Author Archives: Iraq Insurance Monitor - Misbah Kamal

London-based insurance practitioner, focused on insurance in Iraq.
Learnt insurance in Iraq (1968-1977). Worked in re/insurance broking in the London market (1978-2016). Published a number of books on insurance themes in Arabic, and co-translated a few insurance books. Moderates two blogs: Iraq Insurance Review and Iraq Insurance Monitor.

Earthquake Insurance in Iraq

تأمين الزلازل في العراق

 

 

مصباح كمال

 

 

هذه المقالة هي تتمة لمقالة الزميل عبد القادر عبد الرزاق فاضل “الزلازل وما وقع منها في العراق” المنشور في مرصد التأمين العراقي بتاريخ 2 نيسان 2015.[1]

 

[1]

في تعليلهم للهزات الارتدادية يذكر المتحدثون باسم الهيئة العامة للأنواء والرصد الزلزالي أن الهزات تأتي ضمن نشاط الصفائح التكوينية في العراق، وأن هناك زيادة في النشاط الزلزالي والفوالق التكوينية على الشريط الحدودي مع ايران وأن “العراق بحكم موقعه على حدود الصفيحة التكتونية العربية وتحرك هذه الصفيحة باتجاه الشمال الشرقي واصطدامها بالصفيحة الإيرانية والتركية تجعل المناطق الشمالية والشمالية الشرقية الأكثر تعرضاً للهزات.[2]  وتشير معظم التعليقات الصحفية والتصريحات الرسمية إن مركز الارتدادات الزلزالية التي تضرب العراق تقع في إيران.

 

[2]

لم تقم أية مؤسسة تأمينية في العراق، في الماضي أو الحاضر، بتصنيف جداول بالزلازل المرصودة وقوتها ومواقعها والأثار البشرية والمادية المترتبة عليها.  ولم تدرس الآثار الاقتصادية للزلازل على الأموال والأشخاص.  وكما ذكرتُ في مكان آخر فإنه “من المؤسف حقاً أن لا تتوفر إحصائيات عن الخسائر المادية المباشرة المترتبة على الكوارث الطبيعية (الجفاف، الفيضان، الحالوب، الزلازل) المؤمن عليها أو غير المؤمن عليها والخسائر المالية التبعية (خسارة الدخل نتيجة لتوقف الإنتاج).  وحتى قطاع التأمين لم يأخذ على عاتقه بعدُ رصد الكوارث الطبيعية المعلن عنها في أجهزة الإعلام وغيرها من المصادر الرسمية التي لم نتعرف عليها، أعني الهيئة العامة للأنواء الجوية والرصد الزلزالي.”[3]

 

ربما يكون هذا الزعم خاطئاً.

 

قد يكون سبب عدم الاهتمام هو استثناء خطر الزلازل من وثائق التأمين المعتمدة في العراق في حين أن شركات إعادة التأمين العالمية التي كانت توفر اتفاقيات إعادة التأمين لشركات التأمين العراقية قبل 1990 كانت مهتمة بموضوع الزلازل.  فشركة ميونيخ لإعادة التأمين، التي كانت المعيد القائد لاتفاقية التأمين الهندسي لشركة التأمين الوطنية، كانت تدرج تصنيف العراق الزلزالي في هذه الاتفاقية.  يعني هذا أن معيدي التأمين كانوا يرون وجود احتمال، ربما يكون بعيداً، لتأثر الأصول المادية المؤمن عليها لأضرار الزلازل وما قد يترتب على الحريق أو الانفجار الذي قد يقع كنتيجة مباشرة للزلازل.

 

إن تراخي سوق التأمين العراقي تجاه خطر الزلازل وأخطار الطبيعة الأخرى ليس ببعيد عن تراخي أسواق تأمينية أخرى في الخليج العربي.  وهو وضع يعكس، عموماً، ضعف التغلغل التأميني، وبالتالي تدني الخسائر المترتبة على كوارث الطبيعة.  وفي حالة العراق وبسبب عدم وقوع خسائر مادية كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة للزلازل، أو هذا ما تخبرنا به الصحافة، فإن تأمين الزلازل ليس مطلباً أساسياً ومهماً.

 

[3]

في عرضه لاستثناء خطر الزلازل من وثيقة التأمين ضد الحريق النموذجية يذكر الأستاذ المحامي بهاء بهيج شكري أن “سبب استثناء الزلازل من الوثيقة الاعتيادية هو أن الخسائر الناتجة عنها تعتبر من الخسائر المنتشرة التي تشكل كارثة اقتصادية (Catastrophe) ومع ذلك فهي تعتبر من الحوادث الخاصة التي يجوز تغطيتها في الوثيقة الموسعة وفق شروط خاصة وقسط تأمين مستقل عن قسط تأمين الحريق.”[4]

 

وقد جاء هذا الاستثناء بعد زلزال سان فرانسيسكو في نيسان/أبريل 1906 الذي أدى إلى دمار 25,000 مبنى وهلاك 700 فرد.  وبلغ مجموع الخسائر في الممتلكات نحو 400 مليون دولار، دفع منها ما يقرب من 265 مليون دولار من قبل شركات التأمين.  وكان من نتائج الزلزال إفلاس خمسة عشر شركة تأمين أمريكية وأربع شركات تأمين أوروبية.  وقتها “كان عدد قليل من شركات التأمين قد أدخل شرطاً في وثائق تأمينها تعفيها من المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن الزلزال.  وعلى إثر ذلك قامت تلك الشركات بجمع المعلومات عن قواعد تأمين الزلزال في جميع أنحاء العالم وصياغة شرط نموذجي استثنى المسؤولية عن أضرار الحريق الناجمة بشكل مباشر أو غير مباشر عن الزلزال، وحّولًّ عبء الإثبات على المؤمن عليه.”[5].

 

[4]

موضوع الهزات الأرضية، ومنها الزلازل، في العراق يجد حضوراً له في وثيقتين للتأمين: وثيقة تأمين الحريق ووثيقة التأمين الهندسي (وثيقة تأمين كافة أخطار المقاولين ووثيقة تأمين كافة أخطار النصب).

 

 

وثيقة الحريق النموذجية في العراق والتأمين على الزلازل

وثيقة الحريق النموذجية، التقليدية، المعتمدة في العراق، كما يرد في كتاب أكاديمي، تستثني الأضرار المترتبة على “الهزات الأرضية، الأعاصير، العواصف أو أي ثورة للطبيعة أو ظواهر جوية قاهرة.”[6]

 

ويقول الأستاذ المحامي بهاء بهيج شكري: “لا تدخل الحرائق التي تنشأ بشكل مباشر أو غير مباشر ضمن مدلول الحريق المغطى بوثيقة التأمين.  فلو حدث حريق في مبنى نتيجة لحدوث زلزال وسرت النار إلى المباني المجاورة بفعل عوامل الطبيعة فإن جميع حوادث الحريق هذه تكون خارج نطاق غطاء التأمين.”[7]

 

كما أن الوثيقة العربية الموحدة للتأمين من الحريق، التي قامت لجنة فنية مختصة في الاتحاد العام العربي للتأمين بصياغتها في أواسط سبعينيات القرن الماضي وأصبحت صيغتها النهائية جاهزة للاستعمال عام 1981، اعتمدتها العديد من شركات التأمين العربية الأعضاء في الاتحاد، ومنها شركات التأمين العامة في العراق.  لا تضمن هذه الوثيقة (بموجب الشرط الثاني، الاستثناءات) حسب النص المتوفر لدينا:

 

4- التلف أو الضرر المسببين من الأحداث التالية أو الناجمين منها أو ما أسهم فيه منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة:

آ- الهزات الأرضية.

ب-هيجان البراكين والنار من باطن الأرض…..

 

 

وقد جاء في دراسة للزميل منعم الخفاجي[8] أن استثناء خطر الهزات الأرضية

 

يعود إلى أنه يتصف أيضا بالعمومية ويأتي على أضرار كبيرة في مواقع متعددة من غير الممكن التكهن بها.  علما ان النص على استثناء هذا الخطر بشكل صريح يأتي لاستبعاد أضرار الحريق الذي سببه هزة أرضية حيث ان أضرار الهزة الأرضية الناتجة عن أو بسبب الارتجاج لا يوجد ما يشير إلى تغطيتها بوثيقة الحريق الاعتيادية.  هذا ومن الممكن التأمين من هذا الخطر بتوسيع غطاء وثيقة الحريق بتظهيره خاصة تلحق بها، مع الأخذ بنظر الاعتبار إن لهذا التوسيع نوعين من الاغطية.

 

الغطاء الأول، يشمل ضرر الحريق الناتج عن الهزة الأرضية فقط.

 

والغطاء الثاني، وهو الأوسع، يشمل بالإضافة إلى الأضرار التي يسببها الحريق، الارتجاج وما ينتج عنه من تصدع وانهيارات وتساقط الأبنية وما تخلفه من أضرار للأموال المؤمنة مهما كانت طبيعتها.  وهذا الغطاء هو السائد والسبب هو أن الأضرار التي تنتج بسبب تصدع وانهيار الأبنية هو الاكثر حدوثا والأكبر ضررا ثم إذا صاحب الهزة الارضية حريق ستتداخل الاضرار ويكون من الصعب الفصل بينهما.

 

وقد تغير الوضع مع تأمين خطر الزلزال كخطر إضافي، وكذلك إدخال نماذج من وثيقة تأمين جميع أخطار الممتلكات التي لا تستثني الزلزال، عموماً.  وقد استوعبت شروط اتفاقية إعادة تأمين محفظة الحريق العراقية في السنوات القليلة الماضية هذا التطور وبات بإمكان شركات التأمين تغطية الزلازل.

 

وثيقة التأمين الهندسي والتأمين على الزلازل

وثيقة التأمين الهندسي النموذجية المعتمدة من قبل شركات التأمين العراقية مطابقة للوثيقة المعيارية الصادرة من شركة ميونيخ لإعادة التأمين.  لا تستثني هذه الوثيقة خطر الزلزال لكنها تقييد تغطيته، حسب المتطلبات الاكتتابية، من خلال إضافة التظهيرة رقم 8 لإلزام المؤمن له إثبات أنه قد أخذ خطر الزلزال بنظر الاعتبار في تصميم المشروع المؤمن عليه بموجب قواعد الإنشاء الصالحة لموقع المشروع وكذلك الالتزام بمواصفات المواد والتصنيع … الخ.[9]  أو إضافة التظهيرة رقم 9 الذي يستثني بالمطلق أي ضرر أو خسارة أو مسؤولية سببها المباشر أو غير المباشر هو الزلزال أو ناشئاً عن الزلزال.[10]

 

ليست هناك بيانات عن أضرار الهزات الأرضية على المشاريع الإنشائية في العراق إذ لم تأتي الصحافة أو الهيئة العامة للأنواء والرصد الزلزالي على أي ذكر لها.

 

[5]

الجدول التالي ليس دقيقاً لأنه ليس صادراً من الهيئة العامة للأنواء والرصد الزلزالي.  والمعلومات الواردة فيه ليست كاملة، وهي مقتبسة باختصار من أخبار منشورة في الصحافة العراقية.

 

جدول بأهم الاحداث الزلزالية في العراق، 2011-2015

 

موقع الزلزال تاريخ الزلزال قوة الاهتزازبمقياس ريختر ملاحظات
الفلوجة والرمادي أواخر تشرين الثاني 2011 هزة ضعيفة لم يحدد مقدارها لم تسجل أية خسائر
بغداد 29/11/2011 3.52.9 هزتين لم تؤديا إل خسائر في الأرواح والممتلكات
ناحية رزكاري في قضاء كلار/سليمانية 29/11/2011 4.0 لم يسفر عن وقوع خسائر في الأرواح والممتلكات
شهرزور وحلبجة/سليمانية 14/1/2012 3.4 لم تسجل أية خسائر
محافظة كركوك 5/3/2012 5.1 مناطق متفرقة جنوب المحافظة
ناحية شيخ سعد/الكوت آذار 2012 لم تسجل أية خسائر
علي الغربي/ميسان 20/4/2012 5.9 لم تسجل أية خسائر
الموصل 21/5/2012 وصفت في الصحف بأنها “خفيفة” لم تسجل أية خسائر
الناصرية 19/1/2013 4.2
الرفاعي/ذي قار 24/1/2013 لم تسجل خسائر بشرية أو مادية
قضاء على الغربي/منطقة الشريط الحدودي مع إيران 15/2/2013 3.6 شعر أهلي علي الغربي بالهزة الأرضية
شمال شرق الموصل بمسافة 53 كم 11/3/2013 4.8 عقبت الهزة هزتان أرضيتان بمقدار 3.1 و 3.4
سنجار ودهوك 13/3/2013 4.5 خسائر مادية غير محددة لبعض المنازل
قضاء جمجمال/سليمانية 15/7/2013 3.9
ناحية بنجوين/سليمانية 15/7/2013 2.8
شرق محافظة نينوى 15/7/2013 2.6
قضاء حلبجة 15/10/2013 3.0
قضاء الطوز وشرق قضاء كفري 5/11/2013 4.5
كرميان 22/11/2013 5.4 الأضرار غير معروفة
خانقين 22/11/2013 5.2 الأضرار غير معروفة.  شعر بها الناس في بغداد
بغداد، بابل، النجف، واسط، الديوانية، ديالى، كركوك، السليمانية 22/11/2013 5.3 مصدر الهزة هي هزة ارتدادية ضربت مناطق قصر شيرين في إيران
الناصرية 18/12/2013 3.9
السليمانية 12/4/2014 4.3 لم تسجل خسائر في الأرواح والممتلكات
البصرة، واسط، العمارة 18/8/2014 6.1 هزات ارتدادية ضربت الشريط الحدودي بين العراق وإيران
قزانية ومندلي/محافظة ديالى 1/9/2014 5 هزتين: الأولى بقوة 4.7 والثانية بقوة 5 درجات
السليمانية 28/1/2015 3.5

 

لقد قمنا بإعداد هذا الجدول بهدف تشجيع ممارسي التأمين في العراق من المهتمين بالموضوع للقيام بتدقيقه والإضافة له.  ونتمنى أن يقوم أحد ممارسي التأمين التوسع في دراسة موضوع الكوارث الطبيعية في العراق، ومنها الفيضانات والزلازل، من منظور تاريخي اقتصادي وفني وتحليل معطيات وثائق التأمين ذات العلاقة.

 

هناك دراسات علمية يمكن للباحث التأميني المختص أن يستفيد منها في تقييم الزلازل وأخذها بنظر الاعتبار في الاكتتاب بخطر الزلزال بالتعاون مع الجيولوجيين والمهندسين المختصين.  ومن بين الدراسات التي اطلعنا عليها:

 

Sahil .A. Alsinawi and Zia O. Al-Qasrani, “Earthquake Hazards Considerations for Iraq,” Fourth International Conference of Earthquake Engineering and Seismology 12-14 May 2003, Tehran, Islamic Republic of Iran.

http://www.meseisforum.net/seeii_%20paper_1.pdf

وفي الاستنتاج يقول الباحثان:

 

رغم أن العراق لا يقع مباشرة على كتلة كثيفة من المراكز الزلزالية الحديثة لكن التكوينات الجيوديناميكية تظهر درجة تعرض هي بين المتوسطة والعالية، يرافقها تزايد تعرض المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية لآثارها.  لقد شهد البحث والرصد الزلزالي، ووعي المخاطر الزلزالية اهتماماً جيداً خلال العقدين الماضيين.  ومن المؤمل أن تحفز البيانات الواردة في هذه الدراسة على بحوث هندسية أكثر تفصيلا للوضع الزلزالي للعراق.

 

ولهما دراسة أخرى:

Sahil .A. Alsinawi and Haqi I. Moosawi, “Seismic Zoning and other Seismic Parameters Consideration for Iraq.”

http://www.iitk.ac.in/nicee/wcee/article/7_vol1_185.pdf

 

هناك معلومات تاريخية حول الزلازل في العراق نقتبس التالي من وكالة أنباء رويترز (21 آب 1946):

“Earthquakes in Iraq

SIX PERSONS KILLED

London, Aug. 21.— Reuter’s Baghdad correspondent says that 100 Government buildings and houses were destroyed and six persons were killed and 14 injured by earthquakes in the Pnejwin and Sulaimaniya districts of North East Iraq.”

http://trove.nla.gov.au/ndp/del/article/95540075

 

ونختم هذه الورقة بهذا الجدول التاريخي للزلازل في العراق للفترة 678-1991.

 

 

http://earthquake-report.com/2014/05/03/important-historic-earthquakes-in-iraq/

 

لندن 18 أيار/مايس 2015

[1] عبد القادر عبد الرزاق فاضل، “الزلازل وما وقع منها في العراق” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2015/04/02/earthquakes-and-their-occurrence-in-iraq/

 

[2] عبد القادر عبد الرزاق فاضل، مصدر سابق.

 

[3] مصباح كمال، “خطر الفيضان في العراق ودور الدولة والتأمين،” موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2014/10/09/

[4] بهاء بهيج شكري، التأمين في التطبيق والقضاء (عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2007)، ص 203.

[5] روبن بيرسون، عرض كتاب: “من توحيد الصناعة إلى توحيد القانون 1871-1914، القانون العابر للحدود الوطنية وزلزال سان فرانسيسكو الكبير،” ترجمة مصباح كمال، مجلة التأمين العربي، العدد 119، ديسمبر/كانون الأول 2013، وكذلك مجلة التأمين العراقي http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2014/01/from-industrial-to-legal.htm

l

 

[6] د. عبد الباقي عنبر فالح، فاروق حبيب الملاك، عبد الرحمن مصطفى طه، إدارة التأمين (البصرة: جامعة البصرة، 1990)، ص 189.

[7] بهاء بهيج شكري، مصدر سابق، ص 203.

[8] منعم الخفاجي، وثيقة الحريق النموذجية ووثيقة الحريق العربية الموحدة: دراسة مقارنة (مكتبة التأمين العراقي، طبعة إلكترونية، 2014)، ص 19.

[9] Endorsement 008 – Warranty Concerning Structures in Earthquake Zones.

[10] Endorsement 009 – Exclusion of Loss, Damage or Liability Due to Earthquake.

Notes on Bill to Amend the 1980 Compulsory Motor Insurance Law

ملاحظات حول مشروع قانون

تعديل قانون التامين الالزامي من حوادث السيارات رقم 52 لسنة 1980 إقرأ المزيد

صناعة التأمين في مصر عبر قرن ونصف

قراءة نقدية لكتاب

الاتحاد المصري للتأمين، صناعة التأمين في مصر عبر قرن ونصف (القاهرة: الاتحاد المصري للتأمين، 2014)، 399 صفحة (تجليد فني)

نشرت في التأمين العربي، الاتحاد العام العربي للتأمين، القاهرة، العدد 124، نيسان/أبريل 2015، ص 6-12.

مصباح كمال

تفضل رئيس الاتحاد المصري للتأمين، السيد عبد الرؤوف قطب، بإهدائي نسخة من كتاب صناعة التأمين في مصر عبر قرن ونصف. فله جزيل شكري.

يصدر هذا الكتاب الأنيق في إخراجه ضمن “مشروع المائة كتاب تأميني الذي يتبناه الاتحاد المصري للتأمين” (ص 11).[1] وهو مشروع رائد في مجاله يذكرنا بسلسلة الألف كتاب الذي كان يصدر في القاهرة. وكان العدد (575) من السلسلة عن مبادئ التأمين.[2] آمل أن يحظى هذا المشروع بدعم كيانات التأمين العربية له مادياً، ومن خلال البحث والتأليف والترجمة.[3] كما آمل أن تتظافر الجهود المشتركة لإنتاج المزيد من الدراسات والبحوث الموضوعة والمترجمة لفائدة صناعة التأمين في مصر وفي البلاد العربية.[4]

ويسجل للاتحاد المصري للتأمين شرف الإقدام على ولوج البحث في تاريخ التأمين في مصر. هذا التوجه ليس موجوداً لدى اتحادات التأمين العربية الأخرى – حسب المعلومات المتوفرة لدي. وهذا التوجه يُتمم ما أقدم عليه المعهد المصري للتأمين في السنوات الماضية في ترجمة وإعداد كتب أساسية في التأمين اعتماداً على نصوص المعهد القانوني للتأمين في لندن.

ضم فريق العمل لإعداد مشروع الكتاب، مع حفظ الألقاب، كل من عزة عارفين، مستشار الهيئة العامة للرقابة المالية؛ فاطمة عبد الفتاح، المستشار الإعلامي السابق لشركة مصر القابضة للتأمين؛ إلهامي القاضي، أمين عام الاتحاد المصري للتأمين؛ مصطفى عبد الوارث، مدير عام العلاقات العامة والإعلام بشركة مصر القابضة للتأمين. وضمت اللجنة العليا، التي ساهمت في الإعداد والإشراف والمراجعة كل من عادل منير عبد الحميد، نائب رئيس شركة مصر القابضة للتأمين؛ عزت محمد باري، الأمين العام السابق للاتحاد الأفروآسيوي للتأمين وإعادة التأمين؛ عبد الرؤوف قطب، رئيس الاتحاد المصري للتأمين ورئيس اللجنة. واستعانت اللجنة العليا بخبرة سمير مصطفى المتولي، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب السابق لشركة المهندس للتأمين، ليتولى مع فريق العمل استكمال مهمة إعداد الكتاب.

إن هذا الكتاب هو منجز ريادي، فما كتب عن تاريخ صناعة التأمين في مصر، وفي غيرها من البلدان العربية قليل، ومعظمها لا يتعدى العرض الوصفي. وحتى كتاب باسم فارس[5] رغم أهميته، يظل محاولة أولى في تأرخة صناعة التأمين العربية. ولذلك يمكن أن يكون تاريخ صناعة التأمين في مصر نموذجاً لأسواق التأمين العربية الأخرى لتوثيق وقراءة تطورها لتكوين مصدر للبحث الأكاديمي في تاريخ تطور التأمين في عالمنا العربي. وفي تقديري، فإن تاريخ صناعة التأمين في مصر سيكون مرجعاً أساسياً للباحثين في تاريخ التأمين في مصر.

يضم هذا الكتاب التوثيقي لصناعة التأمين في مصر عشرة أبواب نقتبسها كما وردت في ص 12:

الباب الأول: تاريخ صناعة التأمين المصرية

الباب الثاني: شركات التأمين العاملة في سوق التأمين المصري

الباب الثالث: صناديق التأمين

الباب الرابع: مجمعات التأمين

الباب الخامس: الإشراف والرقابة على التأمين

الباب السادس: تاريخ اتحادات التأمين في مصر

الباب السابع: فروع وأنواع التأمين

الباب الثامن: المهن ذات الصلة بصناعة التأمين

الباب التاسع: المنظمات ذات الصلة بصناعة التأمين

الباب العاشر: التعاون الدولي والإقليمي

ويضم الكتاب مجموعة جيدة من الصور للأشخاص (محمد طلعت حرب باشا، مؤسس مصر للتأمين، ص 26. كان من الممكن إضافة المزيد من صور الأشخاص)، وشعارات الشركات (مع شرح لبعضها) ومبانيها، ومستندات أخرى (كصورة صك أسهم الأهلية للتأمين، ص 54؛ وعقد تأسيس الشرق للتأمين، ص 75؛ وقرار رئيس الجمهورية بتأسيس الشركة المصرية لإعادة التأمين، ص 110).

جاء في كلمة اللجنة العليا أن هذا الكتاب يعتبر “أول مرجع يؤرخ بصورة شاملة ومتكاملة لصناعة التأمين المصرية منذ نشأتها حتى الآن” (ص 8). وهو حقاً كذلك ولم تعرف الدول العربية الأخرى ما يماثله. وتكشف محتويات الكتاب عن جهد واضح امتد إلى أربع سنوات، كما يذكر رئيس الاتحاد المصري للتأمين، السيد عبد الرؤوف قطب، في التقديم، وهو ما يعادل أو يزيد عن فترة الحصول على شهادة الدكتوراه. ومن يقرأ الكتاب يدرك حجم الجهد المبذول في البحث والكتابة.

يتميز الكتاب بشموليته، فهو لا يغطي شركات التأمين العامة والخاصة بل أيضاً الجمعيات التعاونية (جمعية واحدة فقط)، الشركات المنشأة بقانون خاص (تأمين الصادرات)، صناديق التأمين الخاصة (القائمة على تحصيل الاشتراكات من الأعضاء والتعويض عند الوفاة)، وصناديق التأمين العامة (صندوق التأمين الحكومي لضمانات أرباب العهد، أي تأمين ضمان الأمانة، صندوق التأمين التعاوني على مراكب الصيد، صندوق التأمين الحكومي لضمان أخطار الخدمات البريدية، الصندوق الحكومي لتغطية الأضرار الناتجة عن حوادث مركبات النقل السريع، صندوق حماية حملة وثائق التأمين، وهو تحت التأسيس).

ويغطي الكتاب أيضاً مجمعات التأمين، وهيئات الرقابة، واتحادات التأمين، والمهن ذات الصلة بالنشاط التأميني (وسطاء التأمين، الاكتواريين، خبراء المعاينة وتسوية المطالبات …الخ)، والمنظمات غير المصرية ذات الصلة بصناعة التأمين في مصر.

يقف الكتاب على مسافة واحدة من شركات التأمين العامة والخاصة وكأن مؤلفو الكتاب يريدون أن يقولوا بأن سوق التأمين يستطيع أن يتعايش مع أنماط مختلفة من ملكية شركات التأمين مثلما يتعايش مع أشكال مختلفة للنشاط التأميني (التجاري التقليدي والتكافلي والتعاوني). وله نفس الموقف فيما يخص الإيديولوجيات الحاكمة للاقتصاد (الليبرالية، و”الاشتراكية”، وتلك القائمة على تدخل الدولة في النشاط التأميني). ولا نعثر إلا على القليل من عرض وتحليل العوامل الخارجية (كالعدوان الثلاثي عام 1956) التي أثرت على صناعة التأمين في مصر منذ نشوئه في أوائل القرن العشرين وحتى وقتنا الحاضر.

وفي مجال تقييم مكانة الشركات المملوكة للدولة في الاقتصاد الوطني يذكر الكتاب (ص 51) دورها في الآتي: كونها المروج والمستثمر الرئيسي لمئات المشروعات العملاقة؛ تحقيق أرباح لها وزنها يؤول الجانب الأكبر منها للخزانة العامة للدولة (بعكس الشركات الخاصة التي تركز على مصالح المساهمين)؛ تأدية ضرائب ورسوم لخزانة الدولة، “وما قامت وتقوم به في إطار مسئوليتها الاجتماعية تجاه المجتمع المصري” (لكن هذه المسئولية لم تخضع إلى عرض وتحليل منفصل في الكتاب).

ويفرد الكتاب فصولاً مستقلة عن شركات التأمين المملوكة للدولة، وهذا مفهوم ومطلوب أيضاً فهي الأقدم والأكثر متانة مالياً وفي كوادرها (واستفادت شركات التأمين الخاصة فيما بعد من كوادرها لتسيير أعمالها). وهذه الشركات، حسب تاريخ تأسيسها، هي: شركة التأمين الأهلية المصرية (1900)، شركة المشرق للتأمين (1931)، شركة مصر للتأمين (1934)، والشركة المصرية لإعادة التأمين (1957). وهذه الفصول يمكن أن تكون نواتاة لكتب مستقلة عن كل واحدة منها.[6]

نكتشف عند قراءة الكتاب أن شركات التأمين المصرية، بدءاً من تأسيس شركة التأمين الأهلية (29/5/1900)، كانت تدار من قبل رؤساء أجانب. ونقرأ في صفحة 58 أن مجلس إدارة الشركة لم يضم في عضويته أي عضو مصري حتى صدور قوانين التمصير في عام 1957. وكان هذا هو الوضع في دول عربية أخرى ومنها العراق، فعند تأسيس شركة التأمين الوطنية، التابعة للدولة، عام 1950 كان أول رئيس لها إنجليزياً.

ولأول مرة أكتشف “أن العاملين بالشركة قاموا بتأسيس أول نقابة لهم في عام 1953 في وجود الأجانب وكان أول رئيس لها هو الأستاذ فتحي محمد يوسف.” (ص 58). أتمنى أن يحظى هذا الموضوع بكتابات إضافية فهو مهمل، ولعل مصر متميزة من ناحية وجود تنظيم نقابي للعاملين في شركات/شركات التأمين.

لي بعض الملاحظات أقدمها للاستفادة منها مستقبلاً لو طبع الكتاب ثانية.

يخلو الكتاب من تنظيم ملحق للمصادر كان سيكون مفيداً لطلاب البحث في تاريخ التأمين في مصر. وردت بعض المصادر في الهوامش، وهي قليلة، وهي لا ترقى إلى ثبت جامع لما كتب ونشر عن تاريخ التأمين في مصر (باللغة العربية وربما بلغات أخرى). كان من المفيد أيضاً أن يضم هذا الكتاب المرجعي فهرساً بالأعلام والموضوعات لتسهيل استعماله من قبل القراء والباحثين.

ويخلو الكتاب أيضاً من أية إشارة إلى مساهمات رجال القانون المصريين من الأكاديميين أو العاملين في سلك القضاء في الثقافة التأمينية من خلال الدراسات المهمة عن الجوانب القانونية للتأمين. مثلما يخلو الكتاب من الإشارة إلى مساهمات الأكاديميين وممارسي التأمين المصريين في تأليف أمهات الكتب التي تعلّم منها واعتمد عليها أجيال من ممارسي التأمين في مصر والمشرق العربي.[7]

ومن المؤسف أن لجنة الخبراء والمتخصصين لإعداد هذا الكتاب لم يضم مؤرخاً. والإيضاح المقدم بهذا الشأن (ص 11) أن “طبيعة النشاط [التأميني] وتخصصه الدقيق وما يتطلبه إنجاز هذه المهمة من معرفة كاملة وشاملة بطبيعة صناعة التأمين والمبادئ التي تقوم عليها والمصطلحات المستخدمة … أستوجب تشكيل فريق العمل من داخل المطبخ” فيه استهانة بإمكانيات المؤرخين المصريين، وكأن فهم المفاهيم التأمينية وتطور قطاع التأمين بالتزامن مع تطور الاقتصاد حكر على العاملين في كيانات التأمين، وكأن الكتاب دراسة فنية وقانونية لمبادئ التأمين ومصطلحاتها. ربما فات على مُعدي الكتاب أن الكتب الرصينة حول تاريخ النشاط التأميني، في بلد ما أو على المستوى العالمي أو لشركة تأمين محددة، هي من إنتاج مؤرخين أكاديميين دون أن يعني هذا أي تقليل من قيمة الكتب التاريخية التي دبجتها أقلام العاملين في قطاع التأمين.[8] إن عدم اعتماد مؤرخ ضمن فريق العمل حرم الكتاب من الأدوات التحليلية التي يستعملها المؤرخون. ربما ما يشفع موقف فريق العمل هو إنتاج كتاب مبسط “كي يستفيد منه القارئ سواء أكان متخصصاً أو غير متخصص.” (ص 12).

يرد في باب الإيضاحات دعوة للقارئ عند النظر في أقساط التأمين “أن يؤخذ في الاعتبار وجود نظام قومي متكامل للتأمين الاجتماعي بمصر بدأ منذ عام 1854م بجانب صناديق التأمين الخاصة … ” (ص 13). إلا أن كتاباً مكرساً لعرض تاريخ التأمين في مصر لا يفرد فصلاً، أو بضع فقرات، لنظام قومي متكامل للتأمين الاجتماعي، أو يحيل القارئ إلى مرجع لمتابعة الموضوع. كل ما نقرأه فيما بعد (ص 22) “وإن كان التأمين الاجتماعي قد بدأ في العصر الحديث اعتباراً من شهر ديسمبر 1854م بصدور أمر عالي ينظم المعاشات المدنية فقد تأخر ظهور التأمين التجاري …”

تحت عنوان “نشأة التأمين في مصر” (ص 22) نقرأ التالي:

ترجع ممارسة التأمين في مصر بالفطرة إلى آلاف السنين الأمر الذي يشهد به ما تم اكتشافه من رسومات على حوائط المعابد ومقابر قدماء المصريين – الفراعنة – معبراً عن التكافل في حالات الوفاة ومواجهة تكاليف الدفن والتحنيط وغيرها من المناسبات.

وقد سرّني قراءة هذا القول لأنه يدرج مصر القديمة ضمن البلدان التي عرفت أشكالاً للتعاضد الاجتماعي القريب من مؤسسة التأمين البدائية. لكن هذا القول، مع الأسف، لا يشير إلى المصدر الذي اعتمد عليه.[9] وقل مثل ذلك عن الفقرتين التاليتين عن وجود بعض صور التأمين في الجزيرة العربية قبل الإسلام. والاعتماد على النص القرآني هنا ليس له دلالات تأمينية لو اعتمدنا في تفسير نص سورة قريش على ما جاء في كتب أسباب النزول. وعلى العموم فإن الاعتماد على النص القرآني يتطلب انتقاءاً دقيقاً للكشف عن الأشكال الأولية للتأمين في حين أن التقاليد القبلية قبل الإسلام أكثر ثراءً من هذه الناحية.[10] ونعرف أن النص القرآني يحيل أحياناً إلى التواكلية، كما جاء في سورة البقرة “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات [الضرر والخسارة بالمعنى التأميني] وبشر الصابرين (الآية 155) الذين إذا أصابتهم مصيبة [حادث بالمعنى التأميني] قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون.” (156). أي لا رجوع إلى مؤسسة أخرى (كيانات التأمين المختلفة في زماننا) تتولى توفير درجة من راحة البال ضد عدم التيقن وبعض التعويض عن خسائر الأفراد والجماعات. وعلى أي حال، فإن القرآن “حمّال أوجه” كما نُقل عن علي بن أبي طالب.

هذا الكتاب لم يكتبه مؤرخون محترفون، وهو لا يبحث في تاريخ التأمين في مصر من خلال الاهتمام بتفاصيل ارتباطاته بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. الاستغناء عن الكتابة التاريخية الأكاديمية من خلال الاكتفاء بما اسماه معدو الكتاب “دفتر أحوال مصر”، وهو مفيد كملخص للتطورات في مصر متبوعاً بالتطورات التأمينية، ليس كافياً. إلا أن التطورات التأمينية لا تقترن، على مستوى التحليل، مع التطورات الاجتصادية والسياسية، ونعرف أن قطاع التأمين يتحرك، صعوداً وهبوطاً، مع حركة الاقتصاد الوطني. وحتى أن دفتر الأحوال تأمينياً لا يذكر، على سبيل المثل (ص27)، ملكية شركات التأمين – هل كانت خاصة، وطنية، أجنبية، مختلطة، ونكتشف قليلاً بهذا الشأن في الفصول المخصصة لشركات التأمين العامة.

كما أن تجميع البيانات الاحصائية والمعلومات عن شركات التأمين لا تعني كتابة للتاريخ. لا نقرأ في الكتاب شيئاً عن تطور الكثافة التأمينية والتغلغل التأميني (ما خلا ما ورد في ص 46 أن نشاط التأمين يمثل 0,3% (ثلاثة من عشرة في المائة) من الناتج المحلي الإجمالي بتكلفة عوامل الإنتاج بالأسعار الثابتة وذلك عن السنة المالية 2012/2013). مثلما لا نقرأ عن إجمالي حجم وأنواع الاستثمارات التأمينية لقطاع التأمين ودوره في تكوين رأس المال. ولا نقرأ عن إجمالي عدد العاملين في قطاع التأمين وتطور هذا العدد. وفي صفحة 47 يعرض الكتاب أهم المؤشرات في جدول للسنوات المالية 2008-2013 لكنه لم يقدم جدولاً مماثلاً للفترة السابقة.

هناك مقاطع ترصد دور وتأثيرات المؤسسات الدولية التي خضع لها قطاع التأمين المصري بقرار سياسي متمثلاً بصدور القانون رقم 91 لسنة 1995 لتعديل قانون الرقابة على التأمين لسنة 1981، بالسماح للشركات الأجنبية المساهمة في رأس مال شركات التأمين المباشر بنسبة 49% (رفعت عام 1999 إلى 51%) وبنسبة 100% لشركات إعادة التأمين (ص 113). تبع ذلك قرار الهيئة المصرية للرقابة على التأمين بتخفيض الحصة الإلزامية المسندة من الشركات المحلية إلى الشركة المصرية لإعادة التأمين تدريجياً حتى إلغاءها في 1/1/2013 بالنسبة لفروع التأمين البحري والسيارات والحوادث العلاج الطبي والإبقاء على إسناد 10% في فروع الحريق والطيران والبحري والبترول والهندسي. (ص 114). يدلُّ هذا، في رأينا، على حرص القائمين على شؤون قطاع التأمين، للحد من الخضوع الكلي لمتطلبات المؤسسات الدولية في فتح السوق أمام رأس المال الأجنبي.

ويشيد الكتاب بسياسة الشركة المصرية لإعادة التأمين في الحفاظ على موقعها من خلال “زيادة قبول العمليات الجديدة الواردة من الخارج خاصة من المنطقة العربية … مع تقليص الاكتتاب من المناطق التي تتسم بالأخطار الطبيعية …” وكذلك توفير الطاقات الاستيعابية الكبيرة للشركات المباشرة وتمكينها من الاكتتاب بالأخطار الكبيرة، والمساهمة في الاحتفاظ بالنقد الأجنبي داخل مصر، مخففة بذلك العبء من ميزان المدفوعات. (ص 114).

هذا النمط من التحليل بحاجة إلى توسيع في ضوء مقارنة الأرقام قبل وبعد اتخاذ القرارات الأساسية التي حددت مسار قطاع التأمين المصري. وقد بيّن الكتاب ملامح من التأثير السلبي للانفتاح على سياسات شركة الشرق للتأمين (ص 82-84). فمن بين الأحكام التي وردت في الكتاب بهذا الشأن أن الشرق للتأمين، مع “انتهاج الدولة لسياسة الانفتاح ومع إلغاء المؤسسة المصرية العامة للتأمين كشركة قابضة وفي غياب قانون وهيئة فعالة للإشراف والرقابة على التأمين عندئذ قامت الشرق للتأمين بالمساهمة في عدد من المشروعات وفق سياسة استثمارية تراكمت سلبياتها …”

يفرد الكتاب جدولاً (ص 42) لحجم نمو وتطور قطاع التأمين، ويكتفي بعرض تطور أقساط التأمين المباشر، وهي أرقام إيجابية. ففي عام 1950 كان مجموع الأقساط الإجمالية المباشرة 6,9 مليون جنيه، وفي عام 2000/2001 كان 2096,1 مليون جنيه، وهو تطور هائل ربما يشير إلى زيادة الكثافة التأمينية، أو أن بعض الارتفاع يُعزى إلى عامل التضخم النقدي. هذا التطور بحاجة إلى تحليل، وكان من المناسب الإشارة إلى تطور حجم العمالة خلال الأعوام 1950-2000، وكذلك حجم الاستثمارات[11] وحجم التعويضات المسددة.

عندما ينتهي المرء من قراءة الكتاب يشعر بأنه تعلّم ما لم يكن يعرفه، وأنه قد أضاف الجديد إلى معرفته بتاريخ صناعة التأمين في مصر. إن القائمين على إنتاج هذا الكتاب يستحقون منّا كثيراً من الشكر والعرفان بفضلهم على تنويرنا. أتمنى أن يلقى الكتاب رواجاً بين العاملين في قطاع التأمين المصري والعربي.

مصباح كمال

لندن، كانون الأول 2014/كانون الثاني 2015

[1] من المؤمل أن يكون الكتاب القادم للاتحاد مكرساً لرواد وأعلام صناعة التأمين في مصر، كما جاء في إيضاحات الكتاب، ص 11.

[2] و. أ. دنسديل، مبادئ التأمين، ترجمة د. أحمد فؤاد الأنصاري، مراجعة د. يحيى عويس (القاهرة: مؤسسة سجل العرب، 1965).

[3] للزميل تيسير التريكي مشروع مماثل تقريباً يهدف إلى إغناء مكتبة التأمين العربية بسلسلة مترجمة من الكتب التأمينية التي تفتقر إليها المكتبة.

[4] آمل أن يضم المشروع كتاباً جامعاً لقوانين التأمين، وكتباً تضم اطروحات ماجستير ودكتوراه عن مواضيع تأمينية أو لها علاقة بالتأمين، وكذلك إعادة طبع بعض المؤلفات التأمينية المصرية المهمة (الكلاسيكية)، ووضع بيبلوغرافيا عن الكتب التأمينية والمطبوعات الأخرى الصادرة في مصر.

[5] Basim A Faris, Insurance & Reinsurance in the Arab World (London: Kluwer Publishing, 1983)

[6] يرد في هامش في الصفحة 77 ذكر لمخطوطات مشروع كتاب للمؤرخ د. يونان لبيب رزق عن الشرق للتأمين “وللأسف لم يطبع الكتاب.” يتمنى المرء أن ينشر هذا الكتاب لأنه من تأليف مؤرخ مرموق ولأنه يصب في خانة اهتمامنا بقيام المؤرخين العرب بالبحث في النشاط التأميني في العالم العربي.

[7] على سبيل المثل: د. محمد إبراهيم دسوقي، تقدير التعويض بين الخطأ والضرر (القاهرة: مؤسسة الثقافة الجامعية، د.ت.)؛ جمال الحكيم، التأمين البحري: دراسة علمية عملية قانونية (القاهرة: 1955)

[8] هناك أمثلة عديدة بهذا الشأن، على سبيل المثل:

  1. G. M. Dickinson, The Sun Insurance Office, 1710-1960 (London: Oxford University Press, 1960)

وكان المؤلف استاذاً في جامعة أوكسفورد البريطانية.

Ronald George Garnet, A Century of Co-Operative Insurance (London: George Allen and Unwin Ltd, 1968)

وكان المؤلف نائب رئيس كلية مانشستر للتجارة البريطانية.

Barry Supple, The Royal Exchange Assurance, A History of British Insurance 1720-1970 (Cambridge: Cambridge University Press, 1970)

وكان المؤلف بروفيسور التاريخ الاقتصادي والاجتماعي في جامعة سيسيكس البريطانية.

Peter Borscheid and Niels Viggo Haueter, editors, World Insurance: The Evolution of a Global Risk Network (Oxford: Oxford University Press, 2013)

والمحرر بيتر بورشايد، بروفيسور فخري للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي في جامعة ماربورغ الألماني. والمحرر نيلز فيجو هويتر، رئيس فريق تاريخ الشركة السويسرية لإعادة التأمين والمحفوظات التاريخية للشركة. أما المشاركون في الكتاب فهم هارولد جيمس، أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة برنستون؛ ودافيد غيوغيرلي، بروفيسور التاريخ في المعهد الفيدرالي التكنولوجي في زيوريخ؛ وتوبايس ستراومان، محاضر في قسم التاريخ في جامعة زيوريخ.

[9] وهذه مسألة مهمة لأن هناك رأي، لم يَلقَ، حسب علمي، نقداً من زملاء التأمين في مصر، يقول:

“المصريون، وكما تبين محفوظاتهم الأولى، كانوا، لحين اختلاطهم الحر مع أقوام آسيا الصغرى، يتعاطون بالرعي والزراعة ولم يهتموا بالتعاملات المالية، والمتاجرة أو الانتاج الصناعي. فقد كان ميلهم الطبيعي نحو الفن والفلسفة وليس إلى ما هو عملي إذ كانوا يعتبرون الاشتغال بمراكمة الثروة money-making والمتاجرة مناسب للعبيد وغير ملائم للأكابر، وإضافة إلى هذا الرأي الشعبي فإن تعاليم الكهنة كانت تعارض بشدة استخدام النقود كآلية لكسب الفائدة. القروض التي كانت تنظم في هذه العصور الأولى كانت ذات طبيعة عادية، وأكثر أنواعها شيوعاً كانت قروضاً للفلاحين الصغار والمزارعين. وبسبب قلة التجارة لم يُسن تشريع لتنظيم القروض المخصصة لأغراض المتاجرة إذ أن النقود المستخدمة لهذه الأغراض كانت ستقابل بلعنة الكهنة. وعليه إذا كانت العقود من نمط قروض القرض على السفينة مستخدمة عند المصريين قبل القرن الخامس عشر أو السادس عشر قبل الميلاد، فإنها كانت تُعقد بالسر وتنفذ اعتماداً على قرارات شخصية، كتلك التي كانت تستخدم في ضبط أعضاء النقابات التجارية في العصور الكلاسيكية والوسطى.”

C F Trenerry, The Origin and Early History of Insurance (London: P S King and Son, 1926), p 51-52

هذه الترجمة مستلة من مسودة كتابي مؤسسة التأمين: دراسات تاريخية ونقدية المؤمل أن ينشر عام 2015 من قبل منتدى المعارف في بيروت.

[10] رينات بَكّين، “الأشكال الأولية للتأمين في المجتمع الإسلامي: مؤسسة الدية والزكاة كمثال،” ترجمة مصباح كمال، التأمين العربي، العدد 108، مارس (آذار) 2011، ص14-21.

[11] عند عرض ملامح تطور شركة التأمين الأهلية (ص 64)، يشير الكتاب إلى تضاعف حجم الاستثمار “آلاف المرات على مدى مائة عام حيث بلغت استثمارات الشركة في نهاية عام 2000 ملياراً ونصف المليار جنيه بينما كانت عام 1900 في حدود مبلغ 60 ألف جنيه.” وهو ما تم عرضه في جدول في الصفحة 60 حول أهم المؤشرات المتعلقة بالشركة ومنها الاستثمارات. ويشير في نفس الصفحة (64) إلى سياسة الاستثمار العقاري للشركة.

 

Is There a Contract of Insurance in Islamic Jurisprudence?

 

هل هناك عقد للتأمين في الفقه الإسلامي؟

 

 

مصباح كمال

 

 

نشر موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، أوائل آذار/مارس 2015، الطبعة الإلكترونية الأولى (منقحة ومزيدة، 2014) من كتابي “أوراق في تاريخ التأمين في العراق – نظرات انتقائية” (نشرت نسخته المطبوعة شركة التأمين الوطنية، بغداد، 2011 [2012]).

 

وقد كتب أ. فاروق يونس (9 مارس، 2015) في موقع الشبكة تعليقاً اقتبسه أدناه وبدوري قمت بالتعليق عليه. وفيما يلي أقدم التعليقين مع إضافة بسيطة لما كتبته أصلاً.

 

يقول أ. فاروق يونس:

 

لاحظت بان كتابكم القيم لم يخصص مبحثا مستقلا حول عقد التامين فى الفقه الاسلامى وجاء فى الصفحة 172 من الكتاب (ان تاريخ تطور التامين فى العالم العربى هو موضوع صعب لم يبحث بعد وحتى تاريخ النشاط التامينى فى كل قطر عربى ارتباطا مع التاريخ الاقتصادى لم يحظ بدراسة) مع اشارة مقتضبة لراى كل من ابن عابدين حول التامين البحرى وراى الشيخ محمد عبده الذى اجاز التامين على احد اشكال التامين على الحياة.

 

الحقيقة ان الجدل لم ينقطع بين رجال القانون وبين علماء الفقه الاسلامى حول عقد التامين.

 

جاء فى مقال الدكتور برهام محمد عطا الله الموسوم ب ( التامين وشريعة الاسلام ) المنشور فى مجلة المسلم المعاصر بتاريخ 16 كانون الاول 2001 ما يلى:

 

( ومن الذين عنو بمعرفة راى الشرع الاسلامى بموضوع التامين الدكتور رزق الله انطاكى والدكتور نهاد السباعى وهما يرون ان الفقه الاسلامى يتقبل عقد التامين وانه سبق الى تقريره ويذكران ما جاء فى – الدرر فى شرح الغرر – فى كتاب الكفالة لو قال رجل لاخر: اسلك هذا الطريق فانه امن وان كان محفوفا واخذ مالك فانا ضامن فسلكه واخذ ماله يضمن القائل.

 

ويستنبطان من ذلك ان فقهاء المذهب الحنفى قد قبلوا مبدئيا فكرة ضمان خطر الطريق التى تعتبر نصا صريحا فى التامين قبل ان يولد ذلك العقد) انتهى الاقتباس.

 

وفي تعليقي (23 مارس 2015) على كلمة أ. فاروق يونس كتبت التالي:

 

(1)   ترحيب بالتعليق وتقديم للموضوع

سررت لقراءة تعليقك واهتمامك بالنشاط الـتأميني وتاريخه. حقاً ما قلتَ بأنني لم أخصص مبحثاً مستقلاً في كتابي حول عقد التأمين في الفقه الإسلامي. ولم يكن هذا سهواً من جانبي بل انعكاساً لموضوع الكتاب الأساسي وهو محاولتي الاقتراب من تاريخ التأمين في العراق. وما نقلته في الفصل المعنون (مداخلة حول تحديث البحث في التأمين وتاريخه في العالم العربي) عن ابن عابدين ومحمد عبده لم يكن يهدف إلى تقويمٍ لموقفهما الفقهي بل العرض التاريخي، وهو عرض قاصر، للنشاط التأميني في العالم العربي. يضاف إلى ذلك أن الفقه الإسلامي الموروث لا يضم على وجه التحديد فصلاً مستقلاً حول عقد التأمين.

 

وبودي أن استفيد من هذه الفرصة للتفريق بين (1) الأشكال الأولية للتأمين، وهي كثيرة وموجودة لدى مختلف شعوب العالم، وبين (2) التأمين كمؤسسة اجتماعية أو تجارية مُنظمة تقوم بتجميع المساهمات/الأموال من مجموعة من الأفراد، ووضع هذه الأموال في صندوق يستخدم لجبر الضرر الذي يلحق بعدد قليل من الأفراد، مستفيداً بالقيام بهذه الوظيفة من قانون الأعداد الكبيرة والاحتمالات.

 

(2)   أشكال بدائية للتأمين في التراث العربي

اقتباسك الأمين من مقال الدكتور برهام محمد عطا الله الموسوم بـ (التأمين وشريعة الإسلام) الذي أوردته في تعليقك يُصنّف ضمن الأشكال الأولية غير المنظمة للتأمين. لاحظ أن النص المقتبس (لو قال رجلٌ لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، وإن كان محفوفاً وأخذَ مالكَ فأنا ضامنٌ، فسَلَكَه وأُخذَ ماله يُضمِن القائل)، أي إن القائل يُعوّض الشخص الآخر لخسارة أمواله، هو بمثابة اتفاق خاص بين شخصين لا يرقى إلى نشاط تأميني منظم، جماعي أو تجاري. صحيح أن هناك طرفين “متعاقدين” شفاهاً (القائل والرجل المخاطب، مُؤمِن ومؤمَن له) وأن هناك “مجازفة” (خطر تأميني ينطوي على احتمال التحقق من عدمه) وتحويل لعبء المجازفة (عبء الخطر) إلى القائل (المؤمِن)، إلا أن العِوَض/المقابل (قسط التأمين) وتجميع هذه الأقساط في صندوق مالي لتعويض الخسارة مفقودان، كما أن الضمان ليس مبنياً على تقييم للاحتمالات. أي أن الاتفاق لا يعدو غير تقديم حماية من شخص إلى شخص آخر ربما لسبب أخلاقي.

 

مثل هذا الاتفاق، كغيره، لا يُشكّل صيغة تأمينية قائمة على نظرية للاحتمالات، واتفاق منظم بين طرفين متعاقدين، قابل للتنفيذ بقوة القانون، مقابل مبلغ (قسط تأمين) لتعويض الطرف المتضرر في نفسه أو أمواله بسبب خطر أو أخطار محددة، وكل ذلك ضمن إطار تنظيمي مؤسسي، أو شبه مؤسسي، لإدارة عملية توزيع عبء الخسارة المالية على عدد كبير من أعضاء الجماعة المشتركة في مشروع الحماية من الأخطار الخارجية التي قد تصيبهم.

 

(3)   إدارة الخطر في التراث العربي

ويشهد تاريخ العرب وجود أشكال أولية، تؤشر على بدايات إدارة الخطر. إدارة الخطر، رغم حداثتها كموضوع مستقل، فإنها موجودة، وبأشكال مختلفة، كممارسة للتحوط من آثار ما يمكن أن يحصل مستقبلاً للناس وأموالهم من خسائر وأضرار. نقرأ التالي في كتاب:

 

“من قديمٍ كانت جزيرة العرب طريقاً عظيماً للتجارة، فطوراً تنقل غلاتها إلى ممالك أخرى كالشام ومصر، وأهم هذه الغلات البخور الذي يكثر في الجنوب في ظفار؛ وطوراً تنقل غلات بعض الممالك إلى البعض الآخر، ذلك لأن طريق البحر لم يكن طريقاً آمناً، فالتجأ التجار إلى البر يسلكونه، ولكن طريق البر نفسه كان طويلاً وكان خطراً، لذلك أحاطوه بشيء من العناية، كأن تخرج التجارة في قوافل، وأن تسير القوافل في أزمنة محددة وفي طريق محدودة.” (أحمد أمين، فجر الإسلام، بيروت: دار الكتاب العربي، ط 11، 1975، ص 11).

 

ولنا في قصة النبي يوسف ومشورته لفرعون مصر عن خطر سنوات المجاعة مثلاً جيداً عن إدارة هذا الخطر. وبهذا الشأن نقرأ التالي في القرآن (سورة يوسف: 43-49)

 

“قَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ. قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ. وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ. قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ.”

 

التفكير في المستقبل وما قد يحمله من آثار واستنباط الوسائل المناسبة للتعامل مع تصور الآثار نشاط بشري يتخذ أشكالاً عديدة.

 

(4)   تأصيل مؤسسة التأمين

أزعم أن البلدان العربية فشلت في تأصيل التأمين من خلال الاستفادة من الأشكال الأولية، البدائية، لبعض عناصر مؤسسة التأمين، كتجزئة/توزيع المخاطر، وضمان/كفالة الضرر. وظلت مؤسسة التأمين غائبة أو غريبة عن هذه البلدان لحين إدخالها إليها من خلال التوسع الإمبريالي الأوروبي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. (H James (editor), P Borscheid, D Gugerli, T Straumann, The Value of Risk, Oxford: University Press, 2013, pp 50-52))

 

ليس هناك عقد للتأمين، في مفهومه الحديث وتنظيمه، في الفقه الإسلامي. وما يرد في التراث من إشارات، قبل الإسلام وبعده، تظل مجرد إشارات تكلست في بيئتها التاريخية ولم تخضع إلى تطوير لتتحول إلى مؤسسة منظمة للتعامل مع عدم اليقين وإدارة الخطر، الطبيعي والبشري، المصاحب لحياة الناس. لو كان التأمين حاضراً بصيغته التعاقدية في الفقه الإسلامي لما انصب رأي ابن عابدين على رفض في (دار الإسلام).

 

لقد ظلّ النموذج الأوروبي لمؤسسة التأمين هو السائد، حتى أن تأسيس أول شركة تأمين إسلامية في السودان، من قبل بنك فيصل الإسلامي عام 1979، شركة التأمين الإسلامية المحدودة، استوحت هذا النموذج، في صيغته التبادلية، من النموذج الغربي رغم إضفاء تسميات جديدة على بعض المصطلحات كإطلاق تعبير التبرع على قسط التأمين، والاستفادة من بعض العقود الشرعية كعقد الكفالة وعقد الإجارة.

 

وقد كتبتُ في سياق آخر له علاقة بالموروث الديني المستخدم لأغراض الاشتغال في التجارة بأن الاعتماد على النص القرآني يتطلب انتقاءاً دقيقاً للكشف عن الأشكال الأولية للتأمين، في حين أن التقاليد القبلية قبل الإسلام أكثر ثراءً من هذه الناحية. (رينات بَكّين، “الأشكال الأولية للتأمين في المجتمع الإسلامي: مؤسسة الدية والزكاة كمثال،” ترجمة مصباح كمال، التأمين العربي، العدد 108، مارس (آذار) 2011، ص14-21). فالنص القرآني يُحيل المرء أحياناً إلى التواكلية، كما جاء في سورة البقرة: “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات [الضرر والخسارة بالمعنى التأميني] وبشّر الصابرين (الآية 155) الذين إذا أصابتهم مصيبة [حادث بالمعنى التأميني] قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون.” (156). أي لا رجوع إلى مؤسسة أخرى (كيانات التأمين المختلفة في زماننا) تتولى توفير درجة من راحة البال ضد عدم التيقن والتعويض الكلي أو الجزئي عن خسائر الأفراد والجماعات. وعلى أي حال، فإن القرآن “حمّال أوجه” كما نُقل عن علي بن أبي طالب.

 

(5)   الأشكال البدائية للتأمين وإشاعة ثقافة التأمين

اكتشاف الأشكال البدائية لبعض عناصر التأمين، وكذلك إدارة الخطر، في تاريخ العراق والعالم العربي يُفيد في تعميق الثقافة التأمينية المعاصرة، مثلما هو مفيدٌ في التأكيد على أن مصادر المعرفة والممارسات القديمة هي التي وفّرت التراكم الضروري لابتكار التأمين في شكله الحديث. وهذا ما انتبه له العديد من الباحثين في دراستهم لشريعة حمورابي، ونظام الدية قبل الإسلام وبعده وغيرها.

 

اشكرك ثانية لتعليقك الذي حفّزني على كتابة هذه الملاحظات، وآمل منك ومن المعنيين نقدها والإضافة إليها.

 

5 نيسان 2015

Earthquakes and their Occurrence in Iraq

الزلازل وما وقع منها في العراق

 

 

عبد القادر عبد الرزاق فاضل

 

 

تعرّض العراق واقليم كوردستان الى العديد من الهزات الأرضية خلال الاعوام الثلاثة الماضية حيث بلغت أكثر من 50 هزه ارضيه خلال بضعة ايام في تشرين الثاني 2013 وضربت كل من منطقة السليمانية وكركوك وديالى والعمارة وبشكل غير طبيعي وأقواها كان في منطقه خانقين حيث بلغت أكثر من 5 درجات على مقياس ريختر المتألف من 10 درجات. أدت هذه الهزات الى حالات من بث الذعر بين المواطنين. ولم تستطع المؤسسات العلمية في العراق واقليم كوردستان تقييم السبب، وهذا يدل على ان سبب الهزات الأرضية غير مرتبط بنشاط بركاني او تحرك الصفيحة العربية الممتدة من البحر الاحمر الى جبال زاكروس في الشمال الشرق او طوروس في الشمال الغربي.

 

أحد الجيولوجيين الكوردستانيين صرّح بان عوامل التعرية والنشاط البشري هي الاخرى لها أثر كبير في حوادث الزلازل وخاصة استخراج النفط وحفر المناجم والماء حيث يجب ان يتم استخراج النفط حسب قوانين وشروط خاصه كي لا يؤدي استخراج النفط والماء من باطن الارض الى حصول انهيارات في الطبقات الأرضية او تحفيز العوالق الصخرية والانكسارات.

 

الزلازل التي تحصل الان في العراق واقليم كوردستان محصورة في مناطق يستخرج فيها النفط والماء بشكل مكثف وبعيده عن حدود التماس بين الصفائح. وهناك ارتباط بين المكونات الصخرية في بعض تلك المناطق، وشكك في امكانيه دخول عمليات الفساد في استخراج النفط في العراق واقليم كوردستان. وتكون نتيجة ذلك حصول انكسارات ارضية غير متوقعه فمخازن النفط قد تمتد لمئات الكيلومترات تحت سطح الارض وحصول انهيار في أحد المخازن قد ينجم عن خلخله او انكسارات في العديد من المناطق.

 

وورد من نيويورك عن وكالة رويتيرز، نقلاً عن بعض العلماء، ان الزلازل يمكن ان تنتج عنها سلسله من الهزات الأرضية البسيطة على بعد الاف الكيلومترات قرب لاستخراج النفط والغاز وربما تسببت هذه الهزات في حدوث زلزال مدمر بعد ذلك بعدة أشهر (fracking) في مناطق التكسير الهيدروليكي (والتكسير الهيدروليكي تقنيه تتضمن ضخ كميات هائلة من السوائل والمواد الكيماوية في طبقات الصخور تحت ضغط عال لأحداث شقوق لتسهيل عمليات التنقيب عن النفط والغاز).

 

وتهدد هذه المعلومات العلمية الحديثة، التي اوردتها دوريه (ساينس) العلمية يوم الخميس نقلا عن أحد مختبرات دراسة الزلازل في العالم، بإثاره مزيد من الجدل حول عمليات التكسير الهيدروليكي. وتجيء هذه المعلومات ايضا في الوقت الذي تجري فيه وكاله الحماية البيئية الأمريكية دراسة عن الاثار المترتبة على عمليات التكسير الهيدروليكي مما قد يشكل الاساس لسن تشريعات جديده بخصوص التنقيب عن النفط والغاز

 

ويدرك علماء الجيولوجيا منذ 50 عاما ان ضخ الموائع تحت الارض يمكن ان يزيد من الضغوط التي تتعرض لها الفوالق الزلزالية ما يهدد بانزلاقها واحداث زلزال.

 

وأدت زيادة الاعتماد على تقنية التكسير الهيدروليكي في الآونة الأخيرة لاستخراج النفط والغاز بالولايات المتحدة الى ارتفاع عدد الزلازل البسيطة والمتوسطة الناجمة عن ذلك في ولايات اوكلاهوما واركنسو واوهايو وتكساس وكولورادو.

 

لم يخطر ببال العراقيين ان تصل الزلازل الى قلب مدنهم الآمنة تماما من هذا النوع من الكوارث الطبيعية المدمرة حيث ضربت هزات متعاقبه بغداد وكركوك ومحافظات اخرى وسرعان ما دب الخوف لدى الناس وبدأ التساؤل ماذا لو كانت هذه الهزات ستفتح الباب امام منغصات اضافيه على العراقيين.

 

ويتسائل الأكاديمي الدكتور هاشم عبود الموسوي فيما إذا تم اتخاذ التحضيرات بهذا الصدد داعيا الى الاخذ بتجارب دول متعددة مرت بنفس التجارب.

 

ويتسائل الموسوي فيما إذا كنا سنعتبر الامر محلولا وفق المثل الشعبي العراقي باللهجة الدارجة (الغركان ميخاف من المطر) ويقصد به الغريق لا يخاف من المطر.

 

ادت الفيضانات التي اجتاحت العراق واغرقت مدنا وقرى الى قلق جمعي من عدم الاستعداد للكوارث في البلاد بسبب سوء التخطيط وانعدام الامكانات الفنية وسوء مشاريع البيئة التحتية بسبب الغش والفساد. وصرح مسؤول المراكز الزلزالية في هيئه الانواء الجوية والرصد الزلزالي السيد عبد الكريم عبد الله ان الهزه الأرضية ظاهره طبيعية ناتجه عن اهتزاز ارضي سريع تتبعه ارتدادات تسمى امواجا زلزاليه تدعى (هزات) بسبب تكسر الصخور وازاحتها نتيجة تراكم اجهادات داخليه سببها مؤثرات جيولوجية تنجم عن تحرك الصفائح الأرضية. كما تنشأ الهزات او الزلازل بسبب انشطه البراكين او نتيجة لوجود انزلاقات في طبقات الأرض.

 

وتشير هذه الظواهر الطبيعية في العراق طوال سنوات الى ان العراق ليس بمنأى عن الفيضانات والزلازل التي تحدث في الغالب في شماله، وفي البلدان الواقعة الى الشرق منه مثل إيران.

 

وفي كل عام تتصاعد ابخره بشكل مفاجئ من شقوق الارض في أطراف محافظه النجف ما اصاب الفلاحين والمزارعين بالذعر. وتتطلب مثل هذه الظواهر النادرة كشوفا زلزاليه ودراسات لمعرفه نسبه احتمال وقوع الزلازل في تلك المناطق التي تشهد هذه الظواهر. ان تعرض العراق الى مثل هذه الكوارث الطبيعية يتطلب وجود اجهزه انذار مبكر متطورة وتحصين المدن وإنشاء بنى تحتية متينه وتهيئه اليات حماية توفر الجاهزية الكاملة لحماية السكان السؤال هنا يطرح هل استعد العراق وأكمل جاهزيته لاستيعاب كوارث زلزاليه ام ان الصدمة تضرب الجميع مثلما حدث مع الامطار التي تسببت في فيضانات لا قبل لإمكانيات الدولة والمواطن على حد سواء بها.

 

ان الزلازل الكارثية في انحاء العالم تلحق اضرارا فادحه بالنشاط الاقتصادي وتؤدي الى دمار المنازل والشركات والبنى التحتية اضافه الى مقتل الاف البشر منها. ففي اليابان على سبيل المثال:

 

  • زلزال ضرب اليابان عام 1923 تسبب في مقتل 143 ألف شخص
  • زلزال عام 1996 أسفر عن سقوط 5000 قتيل
  • زلزال مدينه كوبي عام 1995 أسفر عن سقوط 6400 قتيل
  • زلزال 11/اذار عام 2011 ادى الى مقتل وفقدان أكثر من 23 ألف شخص

 

علما بان الزلازل التي تضرب اليابان قسم منها تصل الى 9 درجات وان 20% من زلازل العالم في اليابان

 

ادناه اقوى 10 زلازل ضربت الكره الارضية منذ عام 1900 بحسب مقياس ريختير:

 

  • زلزال اسام في التيبت بين الهند والصين (قوته 8.6) وقع هذا الزلزال بتاريخ 15/8/1950 وتسبب في مقتل 30 ألف شخص، وتدمير الاف المنازل والمعابد والمساجد
  • زلزال سومطرة – اندونيسيا (قوته 8.6) وقع هذا الزلزال بتاريخ 28/3/2005 وتسبب في مقتل 1346 شخصا
  • زلزال جزيرة الفئران – الاسكا (قوته 8.7) بتاريخ 4/2/1965، تسبب هذا الزلزال الكبير في وقوع تسونامي ولكن دون وجود خسائر كبيره بسبب ندره عدد السكان والمدن
  • زلزال سواحل الاكوادور (قوته 8.8) بتاريخ 31/1/1906 وتسبب في مقتل 1000 شخص تقريبا
  • زلزال تشيلي (قوته 808) بتاريخ 27/2/2010 وتسبب في مقتل 525 شخصا وتدمير مئات المباني
  • زلزال كاماتشكا – روسيا (قوته 9.0) بتاريخ 4/11/1952 وتسبب في خسائر مادية تقدر بمليون دولار ولكن دون وقوع ضحايا
  • زلزال هونشو – اليابان (قوته 9.0) بتاريخ 11/3/2011 من أكثر الزلازل اثرا بالتاريخ حيث تسبب هذا الزلزال الذي استمر ل 6 دقائق بموجات تسونامي هائلة، تسبب في خسائر ماديه بالمليارات ومقتل أكثر من 18 ألف شخص
  • زلزال سومطرة – اندونيسيا (قوته 9.1) وقع بتاريخ 26/12/2004 تسبب هذا الزلزال الكبير في تشكل موجات تسونامي هائلة اثرت على عدة دول وتسبب في مقتل أكثر من ربع مليون شخص
  • زلزال الاسكا (قوته 9.2) وقع بتاريخ 28/3/1964، وقد تسبب هذا الزلزال في حدوث موجات تسونامي تسببت في خسائر ماديه بلغت 311 مليون دولار ومقتل 143 شخصا

10 – زلزال تشيلي (قوته 9.5) وقع هذا الزلزال بتاريخ 22/5/1960 وهو اقوى زلزال مسجل في تاريخ البشرية وتسبب هذا الزلزال في وقوع موجات تسونامي اثرت على كل من الولايات المتحدة واليابان والفيليبين وقد نتج عن الزلزال والتسونامي مقتل 6000 شخص تقريبا.

 

ان الزلازل وهي احدى الظواهر الطبيعية الخطيرة المدمرة على الكرة الارضية وتسببت في احداث الكوارث والدمار في العديد من البلدان . ولكن العراق تعرض الى هذا الخطر بفترات زمنية متباعدة ولم تصل هذه الزلازل الى حد الكوارث ولم تحصل اي خسائر تذكر في الممتلكات والارواح نتيجه هذه الزلازل التي ضربت العراق قبل ثلاثه اعوام. ولكنها احدثت حاله من القلق لدى الناس كونهم لم يألفوا هذا النوع من الاخطار.

 

 

بغداد 30 آذار/مارس 2015

 

 

المصادر:

صوت كردستان

http://www.sotkurdistan.net/index.php?option=com_k2&view=item&id=32566نقطه

 

سيريا نيوز http://syria-news.com/readnews.php?sy_seq=134200

 

السومرية 25/11/2013 http://www.alsumaria.tv/news/86847/

 

Arabia Weather 19/6/2013 http://iq.arabiaweather.com/content/ 19/6/2013

 

http://almasalah.com/ar/news/20177/ المسله في 22/11/2013

عبد القادر عبد الرزاق فاضل: تداعيات الأزمة المالية في العراق وتأثيرها على التأمين

تداعيات الأزمة المالية في العراق وتأثيرها على التأمين

عبد القادر عبد الرزاق فاضل

اصبحت ظاهرة التظاهر والاحتجاج من المشاهد الطبيعية في الحياة العراقية. بدأت بتظاهر عمال شركات وزارة الصناعة، وهي مصانع الدولة ذات التمويل الذاتي وكانت تعرف بالقطاع العام او الاشتراكي. يوماً نشهد تظاهرة لعمال النسيج، ويتبعها عمال منشأة أخرى وهكذا. والمؤلم والمحزن ان هناك معاناة شديدة اذ مضى على العمال مدة اربعة اشهر بدون راتب. واذا علمنا ان سقف الرواتب هي بين 100-350 الف دينار شهرياً فحدث ولا حرج كيف سيتمكن العامل من الصمود اذا كان لديه اطفال والدار بالإيجار.

والتظاهرة الاخرى وفي محافظه اخرى للفلاحين حيث أعدوا الارض وزرعوا الشلب، والحنطة والشعير وسلموا المحصول الى الدوائر الحكومية المعنية التي تقوم بإصدار صك لهم بدون رصيد. وقد مضى على ذلك أكثر من تسعة أشهر والفلاح يشهد الموت.

واليوم الثالث سواق الاسعاف الذين ينقلون الموتى والجرحى ويعرضون أنفسهم الى أقسى المخاطر ويقومون بأعمال اضافية ممتدة يوميا مجانا وتمر الشهور دون أن يستلموا رواتبهم. ثم يتبعهم عمال المجاري. والكل في دوامه حيث الجوع اعمى.

يضاف إلى ذلك المناطق الكثيرة في العاصمة والمحافظات التي تغرق بالنفايات، واهمال مشاريع المجاري، وعدم معالجه المياه الراكدة الاسنة التي تسبب الامراض للآخرين. وملاحظه مهمه هي ان العراق يخسر ما بين 3.5 – 4 مليار دولار شهريا نتيجة انخفاض اسعار النفط مقابل عدم وجود البدائل، وكذلك عدم وجود اجراءات جديه لمعالجه 2.5 مليون نازح عراقي خارج مساكنهم وفي العراء دون ماء وطعام وعلاج وسقف يحميهم من الامطار والثلوج.

أحد المواطنين رمى نفسه في الماء الاسن وقال هذه هي الخدمات التي تقدمها الدولة، كون الموضوع يتعلق بعدم توفر كهرباء دائمي وماء صافي للشرب وطرق معبدة يسير عليها خلق الله.

كيف سيقوم المواطن بشراء الحماية التأمينية امام هذا السيل الجارف من المآسي كونه لا يحصل على لقمه العيش، وكيف له توفير مبلغ يحمي داره واولاده امام الاخطار التي تحيط به اذا كان يعيش في العراء ومر عليه فصلين – الصيف والشتاء – فالحر في العراق لا يحتمل والبرد كذلك.

ان الحديث يدور الان في احتمال تفاقم الازمة المالية ولا ندري كيف سيتم، من ناحية اقتصادية، مواجهه رواتب الموظفين والمتقاعدين وهو المتبقي لهم للبقاء على قيد الحياة … الخ.

ان الامر خطير ورئاسات الدولة الثلاث لم تتخذ الاجراءات الوقائية لمعالجته ولم نلمس سوى اجراءات ترقيعية، وإذا لم يعالج سيفتك بالصغير والكبير ولا يجد عندها الفرد العراقي اي راحة تذكر وبلا مستقبل لعائلته واولاده. عند هذه النقطة سيشهد قطاع التامين هو الاخر تراجعاً بدون أدنى شك كون التامين قطاع يعيش على الانتعاش الاقتصادي، إضافة إلى خسائر قطاع التامين نتيجة الحروب الداخلية، وانخفاض اسعار النفط، والازمة المالية الحالية التي هي قيد التداول من قبل الاوساط الرسمية.

بغداد 25 شباط/فبراير 2015

في الوقت الذي نشكر فيه الزميل عبد القادر فاضل على متابعته لبعض التطورات الاقتصادية في العراق وتأثيرها على قطاع التأمين، نتمنى عليه أن يرفد ما يكتبه بذكر المصادر التي يستقي منها المعلومات، والتوسع في تحليل أثار هذه التطورات على قطاع التأمين، وعرض هذه الآثار بشكل ملموس بدلاً من التعميم.

آمل أن تتضافر جهوده مع الزملاء العاملين في القطاع لرصد التطورات، وتحليل آثارها، واقتراح الحلول المناسبة. ولقطاع التأمين تجربة في مواجهة التطورات الاقتصادية السلبية. فعلى سبيل المثل، استطاع القطاع، قدر الإمكان، التحوط من آثار الحصار الدولي على العراق (1990-2003) وتوقف إعادة التأمين الدولية (الاتفاقية والاختيارية) لشركات التأمين العراقية من خلال تجميع الطاقة الاستيعابية المحلية وتوفير إعادة تأمين داخلي، مثلما استطاع، في نفس الفترة، التحوط من آثار التضخم النقدي المستفحل من خلال تحويب بعض الأرصدة السائلة إلى استثمارات عينية للحفاظ على قيمة الأصول. [المحرر]

في خبر نقلته وكالة أنباء كل العراق (أين) بتاريخ 26 شباط/فبراير 2015 أن وزير المالية، هوشيار زيباري، “أعلن اليوم الخميس عن صرف رواتب شركات التمويل الذاتي. ودعا زيباري … شركات التمويل الذاتي الى مراجعة المصارف لتسلم رواتب موظفيها”. وقد جاء ذلك “تنفيذا لقرار مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة [أول أمس الثلاثاء]، وتطبيقا لقانون الموازنة لعام 2015، بصرف رواتب موظفي شركات التمويل الذاتي … “.

وكان مجلس الوزراء قرر في جلسة سابقة إطلاق رواتب شركات التمويل الذاتي والتوصية الى وزارة المالية بتنفيذ ذلك وتشكيل لجنة مختصة لحل مشاكل شركات التمويل الذاتي بشكل جدي وبما يضمن حقوق منتسبي هذه الشركات. [المحرر].

 

Malaysian Airline Losses in 2014 and Impact on Insurance

خسائر حوادث سقوط الطائرات الماليزية عام 2014 وعلاقتها بالتأمين[1]

عبد القادر عبد الرزاق فاضل

عزيزي مصباح

تحية طيبة

يكاد لا يمر يوم في حياة البشر الا ونسمع بأحداث في كل مكان كالحرائق، والزلازل، والاعاصير، والفيضانات، والانهيارات الارضية، والعواصف الثلجية، والبراكين، والتسونامي، وغيرها من الاخطار.

وقد تعرض الطيران الماليزي الى ثلاثة حوادث مأساوية عام 2014 اثرت سلباً على اداء الشركة.  وهذه الحوادث، باختصار، هي كما يلي:

  1. الحادث الاول: اختفاء طائرة من طراز بوينغ 777- 200 في الرحلة رقم MH370 بشكل غامض في 8/اذار/2014 في منطقه السواحل الغربية من شبه جزيره ميلاكا.  اقلعت الطائرة من كوالالمبور ولم تصل الى نهاية رحلتها في بكين، وكان على متنها 239 راكبا، منهم 154 صينيون.  وفشلت جميع الجهود، حتى يومنا هذا، في تقفي اثرها.  وتعتبر عملية البحث عن الطائرة المفقودة بمشاركة عدد ضخم من الطائرات والسفن والغواصات والاقمار الصناعية الأعلى كلفة في تاريخ الطيران اذ بلغت مئات الملايين من الدولارات.  وبلغ ما انفق في شهر واحد 44 مليون دولار على عمليات نشر السفن الحربية والطائرات في بحر الصين والمحيط الهندي وجنوب استراليا من قبل الصين والولايات المتحدة وفيتنام.

المستغرب في هذا الحادث هو اختفاء الطائرة بهيكلها وركابها، ولا يزال الاختفاء لغزاً بحاجة الى تفسير.  ونأمل ان نسمع في القريب العاجل الى ما توصلت إليه السلطات المعنية من معلومات عن هذه الطائرة لتزيل غموض اختفاء الطائرة .

  1. الحادث الثاني: سقوط الطائرة الماليزية في 17/تموز/2014 الرحلة  MH 17من طراز بوينغ 777 في شرق اوكرانيا كانت متجهه من امستردام الى كوالالمبور وعلى متنها 298 راكبا لقوا حتفهم جميعا.  ويعزى سبب سقوط الطائرة الى صاروخ ارض-جو كون المنطقة كانت تشهد عمليات عسكرية.
  2. الحادث الثالث: سقوط الطائرة الماليزية Air Asia من طراز Air Bus A320 في 28/كانون الاول/2014 رحله رقم A320 المتجهة من سوربايا/اندونيسيا الى سنغافورة وسقطت في بحر جاوة وعلى متنها 162 راكب ولم يتم العثور على ناجين وفقدت بسبب سوء الاحوال الجوية.

كنتيجة للحوادث الثلاثة لم يخرج اي ناجين منها، وبلغ عدد الركاب الذين لاقوا حتفهم 699 راكب.  وقد قدرت خسائر الحادث الثالث Air Bus بمبلغ لا يقل عن 300 مليون دولار.  وتجاوزت خسائر شركات التامين واعادة التامين للحوادث الثلاثة مبلغاً يزيد عن 1.250.000.000 دولار (مليار ومائتان وخمسون مليون دولار).

ان هذه الحوادث الثلاثة المأساوية للطيران الماليزي اعلاه غير اعتيادية وتؤثر على مستقبل هذا القطاع لسنوات قادمة وكذلك سوف يتأثر بها قطاع التامين واعادة التامين والذي يتحمل هذه الخسائر الجسيمة.

علما ان خسائر حوادث الطائرات ادت الى افلاس العديد من شركات الطيران العالمية، وتسببت كذلك في ارتفاع اسعار التامين.  ويكفي الاشارة الى ان عام 2001 شهد خسائر حوادث الطائرات والمسؤوليات بلغت قيمتها ما يزيد عن 70 مليار دولار.

ورغم حدة خسائر الطيران فإن سوق التأمين وإعادة التأمين المتخصص في تأمين أخطار الطيران استطاعت استيعاب هذه الخسائر واستمرت العديد من شركات التأمين في الاكتتاب.

مع التقدير.

عبد القادر عبد الرزاق فاضل

بغداد في 8/2/2015

[1] بعث لي الزميل عبد القادر فاضل بهذه الرسالة، ووضع لها عنوان “خسائر حوادث سقوط الطائرات الماليزية عام 2014 وعلاقتها بالتأمين” بغرض النشر في مرصد التأمين العراقي.  وقد تبادلنا بضعة رسائل بشأن محتوى رسالته لكن رأيه استقر على الصيغة المنشورة هنا.

آمل أن تحفز هذه الرسالة القراء على (1) اقتفاء ضعف أو غياب التغطية الحقيقية لحوادث الطيران وجوانبها التأمينية في الصحافة العراقية، سواء ما تعلق بحوادث الطيران في العالم أو العراق.  (2) البحث في حوادث قطاع الطيران في العراق.  ولعل مثل هذا البحث يحتاج إلى الرجوع إلى الماضي (تأسست الخطوط الجوية العراقية عام 1945) وطلب المساعدة من شركات التأمين العراقية التي قامت بالتأمين على الخطوط الجوية العراقية، وأخص بالذكر منها شركة التأمين الوطنية، المؤمن التاريخي للخطوط العراقية.  (مصباح كمال).

Falling Oil Price and its Impact on Insurance

وقفة مع انخفاض اسعار النفط وعلاقتها بالتأمين

عبد القادر عبد الرزاق فاضل

ان بلدنا العراق، ومنذ سنين طويلة، اعتمد على واردات النفط كمصدر رئيسي لنفقات الوزارات ومنها رواتب الموظفين والمتقاعدين والاستيرادات المختلفة وكذلك مشاريع الدولة.

وكنتيجة لانخفاض اسعار النفط مؤخراً والحروب الداخلية اضطرت الدولة الى وقف او تأجيل الكثير من المشاريع الحيوية للمجتمع مما يؤدي بدوره الى تأثر قطاع التامين لان هناك العديد من مصادر الدخل التي تعتمد عليها شركات التامين في اقساطها ستتوقف او تقل. وبنفس الوقت، سيتم تقليص الكثير من الاستيرادات التي تتأثر بها اقساط التامين البحري هي الاخرى. وبسبب سياسة التقشف التي تتبعها الحكومة الآن فإن الانفاق العام سيقل، وقد يلجأ البعض إلى تقليل شراء الحماية التأمين أو عدم التأمين.

ليس انخفاض اسعار النفط وحده يؤثر على اقتصاد بلدنا ولكن الحرب الداخلية هي الاخرى تؤثر بشكل خطير، فقد بلغت خسائر الحرب الداخلية الدائرة على داعش، حسب تصريحات وزارة الدفاع في 18/1/2015، 27 مليار دولار وهو رقم رهيب.
ان الخسائر الحربية وانخفاض اسعار النفط ستؤدي الى تدمير اقتصاديات بلدنا والدول المنتجة للنفط والذي اعتمدت على واردات النفط بشكل يكاد يكون كلي ولم تقم بتنويع مصادر الدخل. وبنفس الوقت، فإن الفائدة ستعود على الدول المستوردة للنفط لأنها ستشتري النفط بأسعار زهيدة.

على ضوء هذه الازمة الخطيرة لانخفاض اسعار النفط ارى من المهم على شركات التامين العامة والخاصة دراسة الامر واتخاذ الاجراءات اللازمة لحماية مصالحها وذلك بالتدابير الوقائية التالية:

1- التقيد والمحافظة على اسعار التأمين، ويتطلب هذا التدبير الحد من المنافسة المنفلتة، وكذلك التقيد بالقواعد الاكتتابية السليمة
2- التعاون مع جمهور المؤمن لهم للعمل على منع وتقليل الخسائر
3- قيام الحكومة بدعم القطاع الصناعي الوطني / والعودة الى تنمية زراعية جادة
4- تشكيل فريق ازمه لوضع أفضل السبل لتعويض الخسائر التي تنشأ عن انخفاض اسعار النفط

وكملاحظة مهمه علينا معرفتها من هي الجهات الدولية والاقليمية التي تقف وراء هذه الازمات التي تعصف بالعالم والوطن العربي. ارى ان الامر بحاجة الى وقفه جادة من الدول لتدارك هذه المخاطر المدمرة لاقتصاداتها ومصادر الرزق لشعوبها ولا تقف موقف المتفرج. السؤال هنا: لماذا لا يتم مواجهة هذه الازمات، ولماذا لا نكون قادرين على حماية أنفسنا وخيرات بلدنا، والى متى سيستمر هذا التدهور؟ اليس صانعي الازمات هم بشر مثلنا استخدموا الدهاء والمكر وعلينا نحن اصحاب الحضارات القديمة التي خدمت البشرية منذ نشأتها ان نوقف مصادر الشر التي تحيط بنا بعناصر الخير والخبرات وتوظيف الكوادر الفنية والمهنية للوصول الى بحر الامان ومنها انتعاش قطاعنا الاقتصادي المهم ومنها التامين.

وما يؤسف له غياب أية احصائيات عن خسائر قطاع التامين نتيجة انخفاض اسعار النفط والعمليات العسكرية. ولعل جمعية التأمين العراقية تأخذ على عاتقها تجميع البيانات من أعضائها.

بغداد 19 كانون الثاني/يناير 2015

Falling Oil Price and its Effect on Middle east Insurers

انخفاض أسعار النفط وأثره على سوق التأمين

Global Reinsurance
6 كانون الثاني 2015 نيوز ديسك (Newsdesk)

ترجمة ياسر نهاد غازي عسكر

أي أم بيست (A. M. Best) ومنظورها على اتجاه التسعير

انخفاض أسعار النفط العالمية قد تؤثر على أسعار التأمين مما يسبب نزوحا للموظفين الأجانب من شركات التأمين في الشرق الأوسط، حسب أي ام بيست (A. M. Best).

انخفضت أسعار النفط الى النصف تقريباً منذ كانون الأول الماضي بسبب ضعف الطلب على المنتج في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والزيادة في انتاج الخام الأمريكي. ويقترن هذا الانخفاض مع تردد منظمة الدول المصدرة للنفط (OPEC) لرفع الأسعار بشكل مصطنع عن طريق خفض الإنتاج.

وفي بيان لأي إم بيست (A. M. Best) قالت فيه إن انخفاض أسعار النفط قد يؤثر على صناعة النفط من خلال “نمو أقل من المتوقع في إجمالي الأقساط المكتتبة وتقلبات أكبر في أسعار الأصول على المدى القصير”.

وقالت وكالة التصنيف انها “تتوقع معظم شركات التأمين الشرق أوسطية التي تصنفها بكونها ذات رأس مال جيد وسوف تستوعب أي خسائر بسهولة” لكنها اضافت: “مع ذلك، إذا كانت أسعار النفط ستظل منخفضة أو أقل من ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي (GCC) لفترة طويلة، أو إذا أظهرت هذه الدول انكماشاً في المجال الاقتصادي فإن البيئة التشغيلية قد تثبت تحدياً لسوق التأمين.“ إن فائض رأس المال، والمنافسة القوية، وعدم انضباط السوق قد يضع مزيداً من الضغط على الأسعار فيما تسعى شركات التامين لتوسيع حصتها في أسواقها الرئيسية لإنتاج عائد مناسب لرأس مال المساهمين.”

إن انخفاض توقعات أوبك (OPEC) للطلب على النفط قد تُبطّئ من نمو قطاع التأمين في الشرق الأوسط حيث ساهم ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة. وهذا من شأنه تقليل الاستقرار الاقتصادي في المنطقة وفي حالة حصول ذلك، فإن كوادر التأمين الأجنبية العاملة في الشرق الأوسط قد تختار الرحيل. وهذا يمكن أن يُشكّل مصدر قلق كبير لشركات التأمين المباشر إذ أنه قد يؤدي الى انكماش للاكتتاب في التأمينات الشخصية في مجال تأمين السيارات والتأمين الصحي إذ أن توجهات “شركات التامين المباشر مرتكزة بشكل كبير على هذا النوع من الاكتتاب على أساس صافي الأقساط المكتتبة”، كما أوضحت أي ام بيست (A. M. Best).

وقد استثنت الوكالة قطر التي تراها محمية من انخفاض أسعار النفط بسبب انتاجها المكثف للغاز المسال إضافة للفوائد المتأتية من تنظيم تصفيات كأس العالم المقبلة سنة 2022.

مع كل ذلك، خلصت وكالة التصنيف إلى انه من غير المرجح أن تُغيّر أي من تصنيفاتها المرتبطة مباشرة بانخفاض أسعار النفط، وأن الإنفاق العالي على البنى التحتية وتطبيق التأمين الالزامي في العديد من دول الشرق الأوسط يمكن أن يكون كافياً للحفاظ على زيادة الطلب على التأمين.

World Insurance: The Evolution of a Global Risk Network

عرض كتاب

نشر ترجمة هذا العرض في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين

http://iraqieconomists.net/ar/2014/12/26/%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A8%D9%8A%D8%AA%D8%B1-%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D9%8A%D8%AF%D8%8C-%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%84%D8%B2-%D9%81%D9%8A%D8%AC%D9%88-%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%AA/

بيتر بورشايد، ونيلز فيجو هويتر، المحررين، التأمين العالمي: تطور شبكة الأخطار العالمية. أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2012.  عدد الصفحات 16+ 729 (تجليد فني)، السعر 180 دولار، ردمك: 978-0-19-65796-4.

Peter Borscheid and Niels Viggo Haueter, editors, /World Insurance: The Evolution of a Global Risk Network/. Oxford: Oxford University Press, 2012.  xvi + 729 pp. $180 (hardcover), ISBN: 978-0-19-65796-4.

Published by EH.Net (August 2013)

All EH.Net reviews are archived at http://www.eh.net/BookReview

عرض

جيفري كلارك، قسم التاريخ، جامعة ولاية نيويورك في بوتسدام

ترجمة

مصباح كمال

هذا الكتاب الضخم حول انتشار وتكامل خدمات التأمين على المستوى العالمي يأتي في أعقاب صدور مجموعتين من المقالات الأقل شمولاً بكثير حول عولمة التأمين خلال القرنين الماضيين.[1] الدراستين السابقتين كانتا واعيتين بكونهما جهوداً رائدة لرسم معالم مشهد تاريخي معقد ومترامي الاطراف والتي نادراً ما قام الباحثون بسبر أغوارها حتى الآن.  ومع صدور التأمين العالمي: تطور شبكة الأخطار العالمية فإن تطور وانتشار التأمين في جميع أنحاء العالم قد تم تناوله بوضوح قاطع على الرغم من أنه ليس دراسة نهائية.  ولأول مرة فإن المؤرخين، الذين يبحثون عبر مجموعة من الموضوعات تشمل المالية والتحديث الاقتصادي والرعاية الاجتماعية وحتى الدين، صار بإمكانهم الاستفادة من دراسة منهجية لكيفية تحويل صناعة التأمين لبيئة المخاطر التي يواجهها بلايين الناس في مختلف أنحاء العالم، وكيف أن هذه العملية قد جمعت معاً اقتصاديات وثروات المجتمعات والثقافات النائية.

وبرغم هذا القول فإن قلة من القراء لديها المثابرة لقراءة هذا الكتاب من أوله إلى آخره، وهو ما توقعه المحررين بحكمة من خلال عرضهما لموضوعه.  فقد قدّم بيتر بورشايد ملخصاً موجزاً رائعاً للمواضيع الأساسية في مقدمة عامة، متبوعاً بستة أقسام مخصصة تباعاً لتغطية التطورات في أوروبا وأمريكا الشمالية وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والشرق الأوسط وشمال أفريقيا والشرق الأقصى والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. كل إقليم من هذه الأقاليم يخضع لنظرة تمهيدية عامة بقلم بورشايد، تليها عدد من المقالات تركز على بلدان معينة.

هذا التنظيم في عرض المقالات يسمح بسهولة للقراء لتكوين صورة للميزات العريضة لأعمال التأمين العالمية أو الغوص في تجربة منطقة معينة أو أمة واحدة. التغطية الجغرافية ليست موحدة – وربما لا يمكن أن تكون كذلك في ضوء حقيقة أن خدمات التأمين في العصر الحديث انطلقت إلى حد كبير من المملكة المتحدة وتم تبنيها أولاً وبقوة في أوروبا وأمريكا الشمالية. وتنعكس الفروق الشاسعة في الثروات على مستوى العالم والاختراق التأميني الذي لا يزال مستمراً حتى وقتنا الحاضر في سرد يتوزع في ثمانية فصول تغطي الدول الأوروبية على انفراد بينما يتناول فصل واحد فقط التاريخ الوطني للدول الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، وهي الحالة الاستثنائية جداً لجنوب أفريقيا. وتتضح هذه الفجوة أيضاً في الملاحظة المذهلة لبورشايد أنه (لو تركنا جنوب أفريقيا جانباً) فإن مجموع أقساط التأمين المدفوعة حالياً في جميع بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يعادل مجرد 1.5 مرة من أقساط التأمين المنفقة في إمارة ليختنشتاين الصغيرة (ص 324).

أحد المواضيع المحورية الذي ينتظم المقالات في كتاب التأمين العالمي، ويجادل بورشايد بقوة بشأنه، هو أن انتشار التأمين في جميع أنحاء العالم ارتبط ارتباطاً وثيقاً بهجرة الأوروبيين أنفسهم بدلاً من مجرد تصدير فكرة التأمين وحدها.[1]  فقد تركزت خدمات التأمين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أساساً على الممتلكات وأرواح الأوروبيين الذين استقروا في الخارج.  وحتى عام 1950، للاستشهاد بمثال صارخ في هذا الوقت المتأخر، فإن 99 في المائة من حاملي وثائق التأمين في إثيوبيا كانوا من المقيمين الأجانب (ص 316).  وتُقدم هذه المقالات عدة تفسيرات للاعتماد البطيء لعادة التأمين من قبل السكان الأصليين.  فانتشار الفقر على نطاق واسع في العديد من المناطق جعلت من شراء بوالص التأمين ببساطة أمراً بالغ الصعوبة، في حين أن استمرار الشبكات المجتمعية والقرابية للمساعدات المتبادلة قلّلت الحاجة إلى التسهيلات التي توفرها مرافق التأمين على النمط الأوروبي.

من ناحية أخرى، وكما يشير بالاچاندران، فإن الأحكام الاستعمارية المسبقة دفعت شركات التأمين الغربية إلى أن تكون حذرة من مد مظلة الحماية التأمينية للسكان الأصليين.  واحدة من مجلات التأمين الصادرة في عام 1891 اعترضت بأن الهنود يشكلون مخاطر [تأمينية] سيئة لأنهم عرضة للموت المبكر وأنه من الصعب تشخيصهم بشكل إيجابي، وأن هذه الحقيقة تشجع على الاحتيال لأن “سكان البلد الأصليين، كقاعدة عامة، … ينقصهم الحس الأخلاقي في مسألة إقرار الحقيقة” (ص 447). وفي الختام، فإن الوازع الديني قد حال أحياناً دون قبول التأمين، وخاصة في شبه الجزيرة العربية المحافظة، وذلك لأن الشريعة الإسلامية لا تعترف بعقود التأمين وتحظر المضاربة على حياة الإنسان.  وفي خطوة تذكرنا بالمحاولات الأوروبية السابقة للتحايل على الحظر المفروض على الربا، فإن شركات التأمين في البلاد الإسلامية ابتكرت التكافل، وهو شكل من أشكال التأمين التبادلي يتوافق مع الشريعة الإسلامية.[2]

على الرغم من أن أحد الأهداف المعلنة لكتاب التأمين العالمي هو توفير السياق الثقافي لسرعة انتشار التأمين في جميع أنحاء العالم (ص 1)، إلا أن الانتباه يتركز على الأبعاد الاقتصادية والسياسية لهذا التطور. وقد تم تدشين الموجة الأولى لعولمة التأمين في عصر الليبرالية مع قيام القوى الأوروبية بإنشاء المرافق الاكتتابية في الجيوب الاستيطانية ومن ثم بدأت بتطوير السوق المحلية لتأمين أخطار الحريق، والممتلكات والحوادث، وإلى حد أقل بكثير، التأمين على الحياة.

نحو نهاية القرن التاسع عشر بدأت الدول الأوروبية بإقامة حواجز حمائية ضد شركات التأمين الأجنبية، وهي خطوة تم تكرارها في العقود التالية في بلدان آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، التي فرضت قيوداً مختلفة على [مستوى] الاحتياطيات التي يجب الاحتفاظ بها، والعملة، والضرائب التمييزية على الشركات الأجنبية، لمنع تدفق رأس المال نحو الخارج، وتعزيز صناعات التأمين المحلية.  وفي كثير من الحالات نجحت هذه الجهود في تطوير السوق المحلية، لكن ذلك كان على حساب أشياء أخرى: فالعديد من الشركات التي دخلت في هذه الأسواق الناشئة كانت دون رسملة كافية وكانت سيئة في الإدارة، مما دفع الحكومات في أوروبا وحول العالم للبدء بغربلة تنظيمية دورية للشركات الضعيفة.

وعلى أي حال، فإلى أي مدى يمكن حقاً أن تكون أسواق التأمين الوطنية معزولة عن الاقتصاد العالمي كان مقيداً بفائض المخاطر [وهي المخاطر التي تزيد عن القدرات المالية للشركات المحلية لاستيعابها لحسابها الخاص] المسندة من قبل شركات التأمين المحلية إلى شركات إعادة التأمين الدولية مثل الشركة السويسرية لإعادة التأمين (وليس من قبيل الصدفة، أن هذه الشركة هي الراعية لهذه الدراسة التاريخية حول تدويل التأمين).  لقد وصل هذا العصر الحمائي إلى نهايته في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي مع ما تصفه هيرونيا بونز بتدشين الموجة الثانية من عولمة التأمين، التي انطوت على تخفيف القيود على شركات التأمين الأجنبية؛ وسلسلة من عمليات الاندماج والاستحواذ؛ وإنشاء شركات تابعة أجنبية؛ وتحقيق مزيد من الكفاءة نتيجة المنافسة القوية.

تقلبت فرص انتشار التأمين أيضاً مع المد والجزر في برامج خصخصة التأمين أو تحويله لملكية المجتمع.  ويوفر إنشاء الاتحاد السوفياتي وجمهورية الصين الشعبية أكثر الأمثلة إثارة لتحويل ملكية خدمات التأمين [من القطاع الخاص] لسيطرة الدولة. ولكن سواء تم تحويل الملكية باسم الاشتراكية أو الفاشية أو الديمقراطية الاجتماعية أو القومية المناهضة للاستعمار، فإن تسنم الدولة مسؤولية توفير الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية، أو التعويض عن الخسائر الناجمة عن الحرائق والفيضانات، أو الخسائر في الأرواح، كل ذلك قلّص من أو قضى على حرية القيام بأعمال التأمين العابرة للحدود الوطنية.[1]

إن العودة مؤخراً إلى التركيز على المشاريع الخاصة الأقل خضوعاً للرقابة في توفير غطاء التأمين، فضلاً عن تقديم الخدمات المالية الأكثر تكاملاً والتي تجسدت في التأمين عبر المصارف (bancassurance)، هو مجرد أحدث تأرجح للبندول في اتجاه سيطرة القطاع الخاص، متمثلاً الآن بسلطة الشركات متعددة الجنسية وأيديولوجية الليبرالية الجديدة.  وفيما إذا كانت الكارثة المالية بعد عام 2008 ستدفع باتجاه العودة إلى بيئة رقابية أكثر صرامة وإلى نمط جديد من نهج الدولتية في مجال التأمين هو السؤال الذي يجب أن ينتظر تكملة لكتاب التأمين العالمي لبورشايد وهويتر الفخم الذي وضع معايير البحث في مجاله.

ملاحظة:

Note:

  1. Peter Borscheid and Robin Pearson, editors, Internationalisation and Globalisation of the Insurance Industry in the 19th and 20th Centuries (Marburg: Philipps-University, 2007).

Robin Pearson, editor, The Development of International Insurance (London: Pickering & Chatto, 2010).

Geoffrey Clark is Professor of History at the State University of New York at Potsdam. He is the author of Betting on Lives: The Culture of Life Insurance in England, 1695-1775 and co-editor of The Appeal of Insurance. He is working on a study of slavery insurance in the late medieval Mediterranean.

[1] ارتبطت بعض موجات الهجرة بالتوسع الاستعماري “فخلال المرحلة العاصفة من العولمة في أوائل القرن العشرين أثبتت التجارة والهجرة كونهما الوكيلين الأكثر كفاءة لصناعة التأمين.  ففي عصر الإمبريالية الأوروبية … احتل التجار كل ركن من أركان الكرة الأرضية يعد بالربح، وجاء التأمين في اعقابه.” (ص 62).  [المترجم]

[2] يرد في الكتاب (ص 85) أن الجماعة الإسماعلية، وقائدها الروحي آغا خان الثالث، قامت عام 1937 بتأسيس شركة تأمين في ميناء مومباسا، وهي أول شركة تأمين أفريقية وطنية، فتحت فروعاً لها في دار السلام، وكمبالا، وزنجبار، وموريشيوس، وبومباي، وكراتشي.  ويعلل بيتر بورشايد اهتمام هذه الجماعة الإسلامية بالتأمين بالقول انها أكثر ليبرالية في إيمانها من غيرها، وتسمح بالتفسير الفردي للقرآن، وهي بذلك، خلافاً لغالبية المسلمين، لم ترى في تسديد شركات التأمين للفوائد سبباً لرفض التأمين.  [المترجم]

[1] تنصب الإشارة إلى حرية العمل عبر الحدود على حرية شركات التأمين الغربية، دون الاهتمام بالتوجهات المحلية لتطوير الصناعات والخدمات الوطنية ومنا تكوين وتطوير سوق وطني للتأمين.

كما أن تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية لم يكن دائماً موضوعاً للتساؤل، والكتاب الحالي يعرض هذا الدور فيما يخص الخدمات التأمينية وتأسيس دولة الرفاهية الاجتماعية (ص 93-96) [المترجم]