Author Archives: Iraq Insurance Monitor - Misbah Kamal

London-based insurance practitioner, focused on insurance in Iraq.
Learnt insurance in Iraq (1968-1977). Worked in re/insurance broking in the London market (1978-2016). Published a number of books on insurance themes in Arabic, and co-translated a few insurance books. Moderates two blogs: Iraq Insurance Review and Iraq Insurance Monitor.

Review of Niran Samarai’s book My Beloved

نيران السامرائي، أحبائي (عمّان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2015)، 280 صفحة من القطع المتوسط.

 

 

عرض

مصباح كمال

 

 

أحبائي ليس كتاباً في التأمين ليجد عرضه مكاناً له في مدونة مكرسة للنشاط التأميني في العراق. ما دعاني إلى كتابة هذا العرض السريع، وهو عرض ليس نقدياً فذلك من مهمة غيري، هو أن المؤلفة نيران السامرائي[1] عملتْ في الماضي في قسم التأمين البحري في شركة التأمين الوطنية لعدة سنوات، ولأن الكتاب يضم فصلاً عن الراحلة هدى سلمان الصفواني، زميلة وصديقة للمؤلفة، وكانت تعمل في قسم الطيران.

 

يضم الكتاب مواد مختلفة: مقاطع شعرية، قصص قصيرة، مقاطع من السيرة الذاتية، خواطر وصور قلمية لشخصيات أثيرة للمؤلفة، شذرات من تاريخ العراق مكتوبة من موقع شخصي، استذكارات للأحبة. وأحباؤها كثيرون انتقت البعض منهم لتكتب عنهن. حبها الأكبر المكشوف والمضمر الذي ينتظم فصول الكتاب هو الوطن، العراق: سحابة ترافقها أينما حلّت وتتوجع له؛ “بعيدٌ أنتَ يا وطني، غريبٌ أنتَ” (ص 16) في الداخل والخارج. حب العراق كوطن وحب ناسه، من خلالهم تلتصق بالوطن أو بالصورة التي تحملها للوطن.

 

كتبت عن الأهل، وبالتخصيص أمها وأبيها وابنها الوحيد. لم تذكر زوجها المُغيّب إلا مرة واحدة عندما تهديها صديقة لها كتاباً يضم رسالة: “كل الألوان تليقُ بك، لا تلبسي الأسود بعد الآن.” وتقول: “أرادت صديقتي حثّي على طي صفحة حزينة من صفحات حياتي استمرت سنوات، وهي دعوة من قلبٍ حانٍ رغم ما فيه من أحزان، حرص على إشاعة الأمل في نفسي.” (ص 209). وكتبت عن الأصحاب والصديقات.

 

مواد هذا الكتاب مكتوبة بلغة أدبية تفيض بالعواطف الإنسانية ما عدا تلك التي تتناول شذرات من تاريخ العراق الحديث فهي مكتوبة بلغة تقريرية تعكس فيها فهمها الخاص للأحداث وحكمها على الأشخاص.

 

قبل هذا الكتاب نشرت نيران كتاباً بعنوان شهدتُ اختطاف وطن (عمّان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011) جمع بين يوميات الاحتلال الأمريكي ومعانتها الشخصية بعد اختطاف وتغييب زوجها أحمد السامرائي، عندما كان رئيساً للجنة الأولمبية العراقية بعد غزو العراق، مع أربعة وعشرين شخصاً ما زال مصيرهم مجهولاً حتى الآن، وسكوت، وربما تغطية أو تستر، الحكومات على هذه الجريمة الطائفية. وتقدم في الكتاب شهادات عن الأحداث التي عاشتها في بغداد في الأعوام 2004-2007، وهي التي شهدت ذروة الاقتتال الطائفي.[2] تقول في تقديمها لكتاب شهدت اختطاف وطن:

 

الكتاب لا يحكي قصة جريمة واحدة تعرضت لها عائلتي في بغداد فحسب ولا يقتصر الموضوع على قضية شخصية أثارت اهتمام الرأي العام الدولي منذ حوالي الأربع سنوات وحتى يومنا هذا، إنما هي شهادات على احداث عشتها في بغداد في الفترة 2004 2007، شاهدت فيها مرارة العيش التي تواجهها المرأة العراقية، أماً كانت أو زوجة، أختاً كانت أو ابنة.

 

لم أفكر يوماً بنشر ما أكتب على الاطلاق، لكن تطور الأحداث من ناحية، وتشجيع الأصدقاء من ناحية أخرى شجعني على وضع النقاط على الحروف في كلمات بسيطة، علها تعكس هموم الوطن. (ص 9)

 

الفصل الخاص بالراحلة هدى الصفواني نُشر سابقاً في مرصد التأمين العراقي تحت عنوان “عندما أتذكر هدى الصفواني”[3] لكنها اكتفت بمجرد اسمها “هدى” في الكتاب، عرضت فيه ملامح من شخصية الراحلة وعملها ص 179-185). وبهذا قدمت شهادة يستفاد منها في المستقبل في بحث تاريخ شركة التأمين الوطنية.

 

وكتبت عن سيدة أخرى، عنان فتاح، كانت تعمل في شركة إعادة التأمين العراقية، لكنها لم تذكر شيئاً عن موقعها الوظيفي. (ص 189-196)

 

التأمين ليس هو موضوع الكتاب فهو احتفاء بالأحباء وبالعلاقات الإنسانية الرفيعة وبقيم اختفت أو تشوهت في العراق. ومع ذلك، يتمنى المرء أن يقرأ للكاتبة غير هذا بشأن نشاط التأمين في الفترة التي كانت تعمل فيها ضمن نخبة متميزة من السيدات المحترفات في قطاع التأمين العراقي وخاصة شركة التأمين الوطنية في عهدها الذهبي المرتبط بإدارة الأستاذ عبد الباقي رضا (1966-1978). ربما لديها الكثير مما تستطيع أن تكتب عنه وخاصة عن دور العنصر النسائي في العمل والمكانة التي كنَّ يشغلنها في شركات التأمين. مثل هذه الكتابة ستكون رائدة لأنها بقلم امرأة وربما تحمل معها موقفاً نسوياً. هذا ما أرجوه.

 

 

لندن 4 تشرين الثاني 2015

[1] كان اسمها قبل أن تتزوج من أحمد السامرائي نيران ماهر الكنعاني.

[2] أثمرت هذه الفترة عدداً من الروايات ستكون مرجعاً لاستحضار مشاهد القتل والتغييب في العراق ومن بينها روايات برهان شاوي مشرحة بغداد وكذلك الأجزاء الأولى من متاهاته مثل متاهة آدم، متاهة حواء، متاهة قابيل.

[3] نشر بهذا العنوان في مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2012/12/07/when-i-remember-huda-al-safwani/

 

Advertisements

Amendment of Income Tax Law No 113 of 1982

مشروع قانون تعديل قانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 وأثره على النشاط التأميني

 

 

مصباح كمال

 

 

مقدمة

 

قرأت الخبر التالي في نشرة الدائرة الاعلامية لمجلس النواب العراقي المؤرخة في 19 تشرين الأول 2015:

 

“صوّتَ المجلس على مشروع قانون تعديل قانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 والمقدم من اللجنة القانونية والذي يهدف لتخفيف العبء الضريبي عن كاهل المواطن نظرا للتضخم الحاصل في أسعار العقارات وتشجيع التأمين بأنواعه تماشيا مع التطور الاقتصادي.”

 

ينصبُّ التعديل، كما هو واضح، على الضريبة المفروضة على العقارات وعلى اقساط التامين على الحياة واقساط التامين الأخرى. وما يهمنا منه لأغراض هذا التعليق الجزء الخاص بالتأمين. أشكر الأستاذ فاروق يونس على تنبيهاته اللغوية على النص.

 

استعراض سريع لتطور تشريع الضريبة على أقساط التأمين

 

هذا التعديل هو تطوير لما هو قائم. وفيما يلي سنستعرض بسرعة تطور التشريع في مجال الضريبة على أقساط وثائق التأمين (تنزيل الأقساط من حساب ضريبة الدخل).[1]

 

لم يرد ذكر لتنزيل أقساط التأمين في قوانين ضريبة الدخل حتى تغيير النظام الملكي سنة 1958 كقانون ضريبة الدخل رقم 52 لسنة 1927 (أول قانون لضريبة الدخل بعد تأسيس الدولة العراقية) وقانون ضريبة الدخل رقم 36 لسنة 1939. وكذا الأمر بالنسبة لقانون 85 لسنة 1956.

 

ربما يكون أول ذكر لفقرة التنزيل هو في قانون تعديل قانون ضريبة الدخل رقم 95 لسنة 1959 فقد جاء في المادة 5 من هذا القانون الآتي:

 

“يضاف إلى آخر المادة الثامنة ويعتبر فقرة 11 لها:

11-أقساط التأمين على الحياة المدفوعة خلال السنة على أن لا تتجاوز المائة والخمسين ديناراً سنوياً وبشرط أن يكون التأمين لدى شركة تأمين عراقية.”

 

جرت عدة تعديلات على هذا القانون ومنها قانون التعديل الثامن والعشرون بتاريخ 20 أيلول 1978 الذي نص مادته الأولى على:

 

“المادة 1-تحل عبارة (1,000) دينار محل عبارة (400) دينار الواردة بالفقرة 11 من مادة 8 من قانون ضريبة الدخل 95 لسنة 1959 المعدل.”

 

وجاء في الأسباب الموجبة لهذا التعديل:

 

“بغية تشجيع المواطنين على الادخار عن طريق إجراء التأمين على الحياة أرتؤي زيادة أقساط التأمين على الحياة التي تنزل من دخل المكلفين، ومن أجل ذلك شرع هذا القانون.”

 

وكانت فقرة التنزيل من حساب ضريبة الدخل بموجب قانون ضريبة الدخل رقم (95) لسنة 1959 محصوراً بأقساط التأمين على الحياة المدفوعة خلال السنة “على أن لا تتجاوز المائة والخمسين ديناراً سنوياً وبشرط أن يكون التامين لدى شركة عراقية.”

 

مع صدور قانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 بتاريخ 27 كانون الأول 1982 تغير حجم التنزيل ونطاق تطبيقه فقد نصت المادة 8 على الآتي:

 

“ينزل من الدخل كل ما ينفقه المكلف للحصول عليه خلال السنة التي نجم فيها والمؤيد حسابها بوثائق مقبولة بما في ذلك:

 

10       أقساط التأمين على الحياة بما لا يتجاوز سنوياً (2,000) دينار و (500) دينار عن أقساط التأمين الأخرى التي ليس لها علاقة بمصادر الدخل المدفوعة خلال السنة على أن يكون التأمين لدى شركة تأمين عراقية.”

 

بعدها جاء قانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 (المعدل)، حيث تم رفع قيمة التنزيل لتكون كما يلي:

 

“10 – أقساط التامين على الحياة بما لا يتجاوز سنويا مبلغا مقداره (2,000,000) (مليونا دينار) ومبلغا مقداره (1,000,000) (مليون دينار) عن أقساط التامين الأخرى التي ليس لها علاقة بمصادر الدخل المدفوعة خلال السنة على أن يكون التامين لدى شركة تامين عراقية.”

تبع ذلك قانون قم (12) لسنة 2009 قانون تعديل قانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 عدلت الفقرة 10 بموجبه كما يلي:

 

“المادة -1- يلغى نص الفقرة (10) من المادة (الثامنة) من قانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 ويحل محله ما يأتي:

 

10-أقساط التأمين على الحياة بما لا يتجاوز سنوياً مبلغاً مقداره (2,000,000) دينار (مليونا دينار)، ومبلغاً مقداره (1,000,000) دينار (مليون دينار) عن أقساط التأمين الأخرى التي ليس لها علاقة بمصادر الدخل المدفوعة خلال السنة على أن يكون التأمين لدى شركة تأمين عراقية.”

 

وبالمصادقة على مشروع قانون تعديل قانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 وبموجب المادة 2 منه الصادر بتاريخ 19 تشرين الأول 2015 أصبح منطوق المادة رقم 10 كما يلي:

 

“10-أقساط التأمين على الحياة بما لا يزيد سنوياً على مبلغ مقداره (5000000) خمسة ملايين دينار ومبلغ مقداره (3000000) ثلاثة ملايين دينار عن أقساط التأمين الأخرى التي ليس لها علاقة بمصادر الدخل المدفوعة خلال السنة على أن يكون التأمين لدى شركة تأمين عراقية.”

 

جدول رقم 1 – تطور تطبيق تنزيلات أقساط التأمين من ضريبة الدخل

رقم القانون وسنة الصدور تنزيل أقساط التأمين ملاحظات
  أقساط الحياة أقساط أخرى  
52 سنة 1927 لا يرد ذكر للتنزيل.
36 سنة 1939 لا يرد ذكر للتنزيل.
85 سنة 1956 لا يرد ذكر للتنزيل.
95 سنة 1959 150 أقساط التأمين الأخرى غير مشمولة
التعديل 28 لقانون 1959 سنة 1978 1,000 أقساط التأمين الأخرى غير مشمولة
113 لسنة 1982 2,000 500  
تعديل قانون 113 سنة 2009 2,000,000 1,000,000  
تعديل قانون 113 سنة 2015 5,000,000 3,000,000  

 

نلاحظ في هذا الاستعراض أن مبدأ تنزيل اٌقساط التأمين من ضريبة الدخل لم يكن موجوداً قبل صدور قانون تعديل قانون ضريبة الدخل رقم 95 لسنة 1959. وعندما أدخل في هذا القانون فإنه اقتصر على أقساط التأمين على الحياة. وهذا ربما يشير إلى ضعف الطلب على تأمينات الحياة.

 

ومنذ ذلك الوقت بقي المبدأ على حاله مع الأخذ بنظر الاعتبار تغير قيمة الدينار العراقي، كما يتبين من الجدول أعلاه مع تصاعد مستوى التنزيل، وكذلك توسيع نطاق التنزيل ليشمل إضافة إلى أقساط التأمين على الحياة أقساط التأمين الأخرى. وفي ظني أن زيادة قيمة التنزيل يعكس قيمة الدينار العراقي (القوة الشرائية للدينار) ولتغير مستوى دخول الأفراد من شاري التأمين، وهم، عموماً، من الفئات المقتدرة مالياً، بمعنى أنها تتمتع بفائض في الدخل تستطيع انفاقه على شراء الحماية التأمينية وتهتم بالتدبر للمستقبل. إن زيادة قيمة التنزيل مؤشر إيجابي على إدراك المشرع لأهمية التأمين في حماية مصالح الأفراد والجماعات.

 

كما نلاحظ أن حجم تنزيل أقساط التأمين على الحياة أكبر من حجم أقساط غير الحياة، وهذا يعني تشجيع الدولة للأفراد على التأمين على حياتهم، وهذا ما جاء ذكره بالتخصيص في الأسباب الموجبة لتعديل سنة 1978: “بغية تشجيع المواطنين على الادخار عن طريق إجراء التأمين على الحياة أرتؤي زيادة أقساط التأمين على الحياة التي تنزل من دخل المكلفين …”

 

ونلاحظ أخيراً استمرار التأكيد في جميع القوانين على شرط التأمين لدى شركة تأمين عراقية. ومن المفارقات أن مثل هذا التأكيد لا يرد في قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005.

 

بعض آثار تنزيل أقساط التأمين من ضريبة الدخل

 

الملاحظات التالية تصورية وبحاجة إلى من يقوم بدراستها للتأكد من صحتها، ونعرضها هنا للتفكير بها. وربما تكون خارجة عن الصدد وأرجو لذلك تقويم ما هو خاطئ.

 

قد يكون الأثر الأكبر لمبدأ تنزيل أقساط التأمين هو المساهمة في تعظيم الطلب على التأمين. لكن قياس هذه المساهمة بحاجة للدراسة بافتراض وجود علاقة بين حجم التنزيل والإقبال على شراء التأمين.

 

لا شك أن هذا التعديل يصبُّ في صالح الأفراد والمؤسسات الصناعية والتجارية من طالبي الحماية التأمينية لأن قيمة ما ينفق على شراء التأمين، وبالحدود التي يقرّها القانون، ينزّل من مجموع الدخل الخاضع للضريبة.

 

وهو يصبُّ أيضاً لصالح شركات التأمين بشكل غير مباشر من خلال دفع طالبي التأمين نحو شركات التأمين العراقية. وهو بهذا يساهم في تعزيز مكانة هذه الشركات، وربما يساهم أيضاً في الحد من الميل نحو شراء التأمين من خارج العراق إلى حدٍ ما باعتبار أن ما ينفق على شراء التأمين في الخارج لا يتمتع بمزية ضريبية.

لم يأتي التعديل على معالجة الوضع الضريبي للمنافع المترتبة على وثائق التأمين على الحياة: هل أن مبلغ التأمين على الحياة الذي يستلمه الورثة في حالة وفاة المؤمن عليه يكون خاضعاً لضريبة الدخل؟ في بعض التشريعات الأجنبية يعتبر مثل هذا المبلغ غير خاضع لضريبة الدخل باعتبار أن أقساط التأمين لم تنزل أصلاً من حساب ضريبة الدخل. مثل هذه التشريعات تعتبر الانفاق على التأمين على الحياة مسألة شخصية وما يدفع لتغطية النفقات الشخصية ليست مؤهلة لتكون موضوعاً للتخفيضات الضريبية.

 

كما أن التعديل لا يفرق بين أقساط التأمين (على الحياة وغير الحياة) المنفقة من قبل الأفراد (وثائق التأمين الفردية) والشركات (وثائق التأمين الجماعية وخاصة تلك المتعلقة بالتأمين على الحياة). ويبدو لي أن التأمين على الحياة في هذا التعديل ربما لا يتسع ليشمل تأمين الحوادث الشخصية الفردية والجماعية أو وثائق التأمين الصحي.

 

موقف قطاع التأمين من التعديل

 

كتبنا لبعض زملاء المهنة في العراق للتعليق على الموضوع لكننا لم نستلم رداً لحد كتابة هذه الورقة. وكالعادة، استجاب الزميل المحامي منذر عباس الأسود لدعوتنا وعلق على موضوع التعديل. كما تفضل الأستاذ فاروق يونس، من خارج قطاع التأمين، ليدلي برأيه في الموضوع. (ومن المؤمل نشر تعليقهما سوية أو بشكل منفصل).

 

وكالعادة، لم يصدر موقف من أي من شركات التأمين أو جمعية شركات التأمين وكأن الأمر لا يعنيها.

 

ترى هل قام المشرعون بالتنسيق مع شركات التأمين العاملة، وبالأخص شركة التأمين العراقية، وهي الأكبر من حيث حجم اكتتاب أعمال التأمين على الحياة، كونها كانت متخصصة في هذا الفرع من التأمين، بشأن مستوى التنزيل: هل هو مناسب أو ان المشرع كان عليه رفع مستوى التنزيل؟ ويبدو لنا أن تقليد التنسيق مع الأطراف المختصة ليس معروفاً، وكأن المشرع أدرى بما هو مطلوب. مقابل ذلك يظل قطاع التأمين ساكتاً عن التطورات القانونية والسياسية وغيرها والتي تنعكس على النشاط التأميني.

 

 

2 تشرين الثاني 2015

[1] استعراضنا ليس شاملاً. نأمل أن يقوم الغير بدراسة تطور التشريع في هذا المجال في إطار البيئة الاقتصادية والسياسية.

Interview by Farouk Younis with Misbah Kamal on Insurance Problems of Iraq

حوار مع مصباح كمال حول بعض قضايا التأمين في العراق

فاروق يونس

نشرت هذه المقابلة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2015/10/28/%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%88%d9%82-%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d9%82/

يساهم التامين في تقديم الحماية للأفراد والشركات والمؤسسات الحكومية من الخسائر التي تلحق بها ولتقليل درجة المخاطر من خلال عملية الحماية.

 

وكان من نتيجة التحول نحو اقتصاد السوق بعد سقوط النظام السابق التوجه نحو تأسيس شركات التامين الخاصة في العراق استمرارا لتأسيس بعض شركات التامين الخاصة التي تكونت عام 2000

 

وبغية التعرف على اهمية الدور الاقتصادي الذى تلعبه شركات التامين في العراق وما يواجهه هذا القطاع من مشاكل ومعوقات تم اجراء هذا الحوار مع الزميل مصباح كمال المختص بالشأن التأميني.

 

[1]

كما تعلمون تم في عام 1964 تأميم المصارف وشركات التامين واليوم هناك عدد من شركات التامين في القطاع العام مع ملاحظة وجود توجه جاد من قبل القطاع الخاص للتوسع بالعمل في سوق التامين العراقية فكيف تنظرون الى واقع النشاط التأميني في الوقت الحاضر؟

الانطباع المباشر الذي يرد إلى الذهن هو الحكم على واقع النشاط التأميني من منظور المقارنة مع الماضي بحيث يطل علينا الماضي متفوقاً على الحاضر في كافة الجوانب. وما لم ندخل في التفاصيل، ومن منظور نقدي تاريخي، فإن مثل هذه المقارنة السريعة لا تعلمنا الكثير. أقول هذا كي لا نقع أسرى لتعظيم مكانة النشاط التأميني في الماضي والحط من شأنه في الوقت الحاضر (وهذا الحاضر مفهوم نسبي إذ أنه قد يعني اليوم وقد يعني عقداً من الزمن ما لم نقم بتحقيب تاريخ التأمين العراقي). وقد قمت بمحاولة بهذا الشأن في ورقة منشورة لي بعنوان “مقاربة لتاريخ التأمين في العراق” (2008) بربط تاريخ التأمين بصدور أول قانون للتأمين في العراق (1936)، تأسيس أول شركة تأمين عراقية خاصة (1946)، تأسيس أول شركة تأمين مملوكة للدولة (1950)، القانون الجديد لتنظيم أعمال التأمين (1960)، تأميم شركات التأمين (1964)، تأميم النفط وتطور قطاع التأمين (1972-1980)، حروب النظام الشمولي وبدء تآكل قطاع التأمين (1980-2003)، الاحتلال الأمريكي للعراق ونتائجه (2003- حتى الوقت الحاضر)، صدور قانون تنظيم أعمال التأمين رقم 10 لسنة 2005 (الأمر رقم 10).

ويمكن اختزال ذلك تحت بضعة عناوين: الفترة ما قبل الاستقلال (من قانون السيكورتاه العثماني لسنة 1905 حتى صدور أول قانون عراقي للتأمين سنة 1936)، فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية (تأسيس أول شركة تأمين عراقية سنة 1946 برأسمال عراقي وأجنبي وتأسيس أول شركة تأمين حكومية سنة 1950)، حقبة تأميم قطاع التأمين (1964-1997)، ازدهار قطاع التأمين بعد تأميم شركات النفط الأجنبية (1972) وبدء تآكل وتدهور القطاع في فترة الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) ومحاولة إعادة هيكلة القطاع في تسعينيات القرن الماضي (ترخيص شركات تأمين خاصة بفضل قانون الشركات لسنة 1997)، آثار الاحتلال الأمريكي على الحياة الاقتصادية والسياسية والأمر رقم 10 من وضع “المستبد بأمره” بول بريمر.

ربما أطلت في هذا العرض لكن هدفي منه هو تأكيد أهمية وضع النشاط التأميني ضمن الأوضاع الاقتصادية والسياسية السائدة، فهذا النشاط يعكس ما هو قائم من أوضاع. لعل المثل الواضح على ذلك هو بدء ازدهار النشاط (بوجود شركتين عامتين للتأمين وشركة إعادة تأمين عامة واحدة) قبل وخلال حقبة تأمين شركات النفط الأجنبية وإطلاق ما كان يسمى بالخطة الانفجارية، رغم مساءلة الاقتصاديين لمضامين وتوجهات هذه الخطة. والمثل الثاني هو واقع التأمين بعد الاحتلال الذي لم ينمو أو يتطور بما يكفي لأنه يعكس الحالة العامة للاقتصاد العراقي.

الجواب على سؤالك عن واقع النشاط التأميني يمكن أن يجرنا إلى جوانب عديدة غير التطور التاريخي لقطاع التأمين. أعني بذلك سياسة الاستخدام في شركات التأمين العامة وما يتبعها من هبوط في المعنويات، التركيبة البيروقراطية لشركات التأمين العامة والخاصة، الحضور الضعيف للقطاع في الحياة العامة، الآثار الضارة للأمر رقم 10، تفكيك السوق الوطنية للتأمين (غياب سوق فيدرالي موحد) بسبب سياسة حكومة الإقليم (وهي سياسة غير معلنة) تجاه شركات التأمين غير المؤسسة في الإقليم، تفشي أدوات التسوية العشائرية كبديل عن آلية التأمين الحديثة بالترافق مع نظام المحاصصة … الخ.

يضاف إلى ذلك واقع البيئة التي تعمل فيها شركات التأمين وأعني بهذا عقود الدولة مع المقاولين الأجانب التي لا تنص على إجراء التأمين مع شركات تأمين عراقية مجازة من قبل ديوان التأمين، أو ترك حرية إجراء التأمين للمقاولين (وهو ما ينص عليه قانون الاستثمار الفيدرالي وما يماثله في إقليم كوردستان). أو تقزيم دور شركات التأمين العراقية ليقتصر على توفير ترتيبات الواجهة وتقليص احتفاظها من أقساط التأمين إلى أدنى حد، وهذا هو الحال في العلاقة التأمينية بين الشركات النفطية العالمية وشركات التأمين العراقية.

مما يحزّ في النفس عدم الاستئناس برأي القطاع فيما يخص تعديل قوانين ذات علاقة بالتأمين أو خطط، ترسم وراء الكواليس، لإعادة هيكلة قطاع التأمين (مشاريع خصخصة شركات التأمين العامة). لم أطلع خلال السنوات الماضية على أية ورقة موقف من شركات التأمين العامة والخاصة، الممثلة في جمعية التأمين العراقية (تأسست سنة 2005)، أو من ديوان التأمين العراقي (جهاز الرقابة تأسس سنة 2005 أيضاً) تجاه ما يجري.

أتحرج في إطلاق حكم عام على مجمل النشاط التأميني، رغم أن بعض دراساتي ومقالاتي تضمن أحكاماً ربما هي بحاجة إلى مناقشة غير التعليقات المهذبة التي كتبها بعض زملائي الأكارم. إن وضع دراسات متعددة الجوانب وتجميع الإحصائيات الخاصة بالنشاط التأميني وليس كتلك التي خرج بها البنك الدولي (القطاع المالي العراقي، نيويورك، 2011) ضروري لوضع الأرضية العلمية لتأسيس الأحكام.

[2]

صدر في عام 2005 قانون تنظيم اعمال التامين وغالبا ما يشار الى نواقص هذا القانون وعيوبه خاصة وانه لم ينص على حصر اجراء التامين على استيرادات دوائر الدولة لدى شركات التامين العراقية كما كان الوضع سابقا فما هي ملاحظاتكم حول هذا القانون؟

لقد كرست كتاباً كاملاً لموضوع هذا السؤال (قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005: تقييم ودراسات نقدية، 2014)، كما قمت بتحرير مساهمات زملائي في نقد القانون في كتاب إلكتروني صدر بعنوان مساهمة في نقد ومراجعة قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (2013).

لم يأتي القانون على ذكر التأمين على استيرادات دوائر الدولة لدى شركات تأمين عراقية مرخصة. لكن أحكام القانون صيغت بشكل يسمح بتجاوز التأمين داخل العراق. لنتذكر أن هذا القانون صدر كأمر حُررت مسودته من قبل سلطة الاحتلال الأمريكي (خلافاً لاتفاقيات جنيف التي لا تجيز للقوة المحتلة صلاحية تغيير ما هو قائم ما لم يكن هناك تهديد مباشر لأمن القوة المحتلة أو أن هناك ضرورة تستوجب التغيير). كان هذا الأمر ترجمة للتوجهات الليبرالية الجديدة في إدارة الاقتصاد الوطني (ولها مريدوها في العراق) التي تعمل الولايات المتحدة على إدخالها، بالقوة الناعمة أو من خلال العنف، أينما استطاعت ذلك.

ليس لدي الجديد الذي استطيع أن أضيفه إلى ما كتبت سابقاً. لذلك سأقتبس مقاطع مع بعض التحوير من كتابي مُركزاً على المادة 81 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (الأمر رقم 10). تعديل هذه المادة، في رأي، هو المدخل للتخلص من الآثار الضارة لهذا الأمر. آمل أن ينصبَّ التعديل على التخلص من “الأمر رقم 10” في العنوان.

لقد كتبت بأن هذه المادة أطلقت حرية شراء التأمين وتضمنت تناقضاً قانونياً. لشرح ذلك دعنا ننظر إلى بعض أحكام هذه المادة:

“أولاً- لأي شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص الحق في الاختيار بشراء منتجات التأمين أو خدماته من أي مؤمن أو معيد تأمين ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

ثانياً- لا يجوز اجبار شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص على شراء منتجات خدمات التأمين من مؤمن أو معيد تأمين أو وكيل أو وسيط أو مقدم خدمات تأمين محدد، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.”

المادة 81 ناقصة لأنها تخلو من الإشارة إلى محل إقامة المؤمن أو معيد الـتأمين أو تسجيله في العراق أو ترخيصه من قبل الديوان ولا القانون الذي تشير إليه هذا المادة، حسب علمي، نصًّ خلاف ذلك، ولم ينشر حتى الآن تعديل للقانون بهذا الشأن. كما أن هذه الفقرة تُقرُّ أيضاً حق الشخص الطبيعي في اختيار شراء منتجات التأمين أو خدماته من أي مؤمن أو معيد تأمين دون النص على عراقية المؤمِن أو معيد التأمين (بمعنى تسجيله لدى مسجل الشركات وترخيصه من قبل الديوان).

لقد وفّرت المادة 81 الأرضية القانونية لتسريب أقساط التأمين العراقية إلى الخارج من خلال القبول الضمني بالتأمين خارج النظام الرقابي non-admitted insurance وهو ما لا نجد نظيراً له في معظم الانظمة الرقابية على النشاط التأميني في العالم. وقد كتبتُ مرة أن “مايك بيكنز، مفوض التأمين في ولاية أركنساس، الذي أعد نص القانون باللغة الإنجليزية، يعرف تماماً القيود المفروضة على حرية شراء التأمين في ولايته وفي الولايات الأخرى للولايات المتحدة. ومع ذلك أقحم هذه المادة تعبيراً عن العقيدة الليبرالية الجديدة في رفع الضوابط الرقابية.”[1]

لقد وفرَّ قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 الغطاء القانوني للتأمين خارج العراق لدى شركات تأمين أجنبية غير مسجلة في العراق وغير مرخصة. وعدا ذلك فإن القانون يتعارض مع أحكام الدستور الدائم، فقد أكدت المادة 130 من الدستور، فيما يخص نفاذ القوانين القائمة، على الآتي:

“تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها، ما لم تُلغَ أو تُعدّلَ، وفقاً لأحكام هذا الدستور.”

من التشريعات النافذة ذات العلاقة قرار مجلس قيادة الثورة رقم 192 المؤرخ 3/12/1998 الذي نصَّ في الفقرة ثانياً على أنه:

“لا يجوز التأمين خارج العراق مباشرة على أشخاص أو أموال موجودة في العراق أو مسؤوليات قد تتحقق فيه.” (الوقائع العراقية، العدد 3757، ص 618)

ومن المفيد الإشارة إلى أن هذا القرار ألغى قانون شركات ووكلاء التامين رقم (49) لسنة 1960 الذي نصّ في المادة 57 على الآتي:

“لا يجوز لأي شخص أن يُؤمن خارجَ العراق مباشرةً على أشخاصٍ أو عقاراتٍ أو أموالٍ موجودة في العراق.”

ومن النواقص التدوينية لقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 عدم إيراد نص بإلغاء قوانين التأمين السابقة أو الاحتكام إليها في حالات معينة. هناك إذاً، كما يبدو لي، تضاربٌ بين قانون سنة 2005 والقوانين السابقة التي لم تخضع للإلغاء.

إزاء هذا الوضع يصبح ضرورياً القيام بالمراجعة الفنية والقانونية لقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 وإعادة تدوينه فهو صار يُشكّل عنصراً أساسياً في توجيه النشاط التأميني. إن القانون، في صيغته الحالية، يحجّمُ دور شركات التأمين العراقية.

هناك صمت رسمي تجاه هذا الموضوع، كما كتبتُ. وبالطبع، لم أكن أول من انتبه إلى الآثار السلبية للمادة 81 فالحديث دائر عنها لدى ممارسي التأمين في العراق. لكن الذي يثير الاهتمام أن الكتابات النقدية المنشورة بشأنها والاتصالات الشخصية ومن خلال التخاطب التي قام بها أركان التأمين العراقي مع أكثر من وزير في الماضي لم تسفر عن تبني أي من هؤلاء الوزراء لمشروع إعادة النظر في القانون وتعديل المادة 81 ولم يظهر في مراجعات القوانين، ومنها قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل، التي يطلع علينا بها البرلمان. ويبدو أن الحكومة والوزراء ونواب البرلمان يعانون من صمم تجاه الموضوع.

[3]

كيف يمكن حسب راْيكم توسيع وتطوير سوق التامين العراقية؟ البعض يقول بأن شركات التامين الحالية وخاصة الاهلية تعانى من نقص كوادر التامين الفنية المهنية خاصة الشركات حديثة التكوين مع وجود منافسة بين القطاعين العام والخاص تؤدى الى انحسار وثائق التأمين لدى شركات القطاع الخاص. ارجو القاء الضوء على هذا الموضوع وكيف يمكن ان تكون المنافسة على اساس جودة الخدمة وليس على اعتبارات اخرى؟

توسيع وتطوير سوق التأمين العراقية مسألة متشعبة. سأحاول فيما يلي حصر الجواب أولاً بتقديم بعض المقترحات السريعة، التي عرضها زملاء آخرون أيضاً، قبل أن ألجأ إلى عقد بعض المقارنات بين الشركات الخاصة والعامة للتعليق على موضوع المنافسة.

فيما يخص صياغة مقترحات لتوسيع وتطوير سوق التأمين، أذكر التالي بسرعة:

  • إعادة النظر بالأمر رقم 10، وهو ما تعرضت له بشيء من التفصيل في الجواب على السؤال الثاني.

  • حصر التأمين مع شركات تأمين مسجلة في العراق ومرخصة من قبل ديوان التأمين، والنص على ذلك في جميع عقود الدولة.

  • تنظيم عقود الاستيراد على أساس سيف C&F وليس سي آي إف CIF لمنح شركات التأمين العراقية فرصة الاكتتاب بتأمين استيرادات العراق.

  • فرض غرامات وعقوبات على المخالفين.

  • تفعيل دور شركة إعادة التأمين العراقية من خلال استعادة الإسناد الإلزامي (الذي ألغي أواخر 1988) لمحافظ شركات التأمين المباشر بنسب يتفق عليها للإعادة العراقية. هذا موضوع يحتاج إلى دراسة وإلى إعادة تقييم الإمكانيات الفنية المتوفرة في الشركة وإدارتها.
  • إدخال منتجات تأمينية جديدة ومنها تأمين المسؤولية المهنية للأطباء والجراحين وغيرهم من أصحاب المهن، والتأمين المتناهي الصغر، وأشكال من التأمين التكافلي.

  • التفكير بجعل بعض فروع التأمين إلزامياً على أطراف معينة، كقيام المؤسسات البلدية والمحافظات التأمين على المنشآت المدنية (الجسور، المباني العامة، المستشفيات … الخ).

  • تشجيع دمج شركات التأمين الصغيرة لتوسيع قاعدتها المالية، وتجميع كوادرها، وتقليص النفقات (وسأعلق عليه لاحقاً).

تأسست شركات التأمين الخاصة بفضل قانون الشركات رقم 21 لسنة 1997. وتأسست أول شركة خاصة للتأمين سنة 2000. ومنذ ذلك الوقت تزايد عدد الشركات الخاصة ليقرب الآن من ثلاثين شركة. وكما قلت فأنه من المفترض أن يؤدي ازدياد عدد الشركات إلى زيادة في الانتاج الكلي، وتحسين نوعية الخدمات المقدمة تحت ضغط المنافسة، إدخال أغطية تأمينية مبتكرة قائمة بذاتها أو من خلال توسيع نطاق تغطيات الوثائق القائمة. لكن واقع الحال لا يدعم هذا الافتراض. من مظاهر هذا الواقع الاكتتاب غير الفني (أسعار غير فنية بمعنى أنها لا تتساوق مع طبيعة وحدة الأخطار المؤمن عليها، وشروط تأمينية غير مدروسة ، نفرضها الشركات الأجنبية، وربما تكون هذه غير مفهومة للمكتتبين)، وما يرتبط بهذا الواقع من اشتداد حدة المنافسة المنفلتة بين الشركات، بدافع الحصول على الأعمال وزيادة حصتها. ومن تداعيات هذا الواقع “تهريب” الأقساط، خارج النظام الرقابي رغم ضعفه، من خلال إعادة التأمين الاختياري ربما مع شركات إعادة تأمين عربية أو أجنبية لا تتمتع بالمتانة المالية أو التصنيف من هيئات التصنيف الدولية. وعلى العموم، فإن دور معظم شركات التأمين الخاصة في تنمية قطاع التأمين ضعيف جداً لا يتعدى توفير فرصة عمالة لعدد قليل من الموظفين وهامش صغير للربح للمساهمين.

ومع ذلك تطلب الشركات الخاصة موقعاً أكبر لها في السوق لكنها لا تمتلك، في الوقت الحاضر، الموارد المالية الكبيرة، والكوادر البشرية المدربة، وربما حتى السياسات الانتاجية المناسبة لإحداث نقلة نوعية في عملها وفي مكانتها من حيث حصتها من حجم الأعمال. مرة قال لي أحد الزملاء أن بعض هذه الشركات مع الأسف ما هي إلا دكاكين صغيرة للتأمين. ويأتي هذا الوصف اعتماداً على صغر عدد العاملين في هذه الشركات (وهو ما قد يؤثر على مستوى تقديم الخدمات) ومقارنة رأسمال شركات التأمين واحتياطياتها لمواجهة المسؤوليات المكتتبة وغير ذلك من معايير الحكم على الأوضاع المالية والتنظيمية لشركات التأمين.

ويربط البعض التطور البطيء لشركات التأمين الخاصة بوجود شركتي التأمين العامتين (شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية). هل ان ضعف الشركات الخاصة هو حقاً بسبب وجود الشركات العامة؟ لو اختفت الشركتان بصفتهما الحالية وتحولتا إلى شركات مخصخصة، بقرار سياسي لا علاقة له بالجدوى الاقتصادية، هل سيتغير وضع شركات التأمين الخاصة؟ لا اعتقد ذلك إذ أن الخصخصة ربما تعزز من مكانتهما من حيث إنتاجية الأعمال، وتقليص التكاليف (التخلص من العمالة الفائضة)، وإدخال تقنيات جديدة لإدارة الأعمال والتسويق والبيع والتنظيم الداخلي لهما. العائق أمام شركات التأمين الخاصة ليس وجود هاتين الشركتين، ومن الضروري لذلك التعمق في البحث لاكتشاف مكامن الخلل أو القصور في دور شركات التأمين الخاصة.

صحيح أن الشركتين تتمتعان بالأقدمية في السوق، وكوادرهما هي الأكبر، وربما الأفضل فنياً، في مجالات معينة، من تلك الموجودة في الشركات الخاصة، ولهما موارد مالية أكبر نسبياً بضمنها رأس المال، وتستفيدان من علاقات تاريخية سابقة مع الوزارات والمؤسسات الحكومية التي اعتادت على شراء التأمين منهما. لكن ذلك لا يعفي الشركات الخاصة من مجابهة هذا الواقع مثلما حصل بالنسبة لتأمين عقود التراخيص النفطية إذ استطاعت الشركات الخاصة المشاركة في مناقصات تأمين أخطار شركات النفط الأجنبية العاملة في العراق وتقديم خدمات الواجهة. ما الذي عملته شركات التأمين الخاصة في مجابهة الواقع؟

لا اعتقد بأن الشكوى من شركات التأمين العامة قائمة على أساس ايديولوجي – أعني خلق مُناخ فكري لتقويض مكانة الشركات العامة. فقد تأسست شركة التأمين الوطنية كشركة حكومية في العهد الملكي عندما كان سوق التأمين العراقي قائماً على التنافس بين شركات ووكالات أجنبية وشركة عراقية واحدة. ولم يكن ذلك بدافع اشتراكي فقد ظلت الشركة، طوال وجودها، تعمل كمؤسسة رأسمالية تستهدف الربح كأية شركة تأمين خاصة. هي من أحد مواريث العهد الملكي التي بقيت عاملة رغم تبدل انظمة الحكم. أما شركة التأمين العراقية فقد تأسست أصلاً سنة 1959 كشركة خاصة، أممت سنة 1964.

بعض النقد يتجه صوب استصغار أهمية وجود شركة تأمين عامة، لأنها بيروقراطية مترهلة بطيئة الأداء، تقتل روح المبادرة، وبالتالي فإن الارتقاء بها هو من خلال خصخصتها. هذا هو الانطباع العام لكنه بحاجة إلى تمحيص.

في تصورنا ان شركات التأمين الخاصة لن تحتل موقعاً مهماً ما زال حجم الطلب (الشعبي من الأفراد، ومن قبل الشركات العامة والخاصة، ودوائر الدولة الاتحادية وفي الإقليم والمحافظات) على المنتجات التأمينية ضعيفاً، وما زال حجم رأسمالها صغيراً، وكذلك افتقارها إلى الكوادر المدربة. عندما تتزاحم ثلاثين شركة على إيرادات اكتتابية لا تزال دون 100 مليون دولار سنوياً، مصدر القسم الأكبر منها من الدولة ومن المشاريع الإنشائية، فما الذي تستطيع الشركات الصغيرة أن تغنمه من هذه الإيرادات. وحسناً فعل ديوان التأمين عندما أصدر التعليمات رقم (15) لتحديد رأس المال المقرر بخمسة مليارات دينار (بالنسبة لشركات التأمين القائمة) وخمسة عشر مليار دينار (بالنسبة للشركات التي تؤسس بعد تاريخ نفاذ هذه التعليمات).

إن تشجيع الشركات الخاصة القائمة على الاندماج للامتثال للسقف الجديد لرأس المال ضرورة اقتصادية وفنية. يقيناً لا نختلف مع مبدأ تكوين شركات تأمين قوية مالياً ومكتملة فنياً ولعل هذه التعليمات، وبغض النظر عن عدم إفصاح الديوان عن سبب إصدار التعليمات، فإنها فرصة للعديد من شركات التأمين لإعادة النظر في موقعها من خلال الاندماج.

يعتبر البعض وجود شركات تأمين خاصة إضراراً بسوق التأمين العراقي دون ربط هذا الموقف بحجج يمكن مناقشتها. كالقول بأن وجودها يؤجج تنافساً محموماً، ويشتت ما تبقى من كوادر مهنية، ويُسهّل من تسريب أقساط التأمين خارج العراق.

فالتنافس قابل للضبط من خلال الاتفاق على الحدود الدنيا لأسعار التأمين (دون تواطء بحق جمهور المؤمن لهم للحصول على أفضل الأسعار) والتأكيد على مستوى ونوعية الخدمات، وهذه من شأنها إفراز الغث من السمين.

تشتيت الكوادر الفنية بين الشركات ليس حقيقياً لأن الكوادر التي تعمل في الشركات الخاصة كانت قد تقاعدت عن العمل في الشركات العامة وليس من السهل إعادة استخدامها في شركات التأمين العامة إلا بأوامر خاصة، وهذه ليست سهلة وقد تخضع للمحاصصة. ويمكن التعويض عن شحة الكوادر، في جميع الشركات، من خلال التدريب، وهو ما سنتناوله في الجواب على سؤال آخر.

لم تفكر إدارات الشركات الخاصة والعامة، حسب المعلومات المتوفرة لدي، وبسبب التأكيد على المنافسة دون غيرها من العلاقات بين الشركات، بالمشاركة co-insurance في تغطية الأعمال الكبيرة لتعظيم حجم الاحتفاظ الصافي، وتطوير أدوات التعامل معها، وفرض وجود شركات التأمين العراقية خاصة في مواجهة ضغوط الشركات الأجنبية العاملة في العراق في القطاع النفطي وغيره.

لتقييم المنافسة بين الشركات الخاصة والعامة أرى أن ننظر إلى الأخيرة على أنها تتمتع بريع تاريخي بفضل موقعها، وهو ما كتبت عنه في دراسة سابقة. فرغم وجود شركات تأمين خاصة فإن الموقع الريعي للشركات العامة هو من إرث الماضي ونعني به إرث رأسمالية الدولة. فبحكم العادة تلجأ منشآت القطاع العام إلى الشركات العامة لشراء وثائق التأمين. هذا رغم أن قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (المادة 81-الفقرة 3) ينص على استدراج العروض في تأمين الأصول العامة.

لكن شركات التأمين العامة هي الأكثر غنى، برأسمالها وكوادرها واحتياطياتها الفنية، من الشركات الخاصة، وأزعم أن موقعها الريعي قد يستمر حتى لو خضعت للخصخصة. إذا كان هذا الزعم صحيحاً فما الذي تجنيه شركات التأمين الخاصة من الخصخصة؟ ستشتد المنافسة على الأسعار، وستتركز المنافسة، وهذا هو من باب التمني (إن وضعنا التنافس السعري جانباً) على تقليص كلفة الانتاج أو السيطرة عليها (عنصر حاسم في تقييم أداء الشركات) وزيادة المبيعات دون تخفيض الأسعار من خلال حملات إعلانية، وتغيير نطاق أغطية التأمين، وجباية أقساط التأمين بالتقسيط، وتحسين نوعية الخدمة المقدمة لحملة وثائق التأمين (إصدار وثائق التأمين بسرعة، تسوية طلبات التعويض دون تلكؤ، تذكير المؤمن له بحلول أجل تجديد وثائق التأمين السنوية، المساهمة في تحسين نوعية الخطر المؤمن عليه من خلال الكشف الموقعي على محل التأمين وتقديم التوصيات المناسبة لإدارة الخطر).

تعمل شركات التأمين العامة جنباً إلى جنب الشركات الخاصة أي أن الشركات العامة تعمل ضمن ضوابط السوق التنافسي – ومنها أن شركات التأمين الخاصة الكفؤة والناجحة تضغط كنموذج بديل للشركات العامة وقد تستقطب العناصر الجيدة من الشركات العامة (معظم إدارات شركات التأمين الخاصة منذ 2000 هم من “خريجي” شركات التأمين العامة). مثل هذا الوضع يحفز الشركات العامة لمواجهة الشركات الخاصة في السوق. عندها تلجأ الشركات العامة إلى تحسين أدائها، إن كان الأداء هو دون ما هو مخطط له أو بالمقارنة مع أداء الشركات الخاصة، من خلال اعتماد جملة من الإجراءات:

– التدريب المكثف والمستمر للعاملين بما فيه احترام المستهلكين ضمن ضوابط العقود والقوانين.

– الاستفادة من خبراء استشاريين من خارج الشركات في مجالات معينة – على سبيل المثال إدخال الحاسوب في جميع مجالات تنفيذ الأعمال اليومية او إعادة النظر في نظام الحوكمة وسبل تعزيزه.

– إجراء دراسات من قبل استشاريين مستقلين لكلفة الانتاج للمقارنة مع شركات التأمين الخاصة المماثلة.

– الاستفادة من نماذج التخطيط في الشركات الخاصة المتقدمة، وغيرها من الأدوات التي تستخدم في الشركات الخاصة: مُساءلة المدراء ومجالس الإدارات، ضوابط لمنع سوء استخدام السلطة من قبل المدراء، التعلم من الحوكمة المؤسسية لدى الشركات الخاصة الناجحة الملتزمة بضوابط الأداء والمُساءلة امام المالكين (مالكي الأسهم من الأفراد والشركات).

لكن هذه الإجراءات تكاد أن تكون معدومة. ولو قارنا بين الشركات العامة والخاصة في العراق في الوقت الحاضر لوجدنا إنها جميعاً تدور في فلك المدير العام والمدير المفوض. أي ان التنظيم الداخلي متشابه وبالتالي فإن المركزية في الإدارة هي السمة المميزة التي تسود في الشركات العامة والخاصة وكذلك البيروقراطية إلا في حالات نادرة.

[4]

يلاحظ بان نمو قطاع التامين في العراق ما يزال نموا بطيئا ودوره محدود حيث لا تشكل اقساط التامين اهمية تذكر في الناتج المحلى فما هي الاسباب برأيكم؟

حقاً ان نمو قطاع التأمين ما يزال بطيئاً وتعليل هذا الوضع يحتاج إلى دراسة وربما دراسات، وقد عرضت لجوانب من الموضوع في الماضي. ولمن يقوم بهذا الدراسة من المناسب اعتماد منظور تاريخي، كما ذكرنا في الجواب على السؤال الأول، وذلك لأن النمو البطيء ليس وليد اليوم. وكذلك البحث في مصادر الطلب على التأمين وهي، أساساً، ثلاثة: الأفراد، الشركات، الدولة (بضمنها المحافظات والأقاليم).

هناك ظاهرة غريبة بحاجة إلى فحص دقيق. نعرف بأن عدد السيارات قد تضاعف في العراق خلال السنوات القليلة الماضية لكن عدد وثائق التأمين عليها (التأمين التكميلي الشامل لأن تأمين المسؤولية المدنية ينظمه القانون ولا يحتاج إلى إصدار وثيقة تأمين) لم يتضاعف. لماذا؟ أهو عدم توفر القدرة المالية لدى أصحاب السيارات على شراء غطاء التأمين؟ أم هو عدم قناعتهم بالجدوى الاقتصادية للتأمين؟ أو هو بسبب مصاعب الحصول على تعويض سريع من شركة التأمين؟

ظاهرة أخرى تكاد أن تكون مماثلة وهي زيادة دخول شرائح قديمة وجديدة. ترى لماذا لم يترجم هذا الواقع نفسه بطفرة في أرقام التأمين الفردي على الحياة؟ (إن كانت معلوماتي صحيحة فإن معظم أقساط التأمين على الحياة تعود لعقود التأمين الجماعية).

أزعم بأن أقساط التأمين كانت تاريخياً لا تشكل إلا نسبة صغيرة في الناتج المحلي الإجمالي. أتمنى أن يقوم أحد الباحثين الشباب بدراسة تاريخية اقتصادية للموضوع والكشف عن العوامل التي تفسر التقلبات في حجم أقساط التأمين وتحدد نسبة مساهمة التأمين في الناتج المحلي الإجمالي.

ربما يعود سبب بطء النمو إلى تدهور قيمة التأمين كوسيلة رخيصة نسبياً للتعويض عن الأضرار، بافتراض أن هذه القيمة كانت أفضل في الماضي. ربما يكمن السبب في الافتقار إلى ثقافة التأمين والتدبر للمستقبل وضعف حملات التوعية بأهمية التأمين للفرد وللمجتمع وللاقتصاد الوطني مقابل تصاعد القيم العشائرية وثقافة التواكل. وربما هو ضعف الوعي العلمي غير المتجذر بعد في الوعي الجمعي، وما يرافق ذلك من معدلات غير مقبولة (عالية) للأمية (الأبجدية والثقافية) في المدينة والريف بفعل تزايد الفقر، تراجع مستوى المعيشة، التهجير، ضعف كفاءة النظام التعليمي والاستثمار فيه … الخ. من الواضح أن هذه العناصر تظل تصورية لحين إخضاعها للبحث.

إذا كان هذا صحيحاً بالنسبة للأفراد فما هو الوضع بالنسبة للشركات (العامة والخاصة). نزعم، في غياب البيانات واعتماداً على حجم دخل أقساط التأمين المكتتبة، أن هذه أيضاً لا تُقْدم دائماً على شراء الحماية التأمينية. ومتى ما قامت بالتأمين على ممتلكاتها، على سبيل المثل، فإنها لا تؤمن بالقيمة الاستبدالية لهذه الممتلكات بل بقيمة أقل من هذه (تعرف بالتأمين الناقص) ربما توفيراً في قسط التأمين ─ وهو ما يحرمها من التعويض بكامل قيمة الضرر.

أما الحكومة فإنها تغض النظر في عقودها مع المقاولين عن إلزام هؤلاء بالتأمين لدى شركات تأمين عراقية مرخصة من قبل ديوان التأمين. وبعض دوائرها تترك حرية شراء التأمين للمقاولين، مثلما يترك قانون الاستثمار الاتحادي وما يماثله في إقليم كوردستان حرية شراء التأمين من شركة تأمين أجنبية أو وطنية. وفي العديد من الحالات يلجأ المقاولون إلى شركات التأمين في أوطانهم، وبذلك تحرم شركات التأمين العراقية من دورها في التأمين على ما هو، في الواقع، أصول عراقية.

أما عقود جولة التراخيص النفطية فإن بند التأمين فيها نص على دور لشركات التأمين العراقية إلا أن واقع الحال أسفر عن تحويل هذه الشركات إلى شركات واجهة، واحتفاظها بالحدود الدنيا من أقساط التأمين. وكان لواقع سوق المنافسة القائم في العراق أثره على ما يقرب من إبطال مفعول بند التأمين إذ لم تعمل أي من شركات التأمين، العامة أو الخاصة، على تأكيد أحقيتها في إدارة وثيقة التأمين وإعادة تأمينها.

ولعل الطامة الكبرى هي الأمر رقم 10 (قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005). وقد عرضت موقفي من هذا الأمر الأمريكي الأصل في جوابي على السؤال الثاني.

قلت في مقالة لي أنه من المفترض أن يؤدي ازدياد عدد شركات التأمين إلى زيادة في الانتاج الكلي (زيادة حجم الأقساط المكتتبة)؛ وتحسين مستوى ونوعية الخدمات المقدمة لجمهور المؤمن لهم؛ وتقديم أغطية تأمينية مبتكرة قائمة بذاتها أو من خلال توسيع نطاق التغطية. إلا أن الواقع الحالي هو دون هذه الافتراض. وما يشهده المراقب هو الاكتتاب غير الفني، واشتداد حدة المنافسة المنفلتة، بدافع الحصول على الأعمال. ومن تداعيات هذا الوضع تهريب تأمين الأخطار وأقساطها إلى الخارج من خلال إعادة التأمين الاختياري، دون المرور من خلال اتفاقيات إعادة التأمين التي تديرها شركة إعادة التأمين العراقية لصالح معظم هذه الشركات. إن صحت هذه الملاحظة، فإن الدور الذي تلعبه شركات التأمين الخاصة في تنمية قطاع التأمين ضعيف جداً لا يتعدى توفير فرصة عمالة لعدد قليل من الموظفين وهامش صغير للربح للمساهمين.

[5]

من الموْكد ان انتشار التامين يتطلب قدرا من الوعى ودرجة عالية من الثقافة كما ان التامين خدمة ذات طبيعة طويلة المدى في حين ان الناس محدودي الدخل او لنقل محدودي الثقافة التأمينية يرغبون بالحصول على الخدمة التأمينية مباشرة بعد تسديد الاقساط المستحقة. ما هو دور شركات التامين في نشر الوعى التأميني، وهل يمكن تحقيق ذلك اذا استمرت شركات التامين العراقية باتباع اساليب التسويق التقليدية غير المعاصرة؟ ما هو دور مكاتب التسويق الوسيطة التي لا تهتم سوى بالحصول على العمولة فكيف ينتشر التامين اذا لم تكن هناك حملات اعلانية. هل لكم اعطاء القارئ ولو نبذة عن اساليب تسويق التامين في الدول المتقدمة؟

الربط بين انتشار التأمين وقدْراً من الوعي ودرجة عالية من الثقافة أطروحة تحتاج إلى اختبار على أرض الواقع. يفترض الربط تطور الفردانية individuation بحيث يكون الإنسان مسؤولاً عن نفسه وأفعاله واستقلالاً في التفكير ربما خارج الانماط القيمية التقليدية. لكن مجتمعنا لا يزال محكوماً بقيم مصنوعة في السماء وأخرى متجذرة في البنية العشائرية. وبهذا تكون جاذبية التأمين ضعيفة ما لم تتدخل الدولة لفرض شراء التأمين على الأفراد والشركات والمؤسسات الحكومية. هذا ما يشهد عليه تطور فروع معينة للتأمين في العراق ودول أخرى كالتأمين على المسؤولية المدنية الناشئة عن السيارات، أو ضمان الموظفين، أو التأمين الهندسي على العقود الإنشائية. وبعض الدول تلزم الشركات بالتأمين الصحي (دولة الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية). أو أن البنوك تشترط على المقترض التأمين على الحياة للوفاء بالقرض. وفي بعض الدول الغربية هناك إلزامية التأمين على الحريق والفيضان.

لنرجع إلى العراق وضعف الوعي التأميني الذي يفسر، إلى حد ما، محدودية انتشار التأمين بين الأفراد. أقول إلى حدٍ ما لأن هناك عاملاً مهماً يساهم في الانتشار وهو القدرة المالية على شراء الحماية التأمينية. فحتى لو كان الوعي بالتأمين متوفراً فإن قيمة هذا الوعي ضعيفة إن لم يكن الوعي مدعماً بفائض في الدخل يمكن انفاقه على شراء وعد مستقبلي بالتعويض عند حدوث واقعة مغطاة في وثيقة التأمين.

بالنسبة لدور مكاتب التسويق الوسيطة التي لا تهتم بشيء سوى الحصول على العمولة، وأظن أنك تقصر هذا الدور على المكاتب الموجودة في العراق، فهو يعكس حالة عامة نشأت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وما أفرزه من صعود الإمعات والجهلاء لمواقع حرمت على أصحابها الحقيقين. ولنا في “الحملة” التي أطلقها د. عبد الحسين العنبكي في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين[2] لحرفنة professionalization مهنة الاقتصاد والاعتراف بدور وقيمة الاقتصاديين … الخ خير دليل على ما أقول. طبعاً يمكن رفع مستوى هذه المكاتب الخاصة من خلال وضع قواعد رقابية تنظم عملها ومؤهلات القائمين عليها. وضع هذه القواعد هي من مسؤولية ديوان التأمين العراقي، ولحين قيامه بذلك يمكن لشركات التأمين، من خلال جمعية التأمين العراقية، وضع ضوابط معينة لعمل مثل هذه المكاتب.

لا غرو أن لشركات التأمين دورها في إشاعة التأمين من خلال الوسائل المتاحة لها، وهي عديدة: فريق المنتجين، وكلاء التأمين ووسطاء التأمين، الإعلانات في وسائل الإعلام، إصدار المطبوعات، الإعلانات في الأماكن العامة كملاعب كرة القدم.[3] في بريطانيا، على سبيل المثل، يستخدم التلفزيون في الدعاية لمنتجات تأمينية معينة كالتأمين على السيارات، والحوادث الشخصية، والحياة، والتأمين الصحي.

وعدا ذلك فإن شركات التأمين من خلال جمعياتها تؤكد حضورها باستمرار ومشاركتها في التأثير على الانظمة والقوانين ذات الصلة بالتأمين. لكننا في العراق ما نزال في أول الدرب.

[6]

هناك من يدعو الى ضرورة تأسيس معهد للتامين بهدف رفع كفاءة الاداء الفني لدى موظفي شركات التامين، ويشير البعض الى ان شركات التامين العراقية تهتم بالجانب الإنتاجي اكثر من اهتمامها بالجانب الفني الامر الذى يجعلها عرضة للخسارة. ما تعليقكم؟

الدعوة إلى تأسيس معهد للتأمين دعوة سليمة في ظاهرها وهي موضع ترحيب بشكل عام. لكن السؤال المهم هو: هل تم التفكير بتفاصيل هذه الدعوة؟ أعني من هي الجهة التي ستقوم بإدارتها ووضع المنهاج التعليمي والتدريبي؟ وكيف ستجند الهيئة التعليمية ومن أين؟ وهل تم التفكير بمصادر تمويلها، ومقارنتها بما هو متوفر في المنامة، ودمشق والقاهرة؟ أليست المعاهد الفنية القائمة ومنها المعهد العالي للدراسات المحاسبية والمالية التابعة لجامعة بغداد كافية مع بعض التحوير للتأكيد على الجوانب العملية؟

يمكن اللجوء إلى خطوات آنية من خلال الدورات التدريبية القصيرة في فرع معين للتأمين، وهي ما تقوم به جمعية التأمين العراقية بين الحين والآخر رغم عدم وجود سياسة موضوعة في هذا المجال.

كما أن إدارات شركات التأمين تستطيع تطبيق إلزامية التعليم المهني المستمر الذي يمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة وعدداً معينا من الساعات. وكذلك استقدام محاضر أو محاضرين أو بالأحرى مدربين متخصصين لتدريب العاملين في شركات التأمين العراقية. يضاف إلى ذلك ابتعاث الموظفات والموظفين في دورات تدريبية في الخارج لدى شركات تأمين عربية أو أجنبية.

ولعله من المفيد الإشارة إلى أن التعليم المهني المستمر continuing professional education وهو موضوع يخضع للرقابة من قبل أجهزة الرقابة لضمان الالتزام به، تعمل شركات ووسطاء التأمين في بريطانيا على الاهتمام به وخلاف ذلك فإنها تتعرض لعقوبات رقابية. وتعمل شركات التأمين والوساطة على دعم الموظفين الذين يرغبون بالدراسة للحصول على شهادات معهد التأمين القانوني وحتى الدراسة الجامعية للتأمين وإدارة الخطر.

لنتذكر أن سوق لويدز العريق في لندن لا يسمح لمن يعمل فيه من مكتتبين ووسطاء تأمين وآخرين لهم علاقة بالعملية الاكتتابية ممارسة العمل دون الحصول على شهادة اختبار أولية. هناك اتجاه نحو حرفنة مهنة التأمين (ليس بجعلها مهنة مغلقة، كما هو الحال في مهنة الطب أو المحاماة وغيرها، بل إضفاء أهمية على صفة العاملين فيها تتناسب مع مكانة صناعة التأمين في الاقتصاد الوطني).

كما أن هناك مصادر لتبادل المعلومات والمعرفة عن النشاط التأميني بشكل مجلات تأمينية متخصصة (تأمين مباشر، إعادة تأمين، أدارة الخطر، ومجالات أخرى ذات علاقة بالتأمين) ذات مستويات مختلفة، ورقية وإلكترونية، إضافة إلى وجود جريدة يومية للتأمين في سوق لندن. أضف إلى ذلك النشرات التي تصدرها المكاتب الحقوقية عن التغييرات في القوانين ذات الصلة بالتأمين والأحكام التي تصدرها المحاكم في قضايا التأمين المعروضة عليها، وهذه مهمة بفضل سيادة نظام القانون العام common law الذي يتطلب معرفة بالأحكام السابقة وفحص دقيق لحيثيات القضايا للخروج بحكم عادل.

بالنسبة للشق الثاني من السؤال، وهو تركيز شركات التأمين العراقية على الجانب الإنتاجي فإنه مطلوب بحد ذاته في ظل سوق التأمين القائم على التنافس. ما لم يزداد الإنتاج وما يصحبه من تعظيم في الإيرادات (وزيادة المسؤوليات التعاقدية في نفس الوقت تجاه حملة وثائق التأمين) فإن حصة الشركة الواحدة من السوق ستتضاءل وربما ينتهي الأمر بها بالخروج من السوق (التوقف عن الاكتتاب بأعمال جديدة) أو تعرضها للخسارة وحتى إفلاسها. ومن المناسب هنا الإشارة إلى أن تعظيم الإيرادات (دخل أقساط التأمين المكتتبة وعوائد الاستثمار) قد لا يقابله تحقيق هامش جيد للربح لمالكي الشركة لتزايد حجم التعويضات المدفوعة، ضعف حماية إعادة التأمين، سوء إدارة الشركة والسيطرة على تكاليف الإنتاج وضعف الإنتاجية. وهذه عناصر فنية تحتاج إلى عناية من إدارة الشركة. يشهد تاريخ التأمين إفلاس شركات التأمين لتبنيها سياسة زيادة الإنتاج، من خلال تخفيض الأسعار على تأمين السيارات مثلاً، دون الاهتمام بالجوانب الفنية ومنها بناء الاحتياطيات النقدية لمواجهة المسؤوليات، واعتماد سياسة استثمارية رصينة لا تعرض الأموال المستثمرة للخسارة، ولا تجبرها إلى اللجوء إلى استعمال رأسمالها أو الاستدانة.

عندما تكون القواعد الرقابية ضعيفة فإن فرص انهيار الشركات تكون أكبر. وقد تطورت مفاهيم الرقابة والتدخل الرقابي أساساً لحماية الزبون واستجابة للأزمات التي لحقت بالأسواق المالية.[4] كما أنها صارت أكثر صرامة في التطبيق.

اجرى الحوار فاروق يونس

20-26 تشرين الأول 2015

[1] مصباح كمال، “نحو مشروع لصياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق“، مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2012/08/06/a-policy-for-iraqs-insurance-sector/

 

[2] أ. د. عبد الحسين العنبكي، “مبادرة للتصويت (الاقتصاد حرفة وليست هواية)،” شبكة الاقتصاديين العراقيين، 21 تشرين الأول 2015:

http://iraqieconomists.net/ar/2015/10/21/%d8%a3-%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%86%d8%a8%d9%83%d9%8a-%d9%85%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%b1%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%8a%d8%aa/

[3] يقدم د. سليم الوردي في فصل “في أروقة التأمين”، أحد فصول روايته (غارات الثور المجنح، بغداد: دار ميزوبوتاميا، 2011) صورة واقعية، رغم التواء المقصد ليستقيم مع خط الرواية في إدانة النظام، عمّا تقوم به شركة التأمين في صياغة منتجات تأمينية جديدة وطريقة تسويقها. فبعد تبني المدير العام تنفيذ مشروع وثيقة التأمين الجديدة وبدء الحملة الإعلامية لترويجها وبيعها “تقاطر على مركز شركة التأمين في محلة “الفناهرة” آلاف المواطنين يطلبون استمارة “طلب التأمين” من خطر “الثور المجنح.” بعدها تبدأ عملية الارتزاق من بيع استمارات طلب التأمين بتواطؤ من المسؤولين.

أذكر هذا لأن د. سليم بفضل اشتغاله في شركة التأمين الوطنية وتدشينه لتخطيط الإنتاج فيها ومعرفته العميقة بالتأمين يبين أهمية الحملة الإعلامية في التسويق.

[4] إيرنست بالتنسبرجر، بيتر بومبيرجر، أليساندرو لوبا، بينو كيللر، ارنو فيكي، الرقابة على صناعة التأمين: قضايا أساسية، ترجمة: تيسير التريكي، مراجعة: مصباح كمال (بيروت: منتدى المعارف، 2014)

Insuring the Industrial Revolution – book review

عرض كتاب

روبن بيرسون، التأمين على الثورة الصناعية: التأمين ضد الحريق في بريطانيا العظمى، 1700-1850. ألدرشوت، المملكة المتحدة: آشگيت، 2004. عدد الصفحات 13+434. السعر 100 دولار (تجليد فني)، ردمك: 0-7546-3363-2.

كاتب العرض:

مارك تيبيو، قسم التاريخ، جامعة ولاية كليفلاند

ترجمة:

مصباح كمال

نشر الأصل الإنجليزي في موقع شبكة التاريخ الاقتصادي (فبراير 2006)

Robin Pearson, Insuring the Industrial Revolution: Fire Insurance in Great Britain, 1700-1850. Aldershot, UK: Ashgate, 2004. xiii + 434 pp. $100 (hardcover), ISBN: 0-7546-3363-2.

Reviewed by Mark Tebeau, Department of History, Cleveland State University.

Published by EH.NET (February 2006). (C) 2006 by EH.NET

http://eh.net/book_reviews/insuring-the-industrial-revolution-fire-insurance-in-great-britain-1700-1850/

على الرغم من أهميتها الواضحة نوعاً ما في التنمية الاقتصادية الحديثة، فإن تاريخ التأمين ضد الحريق وعلى الممتلكات قد أهمل إلى حد كبير. وكان هذا هو ما عليه الوضع حتى الآن. لقد جاءت دراسة روبن بيرسون، القائمة على البحث المستفيض والمحاجة الدقيقة، التأمين على الثورة الصناعية: التأمين ضد الحريق في بريطانيا العظمى، 1700-1850، لتقدم تاريخاً كاملاً لصناعة التأمين ضد الحريق في بريطانيا خلال منتصف القرن التاسع عشر.  بل أكثر من ذلك، ومن منظور نقدي، يبرهن بيرسون كيف كان التأمين على الممتلكات جزءاً لا يتجزأ من الثورة الصناعية، على الرغم من أن بيرسون يحرص على أن نلاحظ أن التأمين ضد الحريق لم يحدد التنمية الاقتصادية (وفي الواقع، وفي كثير من الأحيان فإنها [التنمية الاقتصادية] هي التي كيَّفت التأمين). ويبيّن كيف تطور التأمين ضد الحريق لدعم الاقتصاد الأوسع، وكيف أنه، في كثير من الأحيان، كان في طليعة التوسع في الأعمال الصناعية، وعزز النمو الاقتصادي إلى حد أبعد.

تبين الحجة التي تقدم بها بيرسون، في أوسع مستوى لها، كيف كان التأمين ضد الحريق جزءاً لا يتجزأ من مجتمع يشق طريقه نحو التصنيع. فمع توفره على نطاق واسع في لندن في خمسينيات القرن التاسع عشر وسهولة الحصول عليه في المحافظات خارج لندن، فإن التأمين ضد الحريق قد قلّص من عدم اليقين المرتبط بخطر الحريق – على الأقل من الناحية الاقتصادية للشركات وأفراد الطبقة الوسطى الذين كان بإمكانهم شراء وثائق [بوالص] التأمين بأسعار معقولة جداً.  إن توفر أشكال رخيصة ومستقرة نسبياً من التأمين عرَضت الأمن لمالكي العقارات – السكنية، والتجارية أو الصناعية.  ومن خلال تعويض حملة وثائق التأمين عن الخسائر الكبيرة في الممتلكات المرتبطة بحوادث الحريق، فإن التأمين وفَّرَ حافزاً مؤسسياً لتراكم الثروة بشكل مواد عينية واستثمارات.  وباختصار، فإن التأمين قلّل من المخاطر المرتبطة بالتنمية الاقتصادية المندفعة.  وفي الوقت نفسه، كان التأمين ضد الحريق بالغ الأهمية لتمويل البنية التحتية، وبالتالي كان دوره حاسماً في التنمية الصناعية.  فقد قدَّمت الشركات رأس المال لمجموعة متنوعة من مشاريع التحسين العامة فضلاً عن المشاريع الاقتصادية الخاصة.  كما أن شركات التأمين ضد الحريق اعتمدت على وعززت الشبكات المؤسسية التي اعتمدت عليها التنمية الاقتصادية.  وهكذا، فقد أصبح التأمين ضد الحريق جزءاً لا يتجزأ من النشاط الصناعي، “مكوناً بذلك جزءاً من آلية التغذية المرتدة feedback التي من خلالها تضاعفت الثقة داخل المجتمعات التجارية” (368).

يتميز البحث الذي قام به بيرسون بشموليته، كما أن حججه مصاغة بعناية استثنائية إلى حدٍ كبيرٍ جداً بحيث يصعب استعراضها كاملة في مراجعة موجزة.

يبدأ كتاب تأمين الثورة الصناعية بفصل أولي يحدد التطور العام للصناعة [صناعة التأمين] في سلسلة من الجداول التفصيلية المصنفة بشكل جيد.  بعد ذلك، يتوزع السرد على قسمين.  يقدم القسم الأول صورة مرتبة زمنياً للصناعة.  ويقسّم بيرسون سرده أساساً إلى ثلاثة فترات لأغراض التحليل، ضمن حدود التطورات السياسية والاقتصادية الكبيرة، فضلاً عن الاتجاهات المتغيرة في صناعة التأمين نفسها: الفترة 1720-1782، الفترة 1782-1815، وأخيراً السنوات ما بين 1815 و1850.  يُموضع بيرسون الصناعة في هذه الفصول في صلب التدوين التاريخي للثورة الصناعية البريطانية.  وطوال ذلك، يتبنى نهجاً يستكشف مجمل أوضاع السوق في مجال التأمين.  وهو يستكشف تقلبات شركات التأمين ضد الحريق في البلدات وكذلك في المدن الكبرى.  ويجمع بدقة ويحلل كماً كبيراً من البيانات، يؤلف منها أكثر من خمسين شكلاً وجدولاً – جهدٌ مثيرٌ للإعجاب و(دون شك) مساهمة قائمة بحد ذاتها استغرق انجازها وقتاً طويلاً.

ويتناول القسم الثاني من التأمين على الثورة الصناعية التنظيم الداخلي للصناعة [صناعة التأمين] بشرح العناصر المركزية حسب المواضيع. ويبحث في أربعة مجالات موضوعية عريضة: عملية تأسيس الشركة والشبكات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية وراء هذه العملية؛ تسويق التأمين وتطوير شبكات الوكلاء لإدارة عمليات التأمين؛ الممارسة الأساسية للاكتتاب وما أصابها من تغير مع مرور الوقت، بما في ذلك تحديات تقييم الأخطار؛ والاتجاهات في كيفية استثمار الشركات لرؤوس أموالها وفهمها لمكانة رأس المال ضمن المحفظة الأوسع نطاقاً للخطر، فضلاً عن الكيفية التي عملت فيها صناعة التأمين في الاستثمار من وجهة نظر المستثمرين الأفراد.

رغم أن الكتاب مكتوب بشكل جيد، فإنه من السهل أن تضيع في تفاصيل هذه القصة. يقدم بيرسون بمحبة وباجتهاد قائمة شاملة من أوجه التشابه والاختلاف في هذه الصناعة، مع إيلاء اهتمام خاص للاختلافات الجغرافية بين الأقاليم المختلفة في بريطانيا، وبين المحافظات والمراكز الحضرية الكبرى.  هذا المستوى من الدقة مصدر إحباط في بعض الأحيان من وجهة نظر القارئ، لكنه رغم ذلك فإنه يخدم الهدف الأكبر من الكتاب، وهو أن ندرك الطريقة الخفية – والمتناقضة في بعض الأحيان – التي تطورت فيها الصناعة [صناعة التأمين].  وليس هذا نقداً على وجه التحديد لمهارة بيرسون ككاتب.  على العكس من ذلك، فإن بيرسون يُظهر براعة متميزة في التأليف في التعامل مع مثل هذه القصة المعقدة.  على سبيل المثل، فإن كلاً من القسم الأول والثاني من السرد يغطي نفس المادة، ولكن هناك القليل من الحس بالتكرار هنا. وفي الواقع، فإن دراسة بيرسون للعناصر المختلفة لصناعة التأمين قد تمت صياغتها بشكل جيد للغاية. إن هذه الفصول هي بمثابة كتاب تمهيدي حول أساسيات التأمين، يطرح فيها المؤلف مواضيع لم تختفي في 1850 بل ظلت مستمرة لتؤرق شركات التأمين في القرن العشرين.

إن تأمين الثورة الصناعية سيصبح مِحكاً للبحوث المستقبلية في تاريخ التأمين ضد الحريق والممتلكات وذلك جزئياً بفضل الروابط التي صنعها بيرسون بين التصنيع والتأمين ضد الحريق. لكن الأهم من ذلك، هو أن هذا الكتاب يضع أيضاً جدول أعمال للبحوث المستقبلية في صناعة التأمين. ويقدم بيرسون حجة مقنعة لماذا ينبغي لنا أن نسعى إلى فهمٍ أفضلَ للروابط بين التنمية الاقتصادية والتأمين على الممتلكات. وهو يقترح أيضاً، أنه يجب علينا أن ننظر إلى هذا الموضوع على الصعيد العالمي، وتطوير دراسات الحالات الغنية التي تبحث في تاريخ التأمين في أوروبا والولايات المتحدة، وغيرها من الأماكن.  ومن خلال المثال على ما قام به في دراسة صناعة التأمين ضد الحريق البريطانية، فإنه يبين فوائد إدخال دراسة الحالات من هذا القبيل في صلب التاريخ المقارن للتأمين على الممتلكات. فمن خلال هذا المقترب سنحصل ليس فقط على فكرة أفضل عن تفاصيل هذه الصناعة، ولكننا سوف نكون أيضاً قادرين على فهم أفضل كيف أن توسيع الروابط الاقتصادية العالمية قد عززت استقرار قطاع التأمين من خلال خلق سوق لإعادة التأمين وتشتيت عبء الخطر على نطاق واسع. وأخيراً، يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار أن تاريخ صناعة التأمين ضد الحريق لا ينتهي في 1850 مع ظهور أدوات أكثر تطوراً لفهم الخطر.  وبالأحرى، فإن استمرار تطور هذه الصناعة يتحقق بفضل العلاقة المباشرة مع التغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الواسعة، وليس أقلها هو أن خطر الحريق في حد ذاته سوف يستمر في التحول في المجتمعات المتوجهة نحو التحديث.

في الواقع، يبين التأمين على الثورة الصناعية كيف تساهم دراسة التأمين ضد الحريق في المناقشات الأوسع نطاقاً في التاريخ الاقتصادي، كما أنه يشير أيضاً ضمنياً إلى وضع دراسة التأمين ضد الحريق ضمن رؤية تاريخية أوسع.  ومما يؤسف له أن بيرسون حَذِرٌ جداً بشأن مثل هذه الإمكانيات، بحجة أن “إنشاء صلة إثبات بين التوسع في التأمين والتغيرات الواسعة في المواقف في المجتمع أمر صعب للغاية” (368).  وعلى أي حال، أعتقد أنه ينبغي لنا مع ذلك التمدد والتوسع في إطار البحث. يجب علينا تحديد الطرق التي ارتبطت بتوسع تأمين الحريق (والممتلكات) بالتغيرات في النواحي الاجتماعية والثقافية، والسياسية.  أعترف بأن إثبات مثل هذه الروابط أمر صعب، ولكن، كما اقترحت في دراساتي بشأن خطر الحريق في المناطق الحضرية، فإن عمل شركات التأمين تركت آثاراً هائلة لصالح المجتمع. وتتضمن هذه تشجيع النزعة الاستهلاكية وحركة المستهلكين من أجل تحقيق السلامة؛ ارتباط أنشطة مكتتبي التأمين على الحريق بشكل واضح مع التحول في تصورات الخطر المجتمعي؛ و، على أقل تقدير، أن رؤى شركات التأمين للعالم قد دخلت في الوجود المادي للحياة العادية.

إن كتاب تأمين الثورة الصناعية هو إنجاز فريد.  لقد بيّن روبن بيرسون أن التأمين ضد الحريق لعب دوراً مهماً، ولو أنه دور ينطوي على ازدواجية أحياناً، في الثورة الصناعية.  كما أنه يوفر أيضاً خارطة طريق سيتبعها الباحثون في المستقبل في هذا المجال عندما يقومون بصياغة دراساتهم لتاريخ التأمين ضد الحريق. آمل أن تحظى هذه الدراسة الرائعة بما تستحقها من اهتمام جمهور واسع.

مارك تيبيو هو مؤلف كتاب تناول الدخان: الحريق في أمريكا الحضرية، 1800-1950 (مطبعة جامعة جونز هوبكنز: 2003).

Mark Tebeau is author of Eating Smoke: Fire in Urban America, 1800-1950 (Johns Hopkins University Press: 2003).

 

Swiss Re: Nations must tackle $1.3tn disaster protection gap

سويس ري (Swiss Re):

يجب على الأمم معالجة العجز المقدر بـ 1,3 تريليون دولار للحماية من الكوارث

 

 

نشر هذا الخبر في صفحة نيوز ديسك في مجلة GR Global Reinsurance, Newsdesk الإلكترونية بتاريخ 7 تشرين الأول 2015، وقد اقترحنا على الزميل ياسر عسكر ترجمته لفائدة ممارسي التأمين في العراق إذ أن موضوع الكوارث الطبيعية والحلول الخاصة بالتحوط منها قبل وبعد وقوعها لم يلق عناية عميقة ولم يحظى بدراسات كافية.[1] (المحرر)

 

يمكن قراءة الخبر باللغة الإنجليزية باستخدام هذا الرابط:

http://www.globalreinsurance.com/Story.aspx?storyCode=1415834&source=Adestra

 

 

ترجمة ياسر عسكر

 

 

التأمين والحلول المتعلقة به يمكن أن تساعد كما يقول معيد التأمين

 

على الحكومات أن تستغل التأمين والأدوات ذات الصلة به للتحضير للكوارث الطبيعية قبل حدوثها، وفقا لتقرير نشرته سويس ري (Swiss Re) بعنوان “تمويل مخاطر الكوارث: الحلول الذكية للقطاع العام.” وجاء في التقرير أيضاً بأن مخاطر الكوارث في تزايد مستمر بينما التأمين غير قادر على المواكبة.

 

“الفيضانات والزلازل والأعاصير والجفاف لا تزال تضرب البلدان وتدمر الأرواح والممتلكات” وفقا للتقرير. “ان الفجوة بين المؤمن عليه و اجمالي الخسائر الكلي أخذة في الأتساع، بينما تفتقر العديد من البلدان المعرضة للكوارث للتأهب المالي.”

 

وقالت سويس ري) إن 30٪ فقط من الخسائر الناجمة عن الكوارث كانت موضوعاً للتأمين على مدى العقد الماضي، وإن 70٪ من الخسائر، وتقدر تكلفتها بـ 1,3 تريليون دولار، تم دفعها من قبل الأفراد والشركات والحكومات.

 

وأشارت شركة إعادة التأمين “أن الفجوة بين الخسائر المؤمن عليها وإجمالي الخسائر الكلي ما زالت كبيرة، مما يعوق قدرة بلد على التعافي.”

 

وقال الرئيس التنفيذي لمجموعة سويس ري ميشيل لييز (Michel Liès): “ان المشهد العام للمخاطر أصبح أكثر تعقيدً خاصة وأن العالم أصبح أكثر ترابطا. ليس هنالك من بلد قادر على أن يترك بلا حماية”.

 

وقال تقرير سويس ري إن الحكومات هي المعرضة بشكل فريد حيث انها هي من تتحمل عادة تكاليف الاغاثة والإصلاح وأيضا اعادة بناء البنية التحتية.

 

وأشار التقرير إلى أن حلول التأمين يجب ان تهيأ قبل وقوع الكارثة.

 

وعلى الحكومات أن تستخدم بشكل متزايد هذه الحلول لإدارة ميزانياتها وحالات الطوارئ المالية. ويمكن العثور على الأمثلة الناجحة على ذلك في العديد من الأسواق الناشئة وكذلك في دول منظمة التعاون الاقتصادي OECD ولكن هناك المزيد مما يتع

[1] بالنسبة للعراق راجع: مصباح كمال، “خطر الفيضان في العراق ودور الدولة والتأمين،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2014/10/11/floods-in-iraq-the-role-of-the-state-and-insurance/

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين

http://iraqieconomists.net/ar/2014/10/09/

 

أنظر كذلك: عبد القادر عبد الرزاق فاضل، “الزلازل وما وقع منها في العراق،” مرصد التأمين العراقي:

https://iraqinsurance.wordpress.com/2015/04/02/earthquakes-and-their-occurrence-in-iraq/

(المحرر)

 

Central Bank of Iraq & Insurance of Project Loans

برنامج البنك المركزي للقروض الصناعية والزراعية والإسكان ومكانة التأمين

 

 

مصباح كمال

 

 

نشرت العديد من الصحف ووكالات الأنباء العراقية بتاريخ 7 أيلول 2015 إعلان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي تعليمات منح الإقراض في المجال الصناعي والزراعي والإسكان (برنامج قرض البنك المركزي العراقي لسنة 2015) ضمن حزمة الإصلاحات الحكومية وصوّت عليها مجلس النواب العراقي الشهر الماضي.[1]

 

وجاء في المادة 5 من الشروط العامة في (برنامج قرض البنك المركزي العراقي لسنة 2015) ما يلي:

 

على جميع المقترضين تقديم وثيقة تأمين شاملة عن المشروع نافذة لحين تسديد آخر قسط من القرض.

 

وهي من الشروط التي ترد في معظم القروض الممنوحة لتمويل المشاريع من قبل المؤسسات الدولية وكذلك المصارف وغيرها من الهيئات المعنية بتقديم القروض.

 

لم تنص المادة 6 على تقديم وثيقة تأمين صادرة من شركة تأمين عراقية مسجلة في العراق ومجازة من قبل ديوان التأمين. إن النص على شراء الحماية التأمينية من شركة تأمين عراقية مسألة مهمة لضمان عدم تجاوز شركات التأمين والاستفادة من القدرات التأمينية المحلية لتحقيق شكل من أشكال التكامل بي النشاطات الاقتصادية داخل العراق.

 

تذكر هذه المادة تقديم “وثيقة تأمين شاملة عن المشروع” دون أن تسميها وربما أنصرف ذهن محرر البرنامج إلى ما يعرف في العراق بالتأمين الهندسي للمشاريع. ويضم هذا الفرع من التأمين وثيقة تأمين كافة أخطار المقاولين أو وثيقة كافة أخطار النصب أو ما يشابهها. وإذا كانت النية متجهة نحو شراء هذه الوثائق من قبل المقترض وجب تحديد نطاق التغطية التي توفرها، ونعني بذلك تأمين أعمال المشروع تحت الإنشاء أو النصب وكذلك تأمين المسؤولية المدنية تجاه الطرف الثالث التي قد تنشأ عن تنفيذ هذه الأعمال.

 

وإذا كانت المشاريع تتضمن استيراد مواد ومعدات ومكائن من خارج العراق فإن ذلك يقتضي النص على تقديم وثيقة تأمين بحري-بضائع.

 

إن حجم المشاريع ضمن برنامج القرض صغير، كما يظهر من نص المادة 6 من الشروط العامة، فهو يتراوح بين 438,248 دولار للمشاريع الصغيرة و17,527,420 دولار للمشاريع الكبيرة، وكما يلي:

 

– تصنيف المشاريع في المصارف المتخصصة المشمولة بهذا القرض الى ما يلي:

 

أ‌- المشاريع الصغيرة وتقرض لحد اعلى (500) خمسمائة مليون دينار.

ب‌- المشاريع المتوسطة وتقرض لحد اعلى (3) ثلاثة مليارات دينار.

ج- المشاريع الزراعية والصناعية الكبيرة وتقرض لما زاد عن (3) ثلاثة مليارات دينار بشرط ان لا يتجاوز الحد الاعلى (20) عشرين مليار دينار.

د – يجوز منح القروض للمشاريع الزراعية والصناعية الكبيرة ذات الجدوى الاقتصادية بزيادة عن الحد الأعلى (20) عشرين مليار دينار بعد أخذ الموافقات الأصولية من اللجنة الاقتصادية في مجلس الوزراء أو ما تقترحه جهة الإقراض.

 

إن شركات التأمين العراقية، العامة والخاصة، قادرة على الاكتتاب بهذه المبالغ بيسر ضمن التسهيلات المتوفرة لها، مثلما تستطيع الاكتتاب بمبالع يتجاوز الحد الأعلى الوارد في هذه المادة.

 

ترى هل ستصدر تعليمات لاحقة بشأن التأمين مع شركات تأمين عراقية أم ان موضوعه سيترك لتصرف المستفيد من القرض. وهل سيجري تفصيل وثائق التأمين المطلوبة. نقول هذا وفي بالنا أن العديد من برامج القروض تأتي على ذكر ما يعرف بمتطلبات الحد الأدنى للتأمين minimum insurance requirements. وأرى أن هذه الفرصة مواتية لإدخال بند خاص بمتطلبات التأمين لقروض المشاريع.

 

إن هذا البرنامج يوفر مصدراً جديداً للطلب على التأمين الهندسي للمشاريع وربما التأمين البحري وغيرها من وثائق التأمين. ونأمل أن تكون لشركات التأمين العراقية مساهمة فعّالة في توفير وثائق التأمين المناسبة وبأسعار وشروط لا تشكل عبئاً مالياً على المقترضين. نقول هذا لأن التأمين وكلفة شرائه لا ترد دائماً في بال المقترضين، وعندما تظهر الحاجة إلى التأمين، لإكمال شروط تقديم القرض، ينتاب المقترض شعور بالتعجب.

 

إن ما جاء في هذا البرنامج بشأن التأمين، رغم عدم توفر تفاصيله، يدل على تفكير سليم في إطار تقديم القروض للمشاريع. نأمل أن يتم التوسع فيما يخص بند التأمين، والتأكيد على شراء الحماية التأمينية من شركات التأمين العراقية. كما نأمل أن تقوم المصارف، ربما بالتعاون مع شركات التأمين العراقية، تعريف المقترضين بما يتطلبه برنامج القرض من حماية تأمينية مناسبة وربما الكلفة التقديرية لشراء التأمين. إن معظم شركات التأمين العراقية قادرة على توفير هذه الخدمة للمصارف ومقترضيها.

 

 

8 أيلول 2015

[1] يمكن قراءة النص الكامل للإعلان في شفق نيوز باستخدام هذا الرابط:

http://www.ara.shafaaq.com/27596

Insurance in Iraqi Kurdistan-comment on Dr S Kadduri & H Badir

موقع التأمين في تصورات

د. صباح قدوري ود. حسن عبد الله بدر حول الاصلاح الاقتصادي في اقليم كردستان العراق

 

 

مصباح كمال

 

 

نشرت هذه المقالة في شبكة الاقتصاديين العراقيين

 

http://iraqieconomists.net/ar/2015/08/27/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%85%d9%88%d9%82%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%af-%d8%b5%d8%a8/

 

 

شكر وتقدير

أشكر السيد عبد القادر عبد الرزاق فاضل، المدير المفوض لشركة كوردستان الدولية للتأمين، والدكتور هيثم أبو العينين، المدير العام لشركة أور الدولية للتأمين، والسيد جمال عصفور، الرئيس التنفيذي لشركة آسيا للتأمين والسيد عماد أحمد محمد المدير المالي للشركة، لتوفير البيانات عن نشاط شركاتهم التي استفدت من بعضها في هذه الورقة. كما أشكر السيد بخيت حداد، المدير الفني لشركة كار للتأمين والسيد محمد الكبيسي، استشاري تأمين، لتقديمهما بعض الملاحظات حول واقع ممارسة النشاط التأميني في الإقليم.

 

تنبيه

أود تنبيه القراء إلى أن الأفكار والتقييمات في هذا التعليق ليست ثابتة خاصة وأنها ليست مدعومة بمستندات رسمية وغيرها. قد تكون هناك بيانات منشورة عن أحوال قطاع التأمين في إقليم كوردستان إلا أننا لم نستهدي إليها. لقد توخينا الحذر في الكتابة عن واقع الحال لحين توفر معلومات مؤكدة. أتمنى على القراء المهتمين تقويم ما جاء في هذه الورقة وإرشادي إلى بيانات ومستندات لم أستطع الوصول لها.

 

الآراء الواردة في هذه الورقة تمثل وجهة نظري الشخصية ولا علاقة لها بشركات التأمين والأشخاص الذين تفضلوا بتقديم المعلومات.

 

 

 

خطة الورقة

نشر د. صباح قدوري ود. حسن عبد الله بدر دراسة مهمة بعنوان “بعض التصورات حول الاصلاح الاقتصادي في اقليم كردستان العراق” في شبكة الاقتصاديين العراقيين[1] تستحق المناقشة من قبل أصحاب الاختصاص. وما يهمنا منها هنا هو مكانة التأمين التجاري والاجتماعي في اقتصاد الإقليم التي أشار إليها الكاتبان. وسيقتصر تعليقنا على تقديم بعض الملاحظات الانتقائية. سنتبع في التعليق الأقسام الثلاثة في دراسة الكاتبين حسب تسلسلها مع تعديل طفيف لعناوينها وهي: المدخل، وقيود التنمية في اقليم كوردستان العراق، وأفكار للإصلاح الاقتصادي.

 

مدخل: توصيف اقتصاد إقليم كردستان وتبعية التأمين للريع النفطي

 

تقوم دراسة د. صباح قدوري ود. حسن عبد الله بدر على قناعة بأن اقتصاد إقليم كردستان العراق يعاني من خلل ولذلك فإنه بحاجة إلى إصلاح. وكما يؤكد الكاتبان فإن

 

اقتصاد الاقليم اقتصاد ريعي، حاله حال الاقتصاد العراقي. وهذا يعني تبعية الاقليم للمداخيل الناتجة من تصدير النفط بالدرجة الاساسية. ويجد الطابع الريعي لاقتصاد الاقليم تعبيره في الضعف الشديد، وحتى المتناقص، لمساهمة قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية في تكوين الناتج القومي. فالأرقام الرسمية المتاحة تشير الى مساهمة متواضعة للقطاعين الاساسيين معا في مجموع الناتج، وعلى نحو لا يتناسب مع الموارد المالية وغير المالية الكبيرة المتاحة، ولا حتى مع كان عليه الحال بالفعل حتى أواسط الثمانينيات.

 

نزعم أن قطاع التأمين في الإقليم كان سيكون تابعاً حقاً للاقتصاد الريعي لو أنه كان المستفيد الرئيس من تأمينات صناعة النفط في مختلف أطوارها (تأمين المنشآت والمكائن والمعدات والمسؤوليات القانونية المتعلقة بمراحل الاستكشاف والحفر والإنتاج والخزن والنقل والتكرير). وهو بمعنى ما يظل تابعاً لأن الريع النفطي، في الوقت الحاضر، هو الذي يقرر مستوى النشاط الاقتصادي والاستثماري، الذي يؤثر بدوره على حجم الطلب على منتجات التأمين. ليست هناك، حسب علمنا، دراسة موثقة تربط بين واقع الصناعة النفطية في الإقليم وتأمينها.[2]

 

 

قيود التنمية في اقليم كردستان وأثرها على التأمين

 

في قسم قيود التنمية في اقليم كردستان يشير الكاتبان في الفقرة 10 من دراستهما إلى شركات التأمين ضمن توصيف طبيعة النظام الاقتصادي وآلياته في الاقليم كما يلي:

 

ضعف مساهمة النظام الضريبي والرسوم الجمركية في تمويل الميزانية المحلية، بسبب انتشار الفساد الاداري والمالي في اجهزتها، وانعدام الرقابة الشعبية عليها، وصعوبة الجباية، وضعف سيطرة الادارات المختصة في تنظيم امورها، مع هيمنة وطغيان السلطات الحزبية في شؤونها. ومن ناحية اخرى، ثمة ضعف واضح في اداء التشريعات المالية وفي تطوير النظام الضريبي والمؤسسات المالية، وعلى راسها البنوك والمصارف وشركات التامين، وتعدد الانظمة المحاسبية في المؤسسات العامة والخاصة. [التأكيد من عندنا]

 

هناك حقاً ضعف في تطوير شركات التأمين والتشريعات المتعلقة بها ودورها في التنمية الاقتصادية. فعدد شركات التأمين المجازة من قبل وزارة المالية والاقتصاد هو ثماني شركات وهذه الشركات حسب الترتيب الألفبائي هي:

 

شركة آسيا للتأمين، شركة الإخاء للتأمين (وهي أحدث الشركات)، شركة أور الدولية للتأمين، شركة جيهان للتأمين، شركة دلنيا للتأمين، شركة ستار كار للتأمين (وهي أقدم الشركات، تأسست عام 2004)، شركة كار للتأمين، شركة كوردستان الدولية للتأمين.

 

إن كثرة شركات التأمين ليس مقياساً مهماً للحكم على مدى انتشار التأمين ونوعية الخدمات التأمينية سوى أن تعدد الشركات قد يعني وجود حالة من التنافس بينها، وربما عرض منتجات تأمينية متميزة من قبل بعض الشركات دون غيرها كالتأمين على الحياة الذي لا توفره جميع الشركات العاملة، وهو الفرع الأقل انتاجاً للأقساط في الإقليم في الوقت الحاضر رغم أهميتها في تمويل الاستثمار.

 

تعتمد معظم الدراسات الحديثة لتقييم النشاط التأميني ومكانته في الاقتصاد الوطني على مقياسين. أحدهما هو الكثافة التأمينية وهو المقياس الذي يؤشر على

 

… ما ينفقه الفرد على شراء الحماية التأمينية ويمثل ذلك بنسبة إجمالي أقساط التأمين المتحققة إلى عدد السكان). وتقديرنا أن دور التأمين حالياً كمساهم في التنمية الاقتصادية من خلال تجميع المدخرات وتوفيرها للمستثمرين وكمشغل للأيدي العاملة مفقود وفي أحسن تقدير هامشي جداً. وهذا التقدير نابع من حقيقة أن الكثافة التأمينية في الدول النامية عموماً ومنها الدول العربية ضعيفة مقارنة بمثيلاتها في بعض الدول الآسيوية هذا إذا غضضنا النظر عن المقارنة مع مجموعة الثماني، وكذلك الانقطاع الطويل عن ممارسة النشاط التأميني في الإقليم.[3]

 

لو كانت بيانات أقساط التأمين الإجمالية المكتتبة في الإقليم معروفة لكان من الممكن حساب الكثافة التأمينية بشكل تقريبي اعتماداً على عدد السكان حتى لو كان هذا العدد غير دقيقاً.[4] والمقياس الثاني هو التغلغل التأميني الذي يتمثل بنسبة دخل أقساط التأمين المكتتبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. وهنا أيضاً لا تتوفر لدينا الإحصائيات.

 

ونحن نرجح أن الكثافة التأمينية في الوقت الحاضر متدنية لأن الطلب على الحماية التأمينية من قبل الأفراد وحتى الشركات ضعيف. فالتأمين لا يدخل في تفكير الأفراد للتدبر ضد ما قد يخبئه المستقبل من آثار ضارة على حياتهم وممتلكاتهم.[5] ولا يجد التأمين حضوراً قوياً له في إدارات ومجالس إدارات الشركات ربما باستثناء الشركات النفطية أو تلك التي لها علاقة بهذه الشركات وخاصة عندما تكون الشركات النفطية أجنبية. وحتى عندما يكون التأمين حاضراً في تفكير الشركات والمستثمرين فإن معرفتهم بوجود شركات تأمين في الإقليم غائبة. لنقرأ ما يقوله رئيس اتحاد مستثمري كوردستان (15 آب 2015):

 

من الواضح ان المستثمر الاجنبي لن يتوجه الى اي مكان للعمل فيه ان لم يضمن تحقيق فائدة بنسبة %100، لذلك فان عدم وجود نظام مصرفي ملحوظ في اقليم كوردستان يعيق حضور غالبية المستثمرين الاجانب للعمل في كوردستان، الى جانب عدم وجود شركات تأمين في كوردستان٬ فالمواطن الاجنبي لا يقتني سيارة ان لم يقم بالتأمين عليها[6] [التأكيد من عندنا]

 

وليس معلوماً أن شركات التأمين الكردية، منفردة أو مجتمعة، قامت بحملات حقيقية لترويج مؤسسة التأمين سوى الإعلان عن نفسها وخدماتها في الشبكة العنكبوتية وربما في منافذ أخرى لم نتعرف عليها. مثلما لم تقم بالضغط على حكومة الإقليم للالتفات إلى مكانة التأمين في اقتصاد الإقليم ورعايته من خلال التشريعات المناسبة والتوجيهات الرقابية أو تعديل ما هو قائم منها.

 

إضافة إلى حجم أقساط التأمين المكتتبة، وفيما يخص سياق هذه الورقة، هناك معيار الحكم على حجم استثمارات شركات التأمين، وعلى حجم العمالة المستخدمة في النشاط التأميني، وكذلك حجم الضرائب والرسوم التي تدفعها شركات التأمين للخزينة.[7] وقد قمنا بمخاطبة شركات التأمين المجازة لمزاولة التأمين في الإقليم بهدف الحصول على بعض البيانات والمعلومات الأساسية لتكوين صورة أفضل عن واقع النشاط التأميني في الإقليم ضمن هذه المعايير. إلا أن الاستجابة اقتصرت على الشركات التالية: شركة كوردستان الدولية للتأمين وشركة أور الدولية للتأمين وشركة آسيا للتأمين.

 

ونلخص هنا بعض البيانات الإجمالية لهذه الشركات للسنة المنتهية في 31 كانون الأول 2014 في الجدول التالي.

 

الأرقام بالدولار الأمريكي (تقريبية لأنها تعكس سعر الصرف السائد)

اسم الشركة إجمالي الأقساط المكتتبة إجمالي الاستثمارات حصة الهيئة العامة للضرائب عدد العاملين

 

شركة آسيا للتأمين 16,286,540

 

20,091,200 بضمنه: 19,721,671

استثمارات طويلة الأجل (ودائع وحسابات توفير لدى البنوك)

 

387,292

استثمارات قصيرة الأجل (حسابات توفير لدى البنوك)

الشركة معفية من ضريبة الدخل بموجب قانون الاستثمار 31
شركة الإخاء للتأمين        
شركة أور الدولية للتأمين 1,400,000 1,000,000 بضمنه: 522,236

استثمارات طويلة الأجل (مباني وشقق)558,317 استثمارات قصيرة الأجل (ودائع مصرفية)

97,242 13
شركة جيهان للتأمين        
شركة دلنيا للتأمين        
شركة ستار كار للتأمين        
شركة كار للتأمين        
شركة كوردستان الدولية للتأمين 949,101 5,895,945

بضمنه 348,879

أسهم وسندات

143,520 4

 

تمثل الأرقام الواردة في هذا الجدول إجمالي ما وصلنا، ولم يردنا بيانات من الشركات الأخرى التي قمنا بمخاطبتها حتى كتابة هذه الورقة. وكما يلاحظ فإن هناك تبايناً ملحوظاً في حجم النشاط بين الشركات. ونأمل أن نستطيع إكمال البيانات بمعاونة شركات التأمين.

 

من المعروف أن شركات التأمين لا تمتلك حرية مطلقة في استثمار الأموال المتجمعة لديها إذ أن هناك قيود داخلية ترتبط بتكوين الاحتياطيات وبالتقلبات في دخل الأقساط المكتتبة، وخاصة عند انخفاض هذا الدخل، وقيود رقابية تفرض على شركات التأمين الإبقاء على هامش معين للملاءة المالية.[8] وعلى العموم فإن المجال الاستثماري لشركات التأمين العراقية كان تاريخياً محصوراً بحسابات التوفير والودائع لدى المصارف والعقارات مع بعض الاستثمار في الأسهم والسندات. وبالنسبة لشركات التأمين الثلاث في الجدول، فإن واحدة منها تستثمر بالأسهم والسندات.

 

إن ضعف تطور شركات التأمين في الإقليم ليست مسألة داخلية خاصة بالشركات فقط، إذ أن هناك عامل مهم يؤثر على حجم أقساط التأمين التي تكتتب بها (غير الطلب من قبل الأفراد)، والأصح الأقساط التي لا تكتتب أو لا تستطيع الاكتتاب بها بسبب التشريع وضعف الرقابة وغياب رؤية/سياسة لقطاع التأمين. ويمكن تلخيص ذلك تحت عنوان تسريب أقساط التأمين خارج الإقليم. كيف يحصل التسريب؟

 

منح قانون الاستثمار في إقليم كوردستان-العراق رقم 4 لسنة 2006 المستثمر الأجنبي حرية شراء التأمين من شركة تأمين أجنبية أو وطنية. ويرد ذلك في الفصل الثالث، الضمانات القانونية، المادة السابعة، كما يلي:

 

أولاً: للمستثمر ان يؤمن على مشروعه الاستثماري من قبل اية شركة تأمين أجنبية أو وطنية يعتبرها ملائمة، ويتم بموجبه تأمين كافة جوانب العمليات التي يقوم بها.[9]

 

لاحظ أن الصياغة تُعطي الأولوية في التأمين لدى شركة التأمين الأجنبية. وتدل الممارسة على أن المستثمر يتجنب التأمين لدى شركات التأمين المحلية إلا في حالات خاصة.

 

حرمان الشركات الكردية بقوة القانون من الاكتتاب بأعمال التأمين البحري-بضائع، التأمين الهندسي (تأمين كافة أخطار المقاولين وتأمين كافة أخطار النصب)، تأمين المسؤوليات المدنية، تأمين المشروع بعد انتهاء الاختبار والدخول في مرحلة التشغيل، تأمين المكاتب.. الخ. هذه وغيرها من وثائق التأمين هي مصادر لتحقيق الإيرادات لشركات التأمين المحلية الكردية، وتوفير فرص لزيادة العمالة، وكذلك تطوير المهارات لدى العاملين في شركات التأمين للتعامل مع المطالب المتطورة للمستثمر الأجنبي.

 

ومن آثار هذا القانون هو حرمان خزينة الإقليم من رسم الطابع الذي يفرض على إصدار وثائق التأمين، وكذلك ضريبة الدخل على إيرادات شركات التأمين من أقساط التأمين في حال تأمينها على مشاريع المستثمر الأجنبي إذ أنه يزيد من حجم الإيرادات وبالتالي حجم ضريبة الدخل.

 

مثل هذه القوانين والتفكير الاقتصادي المرتبط بها لن تخدم قضية بناء وتطوير قطاع تأمين كردستاني أو عراقي.

 

وبالنسبة لتأمين الممتلكات والمسؤوليات القانونية والتحكم في الآبار للمشاريع النفطية في الإقليم، وهي الأكبر من حيث حجم أقساط التأمين، فإن القليل من هذا التأمين تقوم به شركات التأمين الكردية. والحديث الدائر هو أن الأطراف الحاكمة، صانعة القرارات في الإقليم، قلّما تفكر بموضوع التأمين المتعلق بالاستثمارات النفطية الأجنبية، باعتبار أن التأمين مسألة غير ذي أهمية. وليس هناك معلومات تفيد أن شركات التأمين قد سجلت موقفاً تجاه الموضوع كأن تدعو إلى دفع الشركات النفطية، وغيرها من الشركات، للتأمين على أصولها ومسؤولياتها لدى شركات التأمين المجازة في الإقليم. المهم في التفكير السائد لدى الأطراف الحاكمة هو تشجيع الاستثمار الأجنبي وعدم إيلاء قطاع التأمين ما يستحقه من أهمية في اقتصاد الإقليم ودون تقدير لآثار هذا القانون وغيره على هذا القطاع.

إضافة إلى دور قانون الاستثمار في التشريع لتسرب أقساط التأمين خارج الإقليم هناك التسريب غير المرئي بفضل ضعف الرقابة على من يزاول النشاط التأميني. نسمع أن هناك مكاتب وشركات تأمين تزاول أعمال التأمين بدون ترخيص من الجهات الرسمية في الإقليم. ويقال إن معظمها تركية أو لبنانية توفر التأمين للشركات التركية واللبنانية التي تعمل في الإقليم وتقوم بالاكتتاب بالأغطية التأمينية في أوطانها وليس لدى شركات التأمين الكردية المجازة. وهذه الشركات لا تسدد ضرائب ورسوم على أعمالها.

 

ويلاحظ غياب رؤية/سياسة تجاه قطاع التأمين ما خلا تشجيع قيام شركات تأمين طالما أن بعض أفراد الطبقة الحاكمة أو المرتبطين بها لهم حصة فيها.[10] مثلما يلاحظ ضعف صياغة التشريعات الخاصة بالتأمين.[11] ويمكن ربط ضعف أداء “التشريعات المالية… وتطوير المؤسسات المالية” بما جاء في الفقرة 11 من دراسة د. قدوري و د. بدر:

 

كما أن هناك ضعف ومحدودية في مصادر القوى البشرية المؤهلة والمتطورة وذات الخبرة اللازمة في العملية الانتاجية.

 

وينطبق هذا التحديد على قطاع التأمين فالقوى البشرية “المؤهلة والمتطورة وذات الخبرة اللازمة” تكاد أن تعد على أصابع اليد الواحدة. ليست هناك إحصائيات عن حجم العمالة ونوعيتها لتقديم حكم قاطع بهذا الشأن لكن الملاحظات التالية قد تساعد في تقريب الصورة.

 

جيل الشباب الذي يعمل في القطاع لا يعرف اللغة العربية ومعرفة اللغة الإنجليزية محدودة، ولذلك تلجأ بعض الشركات إلى استخدام عمالة عربية أو أجنبية. تلعب اللغة دوراً مهماً في تكوين القوى البشرية واكتسابها للمعارف اللازمة لخدمة العملية الإنتاجية إذ ان اللغة الكردية تفتقر إلى كتب في التأمين حتى أن المدير العام لأحد شركات التأمين الكردية عندما أراد وضع كتاب تعليمي في التأمين أضطر إلى كتابتها ونشرها باللغة العربية.[12] وذكر في مقدمة الكتاب أنه استخدم في تأليف الكتاب

 

“لغة وأسلوبا أكثر وضوحا وبساطة ورشاقة من الأسلوب العلمي والاقتصادي الجاف، حتى يتمكن قراء اللغة العربية، الذين ليست العربية لغتهم الأم من استيعابها دون عناء. وأعتقد بأنني تمكنت من تقريب المسائل المعقدة إلى أقصى حد ممكن.”[13]

 

بعد أن ذكر:

 

“إن المكتبة الكوردية تفتقر تماما إلى هذا النوع من الكتب. كانت الفكرة في بادئ الأمر أن تكون اللغة الكوردية هي لغة الكتاب إلا أن خشيتي من الوقوع في أخطاء ترجمة التعبيرات التأمينية الدقيقة والمصطلحات اللغوية الخاصة بمجال التأمين منعتني من ذلك، حتى لا تأتي التعابير ناقصة ومشوهة وتبتعد عن المعنى المطلوب ..”[14]

 

وحتى على مستوى القيادات الإدارية لشركات التأمين الكردية فإن البعض منها ليست عراقية. على سبيل المثل، عندما قامت مجموعة فاروق بتأسيس شركة للتأمين في السليمانية فإنها استقدمت ممارساً تأمينياً من الأردن. وكذا الأمر بالنسبة لشركة أخرى في السليمانية فإنها استخدمت سيدة لبنانية بعد أن تركها مديرها المفوض الكردي المتمرس في العمل التأميني لأربعين سنة أو أكثر في العمل مع شركة التأمين الوطنية في بغداد. وقل مثل ذلك عن شركة تأمين في أربيل تشكلت برأسمال كردي وعربي من خارج العراق، استخدمت ممارساً تأمينياً مصرياً بعد أن تركها مديرها المفوض صاحب خبرة تزيد عن أربعين سنة في العمل مع شركة التأمين العراقية في بغداد. وعلى نحو ذلك شركة تأمين كردية تدار من قبل مدير مفوض يقيم في بغداد.

 

لنتذكر أن تاريخ النشاط التأميني في كوردستان العراق ارتبط أصلاً بفروع شركتي التأمين العامتين: شركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية (حتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي كان اسمها شركة التأمين العراقية على الحياة). وتوقفت هذه الفروع عن العمل بعد أن سحب النظام الدكتاتوري جميع الدوائر والمؤسسات الرسمية من الإقليم في تشرين الثاني 1991.[15] كما ساهمت سنوات الحصار المزدوج للإقليم (الحصار الدولي للعراق وحصار النظام الدكتاتوري) في إضعاف الانتاج والتطوير ونشوء اقتصاد التهريب. وهكذا فإن التراكم في المعرفة والخبرة التأمينية قد توقف تقريباً. ولم تهتم حكومة الإقليم بتحسين مصادر القوى البشرية في مجال التأمين إذ أن جلّ اهتمامها كان منصباً قبل 2003 على ضمان جباية قسط التأمين على السيارات في المنافذ الحدودية كمورد لماليتها.

 

أفكار للإصلاح الاقتصادي: التأمين والضمان الاجتماعي

 

وفي القسم المعنون “أفكار للإصلاح الاقتصادي” يؤكد الكاتبان على حاجة الإقليم الى جملة من الاصلاحات والتغيرات البنيوية، ويقدمان جملة من المقترحات ومن بينها “تحديد دور القطاع العام والقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي وآلية الاختيار” من خلال

 

“رسم وتبني استراتيجية واضحة وواقعية لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وينبغي على هكذا استراتيجية ان تحدد الدور الذي يمكن وينبغي ان يؤديه القطاع الحكومي … وضرورة الاستفادة من الامكانات الكبيرة (أفكار، قدرات تنظيمية، رؤوس أموال) التي يمتلكها القطاع الخاص … وبالطريقة نفسها ينبغي النظر فيما يمكن ان يقدمه القطاع الاجنبي من استثمارات لتكملة الدور الذي يؤديه القطاعان الحكومي والخاص.

 

ويرد اهتمامهما بالمنافع الاجتماعية المرتبطة بدولة الرفاهية ومنها التأمين الاجتماعي والضمان الصحي في الفقرة التالية:

 

كما ان التوجه نحو تحقيق درجة ما من العدل والرفاه لهذا الجيل والاجيال القادمة (من خلال ضمان الحق بالتعليم والعلاج والتأمين والضمان الاجتماعي)، هو من اساسيات وواجبات الدولة في كل مكان، وهذا لا يتم عبر انتهاج سياسة اقتصاد السوق فقط. ومن هنا تأتي ضرورة التأكيد على تدخل السلطات الحكومية لتحقيق وضمان تلك الحقوق.

 

الحق بالتعليم والعلاج الطبي والتأمين الاجتماعي جاء بفضل جهود المصلحين والحركات الاجتماعية، ورغم تعرضه للهجوم والتقويض من خلال السياسات الليبرالية الجديدة منذ ثمانينيات القرن الماضي فإن الدولة لم تتخل عن هذا الواجب. لكن هذا الواجب صار يدار بالتوازي مع ما يستطيع القطاع الخاص تقديمه من خدمات، أي من خلال سياسات الحكومات لتسليع التعليم والتطبيب وتحويل أنظمة التقاعد من تحديد المنافع إلى تحديد مساهمة المشتركين في برامج التقاعد.

 

وفي الإقليم نلاحظ أن الحكومة، وهي ذات توجه ليبرالي في اعتماد آليات السوق في تقديم الخدمات العامة، شرعت بالتداول في مشروع قانون التأمين الصحي. لكن معلوماتنا عن هذا المشروع ناقصة ولا نستطيع الحكم عليه. والمعلومات المتوفرة عنه تدور حول العموميات – كما يرد في موقع برلمان كوردستان.[16]

 

ونلاحظ أيضاً دخول شركات عربية خاصة، تعمل مع شركات تأمين أجنبية متخصصة في التأمين الصحي، في تقديم خدمات ادارة اعمال التامين الطبي للمؤمن لهم من خلال التعاقد مع مقدمي الخدمات الطبية في اقليم كوردستان – العراق (مستشفيات وأطباء وصيدليات ومختبرات ومراكز طبية للأسنان والبصريات والعلاج الطبيعي ومراكز الفحص بالأشعة وغيرها من وسائل الفحص). وهذه الخدمات هي رديفة للخدمات الطبية العامة ومقتبسة مما هو موجود في الدول الغربية المتقدمة. وبالطبع فإن هذه الخدمات متوفرة لمن له القدرة المالية لتسديد أقساط التأمين الخاصة بها ما لم تقم أجهزة حكومة الإقليم أو الشركات التجارية بشراء هذه الخدمات التأمينية لصالح المستفيدين منها. أي أن شرائح واسعة من الناس لا تستطيع شراء الحماية وبالتالي فهي تعتمد على ما توفره المستشفيات والمراكز الصحية العامة.

 

في المفاضلة بين القطاع الخاص والقطاع العام

 

في استنتاج مهم يؤكد الكاتبان:

 

وفي كل ذلك (أي ما يخص “تحديد دور القطاع العام والقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي وآلية الاختيار”)، ومنعا لأي التباس، لابد من التأكيد على ان الدور القيادي لأي قطاع لا يجوز ان يعتمد على مُحاجة ايديولوجية، بل على أساس دراسات عيانية ملموسة تنيط بهذا القطاع او ذاك دوره الفعلي، الحقيقي، وليس الدور المفترض في اذهان صانعي الخطابات المصممة لكل المقاسات.

 

هذا هو الموقف العقلاني الذي يخفف من الآثار غير المنظورة للخصخصة أو التأميم أو الاعتماد فقط على القطاع الخاص طالما أن السير في بناء نظام اقتصادي رأسمالي، هجين، هو السائد، رغم الفساد والزبائنية المرتبطة به. وبقدر تعلق الأمر بقطاع التأمين في الإقليم فإنه جزء من هذا النظام يتخلق بصفاته. ولأن التطور المستقبلي للقطاع ليس مطروحاً للمناقشة لدى الحكومة أو القطاع نفسه، فإن دراسة واقع قطاع التأمين في الإقليم يتطلب الكشف عن المعلومات الرسمية الخاصة به، وكذلك الإحصائيات عن حجم العمالة، وأقساط التأمين المكتتبة وغيرها من البيانات كاستثمارات شركات التأمين، ومعدل الخسارة، والتعويضات المسددة والموقوفة، ورأس المال لتكوين صورة عنه مقاربة للواقع يمكن الإفادة منها في رسم خطة تأشيرية لتطوير القطاع. وبدون ذلك يبقى التعليق محصوراً بالوصف وبالسرد ويصعب الدفاع عنه.

 

 

27 آب 2015

[1] أنظر نص الدراسة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

http://iraqieconomists.net/ar/2015/08/24/%d8%af-%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%82%d8%af%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d9%88-%d8%af-%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d8%a8%d8%af%d8%b1-%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%ad%d9%88/

[2] حاولنا الاقتراب من موضوع صناعة النفط في العراق والتأمين عليها، مع بعض الإشارات إلى كوردستان، في كتابنا: وزارة النفط والتأمين: ملاحظات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، طبعة إلكترونية، الناشر: مصباح كمال، 2014). يمكن قراءة الكتاب باستخدام هذا الرابط: https://www.academia.edu/6476765/Ministry_of_Oil_and_Insurance_Critical_Remarks

[3] مصباح كمال، التأمين في كردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، طبعة إلكترونية، الناشر: مصباح كمال، 2014)، ص 63-64.

[4] يقدر د. قدوري و د. بدر عدد سكان الإقليم اعتماداً على مصادر رسمية بحوالي (5) مليون نسمة، اي (13.6) % من سكان العراق البالغ حوالي (36) مليون نسمة. ويقدر مصدر آخر عدد سكان الإقليم بما يزيد عن 6 مليون (http://www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-28147263)، ويقدره مصدر آخر بـ 8,35 مليون (https://en.wikipedia.org/wiki/Irّaqi_Kurdistan).

[5] من الضروري ألا ننسى أن الطلب على التأمين ضعيف لدى الأفراد ليس فقط بسبب عدم التفكير بالتدبر للمستقبل، وهو وريث فكر اجتماعي ديني، وإنما بسبب الفقر لدى شرائح من الناس وتدني مستوى الدخل لدى شرائح أخرى بحيث يصبح موضوع التفكير بشراء الحماية التأمينية، عندما يكون الوعي بها قائماً، مسألة تدخل في خانة الترف.

[6] يمكم قراءة النص الكامل في موقع اتحاد مستثمري كوردستان باستخدام هذا الرابط:

http://www.kriu.org/3_to_print.php?id=1818&section=1

[7] من منظور المساهمين في رأسمال شركة التأمين يمكن أيضاً دراسة العائد على رأس المال، وهو ليس ذات صلة بموضوع هذه الورقة. للتعرف على هذا الجانب أنظر: جون هانكوك، بول هوبر، بابلو كوخ، اقتصاديات التأمين: تخليق القيمة للمساهمين في شركات التأمين، ترجمة: تيسير التريكي ومصباح كمال (بيروت: منتدى المعارف: 2015)

[8] راجع: مصباح كمال، التأمين في كوردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، طبعة إلكترونية، 2014)، ص 26-28.

[9] يمكن قراءة نص قانون الاستثمار باستخدام هذا الرابط:

http://cabinet.gov.krd/a/d.aspx?l=14&s=04030000&r=114&a=12159&s=010000

 

[10] قد يعترض البعض على هذا التقييم كونه يقوم على تعميم لكن واقع الحال هو أن شركات التأمين مملوكة لبضعة أفراد أو مجموعات وحسب المعلومات المتوفرة لم تعرض أسهمها للاكتتاب العام.

[11] راجع بهذا الشأن: فؤاد شمقار، التأمين في كوردستان العراق ومقالات أخرى، (مكتبة التأمين العراقي، طبعة إلكترونية،2014)، وخاصة فصل دستور جمهورية العراق وقانون تنظيم أعمال التأمين ورغبة سلطات إقليم كوردستان في تنظيم القطاع والإشراف عليه، 10-16، ورسالة إلى السيد رئيس مجلس وزراء حكومة إقليم كوردستان، 36-47.

[12] أنظر: نوزاد أمجد رفيق، مقدمة في مفهوم التأمين، (أربيل: منشورات شركة ستار للتأمين، 2005). وكذلك مصباح كمال: التأمين في كوردستان العراق: دراسات نقدية (مكتبة التأمين العراقي، الناشر: مصباح كمال، طبعة إلكترونية، 2014)، ص 136-147.

[13] نوزاد أمجد رفيق، مصدر سابق، ص 6.

[14] نوزاد أمجد رفيق، مصدر سابق، ص 5.

[15] ما زالت هذه الفروع متوقفة عن العمل بسبب موقف غير معلن من حكومة الإقليم تجاهها رغم الجهود التي قيل بأن الشركتين العامتين قامتا ببذلها مع وزارة المالية في الإقليم، إلا أن الموقف والجهود لم يخرج للعلن في الصحافة مثلاً. وهذا موضوع يستحق البحث في أسبابه الاقتصادية (منع مشاركة شركات التأمين العراقية العامة والخاصة أيضاً من التواجد والعمل في الإقليم ليظل القطاع حكراً على شركات التأمين الكردية أو الشركات التي تتمتع بمشاركة كردية في رأسمالها) وربما أسبابه السياسية أيضاً (وقف منافع وثائق التأمين الصادرة من الشركتين عن أصحابها الأكراد بحجة التبعية وربما بحجج أخرى أيام الديكتاتورية). ويبدو لي بأن القوى المتنفذة في الإقليم لا ترغب أو حتى لا تفكر بالنظر إلى النشاط الإقليمي عراقياً، أي من منظور اتحادي – وهو ما كتبنا عنه في مقالات سابقة منشورة في مجلة التأمين العراقي الإلكترونية، مثلما كتب عنه الزميل فؤاد شمقار، التأمين في كوردستان العراق ومقالات أخرى (مكتبة التأمين العراقي، الناشر: مصباح كمال، طبعة إلكترونية، 2014)

[16] يمكن قراءة الخبر في موقع برلمان كوردستان باستخدام هذا الرابط:

http://www.perlemanikurdistan.com/Default.aspx?page=article&id=22444&l=2

ونلاحظ نفس التغطية العمومية الخالية من التفاصيل فيما يخص مشروع قانون التأمين الزراعي. أنظر بهذا الشأن:

http://etelafaliraq.net/news/index.php?readmore=15340#.VdW7OWZwbF4

ولم يرد إلى علمنا أن مشروع قانون التأمين الصحي ومشروع قانون التأمين الزراعي قد نال اهتماماً من ممارسي التأمين في الإقليم أو أن اللجان المختصة في البرلمان قد استأنست بآرائهم.

Remebering Mouayyad Jawad Al-Saffar

في استذكار
المرحوم مؤيد جواد الصفار

عبدالكريم حسن شافي
مديـر أقـدم، مدير فرع التأمين على الحياة
شركة التأمين الوطنية / بغداد

عندما دعاني الزميل مصباح كمال للمساهمة بالكتابة عن المرحوم مؤيد الصفار، ضمن مشروع استذكار رجالات ونساء التأمين، لم أتردد بتلبية هذه الدعوة، رغم أني لم أكن قد واكبت المرحوم في عمله اليومي منذ تعيينه في شركة التأمين الوطنية بحكم فارق العمر الذي يفصلنا حيث تعينت في الشركة أوائل عام 1978. إلا أنني وبحكم عملي في قسم الأفراد للفترة 1978 – 1984 وقبل التحاقي بالخدمة العسكرية، تعرفت على بعض ملامح حياته وأتذكر عنه أشياء كثيرة ترسخت في ذهني. ولعلي في هذه السطور أستطيع، ولو بشكل مختصر، تسليط الضوء على بعض جوانب شخصيته.

المرحوم مؤيد الصفار خريج جامعة بغداد / كلية الآداب / فرع الاقتصاد للعام الدراسي 1962 -1963. بعد تخرجه تم تعيينه بوظيفة معاون ملاحظ في شركة التأمين الوطنية في بغداد حيث باشر العمل في مديرية الدراسات والأبحاث بتاريخ 18/3/1964 ثم تمت إعارة خدماته إلى المؤسسة العامة للتأمين للفترة من 1/9/1964 لغاية 17/1/1965. نُقل بعدها إلى مديرية الحريق والحوادث وعمل أيضاً في قسم السيارات بتاريخ 26/9/1965. ثم نقل إلى قسم التأمينات الهندسية اعتباراً من 1/8/1966 والتي كانت تحت إدارة أصلان باليان، وحلَّ محله فيما بعد ليصبح مديراً للقسم. بعد إعادة هيكلة الشركة، تمَّ تحويل القسم إلى فرع التأمين الهندسي. أثناء فترة ترشيق الجهاز الهيكلي للدولة كان المرحوم يحتل موقع معاون مدير عام للفرع، وخلال فترة الثمانينات عاد مديراً للفرع المذكور.

خلال فترة خدماته في الشركة التي تمتد من عام 1964 ولغاية عام 1992 كان المرحوم من رجال التأمين أو لنقل من صناع التأمين العراقي. وقد ساهم بشكل كبير في توطيد علاقة سوق التأمين العراقي مع كبريات شركات إعادة التأمين المعروفة في العالم ومنها شركة ميونخ لإعادة التأمين بشكل خاص وكذلك بعض وسطاء إعادة التأمين في سوق لندن.

كان المرحوم يجيد التحاور باللغة الإنكليزية مع الوفود والشركات التي كانت تزور الشركة. وهذا ما أهله للترشيح ولمرات عديدة للإيفاد إلى كبريات شركات إعادة التأمين العالمية لعقد اتفاقيات إعادة أو الحصول على أسعار خاصة للمشاريع الهندسية الكبيرة، حيث تم إيفاده في بداية حياته الوظيفية إلى إنكلترا لمدة (13) أسبوع للانتساب إلى كلية التأمين في لندن. وقد أمضى الأسبوعين الأخيرين من الإيفاد في شركة ميونخ لإعادة التأمين كجزء من تدريبه التأميني. كما أوفد ولمرات عديدة إلى كل من (سويسرا، إنكلترا، ألمانيا الاتحادية، البحرين، اليابان، السويد، الاتحاد السوفيتي) لإجراء مباحثات مع المعيدين وعقد الاتفاقيات أو الحصول على أسعار وشروط مناسبة للمشاريع الإنشائية العراقية.

ثم أوفد للفترة من 7/4/1984 ولمدة خمسة أيام إلى ألمانيا الاتحادية لغرض إلقاء محاضرات في التأمين وإعادة التأمين في الندوة التي أقامتها شركة كيرلنگ كونزيرن Gerling Konzern في كولون في ألمانيا بهدف تبادل المعلومات بين السوق العراقية والأسواق الدولية.

وقد وجهت له كتب شكر وتقدير عديدة، ومنح درجات وظيفية أعلى خلال مدة قصيرة نظير كفاءته وتميزه في العمل.

أما عن الجانب الشخصي فقد كان المرحوم، وهو شخص ثقيل الوزن لكنه خفيف الظل وصاحب (معشر)، فقد كان يدخن (السيگار) بشكل كبير ويحب الطعام. وقد أخبرتني ذات مره السيدة بربارا الياس حنا (كانت تعمل في قسم الأفراد وتقيم حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية) بأنها أعدت للمرحوم وصديقه محمد صالح عبدالقادر، معاون مدير قسم الأفراد آنذاك، (جدر كبه) يحتوي على أكثر من مائة كباية لم يبقيا منها شيء.

كان المرحوم إنساناً بسيطاً يحب الآخرين ويساعدهم ولا يحتفظ بالمال. وأتذكر بأنه كان مؤمناً على حياته بمبلغ عشرة آلاف دينار، وقد سددت بشكل فوري بعد وفاته إلى عائلته كمصاريف دفن.

كان يُكنّى (بأبي هند) رغم أنه لم يتزوج رحمه الله.

عند وفاته بتاريخ 9/4/1992 كان مديراً لفرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين في شركة التأمين الوطنية.

أتمنى أن أكون قد ساهمت وبشكل بسيط في تسليط الضوء على بعض جوانب شخصية المرحوم ودوره في سوق التأمين العراقي.

بغداد 10 آب 2015

Memories of my years with the late Mouayyad Al-Saffar

ذكريات سنواتي مع مؤيد الصفار

باقر المنشئ

المقدمة

سأحاول في سردي هذا أن أسترجع بعضاً من ذكرياتي مع إنسان قلّ نظيره، وترك بصمة في حياتي المهنية والشخصية ألا وهو المرحوم مؤيد جواد الصفار[1] التي امتدت من نهاية عام 1975 ولغاية أيلول 1991م.

عدت إلى مدينتي الحبيبة بغداد من أمريكا في أيلول من عام 1975 بعد غياب قارب الخمس سنوات قضيتها في الدراسة والعمل. بعد أسابيع من المراجعات الروتينية حططت الرحال في شركة التأمين الوطنية. والفضل في ذلك يرجع إلى أستاذي المبجل عبد الباقي رضا (أطال الله بعمره ومتعه بوافر الصحة) إذ “أغراني” بالانضمام إلى الوطنية بدلاً من شركة إعادة التأمين العراقية أو التدريس في الجامعة.

باشرت العمل في الوطنية في 19/11/1975 وبعدها بأيام تعرفت على المرحوم مؤيد الصفار في  كافتيريا الشركة قرب ساحة النافورة بعد أن لفت نظري إليه بحجمه الضخم وصوته الجهوري وهو مع شلته التي شملت في الغالب فؤاد عبد الله عزيز وطارق خليل وكمال الزبيدي.

بعد بضعة أسابيع قضيتها في قسم الشؤون الفنية للتعرف والتدرب على نمط العمل في الشركة صدر قرار تعييني في قسم التأمين الهندسي. وأعتقد بأن المرحوم مؤيد الصفار “حاك” ذلك مع المدير العام الأستاذ عبد الباقي رضا.

التحقت بقسم التأمين الهندسي تحت إدارة المرحوم مؤيد ومعاونته السيدة الفاضلة نجيبة كاكا في شعبة إصدار وثائق التأمين. وعلى الفور أدركت بأن المرحوم مؤيد هو ربان القسم بلا منازع ويميل إلى المركزية في العمل.

صـفاتـه

اتصف المرحوم مؤيد بشخصية قيادية شديدة وأيضاً صارمة عند الحاجة! وأعتقد إن انخراطه في العمل السياسي في مرحلة مبكرة من عمره طورت صفات الصرامة والقيادة عنده.

كنت من المعجبين بأسلوبه في التفاوض والتحاور بشكل عام وخصوصاً مع اليابانيين. فاليابانيون، وبعد ساعات من النقاش يلجؤون إلى ذكر تلخيص لما دار في الاجتماع، وعادة ما كانوا “يحشرون” أموراً لم يتم تناولها. وهذا ما كان يثير المرحوم مؤيد وبالتالي يصر على درج ما تم تناوله والاتفاق عليه فقط من دون زيادة في محضر الاجتماع.

الدعابة وخفة الدم كانت إحدى صفات المرحوم مؤيد، وكان يجيد القاء النكات والطرائف. وكان يضحك على نكاته بصوت عالي وفم مفتوح وكرش مهتز!

البساطة والتواضع مع المرؤوسين والزملاء كانت الصفة الغالبة في تعامل المرحوم مؤيد كما تميز بحبه للأكل! وكان المرحوم عبد بدّاي رسوله إلى أبو علي أبو التكة بشكل شبه يومي!. ومن الأسرار التي لم نتمكن من الوصول إليها هو الوزن الحقيقي للمرحوم مؤيد!.

تعاملي معه

شهد تعاملي مع المرحوم مؤيد مرحلتين. الأولى، عندما تم تعييني كملاحظ في شعبة إصدار الوثائق في قسم التأمين الهندسي الذي كان يترأسه والتي امتدت لأكثر من عامين. تعلمت منه الكثير من فنيات وإجراءات العمل. بالمقابل أستطاع بفراسته أن ينمي قدراتي في العمل، فمنحني صلاحية تسعير المشاريع الهندسية الصغيرة تأمينياً لأول مرة، إذا كان التسعير يتم حصراً في قسم الخدمات الهندسية تحت إدارة المهندس جاسم العاني وطاقمه المؤلف من المرحوم المهندس باسل النوري والمهندس سعد البيروتي والمهندس عامر الغائب.

المرحلة الثانية كانت بعد نقلي إلى قسم إعادة التأمين لأكون مساعداً للمرحوم أنطوان سليم إيليا، ومن بعدها ترقيتي لأشغل إدارة فرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين. بذلك أصبحت في مستوى إداري واحد مع المرحوم مؤيد الصفار. إلا أنه حافظ على مكانته المميزة في الشركة، وأحتفظ بمسؤولية ترتيب إعادة التأمين الاختيارية للمشاريع العملاقة على الرغم من مركزية إعادة التأمين في الفرع المتخصص.

شخصياً لم أجد غضاضة في ذلك لثقتي بأن المرحوم مؤيد بقدراته الخارقة في التعامل مع المقاولين الأجانب ومعيدي التأمين العالميين كان قادراً على تحقيق أفضل الشروط لإعادة تأمين المشاريع العملاقة.

المرحوم مؤيد أدخل أسلوباً جديداً في التعامل مع معيدي التأمين من ناحية والمقاولين من ناحية أخرى، إذ كان يتفق مع المعيدين على أن تكون إعادة التأمين الاختيارية وفق السعر الصافي، في حين انه يقوم بتحميل السعر بعمولة مرتفعة في اتفاقه مع المقاولين وبذلك كان يحقق عائداً كبيراً للشركة.

من ذكرياتي الحلوة مع المرحوم مؤيد هي ما رافق سفرتنا إلى كولون الألمانية في نيسان من عام 1986م. المرحوم غسان رضا مندوب شركة گيرلنگ[2] الألمانية قام بترتيب لقاء ما بين الكادر المتقدم في سوق التأمين العراقي وشركة گيرلنگ في مقرها في كولون. وضم الوفد العراقي كلاً من المرحوم مؤيد الصفار وقيس الجبوري وباقر المنشيء ونبيل قزانجي من الإعادة العراقية. وقام كل مشارك بإعداد ورقة قدمها في اللقاء. تطرقنا فيها إلى ما تتوقعه شركة التأمين من المعيد وأيضاً ممارسات العملية التأمينية في السوق العراقي، ونالت جميع الأوراق أستحسان المسؤولين في گيرلنگ.

كانت رحلة كولون أول سفرة جوية لي مع المرحوم مؤيد. جلست إلى جانبه وكانت المفاجأة الكبرى لي عندما بدأت الطائرة بالسير على أرضية المطار. إذ تسمر المرحوم مؤيد بمقعده وأغلق عينيه ولم يتكلم ولا كلمة طوال الرحلة التي دامت عدة ساعات. وحتى لم يعر أي اهتمام لصينية الأكل وهو الشغوف به!. لذا مازحته وقلت له سأكل نيابة عنك! ومع ذلك لم ينطق بأي كلمة.

أما في دعوات العشاء أو السفرات التي رتبتها لنا گيرلنگ فكان المرحوم مؤيد كعادته مرحاً متحدثاً لبقاً وذو روح دعابة يضيف جو المرح والضحك في أي تجمع يضمه.

وفــاته

بعد أن غادرت العراق في أيلول 1991، علمت بصدور قرار إداري بنقل المرحوم مؤيد من فرع التأمين الهندسي إلى فرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين الذي كنت أشغل إدارته لسنوات. وكانت هذه إحدى رغباته بعد أن أنحسر العمل في التأمين الهندسي بسبب الحصار والمقاطعة، في حين تحول العمل في الفرع الجديد إلى عمل ينطوي على الكثير من التحديات والصعوبات بعد الحرب على العراق وإلغاء اتفاقيات إعادة التأمين من قبل كل المعيدين العالميين. ولا يمكن أن يكون هنالك شخص أكثر قدرة من المرحوم مؤيد على شغل هذا المنصب في ظل الظروف الصعبة التي كانت سائدة. لكن يبدو أن الحالة النفسية والصحية له والتي تدهورت كثيراً في الفترة التي لحقت قيام الحرب أثرت على قلبه الكبير فأسكتته وهو جالس على الكرسي في مكتبه وخلال ساعات العمل في يوم حزين من شهر أيار من عام 1992 كما أذكر.

بذلك تكون وفاته وهو في عمر الـ 53 عاماً، قد طوت صفحة ناصعة من صفحات التأمين الوطنية، ووضعت نهاية لمشوار لم يكتمل للمرحوم مؤيد الصفار.

لقد تلقيت نبأ وفاته المفجع وأنا في صنعاء بدموع حزينة لشخص عزيز على قلبي، ومن المؤلم أن المرحوم مؤيد لم ينل في حياته الشخصية ما يستحقه فهو لم يكتب له الزواج وبالتالي ليس له من يخلفه أو يحمل أسمه.

أسأل الله أن يتغمد المرحوم مؤيد الصفار بواسع رحمته ويسكنه جنات الخلد.

ستبقى ذكراك يا مؤيد حية وعطرة في قلوب محبيك وبالتأكيد أنا منهم.

باقر المنشيء

صنعاء

آب 2015

[1] كانت وفاته في 9 نيسان 1992 حسب المعلومات التي أوردها الزميل عبد الكريم حسن شافي في مقالته “في استذكار المرحوم مؤيد جواد الصفار” المؤمل نشرها في مرصد التأمين العراقي قريباً (المحرر)

[2] Gerling Konzern Allgemine Versicherung AG (المحرر).

Fragments and Recollections on Iraq’s Insurance History

عبد الباقي رضا، فاروق يونس ومصباح كمال:

 

شذرات من التاريخ المروي والذكريات الشخصية حول التأمين في العراق

 

 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين

http://iraqieconomists.net/ar/2015/08/17/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d8%b1%d8%b6%d8%a7%d8%8c-%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%88%d9%82-%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%b3-%d9%88%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84/

 

 

مقدمة

 

تم إعداد هذه الورقة بطلب وتشجيع من د. بارق شبر، وهو الذي اقترح علينا عنوانها. جميع الهوامش هي من وضع مصباح كمال.

 

لكل واحد منا حكاية في اختياره لمهنة ما. أحياناً يكون الاختيار مدروساً قائماً على قناعات معينة، واحياناً يكون “الاختيار” مفروضاً على المرء بحكم الظروف التي تحيط به. وأنا [م. ك]، مثل غيري، لي تجربتي وقد كتبتُ عنها عام 2007،[1] وتشاء الظروف أن يتجدد موضوعها في سياق غير متوقع، كما سأرويه أدناه ثانية.

 

هي حكاية وتجربة عادية لكنها تلقي بعض الضوء على سياسة التوظيف في العراق وبخاصة في شركة التأمين الوطنية التي تميزت تحت إدارة الأستاذ عبد الباقي رضا (1966-1978) باعتماد معايير موضوعية في انتقاء العاملين والعاملات دون السؤال عن اللقب والدين والطائفة والقومية والانتماء السياسي والحزبي. وهذ التجربة، وتجارب الآخرين، تحمل رسالة توجيهية لرسم سياسة للتوظيف لا تعتمد على المحاصصة الأمريكية-العراقية الصنع والسائدة منذ 2003.

 

أنا لا أدعو إلى استعادة الماضي بل مجرد رصده واستنباط درس منه. آمل أن تشجع هذه الورقة الآخرين للكتابة عن تجاربهم في التوظيف. وبالطبع فإن ما نكتبه من حكايات ليس بديلاً عن تحليل سياسات التوظيف وآثارها الاقتصادية على الموظفات والموظفين وعلى المؤسسات والشركات التي يعملون فيه، فهذه الحكايات هي مجرد إشارات قد يُستفاد منها للتدليل على حالات معينة.

 

 

ترجع خلفية هذه الورقة إلى تعليق وسؤال كتبه الأستاذ فاروق يونس حول مقالتي “أيسر الخفاف: عقيلة رائد الاقتصاد العراقي محمد سلمان حسن وشريكته في النضال من أجل حرية العراقيين” المنشورة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين.[2] ولولا تعليقات وإيضاحات الأستاذين فاروق يونس وعبد الباقي رضا وتشجيع د. باقر شبر، لما اكتمل موضوع هذه الورقة.

 

 

كيف يهتدي المرء إلى اختيار العمل والمهنة؟

 

كتب الأستاذ فاروق يونس التعليق التالي في موقع الشبكة بتاريخ 5 آب 2015:

 

“ورد في مقالك – بأنك بدأت عملك في شركة التامين الوطنية عام 1968 اضطرارا ولست مختارا – وانك تمتلك مؤهل معرفة اللغة الانكليزية والتي ربما كانت من العوامل المهمة التي شجعت على تعينك لكن الامر الجدير بالذكر ايضا هو: كيف اهتديت الى العمل في مجال التامين اضطرارا؟ ومن كان حلقة الوصل بينك وبين شركة التامين الوطنية؟ لقد كنت محظوظا أستاذي الكريم في قبول تعينك في قطاع التامين لأنك كما قال الشاعر الجاهلي:

 

جاورتهم زمن الفساد —– فنعم الجار في العسراء واليسر.

 

مع خالص الود والتقدير.”

 

 

العمل في شركة التأمين الوطنية

 

في تعليقي على سؤال الأستاذ فاروق يونس كتبتُ الآتي بتاريخ 5 آب 2015، وهو منشور أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

 

“الأستاذ العزيز فاروق

 

تسأل: كيف اهتديتُ إلى العمل في مجال التأمين؟ ومن كان حلقة الوصل بيني وبين شركة التأمين الوطنية؟

 

أشكرك على إثارة هذا السؤال الشخصي، وجوابي عليه شخصي أيضاً. آمل أن يتسع صدر مدير تحرير الشبكة لقبول ما سأكتب لأن ما سأذكره قد يلقي قليلاً من الضوء على بعض الممارسات الإدارية في الماضي، مثلما قد يؤشر على الانحدار القائم منذ أكثر من عقد في مختلف مناحي الحياة. سأكتب مع حفظ الألقاب.

 

عندما حصلت على شهادة البكالوريوس في السياسة من جامعة ويلز (سوانزي) عام 1967 رغبت في إكمال دراستي للحصول على شهادة الماجستير. تم قبولي في جامعة برمنغهام وكنت أؤمل نفسي بالحصول على تمديد لبعثتي الدراسية. لم توافق وزارة المعارف على التمديد فرجعت إلى العراق لعدم توفر المورد المالي لدفع أجور الدراسة والسكن بعد أن قطعت شوطاً في الدراسة (ما يزيد عن ثلاثة شهور، وكنت أعد لأطروحة عن روبرت أوين) عملت خلالها كتدريسي مؤقت لمجموعة من طلبة الصف الأول الجامعي (كان عليَّ تدريس شيء من تاريخ الفكر الاشتراكي وخاصة البيان الشيوعي).

 

في جامعة برمنغهام تعرفتُ على صبري زاير السعدي، وكان يُعدُّ لأطروحة الدكتوراه في التخطيط الاقتصادي الوطني. قبل رجوعي إلى العراق سلّمني أمانة كي أوصلها لخطيبته، التي كانت تعمل في الجهاز المركزي للإحصاء، وزارة التخطيط، وذكر لي اسم اثنين من زملائه في الوزارة كامل العضاض وحارث الحيالي. وكانت لي زيارات لهما، وصار لهما علم بوضعي كخريج عاطل عن العمل رغم أن عقد البعثة مع وزارة المعارف كان ينص على العمل في وزارة الخارجية.[3]

 

بعد انقضاء عام وعدم توظيفي طلبت من مديرية البعثات إلغاء العقد كي أبرئ ذمتي تجاه الدولة (تمويل خمسة أعوام من الدراسة) وأحاول العمل في إحدى دول الخليج. نصحني مدير البعثات، خطاب العاني، بالتريث لأنه سيعمم كتاباً إلى الوزارات كافة يذكر فيه بأنني خريج من جامعة بريطانية أحمل شهادة بكالوريوس بدرجة شرف ويطلب النظر في أمر تعييني. تمخض هذا الكتاب بدعوة يتيمة من قبل وزارة الشباب للعمل كمترجم، وهو ما لم أتحمس له. في هذه الأثناء، ولم أكن قد قررت النظر في العمل في وزارة الشباب، علمت زوجة عبد الباقي رضا (مدير عام شركة التأمين الوطنية آنذاك)، التي كانت تعمل في وزارة التخطيط وعلى صلة مهنية بكامل العضاض وحارث الحيالي، علِمتْ منهما بحالتي وبموضوع كتاب التعميم للوزارات. أخبرتْ زوجها بالأمر فطلبَ الكتاب من وزارة الاقتصاد.

 

على إثر ذلك دُعيت إلى شركة التأمين الوطنية لمراجعة محمد جواد المظفر في الشركة، وأخضعتُ لامتحان تحريري في اللغة الإنجليزية ضم الامتحان ترجمة جملة من الفقرات والمصطلحات المستخدمة في التأمين؛ ومن حسن حظي أن بعضها كانت مما أعرفه كالقوة القاهرة والأعمال العدائية والتمرد والخطر وغيرها. تبع ذلك مقابلة صارمة من قبل رفعت الفارسي، المعاون الفني للمدير العام، انصبّت على اللغة وكذلك نطاق معرفتي بالتأمين.[4] وهكذا تم تعييني في الشركة أواخر عام 1968. وكما علمتُ من محمد جواد المظفر (عضو مجلس إدارة شركة العراق الدولية للتأمين) عندما التقيته في بغداد في تموز 2012 فقد كان نجاحي باهراً ومحط استحسان كبير من قبل رفعت الفارسي وهو الذي أوصى بتعييني وكان القرار النهائي لعبد الباقي رضا.

 

وقد استفدت من تجربتي في التعيين في شركة التأمين الوطنية في كتابة ورقتي (الأستاذ عبد الباقي رضا: تقييم دور القائد الإداري في مؤسسة تابعة للقطاع العام) المنشور في موقع الشبكة. ففيها كتبت التالي حول بعض ملامح سياسته في الإدارة والاستخدام:

 

“انتقاء الموظفات والموظفين (وكان ذلك قبل إدخال التعيين المركزي الذي سلب إدارات المؤسسات العائدة للدولة حرية التعيين) دون انحياز، واعتماد معايير الجدارة والمعرفة واللغة (العربية والإنجليزية)، وتعريض مقدم طلب التعيين لامتحان تحريري ومقابلة، للكشف عن مدى توفر هذه المعايير لدى مقدم الطلب.”[5]

 

ومن المناسب أن أذكر هنا أن مصطفى رجب، مدير عام شركة إعادة التأمين العراقية، وكان معاصراً لعبد الباقي رضا، كان يستخدم نفس الأسلوب الإداري في التعيين الذي كان مطبقاً في شركة التأمين الوطنية، وبخاصة ما تعلق منه بمعرفة باللغة الإنجليزية. كانت اللغة أساسية لأن طبيعة عمل شركة إعادة التأمين العراقية تقتضي التعامل مع شركات تأمين وإعادة تأمين أجنبية. ومما يؤسف له أن هذه الميزة أصبحت مفقودة الآن وفي أحسن الأحوال ضعيفة. ومن المؤسف أيضاً أن العراق يشهد تراجعاً مريعاً يمتد على مختلف الحقول، ولم يحقق التراكم المطلوب في المجال المعرفي والمهني والصناعي… الخ.

 

وهكذا يا أستاذي العزيز يصبح ما نقلته عن الشاعر العربي مناسباً، فقد تعلمتُ مبادئ التأمين الأساسية والمهارات المرتبطة بها في العراق يوم كان أركان التأمين رفيعي المستوى يتحركون في فضائه ونحن الشباب ننهل من معارفهم ونتخلق بما هو الأحسن في أدبهم وسلوكهم. وكان ذلك في زمن كانت فيه شركات التأمين مملوكة للدولة.[6] حقاً ما قاله شاعرك فقد كنتُ محظوظاً:

 

جاورتهم زمن الفساد —– فنعم الجارُ في العسراء واليسر

 

دمت بخير. مع مودتي وتقديري.”

 

السؤال مفتاح المعرفة

 

بعدها كتب الأستاذ فاروق في 6 آب 2015 مؤكداً على أهمية السؤال في تطوير المعرفة ومعايير الجدارة في التعيين في شركة التأمين الوطنية:

 

“الاخ العزيز الاستاذ مصباح كمال يُقال بأن (السؤال مفتاح المعرفة وطريق العلم). كما يقال: (حسن السؤال نصف العلم). لقد وجهت أسئلتي اليك وكنت مطمئنا بأن (نجاحك كان باهرا) وتم انتقائك للتعيين وفقا لمعايير الجدارة المعتمدة آنذاك في شركة التامين الوطنية وحسب ما اخبرك بذلك ايضا الاستاذ محمد جواد. اتمنى لك عمرا مديدا مع النجاح الدائم في جميع اعمالكم.

 

فاروق”

 

 

 

عبد الباقي رضا: تصحيح رواية مصباح كمال

 

عرضتُ هذه التعليقات على الأستاذ عبد الباقي رضا لورود اسمه فيها، فكتب لي ما يلي:

 

“عزيزي الاخ الوفي السيد مصباح

 

تحية عطرة مع أطيب التمنيات. قرأت روايتك عن علاقتك بالتأمين وكيف نشأت ولي عليها بعض التوضيح:

 

1- صحيح ان زوجتي هي التي ذكرت لي قصتك ولكنها ذكرت شخصا ثالثا كنت تزوره في التخطيط غير السيدين اللذين ذكرتهما.

 

2- طلبتُ منها أن تطلب منك زيارتي في التأمين الوطنية فاستقبلتك فيها وكان بيننا حديث قصير كونت خلاله انطباعا طيبا عنك وسألتك عما اذا كنت مستعدا لأداء اختبار فأيدت ذلك وحيث كنا قد أجرينا قبل أيام امتحانا في اللغة الانكليزية لعدد من خريجي فرع اللغة الانكليزية فقد طلبت نسخة من اسئلته وطلبت منك الاجابة عليها فجلست في غرفة الاجتماعات الصغيرة بين غرفتي السكرتير والمعاون. بعد وقت قصير توجهت الى غرفة المعاون السيد الفارسي عن طريق القاعة التي كنت تكتب فيها فوجدتك متوقفا عن الكتابة فسالتك السبب فأجبت بأنك أكملت الاجابة. وردتني ورقتك وبعد الاطلاع عليها أحلتها الى السيد الفارسي الذي دخل علي بعد قليل قائلا (استاذ هذا منين؟) فأخبرته بقصتك فقال (استاذ لتخلي هذا يفوت علينا) فكان أن صدر أمر تعيينك وأؤكد لك اني لم أطلب أي كتاب من وزارة الاقتصاد ولا علم لي حتى الآن بالكتاب الذي تحدثت عنه.

 

3- بعد مدة من عملك في الشركة بلغني انك تسعى للعمل في الخارجية أو غيرها فطلبتك وسألتك عن صحة الخبر قائلا اني أقدر طموحك واختصاصك ولكني أود أن أعرف ما اذا كنت موقتا عندنا أم لا لأني أخطط لك أن تكون رجل تأمين وذكرت العبارة التالية (Career Insurer) فاستمهلت لإعلامي بقرارك. بعد أيام جئتني مؤكدا قرارك البقاء في الشركة. بعد هذا بوقت غير طويل رشحتك للدراسة في معهد شركة اعادة التأمين السويسرية في زوريخ. أتذكر جيدا ان التقرير الذي وردني عنك كان ممتازا واعتبرك واحدا من أحسن من انتسب الى هذا المعهد. من حسن الحظ وسعادتي ان ما توقعته لك قد تحقق فعلا واصبحت رجل تأمين من الدرجة الاولى وهو ما أفخر به.

 

4- أخيرا أذكرك بأني اقترحت عليك دراسة الحقوق مساء استكمالا لاختصاصك في التأمين.

 

لك مني كل التقدير والاعتزاز ومعذرة عن الاطالة.

 

عبدالباقي

 

8 آب 2015”

 

المزيد من الذكريات الشخصية

 

وبدوري علقت على رسالة الأستاذ عبد الباقي رضا كما يلي:

 

“أستاذي العزيز

 

نهارك سعيد

 

توضيحاتك سديدة وأرحب بها، وأنا على ثقة عالية بذاكرتك الفذّة. إن كنت لا تمانع بودي توصيل ما كتبتَ إلى السيد فاروق يونس رغم عدم معرفتي الشخصية به، لكنني أنظر إليه كعراقي محب لوطنه ويتابع عن كثب ما ينشر عن التأمين كونه كان في الماضي عضواً في مجلس إدارة شركة التأمين العراقية.

 

لقد قمت بتثبيت بعض التعليقات على رسالتك من باب استكمال المعلومات.

 

طابت أوقاتك ودمت بخير.

 

مصباح

 

8 آب 2015

 

الفقرة 1

لقد كانت علاقتي محصورة بكامل العضاض وحارث الحيّالي. لا أذكر شخصاً ثالثاً. ربما كان الشخص الثالث هي السيدة عطية الكيلاني التي تزوجت من صبري زاير السعدي الذي أنجز شهادة الدكتوراه في جامعة برمنغهام في موضوع التخطيط الاقتصادي (وهما يعيشان الآن في بريطانيا).

 

الفقرة 3

حقاً كنتُ أسعى للعمل في وزارة الخارجية بحكم العقد بيني وبين وزارة المعارف التي تضمنت فقرة للعمل في الدولة لفترة تعادل سنوات الدراسة، وهي خمس سنوات، وبالتخصيص في وزارة الخارجية. ولم يتحقق هذا الأمر بسبب التغيرات السياسية.[7]

 

خلفية استمهالي لأخذ قرار نهائي بالعمل بشكل دائمي في شركة التأمين الوطنية كانت تكمن في خشيتي من خسارة استقلالي الفكري والخضوع للأوامر الحزبية والسياسية. ولذلك طلبت الاستمهال لتقليب وجهات النظر وتوصلت أخيراً إلى قرار نهائي للاستمرار في العمل في التأمين الوطنية باعتبارها مؤسسة تجارية مهنية لا تخضع للإملاءات السياسية المباشرة. وقد تحقق ظني وحسن اختياري في ظل إدارتك المهنية رفيعة المستوى للشركة، إذ لم أتعرض إلى أي ضغط سياسي أو حزبي سوى ما كنا نخضع له جميعاً في ملء استمارات التصريح بالانتماء السياسي، وفيما إذا كان أحد الأقارب قد تعرض للسجن أو الإعدام … الخ.

 

وكنتُ محط احترام إدارة الشركة وزملائي. وبفضل سياستك في بناء الكوادر صار ارتباطي بالتأمين الوطنية ثابتاً حتى أنني، في وقت ما عند تأسيس الشركة العامة لتسويق النفط عرض عليَّ السيد عدنان الجنابي، وهو من خريجي بريطانيا، العمل في الشركة لكنني اعتذرت بأدب.

 

لقد كنتُ محظوظاً حقاً أن أعمل تحت إدارتك، وأدين بفضلك في التوجيه وفي توفير الفرص لي. أذكر أنك “انتشلتني” من قسم إعادة التأمين، وكان يرأسها المرحوم أنطوان سليم إيليا، كي أعمل في قسم التأمين الهندسي مع المرحوم مؤيد الصفار. وحتى أنك أسرت لي بأن طبيعة أسلوب عمل أنطوان، وكان متمرساً ومهنياً جيداً، كانت تميل نحو “الاحتكار” بحيث لم تتوفر لي فرصة التقدم في القسم. ربما عبّرتُ عن بعض التذمر بهذا الخصوص، وربما التقطه مؤيد وأوصله إليك. لقد كان ذلك نقلة أساسية في حياتي الوظيفية في الشركة وقد استمتعت بها.”

 

 

 

 

فاروق يونس يحدد سر النجاح في العمل

 

وقد استأذنت الأستاذ عبد الباقي رضا لعرض إيضاحاته على الأستاذ فاروق يونس فوافق على عرضها عليه أو على غيره. وعلى إثر ذلك كتب الأستاذ فاروق ما يلي بعد أن أثنى في رسالة قصيرة للدكتور بارق شبر “على هذا التفاعل الإيجابي في نشر تجارب الاخرين الخاصة بحياتهم المهنية”:

 

“أستاذي العزيز الدكتور بارق شبر

 

قرأت توضيحات الاستاذ عبد الباقي رضا والحوار المتناغم بينه وبين الاستاذ مصباح كمال.

 

الخلاصة:

 

يذكر عالم الاجتماع العراقي الدكتور على الوردي ما معناه:

ان سر النجاح والتفوق في الحياة يتطلب توافر ثلاثة عوامل مجتمعة وهى:

 

اولا – الموهبة

ثانيا – الجد (مَنْ جدَّ وَجَدْ)

ثالثا – الحظ (البخت)

لقد اجتمعت هذه العوامل الثلاثة لدى الاستاذ مصباح كمال – امتلك الموهبة وتدل سيرته – اطال الله عمره – على انه كرس حياته للبحث والتعلم في اللغة اولا وفى صناعة التامين ثانيا.

وكانت الثالثة ان حالفه الحظ في العمل مع ذلك الفريق من خبراء التامين – اصحاب الأيادي النظيفة والفكر التأميني الخلاق.

وبالمناسبة بعد تأميم شركات التامين حصلت مشكلة تمثلت في اعادة احتساب رواتب الموظفين على اساس الشهادة المدرسية او الجامعية وكان من نتيجة ذلك ان خسر قطاع التامين العراقي بعض كوادره ممن لا يملكون الشهادة الجامعية والذين غادروا العراق للعمل في شركات التامين الاجنبية في منطقة الخليج.

ارجو – ان رأيتم ذلك مناسبا التكرم بإعادة ارسال رسالتي هذه للسيدين المذكورين مع خالص تحياتي لكم جميعاً.

اخوك ابو محمد”

لا أحمل موهبة أو مواهب لكنني كنت من النمط المثابر، وكنت اعتبر العمل مصدر متعة وليس سخرة مملة لا فكاك منها للحصول على مرتب شهري. وكنت حقاً محظوظاً في عملي مع من يسميهم فاروق يونس “اصحاب الأيادي النظيفة والفكر التأميني الخلاق،” وفي كسب الاحترام الذي لقيت منه الكثير من رؤسائي وأقراني في شركة التأمين الوطنية.

 

11 آب 2015

 

فاروق يونس يروي حكاية مهمة عن اليهود، وافتتاح كلية التجارة والاقتصاد، وأهمية اللغة، وآثار الجهل الرسمي بالتأمين وإعادة التأمين

 

12 آب 2015

 

أستاذي العزيز مصباح كمال

 

اذا اتجهت النية الى تحويل الملاحظات والتعليقات المتبادلة بيننا الى خاطرة، حسب ما اقترحه الاخ العزيز الدكتور بارق شبر، فأرجو اضافة ما يلى بعد موافقتك وموافقة أخي العزيز الاستاذ عبد الباقي رضا.

 

  1. منذ العهد العثماني وحتى نهاية الحرب العالمية الاولى (1918) هيمنت فروع الشركات الاجنبية ووكالاتها على النشاط التأميني في العراق.
  2. بعد تأسيس الدولة العراقية (1921) كان لليهود الدور الفاعل في النشاط التجاري اذ شكل التجار اليهود الاكثرية في مجلس ادارة غرفة تجارة بغداد التي تأسست عام 1926.

 

  1. قبل الحرب العالمية الثانية ظهر وكلاء التامين العراقيين[8] وتأسست اول شركة تامين في العراق وهي شركة الرافدين للتأمين برأسمال عراقي وأجنبي (1946).
  2. من الجدير بالذكر ان انتشار مدارس اليهود في العراق منذ أواسط القرن التاسع عشر واتقانهم للغات الاجنبية (الفرنسية والانكليزية) كان خير عون لهم لولوج الاسواق الخارجية واقامة العلاقات الوطيدة مع شركائهم في بريطانيا والهند.
  3. ومنذ عام 1878 كانت الشركات التجارية اليهودية في بغداد تهيمن بشكل كلى على تجارة الاستيراد مع بريطانيا بينما يسيطر التجار المسيحيون المحليون على التجارة مع فرنسا. وفى عام 1910 كان التجار اليهود يحتكرون التجارة المحلية بالكامل (انظر: د. عماد عبد اللطيف سالم، الدولة والقطاع الخاص في العراق، بغداد 2001، ص79). وقد ترافق صعود التجار اليهود في العراق مع نمو المصالح الانكليزية وكان هناك تزامن بين الايقاع المحموم للاختراق الإنكليزي للسوق العراقية والتزايد السريع لعدد سكان بغداد من اليهود في النصف الثاني من القرن التاسع عشر(سالم، مصدر سابق). ويضيف: “وما يهمنا في هذا الصدد هو ان تركز راس المال في أيدى التجار اليهود كان يعنى عدم استقرار راس المال في العراق وعدم الرغبة في توطينه واستثماره في أي مجال إنتاجي حتى قبل ظهور الكيان الصهيوني بوقت طويل بل ان بقاء المال اليهودي دون وطن ربما كان تمهيدا لخلق دولة اسرائيل وتوطين هذا المال فيها لاحقا.
  4. بعد قيام دولة اسرائيل وقيام الحكومة العراقية (حكومة توفيق السويدي) بإسقاط الجنسية العراقية عن اليهود العراقيين (قانون إسقاط الجنسية عن اليهود العراقيين رقم 1 لسنة 1950) خسر العراق عددا لا يستهان به من التكنوقراط من المحاسبيين والمختصين بصناعة التامين والصيرفة والتجارة الخارجية والوكلاء بالعمولة … الخ.[9]
  5. وجدت الحكومة آنذاك الحل المناسب في افتتاح كلية التجارة والاقتصاد لتدريس الاقتصاد والمحاسبة، وافتتاح فرع لدراسة التامين سرعان ما اغلق. اتخذت الكلية من طُولَه مهجورة (اصطبل)، كانت تقع مقابل محطة قطار شرق بغداد، مقرا لها، وتم جلب بعض (المدرسين) من مصر ومن اساتذة الاقتصاد والحقوق العاملين في كلية الحقوق العراقية. وتخرجت اول دورة من الكلية في 1949-1950.
  6. استطاع خريجو الدفعة الاولى والدفعة الثانية من كلية التجارة والاقتصاد إملاء بعض الشواغر في المصارف وشركات التامين والمحاسبين في دوائر الدولة وبعض الشركات التجارية القليلة في القطاع الخاص.

 

9-     لكن المشكلة المستعصية المتمثلة بعدم اجادة معظم خريجي كلية التجارة والاقتصاد وخريجي اعداديات التجارة اللغة الانكليزية الضرورية لممارسة اعمال التامين والتجارة الخارجية والصيرفة … الخ ظلت قائمة مثلما ظلت قيمة التأمين ضعيفة لدى الجمهور العام وحتى في الدوائر الرسمية. وبهذا الصدد، بودي أن اذكر القصة الطريفة الاتية:

 

كان ضمن تشكيلات وزارة المالية وحدة باسم دائرة التفتيش الإداري ومن بين اختصاصاتها التفتيش والمراقبة على اعمال شركات التامين، وحصل ان عثر مدير التفتيش على ضالته حيث وجد ان شركة اعادة التامين العراقية تقوم بإعادة التامين لدى مكتب (شركة) تأمين أجنبية لعدة سنوات وتتحمل دفع اقساط التامين دون تحمل الشركة الاجنبية اية خسارة.

 

وصل الخبر الى وزير التجارة فقام بتكليفي مع الاستاذ فاروق جورج المدير الفني لشركة اعادة التامين بالتحقيق في الموضوع، ولكن ما ان سمع الدكتور مصطفى رجب، مدير عام شركة اعادة التامين العراقية بالخبر حتى قدم استقالته الى الوزير احتجاجا على هذا التصرف. اتصلت بالسيد فاروق جورج (هذا اسمه على ما اتذكر) وقلت له ان مهمتنا هي تدقيق عملية اعادة التامين وليس التحقيق مع مدير عام الشركة. المهم، استدعينا كاتب التقرير الإداري فقال الرجل والله انا لا افهم بالتامين ولا بإعادة التامين. ثم القى عليه الاخ جورج محاضرة في كيفية اتخاذ قرار اعادة التامين بالاعتماد على الـ Value Judgement. فتأمل عزيزي القارئ من يُقيّم عمل من؟ المهم، أُغلق التحقيق وسحب الدكتور مصطفى رجب استقالته لكنه حسب ظني لم يكن مرتاحا من تصرف الوزير معه بهذا الاسلوب البعيد عن آداب التعامل المهني النزيه.

 

مع التقدير.

 

فاروق يونس

[1] عنوان النص الذي كتبته هو “مقاطع غير مكتملة من سيرة العمل في شركة التأمين الوطنية 1968-1977” متوفر لدي لمن يرغب الاطلاع عليه.

 

[2] http://iraqieconomists.net/ar/2015/07/29/%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a3%d9%8a%d8%b3%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%81%d8%a7%d9%81-%d8%b9%d9%82%d9%8a%d9%84%d8%a9-%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a7/#comment-10563

[3] ربما يذكر البعض أن عام 1967 وبعده شهد ما كان يعرف بأزمة الخريجين. شهدت هذه الفترة خروج أعداد من كوادر العراق في مجالات مختلفة للعمل في الخارج.

 

[4] كانت معرفتي بالتأمين محدودة تكاد أن تقتصر على ما تعلمته في المرحلة ما قبل دخول الجامعة من بعض الكتب المقررة أذكر منها:

  1. L. Hanson, A Textbook of Economics

[5] موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين

http://iraqieconomists.net/ar/2014/08/15/%D9%85%D8%B5%D8%A8%D8%A7%D8%AD-%D9%83%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B0-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%B1%D8%B6%D8%A7-%D8%AA%D9%82%D9%8A/

 

نشرت بعد ذلك في مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2014/08/abdulbaki-redha-assessment-of-leaders.html

[6] أتحدث هنا عن حالة خاصة وقطاع واحد دون أن يعني ذلك التغاضي عن السياسات الخاطئة والمدمرة ومحاربة الأفكار والبطش بالناس. أقول هذا لأنني حُرمت أيضاً من إكمال دراستي العليا لأن هناك مجلس لقيادة الثورة يقرر من هو المؤهل للدراسة العليا. ولولا موافقة الأستاذ عبد الباقي رضا، المدير العام لشركة التأمين الوطنية، على قبول طلبي لإجازة دراسية عام 1977 لما استطعت السفر وإكمال دراستي للماجستير في بريطانيا على حسابي الشخصي. ولكن في منتصف دراستي أعلمني قسم الأفراد في الشركة أن مجلس قيادة الثورة لم يوافق على دراستي للماجستير وعليَّ أن التحق بالعمل وإلا فإنني سأعتبر مستقيلاً – أي حرماني من التوظيف في شركات أو مؤسسات الدولة في المستقبل.

[7] إضافة: وبسبب إخضاعي لامتحان في القانون الدولي الخاص مُعد لمن هو خبير في هذا المجال وليس لخريج جامعي جديد، وبالتالي فشلي أو إفشالي في الامتحان. وفي ظني أن فشلي كان بسبب افتقادي لمن يدعمني سياسياً. واستغربُ أن الامتحان لم يضم اختباراً للغة العربية أو الإنكليزية.

[8] مصباح كمال، أوراق في تاريخ التأمين في العراق: نظرات انتقائية، فصل: “وكالات التأمين في العراق عام 1936: محاولة في التوثيق”، (طبعة إلكترونية منقحة ومزيدة، 2014)، ص 58-91. صدرت الطبعة الورقية بدون هذا الفصل، (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2011 [2012]).

https://www.academia.edu/7540006/History_of_Insurance_in_Iraq_selected_perspectives

[9] إن عدداً من يهود العراق استمروا في العمل في وكالات التأمين، وهي وكالات خاصة كانت تقوم بإنتاج الأعمال لشركات التأمين ومنها شركة التأمين الوطنية. وقد علمت من زملاء لي في لندن أن البعض منهم ظل يعمل حتى سبعينيات القرن الماضي ثم اضطروا أخيراً إلى مغادرة العراق. ومن المعروف أن انشغال اليهود في أعمال التأمين والصيرفة وتجارة الاستيراد والتصدير … الخ قديمة، وكان لهم دور مهم أيام الإمبراطورية العثمانية سوية مع الملل الأخرى. ولعل أشهر وأغنى عائلة يهودية تجارية ومالية هي عائلة ساسون البغدادية التي عمل أفرادها في التجارة الخارجية منذ القرن التاسع عشر، وقامت بتأسيس محطات ومكاتب لها في الهند وبريطانيا (مانشستر على وجه التحديد متخصصة في تجارة الأقطان). كما قامت العائلة بتأسيس أول ميناء في بومباي عام 1875 ما زال يحمل اسمها حتى اليوم.

 

هناك معلومات وبيانات اقتصادية عن يهود العراق في كتاب حنا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، الكتاب الأول: من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، ترجمة: عفيف الرزاز (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1990)، الفصل التاسع: الجلبيون والتجار والتجار-الصرافون اليهود.

 

وكذلك كتاب:

Abbas Shiblak, Iraqi Jews: A History of Mass Exodus (London: Saqi, 2005), pp 39-55.