Author Archives: Iraq Insurance Monitor - Misbah Kamal

London-based insurance practitioner, focused on insurance in Iraq.

Huda Al-Safwani: my role model

الست هدى الصفواني

استاذتي ومثلي الاعلى

خلود محمد سعيد

لم تفارقني ابداً في حياتها ومماتها منذ عرفتها عام 1980 وعملت معها في قسم الطيران في شركة التأمين الوطنية حيث كانت مديرته، وكانت وقتها تتمتع بإجازة امومة ابنتها الوحيدة هاله.  كنتُ اصغر موظفة في القسم لذلك احاطتني برعايتها وعلمتني ادق تفاصيل عملي كي أؤديها كما يجب.  كانت تشرح لي دائما ما استغلق عليَّ فهمه ولا تتوانى عن الاجابة عن أي سؤال، وكنت كثيرة السؤال.  كانت تحكي لي عن مسيرتها الوظيفية ربما بدافع توجيهي نحو الحرفية في العمل.  كانت تُحبُ عملها بشكل جدي.  علمتنا معنى السلوك الوظيفي والانضباط واحترام ساعات العمل، حيث نبدأ من الصباح الباكر وحتى انتهاء الدوام، ليس من خلال المواعظ وإنما من خلال ممارستها لمهامها الوظيفية.  بوجودها لم نكن نحس بالوقت فقد كانت معنا في كل خطوة.  كنا كخلية نحل وهي الملكة بيننا لكنها ملكة تحمل هموم القسم وتدير أعماله وتنسق مع إدارة الشركة.

كانت تتمتع بالهدوء والرقي والشخصية القوية وفي نفس الوقت التواضع والحنان.  كانت صبورة جدا ولها طول البال تجاه الأشخاص والأعمال.  شخصيتها المرحة تدخل القلب بسرعة وبدون استثناء.

اعطتني مرة تقرير ايفادها الى لندن وكان مطبوعا وموزعاً على الموظفين، وذلك في عام 1975، ضمن دورة مكثفة لمدة شهر جمعت بين الجانب النظري والعملي.  كان التقرير يضم تفاصيل وثائق تأمين الطيران مع شرح مفصل لكل وثيقة.  عندما تقرأه تحس وكأنك موجود في سوق لويدز.  وقتها اثنى عليها مدير عام الشركة.  ولا انسى العبارة المكتوبة على تقريرها من قبل الأستاذ عبدالباقي رضا: (انه حقا تقرير واف وهذا لا يستبعد عن هدى الصفواني لأنها جديرة بذلك).  وقد قرأت التقرير اكثر من مرة وانطبعت محتوياته في ذهني لما فيه من معلومات مفيدة لعملنا.

كانت معرفتنا بهدى مكسباً كبيراً فقد احاطتنا بالرعاية وامدتنا بالخبرة والمعرفة ولم تبخل علينا بالنصيحة والرأي.  ولن انسى ابدا عام 1984 عندما توفت والدتي فقد اتت الى بيتي لتواسيني، وكانت مواساتها بلسماً لوجع الفراق وقالت لي: انا امك من الان.  وفعلا احسستُ بذلك الى ان غادرتْ العراق.

كانت تهيء لقاءات في بيتها، تجمعنا موظفات وموظفين لشرب القهوة عصرا.  كان بيتها انيقاً وجميلاً يقع في منطقة الاعظمية قرب كلية بغداد.  كان اخر مرة رأيته عندما قدمت من نيوزلندا عام 2001 حيث التقيت بها وكانت ترومُ بيعه مع الاسف.  اقول: كانت تجمعنا في بيتها لتقوية علاقاتنا الاجتماعية وتحسسنا اننا اسرة واحدة، وتدير احاديث خاصة مع كل واحد منا لكي نتجاوز خلافاتنا التي كانت تحصل في القسم نتيجة زخم العمل والمنافسة بين الموظفين.  كم هي رائعة حقا.  كانت استاذة باللغة العربية والانكليزية، موسوعية في معارفها ولديها كم كبير من المعلومات.  وهذا ينمُّ عن شخصيتها ومدى ارتباطها بالعلم والتعلم وهو امتداد لتقاليد عائلتها الثقافية.

في وقتها كان قسمنا نموذجيا وهادئا والكل فيه يعمل بدون كلل.  عندما رأيتها اخر مرة في بغداد عام 2001 وكانت في زيارة للشركة احتضنتني والدموع تملأ عينها من الفرحة لسماعها خبر زواجي من جمال فريد الذي كان موظفا في نفس القسم، وكانت تحبه وتحترمه.  وقد اصرّت على ان تستقبلنا في بيتها وهيئت جلسة جمعتنا نحن الثلاثة وأختها نهى لتسألنا عن تفاصيل الزواج ورؤية الصور الخاصة به وكنا قد التقطنا الكثير من الصور.

وشاءت الظروف ان اكون انا مسؤولة قسم الطيران في شركة التأمين الوطنية حاليا.  كانت ستفرح بإشغالي لهذا الموقع فقد تتلمذتُ على يديها، ولكن لن يملأ مكان هدى احداً لفرادتها.

واخيرا اقول من كل قلبي (سقى الرحمن مثواها) وانسانة مثلها لا تنسى ابدا.  رحمة الله على روح ام هاله.

بغداد 12/12/2012

خلود محمد سعيد

* الست هدى الصفواني من مواليد عام 1938 وقد باشرت العمل في شركة التأمين الوطنية في 20/6/1963.

* أشكر زميلنا مصباح كمال على ما بذله من جهد في سبيل احياء ذكرى وفاة الست هدى الصفواني.

When I Remember Huda Al-Safwani-marginal note

على هامش مقالة نيران ماهر السامرائي “عندما أتذكر هدى الصفواني”

إعداد مصباح كمال

يعود الفضل في كتابة هذا الهامش إلى السيدة مي عباس مظفر، الشاعرة والأديبة.[1]  ففي تعليق لها بتاريخ 12 كانون الأول 2012 على مقالة نيران ماهر السامرائي “عندما أتذكر هدى الصفواني”[2] ذكرت “أن اختيارنا للعمل في لجنة السكرتاريا أنا وسهير حسين جميل ونيران ماهر وعنان سامي فتاح وهدى الصفواني كان لغرض متابعة وقائع اجتماعات المؤتمر العربي الأول لشركات التأمين الذي عقد في بغداد عام 1966 حسبما أذكر.  ويمكن مراجعة التاريخ الصحيح مع الأستاذ عبد الباقي رضا الذي كان مشرفا علينا وقام بصياغة المحاضر في شكلها النهائي وليس كما ورد في كلمة نيران من أن المؤتمر كان عن الخط الاستراتيجي.  كما أن قطاع التأمين في تلك المرحلة كان تابعا لوزارة التجارة وليس للمالية وقد ألحق فيما بعد بوزارة المالية.”

عرضت هذه المعلومات على الأستاذ عبدالباقي رضا والسيدة نيران السامرائي بهدف التوصل إلى التوثيق الصحيح.  وقد تفضل أستاذنا بكتابة الرسالة التالية:

“مرة أخرى أشيد وأكبر فيك هذا الوفاء الجميلللتأمين الوطنية ومن فيها وما فيها وماضيها وحاضرها ومستقبلها وما يتعلق بها ومن عمل فيها و .. الخ، رغم الفترة الوجيزة نسبيا التي احتضنتك وسعدت وسعد زملاؤك بوجودك معهم.[3]

عودا الى الملاحظة التي وردت من الاخت الفاضلة السيدة مي، التي حظيت بلقائها مؤخرا في الفور سيزن في عمّان بعد انقطاع طويل وكان لها الفضل في ان يكون لي آخر حديث هاتفي مع العزيزة الراحلة سهير.

أقولُ لقد استغربتُ من رواية السيدة نيران عن مهمة اللجنة التي ضمتها مع باقة رائعة من الزميلات الفاضلات.  ان رواية السيدة مي هي الصحيحة.  وقد كان انعقاد مؤتمر التأمين العربي الأول وآخر مرة في بغداد عام 1966 وقد نجح المؤتمر نجاحا باهرا كما نجحنا في جميع المناسبات التي تبناها قطاع التأمين العراقي.  وأنا أكتب اليك هذه الاسطر أتذكر باعتزاز احتفالات الوطنية بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها وكنت أنت أحد نجومها ولم يتكرر مثلها لا في قطاع التأمين ولا في أي قطاع آخر على ما أتذكر.

المعلومة الاخرى الجديرة بالتعديل هي أن اسم الوزارة يومذاك كان وزارة الاقتصاد وليس التجارة.  في أواخر السبعينيات انقسمت الوزارة الى وزارتين: للتجارة الخارجية ووزيرها المرحوم حكمة العزاوي وللتجارة الداخلية ووزيرها المرحوم حسن علي وارتبط بها قطاع التأمين قبل أن ينقل الى وزارة المالية في منتصف السبعينيات في عهد وزيرها الرائع الدكتور فوزي القيسي رحمه الله الذي حضر شخصيا الى التأمين الوطنية لتوديعي يوم 3 آذار 1978 قبل انفكاكي بيوم واحد[4] لالتحاقي بعملي الجديد في المؤسسة العامة للتأمين مستشارا، وهو ما سعيت اليه.”

بعد أن شكرت الأستاذ عبدالباقي على تقويم المعلومات التي قدمتها نيران السامرائي ومي مظفر ذكرتُ له بأنني استلمت مقالة من السيدة خلود محمد سعيد، مديرة قسم الطيران في التأمين الوطنية، عن هدى الصفواني تشير فيه الكاتبة إلى تقرير لهدى يعود لسنة 1975 يضم ثناءً من المدير العام نقلته كالتالي: “انه حقا تقرير واف وهذا لا يستبعد عن هدى الصفواني لأنها جديرة بذلك.”  في هذه الفترة كنتَ المدير العام، وتعليقك يذكرني باهتمامك بتقارير الموظفين التي كنت تقرأها بعناية وتصحح ما فيها من أخطاء.  وكانت سياستك أن على الموظف الموفد الكتابة عن موضوع إيفاده.  ربما كان ذلك من باب التوثيق وتوفير أرضية للمساءلة ومن باب الاطمئنان على صحة اختيار الموفد للقيام بما يناط له من مهمات خارج العراق (كنتَ توفر الفرصة للعاملين لإثبات قدراتهم والكشف عنها ضمن التفكير الاستراتيجي في بناء كوادر الشركة).  ألاحظ أن هذه السياسة قد ضعفت من بعدك وصارت الاعتبارات غير الفنية هي الأساس.”

شكرني الأستاذ عبدالباقي على رسالتي ومرفقها كلمة السيدة خلود التي قال انها حازت اعجابه “العميق لأسلوبها البليغ الذي بات نادرا في أيامنا هذه.”[5]  وقال أيضاً “لم يكن شيئا استثنائيا أن أُعجب بتقرير المرحومة عن ايفادها الى انكلترا واثبت ذلك عليه فهي كانت تحسن بل وتجيد الكتابة باللغتين.”

في ذات الوقت كتبت للسيدة نيران السامرائي لأسألها إن كانت تستطيع التفريق في التفاصيل بين مؤتمر التأمين العربي الأول (1966) ومحادثات مشروع الخط الاستراتيجي (1973) اتماماً للفائدة واحتراماً لقراء مقالتها عن هدى الصفواني.

كان رد نيران “لا مشكلة في الأمر إذ يمكن إجراء التصحيح التالي: بالنسبة للعام1973 هو ما كلفت به والمرحومة هدى لغرض إعداد إضبارة كاملة عن مباحثات التامين الوطنية مع كل من شركة سايبيم الإيطالية وشركة ألمانية لا يحضرني اسمها، حيث كنا نعمل معا في قسم التامين البحري.  وفعلا على ضوء تلك الاجتماعات تم إجراء التأمين من قبل الوطنية على أساس Turnkey Project

أما بالنسبة لعملنا نحن الصديقات معا فكان في مؤتمر التأمين 1966.

وبالنسبة للعزيزة هدى فقد شاركت في كل اللقاءات المذكورة بالإضافة الى ما كُلفت هي به بعد اعتزالي العمل من الوطنية.”

اختتمت نيران رسالتها بالملاحظة التالية: “طالما خشيتُ من موضوع التدوين خوفا من خيانة الذاكرة.”

أشكر أستاذنا الفاضل عبدالباقي رضا والسيدتين الفاضلتين مي عباس مظفر ونيران نعمان ماهر السامرائي على مساهمتهم في تثبيت صحة تاريخ بعض النشاطات التي ارتبطت بعمل الراحلة هدى سلمان الصفواني.  آمل أن تتظافر جهود أعضاء مجتمع التأمين العراقي لتدوين نقدي لتاريخ تأسيس وتطور قطاع التأمين الذي استنفد بعضنا عمره فيه.  وبهذا الشأن، ومن باب الختلم، أود أن اقتبس من رسالة مؤرخة في 15 كانون الأول 2012 من زميلي محمد الكبيسي: “الوطنية .. خلع عليها روادها لقب المدرسة، وكثيرا ما سمعته ولازلت اسمعه من معظمهم.  اوحت لي محاولاتك التوثيقية لتاريخها وروادها على مختلف الأصعدة الانسانية والفنية فكرة ان تقوم، باعتبارك احد هؤلاء الرواد، بمفاتحة الباقين منهم على قيد الحياة ان يزودوك بمعلومات عمن زاملوهم من البارزين الذين احدثوا تغييرا فيها لأرشيفك او للنشر للترطيب في مدونتك قبل ان يأتي اليوم الذي لا تجد فيه معينا مهما لتلك المعلومات.  باعتقادي يظل الحديث عن السير الذاتية يلقى رواجا وتلقيا كبيرين على مر العصور ومن كل المهتمين حتى من خارج الوطنية لما فيها من تنوع حياتي وانساني وطرائف و غيرها.  فما رأيك؟”  وأنا بدوري أسأل: ما رأيكم؟

لندن 18 كانون الأول 2012


[1] عملت السيدة مي مظفر في شركة إعادة التأمين العراقية في الفترة 1961-1979.

[3] عملتُ في شركة التأمين الوطنية في بغداد في الفترة 1968-1977.

[4] شغل الأستاذ عبدالباقي رضا موقع المدير العام من 1 شباط 1966 – 4 آذار 1978.

[5] سأقوم بنشر مقالة خلود محمد سعيد “الست هدى الصفواني: استاذتي ومثلي الاعلى” في مرصد التأمين العراقي في الأيام القليلة القادمة.

محمي: Huda Al-Safwani – recollection

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور في الأدنى:

A Tribute to Huda Al-Safwani

كلمة وفاء للمرحومة هدى الصفواني في ذكرى وفاتها الثالثة

 

 

باقر المنشيء

 

 

لا زلت أذكر جيدا أول مرة وقعت عيني على خالدة الذكر أم هالة.  كان ذلك في تشرين الثاني من عام 1977 كنت وقتها قد نُقلت حديثا من قسم التأمين الهندسي الى قسم أعادة التأمين في شركة التأمين الوطنية.  أطلّتْ المرحومة هدى على القسم ببسمتها الساطعة ولونها البرونزي المتميز وحركتها النشيطة.  جاءت لتحية أخيها يحيى الصفواني وصديقتها الحميمة ثناء كنونه.  قدموني لها كموظف جديد في قسم إعادة التأمين حيث كانت تعمل في قسم التأمين البحري في بناية الشركة المطلة على ساحة حافظ القاضي في شارع الرشيد.

 

شاءت الظروف ان أعمل مع المرحومة هدى عن قُرب في شباط 1979 ولحين مغادرتي الوطن في أيلول 1991 للعمل في اليمن.

 

عندما قام الاستاذ موفق حسن رضا، مدير عام الشركة حينذاك، بإعادة تنظيم الشركة على اساس الفروع المتخصصة ترأست المرحومة هدى الصفواني قسم تأمين الطيران، وترأس الاستاذ وائل الطائي قسم تأمين السفن، وتوليتُ ادارة قسم اعادة التأمين بعد ترفيع المرحوم انطوان سليم (الذي شغل موقع قسم إعادة التأمين لسنوات طويلة) الى مدير فرع تأمين السفن والطيران واعادة التأمين.

 

في بداية عام 1982 تم نقل الاستاذ انطوان سليم الى المؤسسة العامة للتأمين وبعدها بفترة قصيرة هاجر الى امريكا.  عند ذاك اختارني الاستاذ موفق حسن رضا لتولي ادارة الفرع ولتصبح المرحومة هدى ذراعي اليمين بعد استدعاء الاستاذ وائل الطائي لخدمة الاحتياط.

 

في تشرين الثاني من عام 1982 رافقتني أم هالة في اول سفرة الى لندن لتجديد التغطية التأمينية للخطوط الجوية العراقية.  كانت المهمة صعبة جدا لان اسطول الخطوط يشمل طائرات نقل عسكرية وهذه الحقيقة كانت معروفة لسوق لويدز.  لكن المرحومة هدى تناولت الموضوع بمهنية عالية، وركزت على الامور الفنية والاحصائيات التي تؤكد جودة الخطر من الناحية التأمينية، وبالتالي حققنا شروط تجديد للتغطية كانت مدعاة للفخر بفضل الجهود الكبيرة للمرحومة هدى.

 

بعد الاجتماعات العاصفة مع وسطاء إعادة التأمين ومكتتبي أخطار الخطوط الجوية العراقية انبرت المرحومة أم هالة للجانب العائلي في حياتها إذ كانت حريصة على تصليح الة الابوا الموسيقية التي جلبتها معها من بغداد والخاصة بزوجها الاستاذ غازي بهجت.  وكانت فرحتها كبيرة عندما استلمت الالة الموسيقية بعد تصليحها.

 

موقف اخر كان في شارع اوكسفورد في قلب لندن وبالذات في متجر موذركير المتخصص ببيع ملابس الاطفال، اذ اسرعت في شراء اجمل الملابس لطفلتها هالة والابتسامة مرتسمة على وجهها.  وهذه احدى خصائصها المتميزة في الاهتمام أولاً بمهام عملها ومن ثم الالتفات للشؤون العائلية الصغيرة.

 

عقد الثمانينيات ربما كان من اصعب العقود التي مرت على العراق بسبب الحرب العراقية الايرانية (1980-1988).  وقد انعكست اثار الحرب على تأمين الطيران من خلال تشدد المعيدين في الأسعار والشروط.  وهذا الوضع المتشدد تطلب جهودا شخصية مضاعفة من المرحومة هدى لإنجاز العمل لاسيما بعد استدعاء موظفيها من الرجال لخدمة الاحتياط.  وكانت، كما عهدتها، صلبة ومثابرة، واثبتت كفاءة نادرة في انجاز عملها.

 

استمرت علاقتي بالعزيزة ام هالة بعد مغادرتي للعراق الى اليمن.  إذ كنت احرص على زيارتها في التأمين الوطنية للتحية خلال زياراتي السنوية الى بغداد.  وكنت الاحظ تأثير الحصار الاقتصادي السيء على محياها ونفسيتها.

 

في عام 2001 واثناء وجودي في عمّان علمت بوجود المرحومة ام هالة فيها وحاولت مهاتفتها الا اني لم افلح في التحدث اليها وهذا لايزال يحزّ في نفسي حتى الان.

 

في الذكرى الثالثة لوفاة المرحومة هدى الصفواني اسأل الغفّار العظيم ان ينعم عليها بالغفران وان يسكنها في جنات النعيم.  آمين يا رب العالمين.

 

 

الولايات المتحدة الامريكية

3 كانون الأول 2012

When I Remember Huda Al-Safwani

عندما أتذكر هدى الصفواني

 

 

نيران نعمان ماهر نيران السامرائي

 

 

 

الأخ مصباح الموقّر[1]

 

لا أدري من أين أبدأ فالكتابة عن زميلة مميزة ليست بالأمر السهل وخصوصا بعد أن تحولت تلك الزمالة الى صداقةٍ استمرت عشرات السنين.  التقينا في أوائل الستينيات بعد عودتها وأسرتها من القاهرة في غربة سنين قضتها هناك حيث درست الأدب الإنكليزي في جامعة القاهرة.  وكانت العلاقة التي تربط والدينا[2] وثيقة منذ سنين طويلة بسبب ميولهما السياسية واهتماماتهما الثقافية والأدبية المشتركة.

 

ويشاء الحظ أن نتزامل في شركة التامين الوطنية حيث كانت هدى قد سبقتني للعمل في بداية ستينيات القرن الماضي.  لا أتذكر التاريخ على وجه الدقة لكنه كان قبل 1965.  صارت الزمالة سببا في تعميق علاقتنا وتحويلها الى صداقةٍ رائعة تنتظمنا بكل ما فيها من فهمٍ مشترك، ومن اهتمامات متشابهة، ومن علاقات إنسانية خاصة، ومن شعور عالٍ بالمواطنة واعتزازٍ بالهوية الوطنية بكل أبعادها المحلية والإقليمية، وبكل أبعادها الإنسانية.  أما على صعيد العمل فقد تدرجتْ في المواقع الوظيفية حتي أصبحت رئيسة قسم التامين البحري والطيران الذي يعتبر أحد اهم أقسام العمل في شركات التأمين، وكان ذلك في أوائل الثمانينيات.  وقتها كان رئيس فرع التأمين البحريالمرحوم ناظم الخضيري.  وتميزت هدى عن الكثير من الموظفين، بل والمسئولين، بكفاءتها العالية وإجادتها للغتين العربية والإنكليزية إجادة تامة بالإضافة الى بعض الألمانية حيث درسناها معا في المعهد الألماني في بغداد.  وقد جاء تقدمها، مثل تقدم زميلات وزملاء آخرين، بفضل مقياس الكفاءة في أداء العمل التي كانت إدارة الشركة تلتزمه.  ولذلك لم نشعر بوجود أية تفرقة في المعاملة بين الجنسين.  وكان الاحترام سيد الموقف في العلاقات بين الموظفات والموظفين، وكانت الزمالة الجميلة تربط الجميع لاسيما أفراد القسم الواحد ناهيك عن مساعدة الموظفين بعضهم البعض في سبيل إنجاز المعاملات المهمة بسرعة.  كنا نعمل أحيانا ثلاث ساعات إضافية بدون مردود مالي خلال فترة التقشف التي سادت الوطن بعد حرب 7319.

 

كانت إنسانةً بكل ما فيها من نُبلٍ وعطاء.

كانت مشرقةً بكل ما فيها من بهاء.

كانت وفيةً بكل ما فيها من صفاء.

وكانت .. وكانت نسمة هواء صيفية تشيع الهدوء والراحة لكل من حولها إذا ما تعسرت الأمور وضاقت الصدور.

 

لقد كنتُ محظوظة بالعمل مع صديقتي، وهو امرٌ لا يتوفر دائما للأصدقاء.  والأبعد من ذلك أن حظنا وفر لنا فرصة نادرة للعمل معا وصديقاتنا المقربات الثلاث (المحامية سهير حسين جميل وكانت معنا في التأمين الوطنية، السيدة عنان سامي فتاح والسيدة الشاعرة مي مظفر وكانتا تعملان في شركة إعادة التأمين العراقية) عندما تم اختيارنا نحن الخمسة عام 1973 من قبل المؤسسة العامة للتأمين، بعد موافقة وزارة المالية، لنكون سكرتيرات وفد العراق الرسمي المكلّف بالتفاوض في بغداد مع كبريات مؤسسات النفط العالمية المعنية بمدّ خط أنابيب النفط العراقي الاستراتيجي، كما سمي آنذاك.[3]  وكنا سعيدات جدا على هذه الشرفية التي مُنحت لنا مما يدل على ثقة المسئولين العالية بنا ذلك أن الموضوع كان في غاية السرية.  كان الوفد العراقي المؤلف من ممثلي البنك المركزي العراقي ووزارة النفط والمؤسسة العامة للتأمين وخبراء اقتصاد كبيرا ومهما.  هذا الأمر قرّبنا جدا من بعضنا البعض، وصار لنا يوم معين نجتمع فيه استمر طوال سنين وجودنا في بغداد ذلك أننا غادرنا الوطن تباعا لظروف خاصة بكل واحدة منا لكن علاقتنا لم تنقطع.

 

في أوائل الثمانينيات تزوجت هدى من غازي بهجت بعد أن جمعت زمالة العمل بينهما في أروقة شركة التأمين الوطنية.  وكان غازي عازف أبوا في الفرقة السمفونية الوطنية التي كانت تقدم حفلاتها الموسيقية في المسرح الوطني ببغداد.  وكنا نحضر تلك الحفلات بفضل اهتماماتنا الفنية والثقافية المشتركة.  زمالة العمل والاحتكاك اليومي تطور الى اهتمام خاص بين الاثنين انتهى بهما الى الزواج.

 

قبل وفاتها بفترة كلمتها من لندن حيث أقيم واستمر الحديث عبر الهاتف أكثر من ساعة صاحت بي أخيرا قائلة: نيران كم ستكلفك هذه المكالمة ما بين لندن ونيوزيلندة؟  ورغم تحذيرها استمر الحديث.  تكلمنا عن ذكرياتنا، عن أفراحنا وأحزاننا وانكساراتنا.  وتكلمنا عن أحلامنا التي لم تتحقق.

 

سألتني عن أخبار الوطن فأجبت بسؤال: أي وطن؟

قالت: حشرجة صوتك هي هي يوم طلبنا منك بإلحاح الاتصال بعمو نعمان (أبي) وكان وكيل وزارة الإعلام ليخبرنا بالحقيقة بعد أن حدث وجوم علني في الإذاعة العراقية في اليوم الثالث لحرب حزيران 1967 (وهي أساسا لم تكن حربا).

قاطعتها: يا صديقتي لا عشت وشفت هذين اليومين.

أكَمَلت: وكان الموظفون يحيطون بك وأنت تمسكين سماعة الهاتف بيد واليد الأخرى تمسح دموعا مدرارة.  ما ادري من وين جبتيها بلحظة قلت: نكسة حزيران 1967!  وكيف ننساها!

 

ثم كررتُ قولي: لا عشت وشفت هذين اليومين. غزو إسرائيل لأراضينا يوم النكسة وغزو الأمريكان للوطن، وهي نكسة اخرى ظالمة.

 

رحلتْ هدى فجأة بعد تدهور حالتها الصحية خلال اسابيع ولم يستطع قلبها الصغير الصمود أكثر أمام إحباطات الزمن وهموم الحياة.  ورغم رحيلها عن بغداد كانت حاضرة معنا نحن الأربعة (سهير حسين جميل وعنان سامي فتاح ومي مظفر) كلما التقينا حيث تأتي سهير من بغداد (وهي الوحيدة التي ظلت تقضي معظم الوقت هناك)، ونحرص على اللقاء في عمّان حيث تقيم عنان وميّ.  وفي أواخر مايس من هذا العام أفجعنا القدر باختطاف عنان فجأة بعد تناول إفطار الصباح.  وبفقدها فقدنا الوجه الجميل والبسمة الحانية.  حضرت سهير من بغداد وجلسنا جميعا مع شقيقتي عنان نتحامل على آلامنا تارة ونستذكر حكاياتنا تارة أخري، ولم تفارق جلستنا ذكرى الصديقتين الراحلتين.  وفي ليلة باردة من ليالي شهر أكتوبر يفجعني الهاتف من عمّان بخبر رحيل سهير بعد ساعات من إحساسها بعدم الراحة وفقدان القدرة على التنفس حيث نقلت الى المستشفى لكنها وصلتها بعد أن فارقت الحياة.  يرحمهم الله جميعا برحمته الواسعة.

 

واليوم، بعد مرور ثلاث سنوات على رحيلك، كيف أذكرك وماذا اقول بحقك يا سيدة الدهشة، واتساع عيناك المدهش، عندما تكتشفين الأشياء، يحلق أمامي في الفضاء.

 

يا صاحبة القلب الجميل والحسن الأصيل

يا أيقونة تتدلى لتضيء المكان

وفرحةً باسمةً تغني الزمان

 

يا صديقتي المُتعبة آن لك أن تستريحي وأن لليلك الطويل أن ينقضي وآن للحزن العميق المقيم أن ينتهي.

 

وتظلين في الذاكرة أبدا ويظل اسمك الجميل أحلى الأسماء.

 

هدى سلمان الصفواني ابنة واحد من كبار أعلام الصحافة الوطنية مؤسس جريدة اليقظة اليومية، ووزير الإرشاد عام 1966. 

 

 

لندن 29 تشرين الثاني – 2 كانون الأول 2012


[1] بتاريخ 27 تشرين الثاني 2012 كتبتُ رسالة إلكترونية قصيرة لنيران قلت فيها ان “يوم 3 كانون الثاني 2013 يصادف الذكرى الثالثة لوفاة هدى الصفواني في نيوزيلنده.  وبودي دعوة الزملاء والزميلات الذين عملوا معها، أو يعرفونها، المساهمة في إعداد ورقة بهذه المناسبة إذ أن قلة المعلومات وقت وفاتها قد حالت دون أن ننشر نعياً لها في مرصد التأمين العراقي، المدونة التي أديرها.  وقد تحدثنا قبل فترة عنها وطلبتُ منك الكتابة عنها إذ انك كنت قريباً منها في موقع العمل في شركة التأمين الوطنية.  أتمنى أن تكتبي عنها وعملها بالصيغة التي ترغبين بها.”  واستجابة لهذه الدعوة تفضلت نيران بإرسال هذه الكلمة في حق صديقتها. 

الهوامش للمحرر (مصباح كمال). 

[2] نعمان ماهر الكنعاني، والد نيران، وسلمان الصفواني، والد هدى.

[3] انبوب ناقل للنفط الخام يعمل شمالاً باتجاه حديثه وجنوباً باتجاه الميناء العميق في.  أنجز عام 1976 من قبل شركة إيطالية وافتتح رسمياً عام 1977.

On the ‘Independence’ of the Diwan and its Presidency

في “استقلالية” ديوان التأمين العراقي ورئاسته

مصباح كمال

 نشرت هذه المقالة في مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/12/on-independence-of-diwan-and-its.html

لماذا لا يزال الديوان يدار بالوكالة؟

منذ تأسيس ديوان التأمين العراقي سنة 2005 لم يُشغَلْ موقع رئيس الديوان بالأصالة، فقد تناوب على الموقع بالوكالة فؤاد عبدالله عزير (2005) وضياء حبيب الخيون (2006-2009) وفيصل منهل تايه الكلابي (2011) الذي لا يزال يشغل الموقع وكالة حتى تاريخ كتابة هذه الورقة.  خلفية عزيز تأمينية، وخلفية الخيون مصرفية، وخلفية الكلابي محاسبية، وهي خلفيات لا تتعارض مع إشغال موقع رئاسة الديوان، وجميعهم يتمتعون بخبرات عملية طويلة.

وقد استعلمتُ من فؤاد عبدالله عزيز، باعتباره أول رئيس بالوكالة، عن تاريخ إشغاله للموقع وما آل إليه وضعه فأفادني بالتالي في رسالة إلكترونية بتاريخ 29 تشرين الأول 2012:

“استلمت رئاسة الديوان بالوكالة منذ تأسيسه ولغاية تقاعدي في 31 / 12 / 2005.  وقد كتب وزير المالية قبل التقاعد بثلاثة اشهر تقريبا لغرض تثبيتي بما يعني التعاقد لخمسة سنوات أو ثلاثة وفق القانون ولم يصل رد بالموافقة او الرفض لحين مغادرتي الوظيفة.

كما تعلم فاني عملت في الوطنية منذ 14 / 9 / 1966 وقد اصبحت مديرها العام بداية عام 1992 وفي 18 /11 / 1996 نقلت الى وزارة المالية كمدير عام فيها بعدها نقلت الى مدير عام المركز التدريبي المالي والمحاسبي ثم الى مدير عام شركة اعادة التامين العراقية منذ عام 1998.  نقلت بعد التغيير، عند استيزار عادل عبد المهدي للمالية، الى مستشار فني للوزير وبقائي مشرفا على الاعادة العراقية وعند تأسيس الديوان عينت رئيسا له بالوكالة ثم وكيلا لوزارة المالية عندما اصبح علي عبد الامير علاوي وزيرا للمالية وعندها تركت ادارة الاعادة العراقية لتعارض ذلك مع رئاستي للديوان.”

والسؤال الذي يثيره هذا الوضع هو لماذا لم يُعّين رؤساء الحكومات (اياد علاوي، إبراهيم الجعفري، نوري المالكي) رئيساً أصيلاً للديوان؟  هل هو عدم قناعة الرؤساء بوجود شخص مؤهل قادر على احتلال الموقع؟  لا نعتقد ذلك لأن الوكلاء الثلاثة أصحاب اختصاصات في النشاط التأميني أو قريبون منه ولهم خبرة طويلة.  هل أن التوافق المحاصصي لم يتحقق طيلة السنوات الماضية وحال دون تعيين رئيس بالأصالة؟  يعتقد البعض بذلك، لأن المحاصصات الطائفية–الاثنية هو النظام العام لدولة عراق ما بعد 2003، وهو ذات النظام الذي يكمن وراء الازمة السياسية-الاقتصادية القائمة.

وقد قرأنا مؤخراً أن البرلمان سيناقش “مشروع قانون إنهاء إدارة المناصب الحكومية بالوكالة، في محاولة للحيلولة دون تعيين رئيس الحكومة نوري المالكي مُقربين منه في المناصب الشاغرة.  ويشغلُ العشرات من المناصب المدنية والأمنية أشخاص يديرون عملهم بالوكالة، من دون موافقة البرلمان.”

موقع رئيس ديوان التأمين العراقي يصنف ضمن الدرجات الخاصة.  وبهذا الشأن تنص المادة 61 من الدستور على أن “أصحاب الدرجات الخاصة من الموظفين الذين تعينهم الحكومة في المناصب العليا المهمة، يجب أن تعرض أسماؤهم على مجلس النواب للحصول على الثقة.”  (حسين علي داود، الحياة، ٢٤ أكتوبر ٢٠١٢).[1]

وينص قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 على الدرجة الخاصة لرئيس الديوان في المادة التالية:

“المادة -7-

أولا- يدير الديوان رئيس بدرجة خاصة يعين بناء على اقتراح الوزير خلال مدة لا تتجاوز (30) ثلاثين يوما من تاريخ نفاذ هذا القانون، لمدة (4) أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط.”

الحكومات العراقية الأربع منذ 2003 (أياد علاوي، وإبراهيم الجعفري ودورتين لنوري المالكي) أخلّت بمتطلبات القانون واكتفت بتعيين رئيس للديوان بالوكالة.  عدم إشغال موقع رئيس الديوان بالأصالة ينعكس سلباً على أداء الديوان، وهو ما يدل عليه افتقار الديوان إلى الكوادر، ومحدودية نشاطه في الوقت الحاضر.

ومن المفيد هنا اقتباس فقرة من رسالة فؤاد عبدالله عزيز مؤرخة في 14 تشرين الثاني 2012 تفصح الكثير عن الديوان وتغني عن الإفاضة في التعليق:

“[فيما يخص] ديوان التامين لا بد لي ان اورد حقيقية تاريخية عنه اساسها اصدار قانون التامين حينها بضغط مستعجل من ادارة الاحتلال ايام وزارة اياد علاوي وعادل عبد المهدي، وزيرا للمالية.  وكان واضحا ان القانون يهدف الى رفع احتكار [شركة التأمين] الوطنية و[شركة التأمين] العراقية للأعمال الحكومية، اضافة الى ادخال صناعة التامين ضمن اقتصاد السوق رغم ان اعمال التامين البحري لشحنات سلطة الاحتلال كانت تسند الى شركة ألأي آي جي[2] [AIG] جهارا.  والعقدة هنا كيف ستتعامل [وزارة] المالية مع كيان للديوان تحـت التأسيس باعتباره هيئة رقابية مستقلة لابد وان تخصص له الاموال اللازمة ضمن الموازنة العامة، وهو ما حاولت حينها بإصرار بتعاون مع الزميل العزيز فاضل النجار ولكننا لم نفلح، وبقيت التشكيلة البسيطة للديوان عبارة عن رئاسة بالوكالة وتنسيبات عدد من الموظفين من شركات التامين.  ويبدو ان افهام الوزارة وما فوقها بدور الديوان اصبح امرا عسيرا.”

مفارقات في استقلالية الديوان

يرد في موقع الديوان التعريف التالي للديوان:

“تأسس ديوان التأمين العراقي واستمد صلاحياته بموجب قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 وهو هيئة مستقلة يرأسها رئيس الديوان.”

والسؤال الذي ينهض هنا هو: ما المقصود بالاستقلالية؟  وهل ان الديوان مستقل حقاً؟

ديوان التأمين العراقي لا يرد له ذكر في الدستور الذي حدد الهيئات المستقلة بالاسم في المادتين 102 و 103 كما سنذكر لاحقاً.  لعل التعريف يستمد مفهوم الاستقلال من المادة 5 من قانون 2005:

المادة-5-

أولا-

يؤسس بموجب هذا القانون ديوان يسمى (ديوان التأمين) يتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي والاداري، وله تملك الاموال المنقولة وغير المنقولة اللازمة لتحقيق أهدافه والقيام بجميع التصرفات القانونية ويمثله رئيس الديوان أو من يخوله.”  [التأكيد من عندنا]

لكن هذا الاستقلال مُقيّد وقابل للتساؤل في ضوء العمل الفعلي للديوان منذ تأسيسه،[3] وكما يرد في الموقع أيضاً حيث نقرأ، في مجال تحقيق أهداف الديوان فقرة عن “القيام بأية وظائف أخرى ذات صلة بقطاع التأمين يقترحها رئيس الديوان ويوافق عليها وزير المالية لغايات تنظيم سوق التأمين.”  ونضيف إلى ذلك أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005، فالديوان يرتبط بوزير المالية ووزارته بصيغ مختلفة، والمواد التالية من القانون توضح ذلك دون الحاجة إلى شرح [كل التأكيدات من عندنا]:

المادة-5-

ثانيا- يكون مقر الديوان في بغداد وله أن ينشئ فروع له في ارجاء العراق بقرار من رئيسه بموافقة الوزير.

ثالثا- ينظم هيكل وتشكيلات الديوان بتعليمات يصدرها الوزير بناء على اقتراح رئيس الديوان.

المادة-6-

يهدف الديوان الى تنظيم قطاع التأمين والاشراف عليه بما يكفل تطويره وتامين سوق مفتوح وشفاف وامن ماليا، وتعزيز دور صناعة التأمين في ضمان الاشخاص والممتلكات ضد المخاطر لحماية الاقتصاد الوطني ولتجميع المدخرات الوطنية وتنميتها واستثمارها لدعم التنمية الاقتصادية، وله في سبيل ذلك القيام بالمهام الاتية:

سادسا- أي مهام اخرى تتعلق بقطاع التأمين يقترحها رئيس الديوان ويوافق عليها الوزير لتنظيم سوق التامين.

المادة -7-

أولا- يدير الديوان رئيس بدرجة خاصة يعين بناء على اقتراح الوزير خلال مدة لا تتجاوز (30) ثلاثين يوما من تاريخ نفاذ هذا القانون، لمدة (4) أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط.

رابعا- لا يجوز اعفاء رئيس الديوان من منصبه قبل انتهاء مدته الا بقرار من رئيس الوزراء وموافقة مجلس الرئاسة بناء على اقتراح من الوزير أو مفوضيه النزاهة العامة ولأسباب مبررة.

المادة-8- يتولى رئيس الديوان:

خامسا- اعداد برامج وخطط لتطوير قطاع التامين ورفع مستوى خدماته بالتشاور مع الوزارة.

سادسا- اعداد مشاريع القوانين والانظمة والتعليمات المتعلقة بأعمال التامين ورفعها الى الجهات المعنية.

سابعا- اعداد الموازنة السنوية للديوان ورفعها الى الوزارة.

المادة-11-

يعد الديوان خلال شهر حزيران من كل سنة تقريرا عن أعمال ونشاطات التأمين في العراق عن السنة المالية السابقة لإعداد التقرير، على أن يقدم هذا التقرير الى الوزير في موعد اقصاه نهاية شهر أيلول من كل سنة لإبداء ملاحظاته عليه.

المادة-103-

لرئيس الديوان بموافقة الوزير إصدار أنظمة داخلية تلزم الأشخاص بالتأمين ضد أخطار معينة.”

يذكر الديوان في موقعه الإلكتروني “الروابط المفيدة” التالية:

دائرة تسجيل الشركات

وزارة التجارة

الهيئة العامة للضرائب

البنك المركزي العراقي

ولكن الموقع لا يذكر وزارة المالية رغم ارتباطه بها!

والغريب أيضاً أن موقع وزارة المالية الإلكتروني لا يأتي على ذكر ديوان التأمين العراقي كدائرة أو هيئة مرتبطة بالوزارة!  وعندما أجرينا بحثاً عن الديوان في الموقع لم نعثر على نص بشأنه.  ولكن، وتحت باب القوانين والأنظمة، في نفس الموقع، يرد ذكر “تعليمات إجازة وسيط التأمين وتنظيم أعماله وتحديد مسؤولياته.”  [تعليمات رقم 10 لسنة 2006، أصبحت نافذة اعتباراً من 26/3/2007]

ضمان استقلالية الديوان عن وزارة المالية

دعونا ضمن مشروع صياغة سياسة لقطاع التأمين إلى “تعزيز مؤسسات التأمين” وحددنا ضمن ذلك “العمل على ضمان استقلالية ديوان التأمين العراقي عن وزارة المالية وتكريس مكانته كمؤسسة شبه حكومية.”  وقتها علق الأستاذ عبد الباقي رضا على هذه الدعوة قائلاً:

“قبل ضمان استقلالية ديوان التأمين تعزيز جهازه الفني بعناصر مؤهلة وتدريبهم لدى سلطات الرقابة في الدول العريقة في اعمالها كمصر والاردن.  ان دور الرقابة على شركات التأمين الخاصة التي كثر عددها دون تعزيز امكانياتها الفنية مهم جدا حمايةً لحقوق المؤمن لهم.”[4]

وكتب السيد ضياء هاشم مصطفى:

ان ضمان استقلالية ديوان التأمين العراقي عن وزارة المالية قد لا اجده نافعا في الوقت الحاضر وخاصة ان الديوان لا يتوفر فيه الحد الادنى للكفاءة التأمينية مما يعني انه لأجل ان يقوم بدوره الرقابي، كما نص عليه قانون التأمين رقم 10 لسنة 2005، فسيحتاج الى كوادر ومستلزمات عديدة وبالتالي ارتفاع كبير في المصاريف الادارية له، قد لا تغطيها نسبة 1% من اقساط التأمين للشركات العاملة والتي تسددها للديوان، وان أية زيادة في هذه النسبة ستشكل عبئا اضافيا على شركات التأمين.  عليه فإنني ارى ان يبقى ديوان التأمين تابعا لوزارة المالية في الوقت الحاضر على ان تتولى الوزارة دعمه ماديا وايجاد هيكلية واضحة وبكوادر متقدمة ولا باس ان تكون بعقود مع بعض الكوادر التي خرجت من القطاع بسبب السن القانوني لكي يستطيع الديوان القيام بواجبه الرقابي الهام وقطع الطريق امام فوضى المنافسة غير الفنية الحاصلة الان في السوق.[5]

في الدعوة إلى الاستقلال كان في بالنا الاستفادة من نموذج البنك المركزي العراقي – أي النموذج الذي لا يخضع للمصالح السياسية.  ويبدو الآن بأننا لم نكن واقعيين في دعوتنا خاصة بعد إقالة د. سنان الشبيبي، محافظ البنك المركزي، من منصبه وما رافقها من تعيين محافظ بالوكالة وتطورات أخرى تثير الكثير من التساؤل حول نوايا رئيس الوزراء والنخبة الحاكمة.  وكان الأستاذ عبدالباقي والسيد ضياء هما الصحيحان بشأن تعزيز الديوان من خلال تطعيمه بالكوادر المدربة وإيجاد هيكلية تنظيمية مناسبة له للقيام بوظيفته الرقابية، فقد أصبح المناخ السياسي ملوثاً ومحتقناً أو قل زاد تلوثاً واحتقاناً بحيث انه الغى فرصة الدعوة إلى “استقلال” الديوان.  لنقرأ، على سبيل المثال ما أوردته إحدى وكالات الأنباء بهذا الشأن:

وصفَ ائتلاف دولة القانون من اعتبر قرار استبدال الشبيبي بغير الدستوري بأنه يجهل الدستور ومضامينه، مقرا في الوقت نفسه بان الحكومة تعمل على اعادة هيكلة الهيئات المستقلة لتعزيز ارتباطها به.  واشار الائتلاف الى ان هناك مشاريع عدة قوانين تخص جميع الهيئات المستقلة مطروحة امام مجلس النواب، وتنتظر التصويت عليها، من شأنها ان تضفي الطابع القانوني والدستوري على ارتباطها الكامل بالسلطة التنفيذية عند اقرارها. (حيدر جواد علي، وكالة أنباء براثا، 22/10/2012)

ونقرأ تحت عنوان “توجه حكومي لإعادة هيكلية الهيئات المستقلة وتغيير اداراتها” نقلاً عن مصدر غير معرّف:

إن “الهيئات المستقلة عملت بالضد من توجهات الحكومة العراقية طيلة الفترة الماضية رغم طلب مجلس الوزراء أكثر من مرة من هذه الهيئات مساندته في توجهاته”.

وأوضح المصدر أن “الهيئات المستقلة التي رفض مدراؤها أو مرؤسيها دعم توجهات الحكومة العراقية سيتم تغيير إداراتها”.

وكان رئيس الوزراء نوري المالكي قد ربح في 18 كانون الثاني الماضي ا قرارا من المحكمة الاتحادية أجازت وضع الهيئات المستقلة تحت إشراف رئيس الوزراء، وهو ما أثار ردود أفعال وسجالات.[6]

الهيئات المستقلة مصدر إزعاج للحكومة وهناك ميل قوي لإخضاعها للحكومة.  فكما يرد في الأخبار والتعليقات الصحفية فإن ان رئيس الوزراء قد حصل في 18 كانون الثاني 2011 قراراً من المحكمة الاتحادية، أجاز وضع الهيئات المستقلة تحت إشراف رئيس الوزراء، وليس تحت اشراف مجلس النواب.  في حين أن المادة 102 من الدستور “تعد المفوضية العليا لحقوق الإنسان، والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وهيئة النزاهة، هيئات مستقلة، تخضع لرقابة مجلس النواب وتنظم أعمالها بقانون.”  فيما تنص المادة 103 من الدستور “أولاً- يُعد كل من البنك المركزي العراقي، وديوان الرقابة المالية، وهيئة الإعلام والاتصالات، ودواوين الأوقاف، هيئات مستقلة مالياً وإدارياً، وينظم القانون عمل كل هيئة منها.  ثانياً- يكون البنك المركزي العراقي مسؤولا أمام مجلس النواب، ويرتبط ديوان الرقابة المالية، وهيئة الإعلام والاتصالات بمجلس النواب.”

في ظل هذا الوضع يصبح الحديث عن استقلال الديوان ترفاً فكرياً خاصة وان الديوان ليس مصنفاً كهيئة مستقلة أصلاً ولا يجد موضوعة الاستقلال سنداً لدى أركان التأمين العراقي.  إن ما يحول دون الاستقلال الحقيقي للعديد من الهيئات هو الخلل في النظام السياسي-الاقتصادي القائم والذي “يعود إلى جملة عوامل من بينها على سبيل المثال:

“أ. الصراع المحموم بين القوى المتنفذة لاقتسام وإعادة اقتسام الحصص في مواقع السلطة والنفوذ، وللسيطرة على المال العام ومصادر الإثراء، وتضارب المصالح المادية للقوى السياسية وعناصرها.

ب. الصراع على الزعامات السياسية للطائفة والكتل التي تدعي تمثيلها.

د. غياب المشروع السياسي الوطني العابر للطوائف والقوميات.

فالخلل يكمن، إذن، في بنية النظام السائد وفي طبيعة المشاريع والاستراتيجيات التي طبقت بعد 2003 والتي لا يمكن أن تنتج غير هذه البنية.  وبهذا المعنى فان هذه البنية تعاني من تناقض بنيوي لا يمكن حله إلا بتفكيك نظام المحاصصات وخلق الارضية لنظام جديد هو النظام الوطني والديمقراطي في آن.”[7]

تعزيز الوظيفة الرقابية للديوان

هل يعني هذا الكف عن التفكير بواقع الديوان ومستقبله؟  رغم التطورات الحالية التي نالت من استقلالية الهيئات المستقلة، فإن الطموح يظل قائماً كي يكون الديوان هيئة مستقلة أو شبه حكومية دون أن يعني ذلك فك ارتباطه بالكامل عن وزارة المالية.  ولعل استقرار البولطيقا العراقية سيساعد في النظر إلى الديوان من موقع فني فالوظيفة الأساسية للديوان هو ضمان حقوق المؤمن لهم ووضع الضوابط المناسبة لتحقيق ذلك، وليس المشاركة في صنع السياسة النقدية والمالية رغم ارتباط النشاط التأميني بالقطاع المالي.

دعوتنا لاستقلالية الديوان لا يقوم على إلغاء الضوابط التنظيمية لقطاع التأمين بل “تحرير” الديوان من عبء المحاصصة كي يستطيع استكمال هيكله التنظيمي، وأداء مهامه المعطلة في الوقت الحاضر.  هناك حاجة لمناقشة موسعة لمختلف جوانب عمل الديوان ولكن ليس من النمط الذي يفتقر إلى الموضوعية في نقد الديوان منذ تأسيسه وسوء فهم لدوره وضرورة وجوده.[8]

تاريخياً، كان ارتباط شركات التأمين العامة بإحدى الوزارات ومثلها أجهزة الرقابة كالمؤسسة العامة للتأمين (1964-1988)، ومراقب التأمين بعد ذلك (1989-2003)، والآن ديوان التأمين العراقي.  هناك استمرارية في ربط الوظيفة الرقابية بالحكومة رغم اختلاف الانظمة السياسية-الاقتصادية، ولا ضير في ذلك إن لم تتحول هذه الوظيفة إلى موضوع للمساومة والصفقات الإثنية-الطائفية.

لا نود هنا مناقشة المفاضلة بين ما يعرف بقواعد التنظيم الذاتي (الرقابة الذاتية self-regulation) والرقابة الحكومية (رقابة الدولة) وهو موضوع أصبح يشغل حيزاً كبيراً في النقاش العام منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي (مع نهوض الليبرالية الجديدة) لتحجيم أو تقليص أو إلغاء دور الدولة ليس في المجال الاقتصادي فقط وإنما أيضاً في إلغاء دورها في وضع الضوابط التنظيمية (regulation) وخاصة في القطاع المالي.  وهو ما صار يعرف بتحرير النشاط الاقتصادي والمالي من القيود (deregulation).

ويكفي القول أن النشاط التأميني لا يمكن أن يستمر في غياب الضوابط الرقابية المنظمة للنشاط.  فلولا هذه الضوابط لكانت العشرات من شركات التأمين العالمية قد انهارت تحت وطأة الأزمة المالية الكبرى للرأسمالية العالمية، فبفضلها لم تتوقف شركات التأمين من تسديد التزاماتها للمؤمن لهم من الأفراد والشركات.  ولم تتدخل الحكومات لإسناد شركات التأمين إلا في حالات قليلة كإنقاذ الإدارة الأمريكية لشركة أي آي جي AIG بسبب اشتغالها في نشاطات غير تأمينية أو لا علاقة مباشرة لها بالتأمين (نشاطات قريبة من تلك التي تمارسها المصارف).  لقد صمدت شركات التأمين أمام تأثيرات أزمة رأس المال بفضل المطابقة الدقيقة بين أصولها ومطلوباتها close matching of assets and liabilities.  وهذه المطابقة تقوم على ثلاثة عناصر: إدارة أخطارها، الامتثال لمتطلبات هيئات التصنيف، والأهم من ذلك الامتثال للقواعد الرقابية.

المطلوب من ديوان التأمين العراقي أن يعزز مكانته لتطبيق الضوابط الرقابية، ولكي يتحقق ذلك وجب إخراجه من منظومة المحاصصة وتعيين رئيس بالأصالة كي يبدأ ببناء الهيكل التنظيمي ويطعمه بالكوادر المؤهلة ليمارس الديوان عن حق مهامه الرقابية ولا يكتفي بإصدار التعليمات.

لندن 9/30 تشرين الثاني 2012


[2] شركة تأمين أمريكية عملاقة.

[3] هناك من هو أدرى مني بهذا الجانب، وأتمنى أن يقوم بتقييم العمل الحقيقي للديوان منذ تأسيسه.

[4] مصباح كمال، “نحو مشروع لصياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2012/08/06/a-policy-for-iraqs-insurance-sector/

[5] ضياء هاشم مصطفى “إضافات لمشروع صياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2012/08/07/a-supplement-to-misbah-kamals-paper-a-policy-for-iraqs-insurance-sector/

[6] شفق نيوز، “توجه حكومي لإعادة هيكلية الهيئات المستقلة وتغيير اداراتها”، الأحد، 21 تشرين1/أكتوير 2012

http://www.shafaaq.com/sh2/news/iraq-news/47375-

[8] مصباح كمال، “نحو رفض مقترح تأسيس اتحاد لشركات التأمين العراقية: حوار مهني مع السيد عبد السادة الساعدي،” مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2009/07/blog-post_09.html

Suhair Hussein Jameel as I Knew Her

سهير حسين جميل

كما عرفتها

مي مظفر

من الصعب عليّ جدا أن أتحدث عن سهير حسين جميل بصيغة الماضي.  فهي لدي حاضر ممتد، له جذوره وروابطه القديمة بين أسرتينا.  جمعتنا في العمل مؤسسة واحدة، ولم يجمعنا مكتب واحد.  عملت سهير في الدائرة القانونية في شركة التأمين الوطنية، وكنت أعمل في قسم الدراسات والأبحاث في شركة إعادة التأمين العراقية.  كان تفوقها في العمل يضاهي تفوقها في المراحل الدراسية التي استأنفتها على الرغم من انقطاعها بسبب زواجها المبكر من قريبها المحامي عبد القادر الزهاوي رحمة الله عليه.  وبعد بضع سنوات اتخذتْ قرارا حاسما لاستكمال دراستها والشروع بطريقها المهني.

نشأت سهير بكنف بيت ثقافة وعلم، قربها من والدها المحامي الكبير والسياسي اللامع حسين جميل، وتأثرها به شخصا وعلما جعلها مؤهلة لبناء شخصيتها المتفردة.  فاستطاعت بموهبتها وسحر شخصيتها أن تبرز في مجال تخصصها في العمل.  كانت الإشادة بها تتأتى من كل من عرفها وعمل معها.  ويكفيني هنا أن أستشهد برأي الأستاذ الدكتور مصطفى رجب، مؤسس شركة إعادة التأمين ومديرها العام على مدى حقب من الزمن، وما قاله لي شخصيا، بعد أن قرأ أطروحتها لنيل الماجيستير، إن سهير تمتلك الفكر الخلاق الذي نبحث عنه، فلها عقل قادر على تحليل الأمور والنظر إليها بعمق وموضوعية.  ولمن لا يعرف هذا العالم الفاضل، أستاذ القانون الدولي والحجة في شؤون التأمين وإعادة التأمين، أقول إنه من أصعب الناس إرضاءً، وأشدهم مطلبا في الأداء الفكري والوظيفي بل والسلوكي أيضا.

العمق والصدق والإخلاص كان من السمات الملازمة لسهير في شتى مجالات الحياة.  امرأة راجحة العقل منفتحة على الثقافة بميادينها المتنوعة، صريحة في آرائها ومواقفها، لا تعرف الزيف والتصنع في أي شيء.  كان من آخر اهتماماتها البحث في تاريخ العثمانيين وحقيقة إنجازاتهم الحضارية والسياسية.  في الوقت نفسه، كانت ستشرع في قراءة الرواية الأخيرة لربيع جابر “دروز بلغراد”، كان ابنها عمّار قد انتقاها لها (الرواية التي نالت جائزة البوكر العربي هذا العام).  هذا التنوع في المعرفة كان من أهم عوامل تكوينها الثقافي بأبعاده الإنسانية.

تركت سهير فراغا كبيرا في حياة أسرتها وصديقاتها وأصدقائها، ومن الصعب أن نجد لها بديلا.

مي مظفّر

عمّان: 8 تشرين الثاني 2012

Loophole in the Insurance Regulatory Act 2005

التذكير بمعالجة “ثغرة” أساسية في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005

 

 

مصباح كمال

 

 

هذه الورقة القصيرة هي امتداد لورقة أخرى كتبناها في 21 آب 2012 بعنوان “المادة 81 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: المدخل لتغيير القانون.”  ومن المؤمل أن تنشر في إحدى المجلات العراقية خلال سنة 2012.  سنقتبس بعض فقراتها لأغراض هذه الورقة.

 

“الثغرة” التي نعنيها محصورة في أحكام المادة 81 من القانون ومنها ينشا تناقض قانوني نحاول التعريف به.

 

يرد نص المادة 81 تحت الباب السابع، أحكام متفرقة، الفصل الأول، أحكام عامة، وكما يلي:

 

المادة-81- 

أولاً- لأي شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص الحق في الاختيار بشراء منتجات التأمين أو خدماته من أي مؤمن أو معيد تأمين ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

 ثانياً- لا يجوز اجبار شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص على شراء منتجات خدمات التأمين من مؤمن أو معيد تأمين أو وكيل أو وسيط أو مقدم خدمات تأمين محدد، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

 ثالثاً- يجري التأمين على الأموال العامة والاخطار التي ترغب الوزارات أو دوائر الدولة في التأمين ضدها بالمناقصة العلنية وفقاً لأحكام القانون، ولجميع المؤمنين المجازين في العراق حق الاشتراك فيها.

 

الفقرة ثالثاً، رغم أهميتها وشكوى البعض من وجودها، ليست موضوعاً لهذه الورقة.  ويكفي أن نشير هنا إلى أن هذه الفقرة، خلافاً للفقرتين ثانياً وثالثاً، تذكر حق “جميع المؤمنين المجازين في العراق” الاشتراك في مناقصات التأمين على الأموال العامة.  انطلاقاً من هذه الملاحظة نجد أن الفقرة أولاً لا تشير إلى مؤمنين مجازين في العراق، وكذا الأمر بالنسبة للفقرة ثانياً.  لم تأتِ هذه الصيغة في إغفال ذكر العراق عفواً وفي لحظة غفلة بل من باب التصميم وضمن رؤية لتوجيه الاقتصاد العراقي.  كما نغض النظر عن مدى شرعية قانون تنظيم أعمال التأمين في ضوء اتفاقيات جنيف حول تغيير المحتل الأجنبي لقوانين الدولة المُحتَلّة، ويكفي أن نقول إن هذا القانون لا ينسجم مع اتفاقيات جنيف التي لا تجيز للقوة المحتلة صلاحية تغيير ما هو قائم ما لم يكن هناك تهديداً مباشرا لأمن القوة المحتلة أو أن هناك ضرورة تستوجب التغيير.  وفي هذا السياق فإن النشاط التأميني، في أي من صوره، لم يشكل تهديداً مباشراً أو غير مباشر للاحتلال الأمريكي، ولم تكن هناك ضرورة اقتصادية أو اجتماعية لتغيير القوانين المنظمة للنشاط ما لم ندخل الاعتبارات الإيديولوجية في الحسبان (إعادة تشكيل الاقتصاد العراقي من منظور العقيدة الليبرالية الجديدة)، وفي هذه الحالة فإن الضرورة ليست عراقية، نابعة من متطلبات تنمية الاقتصاد العراقي.

المادة 81 ناقصة، كما يلاحظ القارئ، لأنه يخلو من إشارة إلى محل إقامة المؤمن أو معيد الـتأمين، أو تسجيله في العراق، أو ترخيصه من قبل الديوان، ولا القانون الذي تشير إليه هذا المادة، حسب علمنا، نصًّ خلاف ذلك، ولم ينشر حتى الآن تعديل للقانون بهذا الشأن.  ويلاحظ أيضاً أن هذه الفقرة تُقرُّ حق الشخص الطبيعي في الاختيار بشراء منتجات التأمين أو خدماته من أي مؤمن أو معيد تأمين دون النص على عراقية المؤمِن أو معيد التأمين (بمعنى تسجيله لدى مسجل الشركات وترخيصه من قبل الديوان).

وفّرت المادة 81 الأرضية القانونية لتسريب أقساط التأمين العراقية إلى الخارج من خلال القبول الضمني بالتأمين خارج النظام الرقابي non-admitted insurance وهو ما لا نجد نظيراً له في معظم الانظمة الرقابية على النشاط التأميني في العالم.  وقد كتبتُ في مكان آخر ان “مايك بيكنز، مفوض التأمين في ولاية أركنساس، الذي أعد نص القانون باللغة الإنجليزية، يعرف تماماً القيود المفروضة على حرية شراء التأمين في ولايته وفي الولايات الأخرى للولايات المتحدة.  ومع ذلك أقحم هذه المادة تعبيراً عن العقيدة الليبرالية الجديدة في رفع الضوابط الرقابية.”[1]

لقد وفرَّ قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 الغطاء القانوني للتأمين خارج العراق لدى شركات تأمين أجنبية غير مسجلة في العراق وغير مرخصة.  وعدا ذلك فإن القانون يتعارض مع أحكام الدستور الدائم، فقد أكدت المادة 126 من الدستور حول نفاذ القوانين القائمة على الآتي:

 

“تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها، ما لم تُلغَ أو تُعدّلَ، وفقاً لأحكام هذا الدستور.”

 

من التشريعات النافذة ذات العلاقة قرار مجلس قيادة الثورة رقم 192 المؤرخ 3/12/1998 الذي نصَّ في الفقرة ثانياً على أنه

 

“لا يجوز التأمين خارج العراق مباشرة على أشخاص أو أموال موجودة في العراق أو مسؤوليات قد تتحقق فيه.”  (الوقائع العراقية، العدد 3757، ص 618)

 

ويعرف القارئ المُطّلع أن هذا القرار ألغى قانون شركات ووكلاء التامين رقم (49) لسنة 1960 الذي نصّ في المادة 57 على الآتي

 

“لا يجوز لأي شخص أن يُؤمن خارجَ العراق مباشرةً على أشخاصٍ أو عقاراتٍ أو أموالٍ موجودة في العراق.”

 

ومن النواقص التدوينية لقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 عدم إيراد نص بإلغاء قوانين التأمين السابقة أو الاحتكام إليها في حالات معينة.  هناك إذاً تضاربٌ بين قانون سنة 2005 والقوانين السابقة التي لم تخضع للإلغاء، والمعني هنا هو قرار مجلس قيادة الثورة رقم 192 المؤرخ 3/12/1998.

مراجعة سريعة لقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 تكشف نقصاً تدوينياً فيه يتمثل بعدم الإشارة إلى القوانين السابقة في الأسباب الموجبة للتشريع، وهو المكان المناسب، أو في أي من مواده (106 مادة) سواء ما تعلق منها بسريان هذه القوانين أو إلغائها بالمطلق.  ولذلك يمكن القول إن عدم النص على إلغاء قوانين التأمين السابقة يعني ضمناً أن هذه القوانين نافذة.

إزاء هذا الوضع يصبح ضرورياً القيام بالمراجعة الفنية والقانونية لقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 وإعادة تدوينه فهو صار يُشكّل عنصراً أساسياً في توجيه النشاط التأميني.  إن القانون، في صيغته الحالية، يحجّمُ دور شركات التأمين العراقية.  وقد عرضت موقفي من تغيير القانون في مقالتي “نحو مشروع لصياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق” المنشور في مرصد التأمين العراقي وقد أشرت إليه سابقاً.

إزاء هذا الوضع أليس بالأحرى على ديوان التأمين العراقي، ومن خلال وزير المالية، أن يعرض التعارض الموجود بين قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 مع قوانين التأمين السابقة التي ما زالت نافذة على مجلس شورى الدولة (ديوان التدوين القانوني سابقاً) لإبداء الرأي والمشورة القانونية – حسب ما تقضي به المادة 6 من قانون مجلس شورى الدولة رقم (65) لسنة 1979 وتعديلاته.[2]

 

نرى أن التناقض بين القانون الحالي (الجواز الضمني للتأمين على أشخاص أو أموال موجودة في العراق أو مسؤوليات تتحقق فيه خارج العراق ) والقوانين السابقة التي تقضي بعدم جواز مثل هذا التأمين مسألة في غاية الأهمية.

إن لم يتحرك مجلس شورى الدولة، لأي سبب كان، يمكن التفكير باللجوء إلى اللجنة القانونية لمجلس النواب،[3] فالمادة 90 من النظام الداخلي لمجلس النوابالعراقي تحدد اختصاصات اللجنة القانونية بالآتي:

 

أولا- مراجعة القوانين السابقة وتكييفها وفق الدستور.

ثانياً- دراسة التشريعات المتعلقة بالسلطة القضائية.

ثالثاً- معاونة المجلس ولجانه في صياغة النصوص التشريعية.

رابعاً- تحسين وتطوير النظم القانونية والقضائية.

خامساً- دراسة مقترحات مشروعات القوانين المقدمة لها من قبل المجلس والحكومة وابداء الرأي في شأنها وإعداد نصوصها وصياغتها ، بحسب ما تكلف به من قبل هيأة الرئاسة في المجلس.

سادساً- مراجعة قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل.

سابعاً- متابعة المفوضية العليا للانتخابات.

 

وربما يمكن إشراك اللجنة المالية لمجلس النواب إذ أن أحد اختصاصات هذه اللجنة، بموجب المادة 93، الفقرة ثالثاً، من النظام الداخلي للمجلس “متابعة البنوك والإتمان والقروض والتأمين” وكذلك هيئة رئاسة المجلس.

نأمل أن يساهم ممارسو التأمين في العراق بدراسة موضوع هذه الورقة، والعمل فيما بينهم ومن خلال جمعية التأمين العراقية وديوان التأمين العراقي على إثارته مع السلطات المعنية للوصول إلى التغير المطلوب.  لم يعد التشكي كافياً بحد ذاته ويجب إقرانه بالفعل.  آمل أن تتكلل الجهود بالنجاح.

 

لندن 12 تشرين الثاني 2012


[1] مصباح كمال، “نحو مشروع لصياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق“، مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2012/08/06/a-policy-for-iraqs-insurance-sector/

 

[2] تنص المادة 6 على ما يلي:

يمارس المجلس في مجال الراي والمشورة القانونية اختصاصاته على النحو الاتي:

اولا – ابداء المشورة القانونية في المسائل التي تعرضها عليه الجهات العليا.

ثانيا – ابداء المشورة القانونية في الاتفاقات والمعاهدات الدولية قبل عقدها او الانضمام اليها.

ثالثا – ابداء الراي في المسائل المختلف فيها بين الوزارات او بينها وبين الجهات غير المرتبطة بوزارة اذا احتكم اطراف القضية الى المجلس ويكون راي المجلس ملزما لها.

رابعا – ابداء الراي في المسائل القانونية اذا حصل تردد لدى احدى الوزارات او الجهات غير المرتبطة بوزارة على ان تشفع براي الدائرة القانونية فيها مع تحديد النقاط المطلوب ابداء الراي بشأنها، والاسباب التي دعت الى عرضها على المجلس ويكون رايه ملزما للوزارة او للجهة الطالبة الراي.

خامسا – توضيح الاحكام القانونية عند الاستيضاح عنها من قبل احدى الوزارات او الجهات غير المرتبطة بوزارة.

سادسا- لا يجوز لغير الوزير المختص او الرئيس الاعلى للجهة غير المرتبطة بوزارة عرض القضايا على المجلس.

[3] اقتراح مشروع القوانين هو من صلاحيات مجلس الوزراء (الدستور العراقي، المادة 80، الفقرة ثانيا) ولكن المطلوب هنا ليس اقتراح مشروع لقانون جديد للتأمين وإنما تعديل مواد قانون قائم.

Majeed Al-Yaseen Insurance Agency-personal recollection

مجيد أحمد الياسين

ذكريات شخصية

 

 

محمد الكبيسي

 

 

توطئة

بتاريخ 1 تشرين الأول 2012 كتب لي الزميل مصباح كمال رسالة قصيرة باللغة الإنجليزية ذكر فيها أنه ينوي كتابة مادة قصيرة عن مجيد أحمد الياسين، بعد استلامه رسالة من حفيدته سمر فايز عوده الكبيسي بعد قراءتها اسم وكالة جدها في مرصد التأمين العراقي.

 

ذكّرني زميلي بأنني عملتُ في وكالة مجيد الياسين في عام 1970 كما كتبتُ في مقالتي: “وكالات التأمين: مقاربة لفهم الخدمة التأمينية” المنشورة في مجلة التأمين العراقي.[1]

 

وقال أن حفيدته ربما لم تطلع على هذه المقالة، ونقل عنها أن جدها كتب كتابا عن التأمين وكان له يد في صياغة قانون توريث الوكالات.  وسألني إن كنتُ على علم بهذا الكتاب وعنوانه وسنة نشره.

 

واستفسر مني إن كنت أستطيع إلقاء بعض الضوء على الرجل ووكالته؟  عدد الموظفين والموظفات في الوكالة، وأسلوبه في الإدارة/القيادة، وما إلى ذلك.  وقرر، عن حق، بأنه من الصعب أن أتذكر كل التفاصيل ولكنه سيكون سعيداً بأي تقييم ومعلومات يمكنني تقديمها.

 

قبل أن يختم رسالته قال بأنه رأى صورة لمجيد ياسين بدا فيه وسيماً، حسن المظهر، وأنه توفي في حادث سيارة في نفق الحارثية في بغداد.

 

تضم الفقرات التالية ما كتبته بعض الجواب على رسالة الزميل مصباح.  ولمقتضيات النشر أقدمت على إدخال بعض التعديلات والإضافات لفائدة القراء لكنني أبقيت معظم النص بصيغة الرسالة الجوابية.

 

 

العمل في وكالة مجيد الياسين للتأمين

لقد عملتُ في وكالة مجيد الياسين لمدة قاربت على الثلاثة اشهر في الفترة التي تتحدث عنها.  دعني أقتبس هنا ما ورد في ورقتي “وكالات التأمين: مقاربة لفهم الخدمة التأمينية” من فقرات ذات علاقة بالموضوع:

 

من هذا المدخل [العمل في وكالة تامين بالتأكيد ليس كالعمل لدى الحكومة فالفرق بينهما هو كالفرق بين العمل الخاص والعمل العام، ومعروف كيف يدار العمل الخاص وكيف يدار العمل العام] أردت أن ارسم ملامح تجربتي في العمل في وكالة تأمين كانت يومها تعتبر من أنشط وكالات التامين في العراق وذلك خلال آذار 1970 ألا وهي وكالة مجيد الياسين للتامين ومقرها في عمارة الخليلي في منطقة الشورجة بشارع الجمهورية ببغداد. وكانت من الوكالات القليلة التي تعاقدت كوكيلة للشركتين المملوكتين للدولة وهما شركة التامين الوطنية والشركة العراقية للتامين على الحياة، والسبب طبعا معروف وهو لتخصص كل منهما بفرع من فروع التامين فالوطنية كانت تمارس التأمينات العامة والعراقية تمارس تأمينات الحياة فقط كما يدل الاسم على ذلك.

 

شاركت في بداية العام 1970 في دورة أساسية أعدتها الوكالة في المركز التدريبي التابع لشركة التامين الوطنية في شارع السعدون قرب ساحة النصر، على ما اذكر، تلقينا فيها محاضرات نظرية من السادة شوقي سلبي وجميل نظام سامي وبصري محمد صالح وفاروق جورج والأستاذ بهاء بهيج شكري وآخرين غيرهم لا تحضرني أسماؤهم. ثم اختارتني الوكالة للعمل فيها براتب قدره خمسة عشر دينار بدوام كامل من الثامنة صباحا حتى الواحدة ظهرا ومن الرابعة حتى الثامنة مساء كموظف، إضافة إلى تعاقدها معي للعمل معها كمنتج غير متفرغ. وهكذا بدأت أولى خطواتي في عالم هذه الصناعة التي سرعان ما عشقتها ربما بسبب ما قدمته لي من تطوير لوضعي المالي بسرعة هائلة.  فمنذ اليوم الأول لي في العمل شاهدت طوابير المنتجين الذين كانوا يأتون بطلبات التامين وخاصة الحياة لإيصالها للوكالة.  فالمنتج الذي يقدم طلبا للتامين على الحياة بطريقة الدفع السنوي للقسط يمكن أن يتقاضى فورا عشرين دينارا (إذا رغب) فيما تدفع الشركة [شركة التأمين] للوكالة خمسة وعشرون دينارا.  أما إذا كانت طريقة دفع الأقساط ربع سنوية فتدفع الوكالة ستة عشر دينارا في حين تستلم عشرين دينار من الشركة.  وهكذا كان للمنتج حرية اختيار أن لا ينتظر طويلا لاستلام عمولته من الشركة.

 

أثار انتباهي وحفزني هذا الأمر فعزمت أن أتعلم أصول العمل وأساسياته.  وفعلا تم لي ذلك.  وبدون أيما تردد باشرت بالعمل مستفيدا من وجود أهدافي حول مقر الوكالة فسوق الشورجة وشارع الجمهورية وشارعي الرشيد والنهر وما حولهما تزخر بالعملاء المرتقبين. ولعله من المهم الإشارة إلى أن الوكيل المرحوم مجيد الياسين وجد في رغبتي هذه مصلحة للوكالة فشجعني وأمدني بوصولات تأمينات الحياة لتحصيلها متخذا إياها مدخلا لي للتعرف والتقرب من العملاء أولئك.  وفعلا تمكنت بفترة قياسية من تحقيق نجاح رفع من دخلي عشرات المرات الأمر الذي حفزني أكثر فأكثر.

 

كما عملتُ مع المرحوم مجيد أحمد الياسين عندما عُين مديراً عاماً للشركة العراقية للتأمين على الحياة سنة 1978 ولمدة اربعة اشهر.  حينها شكّل عدة لجان لمراجعه مختلف جوانب العمل، وتقديم توصياتها اليه.  وقد نسبني مقررا (مقرر اللجنة له حق المناقشة والتصويت كما الاعضاء فيما سكرتير اللجنة لا يحق له ذلك – حسب الاستاذ بديع أحمد السيفي)، ومسؤولا عن متابعة تنفيذ توصيات الاجتماعات الشهرية لمدراء الاقسام، ومقررا للجنة الفنية بالإضافة الى سكرتارية مجلس الادارة.  وبعدها احيل على التقاعد، وقيل في حينه ان التعيين (ولم يكن الرجل بحاجة الى وظيفة) كان لمجرد اكمال الخدمة التقاعدية، فيما عدتُ انا الى عملي كمكتتب في قسم تقدير الخطر.  وكان ذلك عملي قبل التحاقه بالشركة.

 

وقد شغل المرحوم منصب مدير عام احدى الشركات الخاصة قبل التأميم في العام 1964 لا أتذكر اسمها على وجه الدقة.  بالنسبة لهذه المعلومة يمكن ان يفيدك اما الأستاذ عبد الباقي رضا او الأستاذ بهاء بهيج شكري.

 

تأسيس الوكالة

اسس وكالته بعد التأميم (1964) وكان وكيلا لشركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية، كلا في اختصاصها، وسرعان ما صارت وكالته في مقدمة الوكالات بفضل علاقاته الواسعة ووضعه الاجتماعي، اضافة الى استقطابه لعدد كبير من منتجي الشركتين، اذ كان المنتج يحتاج الى ان يقدم لزبونه خدمة متكاملة من (تأمينات على الحياة وتأمينات عامة) فمنتج الوطنية يغذي الوكالة بأعمال الحياة التي لا تصدرها شركته ومنتج العراقية بأعمال التأمينات العامة وهكذا.  وهناك تعرفت بالزميل سعدون مشكل الربيعي الذي كان من المنتجين النشطين وغيره مثل الزميل عبد الرضا المغازجي ومحمد اليعقوبي وجمعه عيسى وغيرهم.

 

مجيد الياسين وزيادة الإنتاج

لقد كنت اتقاضى راتبا عن عملي في الوكالة اقلّ من عشرين دينار شهريا وكان المرحوم يستفز فـــيَّ حاجتي لمزيد من المال (كنت متزوجا ولدي طفل في الثانية من عمره) وعندما اسأله عن السبيل الى ذلك كان يلوح لي بوصولات الاقساط التي تصدرها شركة التأمين العراقية لزبائن الوكالة (عمل الوكالة انتاج وتحصيل ووصولات الحياة تصدر مركزيا في الشركة وتوزع الى الفروع والوكالات في نهاية كل شهر او فصل).  وفعلا اخذت مجموعة منها وبدأت مشوار التحصيل فاذا به بوابة الحصول على الاعمال الجديدة حيث يقوم الزبون بتسهيل مهمتي في الحصول على اعمال اقرانه وزملاءه خصوصا في الاسواق المكتظة كالشورجة وشارع النهر والسنك وغيرها اذ أن المنتج يحصل على اهدافه بيسر والمجهود المبذول للوصول الى الزبائن لا يكاد يذكر فالمئات من المحلات الصغيرة يجاور بعضها بعضا.  وهكذا كان حتى اصبح ايرادي بعد اقل من شهرين اكثر من مائة دينار.

 

الهيكل التنظيمي للوكالة

الملاحظات التالية ليست وصفاً كاملاً للهيكل التنظيمي فالذاكرة لا تسعفني في استحضار التفاصيل.  ويمكنني القول أن الرجل كان يجمع بين متطلبات الإدارة والإنتاج الميداني.

 

  • المرحوم مجيد الياسين مسؤول عن التسويق والعلاقات العامة.
  • المحامي السيد صباح (للأسف لا اذكر اسم ابيه) المكتتب الرئيسي (كانت الوكالة تمارس اصدار التأمين العام بحدود معينة مستفيدة من التعرفة المعمول بها آنذاك).
  • كانت مسؤوليتي في البداية اعداد جداول التحصيل وتدقيقها وادامة بعض السجلات ومتابعة المنتجين وتسديداتهم بالإضافة الى التحصيل والانتاج فيما بعد.
  • كما كانت معنا سيدة (لا اذكر اسمها) تعمل كسكرتيرة (ادارية وكاتبة طابعة).
  • وشاب من اصل باكستاني كان مسؤولا عن اصدار وثائق التأمين الالزامي للسيارات مع امانة الصندوق والتحصيل ايضا.
  • كما كان للوكالة محاسبا يعمل بدوام جزئي بعد الرابعة عصرا ولغاية نهاية وقت العمل (كانت اوقات العمل تبدأ من الثامنة صباحا حتى الثانية بعد الظهر ومن الرابعة عصرا حتى الثامنة مساء عدا يوم الخميس حيث ينتهي العمل في الثانية بعد الظهر وطبعا الجمعة كانت العطلة الاسبوعية).
  • بالإضافة الى هؤلاء الاداريين كان لدى الوكالة عدد من المنتجين المتعاقدين بينهم: آنستان (للأسف لا اذكر اسميهما) ولكنهما لم يكنَّ في وضع منافسة فعالة امام المنتجين من الذكور وخصوصا غير المتفرغين والمتمرسين منهم من منتجي الوطنية والعراقية.  كما كان يعمل في الوكالة سيدة وزوجها واختصاصهما بيع وثائق الحياة على الهيئات التدريسية في المدارس (بطريقة الاستقطاع الشهري من الراتب الذي مارسته شركة التأمين العراقية حتى اواخر الثمانينيات).  اما العدد الاجمالي للمنتجين من مختلف الارتباطات فكان يزيد على العشرين اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار عدد من العاملين في المصارف على خطابات الاعتماد الذين يوجهون زبائنهم للبحري – بضائع الى الوكالة مقابل العمولة.

 

سمات شخصية للمرحوم

على حد ما اتذكر منها، ومن خلال تجربتي الشخصية، لم يكن الرجل بعيداً عن العاملين معه.  دعني ألخص بعض من سماته:

 

  • فعلا كان وسيما وانيقا بشكل واضح وكان دائما على راس عامل الخدمة فيما يخص النظافة، واذكر انه كان لا يخفي امتعاضه من افراطي بالتدخين.

 

  • كان ديناميكيا ويحترم الوقت ولا يحب كثرة الرغى والكلام ويفضل لغة النتائج والارقام.  يعني ذلك انه كان عمليا ولكنه يتمتع بأسلوب دبلوماسي صبور خصوصا مع الزبون الواعد والمنتج الواعد.  كان احيانا يصحبني لزيارة زبون ممتنع او متردد عن التسديد وكنت اراقب كيفية تعاطيه مع الموقف واتمنى ان امتلك قدراته في التأثير على مواقف الزبون واعادة الامور الى مسارها الذي يخدم العمل.  ولا اخفي عليك تعلمت منه الكثير بالرغم من قصر المدة والرجل ابدى اهتماما متميزا بما كنت امتلكه من اساسيات بسيطة كان يعتبرها واعدة.

 

  • تعلمت منه ايضا ان لا ابدي موقفا ضعيفا امام الزبون وان اعتمد الوسطية في التعامل وكل ما يجعلني اكسب ثقته من سلوكيات، خاصة معرفتي التامة بالسلعة التي ابيعها وان احترم مهنتي واحترم زملائي.  وكثير غير ذلك من صفات رجل البيع الناجح.  ولا اخفي عليك كرة اخرى ان العديد من ملاحظاته تظل الى اليوم تلازمني خاصة حينما اجتمع بزبون VIP.

 

نعم استطيع ان اؤكد ان له مؤلف او اكثر عن التأمين الا انني لا استطيع تذكره ولكني اذكر التالي: كان المرحوم رئيسا لجمعية الاقتصاديين.[2]  كما كان يلقي محاضرات في التامين اما لطلبة الادارة والاقتصاد في جامعة بغداد او لطلبة معهد الادارة – قسم التامين، وذلك في سبعينيات القرن الماضي.

 

هذا ما تسعفني به الذاكرة ومعذرة ان فاتني بعض الامور او الاحداث فالذي نتحدث عنه مضى عليه نيف ويزيد عن اربعين عاما.  ارجو ان تجد فيه بعض ما يهمك.

 

مع التقدير.

 

محمد الكبيسي

أربيل 7/11/2012


[2] اذكر خلال تلك الفترة أنه سعى للحصول على قطع اراضي وتوزيعها على منتسبي الجمعية بالتقسيط، واغلب الظن ان الجمعية وزعت أراضي على الأعضاء في الحارثية وفي مناطق اخرى من بغداد.

A Tribute to Suhair Hussein Jameel

كلمة ثناء للراحلة سهير حسين جميل

(2012-1938)

 

 

سعاد محمد محمد البيطار

 

 

عندما تعينتُ في شركة التأمين الوطنية سنة 1975 كانت سهير حسين جميل بدرجة معاون مدير القسم الفني في الإدارة العامة للشركة.  وكانت لنا ذكريات جميلة في العمل معها، فقد كانت تأتي باستمرار إلى مكتبة الشركة وتجلس معي عند إعداد بيان المقالات والبحوث لتتعرف على جديد المجلات والاستفادة منها لرفد عملها القانوني.  وارتبطت زياراتها للمكتبة أيضاً مع إعدادها لرسالة الماجستير وعنوانها (الالتزام بإعلان الخطر في التأمين في القانون العراقي والانكليزي).

 

كانت من النساء الراكزات في العلم والمعرفة فهي تعود لعائلة عريقة، وابوها كان سابقاً وزيراً للعدل (1949-1950) ووزيراً للإرشاد بعد ثورة 14 تموز 1958.  وكانت تحمل شهادة البكالوريوس في القانون، واعدت أطروحتها لنيل شهادة الماجستير من كلية القانون والسياسة في جامعة بغداد وهي تعمل في الشركة وهي بذلك قد جمعت بين أداء المهام الوظيفية والالتزام بمتطلبات البحث الجامعي.  كانت حقاً امرأة دؤوبة في العمل وفي متابعة القراءة المتخصصة، في القانون وفي التأمين، لتحسين العمل و القراءة في مجالات أخرى لتعزيز ثقافتها العامة.  ولنا أن نعتبرها واحدة من مؤسسات الشركة من العنصر النسوي، بالمعنى المهني، حيث كانت مسؤولة القسم الفني وبعدها معاون القسم القانوني في التأمين الوطنية.  وقد وجد هذا الدور التأسيسي موقعه خلال إدارة الأستاذ عبدالباقي رضا للشركة.[1]

 

ضمت رسالتها الجامعية (الالتزام بإعلان الخطر في التأمين العراقي والانكليزي) ثلاث فصول.  خصصت الاول فيه للكلام عن اهمية الالتزام بالإعلان عن الخطر واساسه القانوني وخلفيته وزمان تنفيذه.  وكرّست الفصل الثاني لنطاق هذا الالتزام وكيفية ادائه.  وخصصت الفصل الثالث للإخلال بالالتزام، صوره والجزاء المترتب عليه.  وقررت أن اصطلاح “اعلان الخطر” يقصد به في نطاق عقد التأمين كشف العوامل المادية والمعنوية التي تؤثر في الخطر وتحققه ليكون موضوعاً للمطالبة.  فهذه العوامل تساهم او تساعد على تحقق الخطر، فالمادية منها كامنة في محل التأمين، والمعنوية منها هي عوامل مساعدة وتشير إلى الظروف والوقائع والملابسات المحيطة بموضوع التأمين أو بشخص طالب التأمين التي من شأنها ان تزيد من فرص وقوع الحادث او في درجة جسامته.  كما فحصت في الرسالة اوجه التشابه والاختلاف بين القانون العراقي والانكليزي وعرضت الصعوبات التي تترتب في حال كون عدم الاعلان او الاعلان غير الصحيح لا يرجع الى فعل طالب التأمين وانما الى مساهمة وسطاء التأمين في ملئ استمارة التأمين.

 

اعتمدت في بحث موضوع رسالتها على مصادر وكتب عديدة منها:

(21) كتاباً باللغة العربية حول التأمين والخطر، (5) دوريات ومجموعات احكام قضائية باللغة العربية، (17) كتاباً باللغة الانكليزية، (9) دوريات واحكام قضائية باللغة الانكليزية، ومصدران كتاب باللغة الفرنسية.

 

وكانت عناوين الفصول كما يأتي:

 

1.     مدخل الى التأمين: الخطر ومفهوم الخطر، والخطر الظني، وتحديد موضوع الرسالة، وخطة البحث.

2.     الفصل الاول: اهمية الالتزام واساسه في القانون العراقي والانكليزي والخلفية التاريخية للالتزام وزمن تنفيذه.

3.     الفصل الثاني: نطاق الالتزام بإعلان الخطر وكيفية ادائه.

4.     الفصل الثالث: الاخلال بالالتزام وصوره والجزاء المترتب عليه.

 

ثم الخاتمة والمراجع.

 

كان للسيدة الراحلة سهير باع طويل في المناقشات القانونية ذات العلاقة بالتأمين لكنها لم تكتب دراسات للنشر سوى مقالة واحدة بعنوان “قدرة الاثر الرجعي لفسخ عقد التأمين،” مجلة رسالة التأمين، العدد 37/1975، من اصدارات المؤسسة العامة للتأمين.  لعل العمل الوظيفي استغرق جُلّ اهتماماتها بحيث لم يبق لها من الوقت ما يكفي للتفرغ للبحث والكتابة.  ولعل العمل اليومي، بحكم طبيعته، كان يتطلب منها الكتابة القانونية مما شكّلَّ بديلاً لكتابة المقالات.

 

لم تنشر الرسالة الجامعية للراحلة سهير ككتاب، واقترح على إدارة شركة التأمين الوطنية القيام بنشره لتعميم الفائدة منه، ومن باب التقدير والتكريم لواحدة من الأعضاء المهمين في تاريخ الشركة وتاريخ التأمين العراقي.

 

عزائي لأهلها ولأصحابها ومحبيها راجياً لهم الصبر والسلوان.

 

 

بغداد 1–8 تشرين الثاني 2012


[1] إيمان عبدالله شياع، “النصف الآخر: دراسة أولية لدور المرأة في شركة التأمين الوطنية،” ورقة غير منشورة، حيث تشير الكاتبة فيها إلى عناصر نسائية أخرى.  من المؤمل أن تكون هذه الورقة فصلاً من كتاب يعد على شرف الأستاذ عبدالباقي رضا بمساهمة من بعض العاملين في شركة التأمين الوطنية  بإشراف مصباح كمال.

 

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.