التأمين الإلزامي عن المسؤولية المدنية الناشئة من حوادث السيارات رقم 205 لسنة 1964) فقد كتب أن

 

“ضآلة مبالغ التعويضات التي درجت اللجنة المذكورة [لجنة تقدير التعويض المكونة من قاضٍ من الدرجة الثانية وعضوين يمثلان شركة التأمين الوطنية ودائرة الرعاية الاجتماعية] على تقديرها لم تكن لتغطي 10% من الضرر الفعلي الذي يصيب الشخص المضرور، مما أعاد “النظام العشائري” المعروف بنظام “الفصل والدية” للظهور والذي سبب إعادة تطبيقه إرهاقاً كبيراً لمالكي المركبات. هذا النظام الذي اختفى نهائياً بتشريع قانون التأمين الإلزامي القديم وما رافقه من إلغاء نظام دعاوى العشائر.”[2]

 

“بدورها طالبت النائبة عالية نصيف بشمول المشاة بالقانون بالإضافة الى اهمية ان تتعامل شركة التامين بشفافية.”

 

يا للمطلب العجيب! أو ليس القانون وضع أصلاً لحماية الأطراف الثالثة، “المشاة”، وضمان حصولهم على تعويض مناسب بقوة القانون؟ ما قالته النائب البرلماني ربما يدل على أنها لم تكلف نفسها عناء قراءة قانون 1980 وإلا ما كان لها أن تقدم مطلب شمول المشاة بالقانون.

 

أما مطلب تعامل “شركة التامين [الوطنية] بشفافية” فهو مطلب يبدو أنه جوهري وربما يعكس تجربتها، أو تجربة غيرها، في مطالبة شركة التأمين الوطنية بتعويض. لا أدري إن كانت السيدة النائب تعرف بأن هناك لجنة يرأسها قاض من الدرجة الثانية وتضم ممثلاً عن شركة التأمين الوطنية وممثلاً عن مؤسسة الرعاية الاجتماعية. وظيفة هذه اللجنة تقدير قيمة التعويض للطرف المتضرر.

 

إزاء ذلك، ماهي الشفافية التي تطلبها السيدة النائب؟

 

“واشارت النائبة نجيبة نجيب الى ان القانون تم تشريعه في ظل نظام اشتراكي مما يفرض الحاجة الى تشريع قانون يلبي الطموح والفترة الحالية.”

 

هذا كلام عام فضفاض، ربما لم ينقل كاتب النشرة فحواه بشكل سليم. ترى ما هو “الطموح” وما هي مزايا “الفترة الحالية” من منظور تأميني؟ هل انها تريد إعادة النظر في نظرية تحمل التبعة (كأساس لالتزام المؤمن، شركة التأمين، بدفع التعويض للطرف المتضرر بدلاً من المسؤولية القائمة على ركن الخطأ المفترض القابل لإثبات العكس)، وهي النظرية التي يستند عليها قانون 1980؟ ترى هل أنها تدعو إلى استعادة مبدأ سلطان الإرادة ومبدأ نسبية آثار العقد؟

 

 

“وشدد النائب مثنى امين على اهمية تعديل القانون او الغاءه وتحويل المبالغ التي تستحصل من الوقود الى وزارة المالية.”

 

كيف يستقيم التشديدُ على “أهمية تعديل القانون” مع بديل إلغائه؟ إن كان التعديل مهماً فما السبب لطرح فكرة إلغائه؟

 

ليس واضحاً سبب الدعوة إلى “تحويل المبالغ التي تستحصل من الوقود الى وزارة المالية” [المراد بهذه المبالغ هو قسط التأمين الإلزامي المستوفى بنسبة (0.003) ثلاثة بالألف من مجموع مبالغ المبيعات الفعلية لشركة توزيع المنتجات النفطية من البنزين وزيت الغاز]

 

هل المراد بذلك تحويل إدارة تعويضات التأمين الإلزامي من شركة التأمين الوطنية، وهي تابعة لوزارة المالية، إلى هيئة أخرى في وزارة المالية؟ هل أن نائب البرلمان كان يفكر بتأسيس هيئة مستقلة داخل وزارة المالية تتولى مهام النظر بمطالبات التعويض؟ أي، بعبارة أخرى، تأسيس شركة تأمين متخصصة بإدارة كل ما يتعلق بالتأمين الإلزامي من حوادث السيارات؟

 

إن كان مثل هذا التفكير حاضراً في ذهن النائب أقترح عليه تقديم مشروع قانون جديد إلى الحكومة كي تنظر بأمر تبنيه وعرضه للنقاش العام. وهناك تجارب في غير مجال التأمين الإلزامي من حوادث السيارات في بعض الدول، ومنها المملكة المتحدة، حيث تم تأسيس شركة متخصصة للتأمين على خطر الإرهاب أوائل تسعينيات القرن الماضي. ومن المنتظر إطلاق شركة أخرى لتأمين أخطار الفيضانات.

 

لا أظن بأن نائب البرلمان كان يفكر ضمن هذا الإطار.

 

“واوضح النائب حسن توران ان تعديلات القانون طالت اكثر من 70 منه الامر الذي يتوجب اعادته الى الحكومة لإرسال قانون جديد.”

 

مشروع تعديل القانون لا يتجاوز صفحة واحدة، عدد كلماته من أوله إلى آخره 256 كلمة. كيف طالت تعديلات القانون “أكثر من 70 منه” ليتوجب إعادته إلى الحكومة لإرسال قانون جديد؟ هذا القول ربما يدل على أن صاحبه لم يقرأ نص قانون 1980 الذي يتوزع على بضع صفحات. أو ربما يشير إلى كسل فكري في استيعاب مشروع التعديل وربطه بأحكام قانون 1980.

 

“وفي ردها على المداخلات اكدت اللجنة المعنية عدم وجود اعتراض على القانون من حيث المبدأ مشيرة الى ان القانون يخص التامين على السيارات مؤكدة ان القانون مفيد للمواطن كثيرا كونه يعوضه عما أصابه من ضرر.”

 

لن نناقش هنا مشروع تعديل القانون فقد قام الزميلان محمد فؤاد شمقار ومنذر عباس الأسود بدراسته والكتابة عنه.[3] لكن المؤسف، وحسب المعلومات المتوفرة لدينا، فإن هذه اللجان لم تستأنس برأي شركة التأمين الوطنية، وهي التي تدير مطالبات التعويض عن حوادث السيارات، أو جمعية التأمين العراقية، أو أياً من الحقوقيين والمحامين العاملين في شركة التأمين العراقية العامة والخاصة، أو أية أطراف أخرى معنية بالموضوع.

 

بعض المداخلات هي من نمط إبداء رأي، أياً كان هذا الرأي. كما أنها تدور حوالي قانون 1980 ومشروع تعديله إذ لا يرد في النشرة ما يفيد قيام مناقشة لفحوى مشروع التعديل أو الجوانب الإشكالية في أحكام قانون 1980.

 

يبدو أن المداخلات المذكورة في النشرة إما أن تكون مختزلة ولا تنقل أفكاراً مهمة ربما جاءت في المداخلات أو أنها تمثل حقاً موقف أعضاء المجلس المشاركين في المناقشة. وإذا كان الأمر كذلك، فهناك فقر في المناقشة ربما يعكس ضعف أو عدم توفر قاعدة معرفية تأمينية أو اطلاع كافٍ على الفلسفة التي تنتظم قانون التأمين الالزامي من حوادث السيارات رقم (52) لسنة 1980 وتعديلاته وتاريخ تشريع التأمين الإلزامي ومنه قانون التأمين الإلزامي من المسؤولية المدنية الناشئة من حوادث السيارات رقم 205 لسنة 1964.

 

وكما هو معروف، فقد اعتمد القانون على مبدأ تحمل التبعة ومفاده أن المسؤولية المدنية تقوم على الضرر المتحقق دون الحاجة لوجود ركن الخطأ كما هو الحال في نظرية المسؤولية التقليدية، كما جاء في الأسباب الموجبة والمادة الثانية من قانون 1980.

 

اعتماد هذا المبدأ أشرَّ على تطور مهم غير مسبوق في تشريعات المسؤولية المدنية (افتراض قيام المسؤولية بقوة القانون بغض النظر عن خطأ الشخص الذي تسبب فعله في الضرر الذي لحق بالطرف المضرور، الطرف الثالث. لكن تطبيق القانون كشف عن بعض العيوب. ومنها ضآلة التعويضات المدفوعة للمضرورين، فالتعويضات هي دون القيمة الحقيقية لآثار الضرر الفعلي. وهذه الظاهرة ساهمت في استعادة نظام الدية والتسوية العشائرية، كما بيَّن المحامي بهاء بهيج شكري. وهناك جوانب أخرى رصدها الأستاذ شكري (إشكالية تحديد الخطأ الجسيم، الحوادث المسببة بسيارات مجهولة، اختزال تحديد قسط التأمين بعلاوة على سعر البنزين المستهلك مما يخلق إشكالية تتمثل بعدم وجود تناسب حقيقي بين حدة الخطر وكلفة التعويض حسب نوع المركبات واستعمالاتها وغيرها من العناصر الاكتتابية التي تؤخذ اعتيادياً بنظر الاعتبار لتحديد سعر التأمين  الخ).[4]

 

اقترح على أعضاء اللجان المالية والامن والدفاع والنفط والطاقة والثروات الطبيعية، وكذلك نواب البرلمان المهتمين بالموضوع، شراء نسخ من كتاب المحامي بهاء بهيج شكري، التأمين من المسؤولية في النظرية والتطبيق (عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2010) وقراءة المبحث الخاص فيه المعنون “ملاحظات حول قانون التأمين الإلزامي العراقي رقم (52) لسنة 1980، ص 582-599، للاستفادة من تحليله الموضوعي لأحكام القانون والأسباب التي عرضها لإلغاء هذا القانون.

 

نأمل من أعضاء مجلس النواب الارتقاء بمستوى مناقشاتهم للقضايا التأمينية، وإن كانوا يفتقرون إلى معرفة حقيقية بمفاهيم وممارسات التأمين فما عليهم إلا الاستئناس بأهل الاختصاص في العراق، أعني جمعية التأمين العراقية التي تضم شركات التأمين العامة والخاصة المرخصة من قبل ديوان التأمين.

 

20 تموز 2015

[1] د. سليم الوردي، مقتربات إلى المشروع السياسي العراقي، 1921-2003 (بغداد: د. ن.، ط1، 2005)، ص 107.

[2] المحامي بهاء بهيج شكري، التأمين من المسؤولية في النظرية والتطبيق (عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2010)، ص 585-586.

[3] محمد فؤاد شمقار ومنذر عباس الأسود، “ملاحظات حول مشروع قانون تعديل قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات رقم 52 لسنة 1980،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2015/05/18/notes-on-bill-to-amend-the-1980-compulsory-motor-insurance-law/

 

[4] حسب علمنا، ليست هناك إحصائيات منشورة عن إجمالي المخصص من سعر الوقود (لتكوين رصيد المحفظة التأمينية لتغطية التعويضات) وكلفة التعويضات المسددة.

Baha’a Baheej Shokry: a late appreciation of an Iraqi Insurance pioneer

بهاء بهيج شكري

محاولة متأخرة في الاحتفاء بأحد رواد التأمين في العراق

 

 

مصباح كمال

 

 

لم ألتق به، وكنت أسمع عنه عندما كنت أعمل في شركة التأمين الوطنية كونه محامياً رفيع المستوى في الدفاع عن مصالح عملاءه.  وقتها لم أتوفر على نسخة من كتابه النظرية العامة للتأمين أو قل لم أبذل جهداً للحصول عليه لأنني كنت مكتفياً، في معظم الأحيان، بالقراءة باللغة الإنكليزية.  كان هذا قصوراً مني لأن نسخته ربما كانت موجودة في مكتبة التأمين الوطنية.

 

ذكرت اسمه في مقالتي “المحامون والتأمين في العراق: فصل مهمل في تاريخ قطاع التأمين العراقي”[1] في سياق مساهمة المحامين “في تأليف كتب قيّمة عن التأمين مستفيدين في وضعها من تضلعهم بالمصادر القانونية التأمينية العربية والإنجليزية.  ولنا أن نذكر هنا المحامي بديع أحمد السيفي والمحامي بهاء بهيج شكري كمثالين مع الاعتذار ممن لا نقدر على استذكارهم.”  فبعد ذكر الكتابين المرجعيين للسيفي (التأمين علماً وعملاً، والوسيع في التأمين وإعادة التأمين علماً وقانوناً وعملاً)، أشرت إلى أن شكري نشر جملة من المؤلفات:

 

إعادة التأمين بين النظرية والتطبيق

التأمين البحري في التشريع والتطبيق

التأمين في التطبيق والقانون والقضاء

التأمين من المسؤولية في النظرية والتطبيق

النظرية العامة للتأمين

 

وأضفتُ بأن “مجرد عرض الأسماء المعروفة والمتداولة لا يُغني بالطبع عن البحث والتقييم النقدي للمساهمة، حقيقية أو موهومة، لهذه الأسماء في بناء قطاع التأمين.  لكن عرض الأسماء قد يفتح الباب لشحذ الذاكرة وللتعرف الأولي على أصحابها والربط، بعد الاستقصاء، بينها وبين إصدار قانون تأميني معين، أو مشاركة في حل قضية تأمينية عويصة أمام المحاكم أو مع معيدي التأمين.”

 

في زيارة لعمّان أوائل 2015 التقيت بالصديق الدكتور حمدي التكمجي، وهو ممن عمل الأستاذ شكري معه في تقديم الاستشارة القانونية لشركة روسية تعمل في العراق، وقدم لي مجموعة من كتبه المنشورة، وبفضلها أستطيع الآن تثبيت عنوانيها وبيانات نشرها كما وردت في آخر صفحة من كتابه بحوث في التأمين ليتعرف الجيل الجديد من ممارسي التأمين في العراق على مساهماته الفكرية القيمة:

 

النظرية العامة للتأمين – الطبعة الأولى 1960 نفذت.  من منشورات مطبعة دار المعارف – بغداد

 

التأمين في التطبيق والقانون والقضاء – الطبعة الأولى 2007 نفذت.  من منشورات دار الثقافة للنشر والتوزيع – عمّان

إعادة التأمين بين النظرية والتطبيق – الطبعة الأولى 2008 نفذت من منشورات دار الثقافة للنشر والتوزيع – عمان

 

التأمين البحري – في التشريع والتطبيق – الطبعة الأولى 2009 من منشورات دار الثقافة للنشر والتوزيع – عمان

 

التأمين من المسؤولية – في النظرية والتطبيق – الطبعة الأولى 2010 من منشورات دار الثقافة للنشر والتوزيع – عمان

 

التأمين في التطبيق والقانون والقضاء – الطبعة الثانية – بجزأين 2011 من منشورات دار الثقافة للنشر والتوزيع – عمان

 

إعادة التأمين بين النظرية والتطبيق – الطبعة الثانية – 2011 من منشورات دار الثقافة للنشر والتوزيع – عمان

 

بحوث في التأمين – الطبعة الأولى – 2012 من منشورات دار الثقافة للنشر والتوزيع – عمان

 

وتدل عناوين هذه الكتب على أن الأستاذ بهاء بهيج شكري باحث وكاتب موسوعي في قضايا التأمين.  وتشكّل هذه الكتب مراجع أساسية لممارسي التأمين الجدد من الشباب والقدماء.  ولعله يتحفناً يوماً بكتب متخصصة أخرى عن تأمينات الحياة والتأمين الهندسي.

 

ليس الهدف من هذه الورقة عرض أي من هذه الكتب، فكل واحد منها يحتاج إلى من هو متخصص في مجاله.  وأكتفي الآن بتعليق انتقائي قصير على واحد منها: بحوث في التأمين.  ضمَّ هذا الكتاب فصلاً طويلاً مثيراً ومهماً (ص 15-82) بعنوان “البحث التمهيدي: تجربتي مع التأمين” عرض فيها تجربته في قطاع التأمين العراقي.  وهو عرض يرقى في قيمته إلى دراسة سريعة ودقيقة لتاريخ صناعة التأمين في العراق في أعوام تشكلها وتطورها اللاحق.  وقام أيضاً بالتعريف بالعديد من أركان التأمين، ومنهم، على سبيل المثل، مع حفظ الألقاب، عبد الوهاب مصطفى الدباغ، سعاد نايف برنوطي، بديع أحمد السيفي، عطا عبد الوهاب، عبد الباقي رضا، لطفي العبيدي، ممتاز العمري.  وقد كتب عنهم وغيرهم، كما أرى، بموضوعية وباحترام.  وهو بهذا يترك للآخرين مادة يمكن الاستفادة منها كمنطلق في البحث الأكاديمي لتاريخ التأمين في العراق من خلال أدوار هؤلاء وشركات التأمين التي عملوا فيها.  لنقرأ، على سبيل المثل، ما كتبه عن عبد الباقي رضا:

 

“تعرفت بالسيد عبد الباقي رضا عندما كان مديراً لأحد أقسام شركة التأمين العراقية، وقد وجدته شخصاً ذكياً واسع الاطلاع وجدياً منتهى الجد في عمله، ونشأت بيننا علاقة ودية حميمة.  وعند تأميم شركات التأمين عُيّن مديراً عاماً لشركة بغداد للتأمين خلفاً للسيد عطا عبد الوهاب.  وبعد استقالة السيد عطا عبد الوهاب من شركة التأمين الوطنية خلّفه في منصبه.  وقد عمل السيد عبد الباقي على الحفاظ على المركز الذي احتلته التأمين الوطنية.

 

وللحقيقة أقول، إن السيد عبد الباقي رضا لم يكن مجرد إداري ناجح، بل انه يعتبر من أبرز خبراء التأمين في العراق.  وقد شاركته في العديد من هيئات الخبرة القضائية والعديد من هيئات التحكيم، فوجدته لا يبني رأيه على افتراضات مجردة بل يحاول التعمق بالبحث ليصل إلى نتيجة حاسمة.  وقد حاول بعض الموظفين المغرضين الانتهازيين من شركة التأمين الوطنية أن يوقعوا بيني وبينه بأن نسبوا إلىَّ أقوالاً لم تصدر عنّي تتضمن الطعن بكفاءته واستقامته، فخابوا في سعيهم هذا.”

 

هناك متعة فكرية في قراءة ما كتبه في بحوث في التأمين حول التدريب الذي تلقاه في لندن، وبعض القضايا التي تولى الدفاع عنها أمام المحاكم العراقية لصالح موكليه، ففيها نكتشف بعضاً من قدراته الواسعة على استخدام الحجة القانونية ربطاً بفهم عميق لمبادئ التأمين.  وهناك متعة أخرى وهي سلاسة اللغة التي يكتب بها دون تزويق لفظي أو حشو أو تعقيد.  ولذلك فإن كتبه العديدة صالحة للاستخدام ككتب تعليمية في مختلف المستويات.

 

من حسنات هذا الكتاب وكتبه الأخرى هو الاهتمام بوضع المصطلحات باللغة الإنكليزية.  وهذه يمكن أن تُحول إلى مسرد ألفبائي في طبعات لاحقة.  ومن الحسنات أيضاً الإخراج الجيد بتجليد فني.  ومن المفرح أن بعضاً من هذه الكتب صارت متوفرة في بعض الجامعات العربية.

 

ويضم كتابه بحوث في التأمين نص مشروع لقانون للتأمين وضعه ليحل محل قانون شركات الضمان-السيكورتا العثماني (1905) وفصل التأمين البحري في قانون التجارة البحرية العثماني (1883)، كما ذكر في “البحث الختامي: مشروع قانون التأمين.” (ص 829).  وهو بهذا يُقدم لنا مشروعاً ريادياً حبذا لو حظي باهتمام ممارسي التأمين في العراق وعناية المشرّع العراقي لسد فجوة في القوانين العراقية.  هذا الجهد الفردي يمثل عملاً ريادياً يستحق تقييماً عالياً.

 

بحوث في التأمين يستحق قراءة موسعة لإبراز أهميته ضمن الكتابات التأمينية العراقية.  آمل أن يقوم بعض الزملاء بتحقيق ذلك.  وآمل أن أستطيع التعريف بالأستاذ بهاء بهيج شكري، من خلال كتابه، في المستقبل بشكل أفضل فهذه الورقة لا توفيه حقه.

 

أتمنى على الأستاذ بهاء أن يتوسع في كتابة “البحث التمهيدي: تجربتي مع التأمين”، هذا الفصل، الذي يجمع بين ملامح من السيرة الذاتية والعرض التاريخي، وينشره ككتاب مستقل.  أقول هذا لأننا نفتقر إلى كتاب عن تاريخ التأمين العراقي رغم المحاولات المشتتة من بعض الكتاب لمعالجة جوانب معينة من هذا التاريخ.

 

لندن 23 نيسان/أبريل 2015

 

[1] مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2011/01/lawyers-insurance-in-iraq-neglected.html

Baha’a Baheej Shokry: an Iraqi Insurance Pioneer

بهاء بهيج شكري

من رواد التأمين في العراق

 

 

فؤاد عبد الله عزيز

 

بتاريخ 28 نيسان 2015 كتبت رسالة إلى سبعة من زملائي أعلمهم فيها بنيتي “إعداد ورقة للتعريف بالمحامي بهاء بهيج شكري (تخرج من كلية الحقوق سنة 1950) والاحتفاء به (يقيم الآن في عمّان)، على غرار الورقة التي أعددتها (بمشاركة فؤاد [شمقار] ومنذر [الأسود]) عن الأستاذ بديع أحمد السيفي (شباط 2013)، ونشرها في مرصد التأمين العراقي.”  وذكرت في الرسالة بأنني سأكون شاكراً لهم لأية مساهمة منهم أو من قبل آخرين يتوسمون فيهم القدرة على المساهمة في هذه الورقة.  حتى الآن لم استلم سوى رد من الزميل فؤاد عبد الله عزيز [يعمل في البحرين]، ورد قصير من زميل آخر بوعد الكتابة فيما بعد.  وقد ارتأيت أن أنشر المساهمة القصيرة للزميل فؤاد عبد الله الآن، وابعها مع ورقتي التي كتبتها في وقت سابق، لعله يحفّز الآخرين على تقديم ما لديهم.  (مصباح كمال)

 

نص رسالة فؤاد عبد الله عزيز

 

عزيزي مصباح

 

سألتني حينها عن السيد بهاء بهيج شكري، وهو رجل تأمين قديم سبقنا جميعاً اذ لم يكن موجوداً في شركة التأمين الوطنية حين التحقت بها عام 1966 ومعلوماتي الشخصية عنه قبل أن اتعرّف عليه انه كان معاونا لمدير عام التأمين الوطنية حتى عام 1963 ويبدو انه كان يحمل افكاراً تقدمية حينها مما ابعده عن الوظيفة لأسباب سياسية على الأغلب.  تعرّفت على السيد بهاء بعد ذلك بأعوام وترسخت بعد التسعينيات عندما سُمح بتأسيس شركات تامين خاصة إذ عمل وقتها مستشاراً لشركة دار السلام للتأمين.  وهي، كما تعرف، أول شركة تأمين خاصة تأسست سنة 2000 بموجب قانون صدر سنة 1997.

 

للرجل كتابات متميزة في التأمين وفي الجوانب القانونية منه.  وأذكر انه زارني مع السيد ميرزا مجيد، المدير المفوض لشركة دار السلام، عندما كنت مديراً عاما لشركة اعادة التامين العراقية، لإعداد ترتيبات اعادة التامين واختلف مع السيد ميرزا الذي كان ميالاً لزيادة احتفاظ شركته وهي لا زالت وليدة لجذور ميرزا المالية اذ كما تعلم انه كان خبيراً مالياً لشركة التأمين العراقية قبل تقاعده، وكيف كان السيد بهيج الذي كان يعتقد ان شركة تأمين صغيرة وبرأسمال صغير لا بد ان تعتمد على تسهيلات إعادة التامين بشكل كبير إلى أن تتمكن من بناء احتياطيات ومركز مالي جيد عندها يمكنها البدء بزيادة احتفاظها تدريجياً وحسب انواع التامين التي تمارسها.

 

السيد بهاء بهيج شكري من رواد التأمين في العراق مع عدد كبير لا بد لنا ان نتذكرهم جيداً وبالأسماء فهم من رسّخوا هذه الصناعة وعززوا سمعتها وكفاءتها اقليميا ودوليا.  وآمل أن أستطيع الكتابة عنه بشكل موسع في وقت لاحق.

 

تحياتي

 

المنامة 24 حزيران 2015

 

Ayser al-Khaffaf

تقديم لمقالة يسار حسن

أيسر الخفاف: أم وزوجة وشريكة مناضل من أجل حرية العراقيين

مصباح كمال

ما يدفعني إلى نشر هذه المادة هو أن السيدة المرحومة أيسر الخفاف (1933-2002) بدأت العمل في المجال التأميني سنة 1968 في شركة إعادة التأمين العراقية، وهي نفس السنة التي دخلتُ فيه هذا المجال.  ويشترك كلانا، إلى حدٍ ما، في سبب أو ظروف دخولنا لهذا المجال.  هي دخلته بعد غيبة عن العمل (كانت محاسبة متمرسة عملت أولاً في مصفى الدورة في بغداد) لأسبابٍ سياسية ضمن تسوية، بان زيفها فيما بعد، بين النظام الذي ساد بعد 17 تموز 1968 والأحزاب والقوى والشخصيات السياسية اليسارية.  دخلته اضطراراً وليس اختياراً منها.  وهو ما اشتركُ به معها مع فارق وهو انني كنتُ عاطلاً عن العمل رغم اني ابتعثتُ من قبل وزارة المعارف (1962) للدراسة في بريطانيا بعقدٍ يفرض علي العمل لدى الدولة (وزارة الخارجية) بعد حصولي على الشهادة الجامعية المقررة (1967).  وهكذا بدأتُ العمل في شركة التأمين الوطنية في بغداد (1968) لأنه لم يكن أمامي فرصة عمل أخرى جديرة وقتذاك.  ويشترك كلانا أيضاً بمؤهل معرفة اللغة الإنجليزية التي ربما كانت من العوامل المهمة التي شجعت على استخدامنا.

لم تعمل السيدة أيسر في ما نسميه الجانب الفني (قسم الحريق والحوادث، قسم البحري بضائع وهياكل السفن، قسم التأمين الهندسي .. الخ) في شركة إعادة التأمين العراقية، وهو ما أكده السيد قيس المدرس في رسالة من المنامة بتاريخ 10 تشرين الأول 2014، اقتبسها كما وردتني:

“As I remember, Ayser Alkhafaf joined Iraq Re same year as me 1968 and she was assigned to the Finance Department and she joined me in sitting with Dr Rajab twice or three times a week to discuss some insurance topics as part of our orientation.  She did not work for a long period with us.”

ربما لو كانت قد استمرت في عملها في شركة إعادة التأمين العراقية لكان لها دور متميز في تاريخ هذه الشركة، خاصة وهي تحمل شهادة جامعية من بريطانيا ومتمكنة من اللغة الإنجليزية – أحد المتطلبات التي كان د. مصطفى رجب، مدير عام الشركة، يؤكد عليه في اختياره للموظفين والموظفات.  وكما يتبين من هذه الرسالة فإن نية إدارة الشركة آنذاك كان منصباً على الاستفادة من قدراتها المحاسبية واللغوية للعمل في الجانب الفني، وهو ما حصل بالنسبة للسيد قيس المدرس إذ أصبح مديراً عاماً للشركة (1980-1998).[1]

السيدة أيسر هي من نمط موظفين عملوا في شركة إعادة التأمين العراقية ولم يستمروا فيها طويلاً كنجيب المانع ومجيد الحاج حمود وآخرين لا أتذكرهم.  أما أنا فقد بقيت أعمل في قطاع التأمين، في بغداد ولندن، منذ 1968.

التقيت بالسيدة أيسر الخفاف في أوائل تسعينيات القرن الماضي في لندن بفضل الصديق عزيز جصّاني.  كانت تبحث عن عمل.  لم يكن باستطاعتي مساعدتها مباشرة فشرحت لها، حسب ما كنت أعرفه، أوضاع العمل في سوق لندن للتأمين، وارشدتها إلى بعض وكالات الاستخدام المتخصصة بقطاع التأمين، والمجلات التأمينية التي تنشر إعلانات عن وظائف في هذا القطاع.  لكنها لم تعمل وتوجهت للعمل الطوعي لبعض الوقت.

لم ألتقي بالسيدة أيسر بعد ذلك لكنني التقيت ابنها الكبير يسار، كاتب هذه المقالة، مرات عديدة قبل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وبعده.  كان مهموماً بقضايا العراق وتقدمه، وعمل بكثافة في قضية إلغاء ديون العراق ضمن حملة Jubilee 2000، وهي الحملة التي ربما ساهمت، إلى حدٍ ما، في إعفاء 80% من ديون العراق؛ مثلما عمل في مجالات أخرى.

لقد جاءت مقالة يسار محمد سلمان حسن باقتراح مني للكتابة عن والدته بعد أن كتب مقالة طويلة هي بمثابة سيرة لوالده، نشرتها شبكة الاقتصاديين العراقيين.[2]  وتزامن هذا النشر مع الملف الخاص الذي نشرته مجلة الثقافة الجديدة، العدد 368-369، 2014، ص 8-90.[3]

بالمناسبة، لم يكتب د. محمد سلمان حسن عن النشاط التأميني في العراق بشكل مباشر أو غير مباشر لكن أطروحته حول دور التجارة الخارجية في التطور الاقتصادي في العراق، 1864-1964، يوفر مرجعاً وخلفية لدراسة هذا النشاط في العراق ضمن التطور الاقتصادي العام للعراق.  فهو يذكر شركة أندرو وير (Andrew Weir & Co) التي دخلت العراق سنة 1905 وكانت تحتكر تجارة تصدير التمور والشعير خلال وبعد الحرب العالمية الثانية،[4] وكان تمارس أعمال التأمين أيضاً، وقد أشرت إلى ذلك في مقالةٍ لي.[5]  وقد حاول الزميل ستار كرمد عيدان الاستفادة من كتابات د. حسن في بحثه عن جذور سوق التأمين العراقية.[6]

لندن 7 تشرين الثاني 2014

Ayser al-Khaffaf

Mother, Wife and Partner of an Iraqi Freedom Fighter (1933-2002)

Yasar Hasan

The following are glimpses from the life of Ayser Shawket Suleiman al-Khaffaf.

Ayser al-Khafaff was born in the summer 1933.

She was well known for her good looks and was chosen a beauty queen whilst in middle school.  She completed her pre-university schooling in Iraq and was one the few young women who won a scholarship from the Iraqi government to study in the UK.  She pursued a degree in commerce at Manchester University.  Her colleagues in the same year were Ibrahim Alawi and Fouad al-Amir.

While at university, she met another Iraqi student on a scholarship, Mohammed Salman Hasan.  They met in one of his trips to meet Iraqi students in Manchester.  They married eventually and she was with him whilst he was doing his DPhil at St Anthony College, Oxford.

While in England, she recalls a visit from a special envoy of Iraqi Prime Minister Nuri al-Sa’id, asking the young scholar Mohammed Salman Hasan, aged 28, to be Iraq’s permanent representative in the UN.  This offer was made in 1956 after firing him from his scholarship (1954), withdrawing his passport (1955) and requesting the British government to deport him – all this because of his radical political views.  This offwe was made after the Iraqi students occupation of the Iraqi Embassy in Queen’s Gate, London in which he played a central role.  The occupation was in solidarity with Egypt and its people against the Tripartite Aggression against Egypt.  He consulted his wife, Ayser, on the offer; she concluded that it is not morally right to accept such a dangled carrot to silence him.  With dignified calm, he delivered the refusal to the envoy.[7]  This example of uncompromising moral stand continued with her for the rest of her life.

Eventually, having graduated in 1958, both of them returned to Iraq prior to the revolution.  Her husband, Mohammed Salman Hasan, DPhil Oxon, held one of the most prestigious qualifications.  However, because of his radical views he could only be appointed at the Development Board as a temporary employee on a daily rate.  She was appointed an accountant at Doura Refinery in Baghdad.

After the 14th July 1958 Revolution, Prime Minister Abdul Karim Qasim offered Dr Hasan a ministerial position but he apologised for declining this offer.  In one of our conversations, he said that he told Qasim that although he can fulfil the duties of that position but having been away from the people for so long made it hard for him to assume such a public responsibility, which he always took seriously.  He was then appointed secretary of Majlis al-Eimar (Development Board) and was allocated a government bungalow for a nominal rent in the Alwiyah area in central Baghdad, previously occupied by British government advisors.  He was also privileged with a government car, registration number 3 Eimar.

She used to walk in the muddy path to get from our home to the main street to take the bus to go to work whilst she was heavily pregnant with me.  Yet my father refused to drive her to work in the government car, though their offices were close.  His view was that the car was connected to his work and it was not a family car; the privilege should not be abused.  At best, he will drive her, on his way to work, to the bus stop.

She was active in the Iraqi Women’s League along the founding leaders Naziha al-Duliami and Dr Salima al-Fakhri and many other leading woman lights in Iraq.[8]

Towards the end of Qasim’s regime her husband wrote a controversial appeal signed by 32 top intellectuals of the country, demanding a human rights charter to enshrine the rights of the Iraqi people including the Kurds.

In February 1963, whilst pregnant with her second son Ammar, Qasim issued an arrest warrant against her husband because of the appeal.  Her husband was a very close friend of the late air force commander Jalal al-Awqati.  He was aware of the Baathist coup attempt that is why the Baathists swiftly murdered him early in the early hours of the morning of 8th February 1963.[9]

In early February 1963, the elite pilots of Iraq were on practice led by Jalal.  One of the pilots was Esmat Shwaket Suleiman Al Khaffaf, Ayser’s brother, who did not perform to his usual faultless flying.  He was stressed because of his sister’s condition.  Jalal asked Esmet why he has not told him that his sister had a difficult birth while Dr Hasan was engrossed in his work at Majlis al Eimar knowing that General Qasim will activate the arrest warrant against him.  Dr Hasan was also under great stress and his message to his wife Ayser was that she was giving birth at the worst time for Iraq.

After the coup, both were sacked and Dr Hasan was sent to prison together with other members of Iraq’s intellectual elite.

On reflection, Prof Hasan’s imprisonment under the order of Qasim has saved him from certain death.  Rumours suggest that Saddam tortured him and as a result, he lost his hearing.

They have just built a house in the Dawoudi area in Baghdad on a plot given to them by the Qasim government.  Having lost their jobs and having no income, a friend arranged for her to work as an accountant with Whinney Murray, a branch of a British chartered accountancy firm.

At this time, we were looked after by our grandmother Makkia al-Ani, daughter of the head of a tribe in Ana.

Prof Hasan was persecuted for belonging to the Communist Party and hence unemployable.  He was cleared of this charge by court in 1965-66.

She supported her husband’s attempt to win election to the presidency of the Iraqi Economists Society, which he lost.

She used to host and meet fellow intellectual families in mixed meetings, with both women and men discussing together various subjects from medicine to education to art to economics and politics.

In 1967-68, the couple borrowed money from her father, Shawket al-Khaffaf, to build her plot in Qadisiyah District in Baghdad before the government repossessed it.  Because of their financial difficulties, Prof Hasan relented on not leaving Iraq and accepted a grade “A” appointment as a UN consultant in Kuwait.

She remained in Iraq looking after her house and children.  On 17th July 1968, when a coup brought the Baathists back to power, President Baker sent after Prof Hasan in Kuwait to join the new government but he refused.  However, he decided to return to Iraq.  He was re-admitted to work for the government sector following the amnesty he demanded from Baker.  So my parents returned to public sector employment – Prof Hasan to Baghdad University as lecturer and head of department and Ayser al-Khaffaf to Iraq Reinsurance Company (1968).  My father was forced into retirement by a Revolutionary Command Council decree in 1976; my mother followed him in the late 1970s.

They then struggled against Saddam’s regime.  He was imprisoned during the 1970s.  Because of the torture, Prof Hasan has developed a kidney disease.

During these years, he was presidential advisor to Salim Rubies Ali, President of South Yemen, while Ayser was doing voluntary advisory work with the Women’s League there.  The work involved projects against early marriage at 12 and promotion of education of girls and women.

One of their pet projects was designing a scholarship system in Iraq, which to this day remains unimplemented.  The system involved IQ tests.  On passing the tests, students (from poor families) were to be offered scholarships to continue their studies.  The project was inspired by the UK scholarship system to provide financial means to students from disadvantaged backgrounds to pursue their university education.

In 1976, her daughter died from a mysterious illness.  Later it was rumoured that her death was caused by induced meningitis.

In 1977, her eldest son was forced to leave Iraq, as he did not attain admission to a university.  It was particularly hard to obtain a UK visa for him.  He involved his father who was on a lecture tour in Oxford and Cambridge to seek assistance from the British ambassador to facilitate the granting of a visa for his son.

The youngest son, Ammar, had a brilliant engineering mind but decided to dedicate his life to medicine and plastic/cosmetic surgery.  During the Iran-Iraq war and while he was a medical student at Basrah University, he worked as a volunteer in local hospitals in Basrah.  Eventually, he was operating on patients with his professors’ approval.  He won respect and admiration for this work down to his final year when he was practising neurosurgery.

In 1983, Ammar donated his kidney to his father who was in the UK undergoing treatment.  Although he had a place in Oxford University to read medicine, he went back to Iraq in the vain hope that he can return later to do postgraduate studies in medicine.  He was cruelly interrogated by Mohammed Hamza al-Zubaidie.[10]  He was told that his father was anti-revolutionary and asked what he thought of his father, to which his answer was that he was proud of his father.

Because of his defiance and independence, he was told to watch out.  He was fatally wounded in a road accident, engineered by the regime, whilst he was eating outside a takeaway shop in Basrah.  While in hospital, his death was completed by fellow doctors and students under strict orders from the Baathist authorities.

Ayser al Khaffaf, grief stricken, was anonymously advised to try to obtain information on his killer by making a motor insurance claim for her son’s death.  That way the insurance company would ascertain the person responsible for his death.  The killer turned out to be an operative with the security establishment operating under a soldier’s guise.[11]  The killer was prosecuted but without a final sentence being passed by the court.

She remained defiant while her husband was committed in 1983 to the Psychological and Psychiatric Hospital in Baghdad (known as Shammaiya Hospital), where he underwent various kinds of torture.

Government agents approached her many times, after his release form hospital, offering exile, which both of them declined.  He started an open house university from his house.

Following Prof Hasan’s death in 1989, she was in mourning for one year, and in 1990 whilst Saddam allowed travel to people who had relatives abroad, I managed to get her to London in 1990, prior to the Kuwaiti invasion.  She was granted indefinite leave to remain in the UK.

She remained isolated and aloof with little involvement in Iraqi public issues in the UK.  She tried to help women groups and worked with women suffering from family and other problems.

Following her family’s interest in arts, she studied Chinese drawing and laced the same with Arabic letters.  She also took an interest in sculpture.

She wore a black dress from 1976 as a gesture of defiance against the status quo.  Although she had vowed to wear a red dress and dance in the street upon the fall of Saddam’s regime she did not get her wish.[12]  She died in London, a broken woman, on 16th July 2002.

London 27 October 2014

[1] أنظر قيس المدرس، “استذكار مسيرة العمل في شركة إعادة التأمين العراقية،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2014/08/12/kays-al-mudaries-recollections-of-my-time-at-iraq-re-2/

[2] لقراءة ملف د. محمد سلمان حسن في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين يمكن استخدام هذا الرابط:

http://iraqieconomists.net/ar/category/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%AD%D8%B3%D9%86/

[3] لقراءة الملف في مجلة الثقافة الجديدة يمكن استخدام هذا الرابط:

https://docs.google.com/document/d/1lgflo9inRm6YIBrEExczt6r_vE77f8yNkmmJmgYH7YM/edit?usp=sharing

[4] Mohamad Salman Hasan, “The Role of Foreign Trade in the Economic Development of Iraq, 1864-1964: A Study in the Growth of a Dependent Economy” in M A Cook, Editor, Studies in the Economic History of the Middle East (Oxford: Oxford University Press, 1970, reprinted 1978), p 349.

[5] مصباح كمال، “وكالات التأمين في العراق عام 1936: محاولة في التوثيق،” مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/05/1936-19-2012-1936-1936-883.html

نشرت بعد ذلك في كتاب مصباح كمال، أوراق في تاريخ التأمين في العراق: نظرات انتقائية، (الطبعة الإلكترونية، 2014) ص 58-90.

[6] مصباح كمال، عرض كتاب “ستار كرمد عيدان، سوق التأمين العراقية: دراسة تحليلية في الجذور التأسيسية (بغداد: شركة إعادة التأمين العراقية، 2012)، 84 صفحة (قياس 21X29.7 سم)، الثقافة الجديدة، العدد 366، أيار 2014، ص 62-68.

[7] For further details on my father and mother please refer to my paper “Prof. Dr Mohammed Salman Hasan: A Short Biography of a Pioneer Iraqi Economist. By Yasar Hasan,” published by the Iraqi Economists Network:

http://iraqieconomists.net/en/2014/09/21/prof-dr-mohammed-salman-hasan-a-short-biography-of-a-pioneer-iraqi-economist-by-yasar-hasan/

[8] Salam Ibrahim Kubba, “Oil Experts in Iraq are an Inexhaustible National Treasure: Dr Muhammad Salman Hasan as a Model,” al Thakafa al Jadida, 368-369, September 2014, p 73.

[9] One can argue that the Baathist coup was, in one way, a response to Dr Hasan’s work on Law No. 80 on dispossessing the non-explored territorial concessions from the foreign oil companies.

[10] Mohammed Hamza al-Zubaidie (1938-2005), a member of the Revolutionary Command Council and commander of the Central Euphrates military district.  He came to fame with the brutal suppression of the 1991 uprising.

[11] In his essay “Muhammad Salman Hasan: Militant, Intellectual and a Human Being,” al Thakafa al Jadida, 368-369, September 2014, p 30, Dr Issam al-Khafaji made the following comment: “His mother Ayser al khaffaf walks downtown Basrah streets carrying a placard demanding justice for her son after being executed by a truck with a distinctive mukhabart number plate which rode over the pavement and killed him in front of many witnesses.”

[12] However, the way Iraq has descended into chaos since 2003, she would not have been best pleased or would have accepted the new religious rules imposed post-occupation.  She was the lifetime comrade and bearer of Prof Hasan’s modernist message, his draft constitution for Iraq and all his radical thoughts dedicated to the empowerment of the poor, including women, and transformation of their beloved Iraq into the first world.