Author Archives: Iraq Insurance Monitor - Misbah Kamal

London-based insurance practitioner, focused on insurance in Iraq.

الأستاذ عبد الباقي رضا

تقييم دور القائد الإداري في مؤسسة تابعة للقطاع العام

مصباح كمال

نشرت هذه الدراسة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين
http://iraqieconomists.net/ar/2014/08/15/%D9%85%D8%B5%D8%A8%D8%A7%D8%AD-%D9%83%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B0-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%B1%D8%B6%D8%A7-%D8%AA%D9%82%D9%8A/

وكذلك مجلة التأمين العراقي
http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2014/08/abdulbaki-redha-assessment-of-leaders.html

شغل الأستاذ عبد الباقي رضا موقع رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لشركة التأمين الوطنية في الفترة من 1 شباط 1966 لغاية 4 آذار 1978. وهذه الدراسة هي محاولة في تقييم دور المدير العام في مؤسسة تابعة للدولة. كتبت الدراسة أصلاً كمقدمة لكتاب بعنوان رسائل في السيرة الذاتية والتأمين، لم ينشر بعد، ضم مجموعة من رسائل الأستاذ عبد الباقي للكاتب. وتم تعديل المقدمة قليلاً لتناسب النشر كدراسة مستقلة.

“لقد مرت ذكرى ميلادي الحادية والثمانون في 18/7/2011، وحسب معدلات الأعمار السائدة فلم يبق لي إلا أيام أو شهور أو أعوام قليلة في هذه الحياة فإذا كان هناك من يتذكرني ممن عاصرني ولديه القدرة على الكتابة لا أجد إلاك والأخ الدكتور سليم الوردي فعليكما يقع عبء الكتابة عني وعهدي في التأمين الوطنية.”

عبد الباقي رضا، رسالة إلى مصباح كمال، 22/7/2011.

“تعرفت بالسيد عبد الباقي رضا عندما كان مديراً لأحد أقسام شركة التأمين العراقية، وقد وجدته شخصاً ذكياً واسع الاطلاع وجدياً منتهى الجد في عمله، ونشأ بيننا علاقة ودية حميمة.”

بهاء بهيج شكري، بحوث في التأمين (عمّان: دار الثقافة، 2012)، ص 59.

ان اقتراحك وضع كتاب عن شركة التأمين الوطنية يأتي ضمن هذا الاهتمام [بقطاع التأمين في العراق ومتابعتك الحثيثة لشؤونه] وولائك للشركة الجديرين بالتقدير والإكبار. اما اقتراحك إهداء هذا الكتاب لي فبقدر ما يسعدني ويشرفني ويعزز تعلقي بالشركة أقول لك بكل صدق واخلاص انني لا استحق ما تحمل تجاهي من وفاء نبيل أعجز عن الثناء عليه، ذلك انني لا اشعر أبداً بأنني قمت بأكثر مما يوجبه عليَّ واجب الوظيفة التي توليتها ولا استحق على ما أديتُ أكثر مما حصلتُ عليه.
عبد الباقي رضا، رسالة إلى مصباح كمال، 21-22/11/2011 [التأكيد من عندي]
[1] نظرة عامة

هناك أفراد يتميزون بمكانة عامة في مجال الفكر والعمل والشأن العام، خارج النشاط السياسي، ولم يحظ هؤلاء بعناية مؤرخي “العقل العراقي”، وربما لم يقم باحث أكاديمي بإعداد دراسة نقدية عن أحدهم. والإهمال أسوأ بالنسبة للأفراد الذين عملوا في مجال التأمين، وهو محط اهتمامنا، فهؤلاء يُنظر إليهم، في أحسن الحالات، كموظفين في الدولة لأن شركات التأمين كانت مملوكة للدولة لفترة طويلة وربما احتلَّ البعض منهم مواقع قيادية لأسباب سياسية لكن هذا ليس صحيحاً في كل الحالات.

تجميع عدد من رسائل الأستاذ عبد الباقي رضا (مع حفظ الألقاب فيما يلي) في كتاب يهدف إلى إبراز مكانته في محاولة للتمهيد للبحث في مكانة القائد الإداري المثقف لمؤسسة حكومية ضمن البيئة السياسية العامة التي كانت تؤكد على الحزب القائد والفكر ذي البعد الواحد، وهو فكر شعاراتي، وتمارس اضطهاد المعارضين كسياسة رسمية للدولة.

يمكن تلخيص القيمة الأساسية في نهجه الإداري في قول الحقيقة، والشجاعة في التعبير عنها في مواجهة السلطة. ونجح في ذلك بفضل قوته الداخلية القائمة على عصاميته ونزاهته وموضوعيته واتقانه لصنعة الإدارة، التي أكتسبَ مهاراتها من خلال الممارسة (رسالة مؤرخة في 23/9/2011)، وقدرته على صياغة أفكاره بوضوح، وإخلاصه لمصالح الشركة بعيداً عن أي استفادة شخصية له أو لعائلته وأقربائه. ولم يكن “يخشى لومة لائم” في اتخاذ القرارات. كان، كما وصفه الأستاذ بهاء بهيج شكري، “شخصاً ذكياً واسع الاطلاع وجدياً منتهى الجد في عمله.” هو بهذا المعنى شخصية كاريزمية، قوته نابعة من داخله، وشخصيته جاذبة لاحترام الآخرين. كان حساساَ لبيئة العمل الإداري في الشركة وهكذا كان بالنسبة لزملائه من المدراء، كريماً في موقفه منهم، مستمعاً جيداً لهم، ومقدراً لقوتهم. كان حضوره طاغياً لكنه لم يسلب قوة زملائه، وهكذا لم تكن قيادته تسلطية فردية. لم يكن فاسداً ولم يُعرّض مصالح الشركة للخطر.

في الشركات الكبيرة يصعب على رئيسها الإلمام بكل تفاصيل العمليات التي تجري ولا يمكن له أن يتدخل بهذه التفاصيل، ولذلك فهو يعتمد ليس فقط على القواعد المنظمة لعمل الأقسام والعاملات والعاملين فيها وإنما، وهو أساسي ومضمر، السلوك المسؤول للعاملين. ولهذا كان موضوعياً في اختيار العاملين في الشركة، ولم تكن للمحسوبية دورٌ في اختياراته. ولذلك كانت معنويات العاملين في الشركة جيدة، وربما عالية، بفضل العدالة في اختيارهم على عكس العديد من الإدارات الحكومية.

عبد الباقي يمثل حالة فريدة في معرفة التفاصيل. لقد كان مرهقاً بالعمل، يعمل فوق الطاقة الاعتيادية (يحمل بعض أوراق العمل وكذلك نسخ الكتب الصادرة من الشركة للبيت لقراءتها مساءً بدقة). وكان بذلك يقدم القدوة لأقرانه وموظفيه – التفاني في خدمة الشركة.

كان فخوراً بنفسه بفضل استقلاليته وإمكانياته الفنية واستقامته التي ظلت ملازمة له في حياته العملية حتى هذا اليوم. لم يكن حزبياً أو طائفياً. كان مواطناً عراقياً يساهم في بناء الوطن من موقع اختصاصه. لم يترك العراق للعمل في الخارج. كان أنموذجاً فريداً نفتقده الآن.

[2] لماذا هذه الرسائل

يضم هذا الكتاب مجموعة من الرسائل الشخصية، غير المعدة للنشر أصلاً، للأستاذ عبد الباقي رضا، صادرة من إداري متميز ربما يُشكّل حالة فريدة في العراق من حيث استمراره في خدمة قطاع التأمين لأكثر من نصف قرن، وصاحبها لذلك يستحق التعريف من خلال هذه الرسائل. فهي تسجيل للحظات في تاريخ التأمين العراقي لعب فيها عبد الباقي دوراً مشهوداً. وتضم معلومات عن تاريخه الشخصي، ودوره في العمل في مؤسسات قطاع التأمين الخاصة والعامة، وعن بعض مجايليه. وأرى أن نشرها سيفيد الجيل الجديد من ممارسي التأمين مثلما أتوقع أن يستمتع به القارئ والقارئة المهتمة بالنشاط التأميني وكذلك المرء الذي يتوق لقيادة مؤسسة عامة.

وما يدفعني أيضاً إلى تمني إخراج هذه الرسائل في كتاب للعلن هو دعم نمط من الكتابة في الشأن التأميني لم نعهده من قبل. وهو بهذا يمثل امتداداً للمقالة التي كتبها أ. د. سليم الوردي عن عبد الباقي وبعض المقالات التي كتبُتها عن بعض الجوانب التاريخية للنشاط التأميني في العراق. ولي أن أزعم بأن كتاباً كهذا له علاقة بقطاع التأمين لم ينشر قبل الآن. وكان لي مشروع كتاب عن جوانب من تاريخ ونشاط شركة التأمين الوطنية يكتب على شرف عبد الباقي رضا (festschrift). هذا الكتاب، مع الأسف، لم يرَ النور بعد رغم أن إدارة شركة التأمين الوطنية رحبت به وتبنت طبعه ونشره أواخر عام 2011 إذ أن من اخترتهم للمساهمة لم يكتبوا فصول الكتاب التي عهدتها لهم.

سأركز في هذه المقدمة على جوانب مختارة من المنهج الإداري لعبد الباقي رضا اعتبرها محاولة أولية في مجال الكتابة عن شاغلي المراكز القيادية في شركات التأمين العراقية. آمل أن تتوفر المراجع المناسبة لاختبار الانطباعات والآراء التي أعرضها هنا وكذلك التوسع في بحث التاريخ الاقتصادي للنشاط التأميني في العراق.

[3] ملامح من منهج عبد الباقي رضا في الإدارة

تقوم مناهج الإدارة الحديثة على القيادة، قيادة المنشأة والعاملين فيها، بهدف تحقيق أفضل النتائج المالية والتطوير المستمر للمنشأة. هذا ما تخبرنا به كتب التنظيم والإدارة. وهذا ما يسم قيادة عبد الباقي رضا. ويتطلب البحث في دوره القيادي دراسة منهجه في إدارة الشركة في المجالات التالية:

إدارة العلاقة مع المؤمن لهم
إدارة العاملين والعاملات
إدارة العلاقة مع الحكومة
إدارة العلاقة مع شركات التأمين الأخرى
إدارة العلاقة مع معيدي التأمين

وآمل أن يتقدم الغير لتكريس دراسة مستقلة للموضوع، والاستفادة من المقابلات مع من هُم على معرفة به، ومفاتحة إدارة شركة التأمين الوطنية لفتح سجلاتها لأغراض البحث. وقد يكون من المفيد أيضاً التوسع للبحث في سجلات الوزارات التي كانت معنية بقطاع التأمين وربما كذلك سجلات الأجهزة الأخرى.

حسب المعلومات المتوفرة في رسائله فإن عبد الباقي لم يتلقَ تدريباً متخصصاً أو عاماً في إدارة الشركات ما خلا ما مرَّ عليه خلال دراسته الجامعية الأولية في بغداد (كلية التجارة والاقتصاد، 1951-1955) وبعدها دراسته للماجستير في الولايات المتحدة (1957-1959). لكنني لا استبعد انه ربما تعرَّف على منهج “الإدارة العلمية” لـ فردريك تايلور (1856-1915) من خلال مطالعاته. أقول هذا لأن جوانب من هذا المنهج وجدت ترجمتها، في تقديري، في إدارته لشركة التأمين الوطنية (1966-1978). فقد كان حريصاً على اختيار الأفراد المناسبين للوظائف، وعمل على تحويل الموظفين إلى أصحاب اختصاص قائم على المعرفة في مجال عملهم، knowledge workers ووَضَعَ حزمة مناسبة من الحوافز بما فيها المكافآت الصغيرة لضمان قيامهم بأداء مهماتهم وتطوير أنفسهم. وبالطبع، وبسبب كونه محكوماً بالقوانين وبالقرارات الخاصة بمنشآت الدولة، وشركة التأمين الوطنية واحدة من هذه المنشآت، كانت حريته في تقديم المكافآت مقيدة، وقد وسّعَّ فيها من خلال توفير فرص التدريب في الخارج وفي الترقية الوظيفية.

أما توزيع العمل في اقسام نوعية متخصصة على المدراء، فهو مما ورثه من سابقيه في إدارة الشركة حيث يجلس هو على قمة الهرم الاداري مع نخبة للتنظيم والاشراف على النظام بأكمله والتخطيط للمستقبل. ربما تعرَّف أيضاً على أفكار بيتر درَكَر ومنهجه في الإدارة من خلال الأهداف حيث يتولى نخبة من المدراء رسم استراتيجية عمل الشركة، ووضع أهداف للمدراء المتخصصين. ربما كان من حسن حظه أنه كان محاطاً بمجموعة من مدراء الأقسام، متميزة في اختصاصها وفي قدراتها الفنية مما وفر نمطاً من قيادة جماعية غير معلنة. وهو لم يستعلِ عليهم ولم يكن يدّعي اختصاصاً في فروع التأمين المختلفة رغم تميّزه في الحسابات، وفي مجال التأمين على الحياة، ولم يكن هذا التأمين داخلاً آنذاك ضمن أعمال الشركة، لكنه كان في المقدمة بكل ما له علاقة بالشؤون المالية والحسابية والاستثمارات. ولعل أفضل وصف له هو أنه كان الأول بين المدراء الآخرين first among equals

كان الهيكل التنظيمي للشركة هرمياً مع قدْرٍ من الصلاحيات لمدراء الأقسام وموظفين آخرين. على سبيل المثال، منْحُه صلاحيات تسوية المطالبات بالتعويض (وهو تفويض قائم على الثقة بمن يمارس الصلاحية، والقناعة بوجود انضباط ذاتي لدى الممارس مع القدرة الفنية المناسبة). وفي هذا ربما كان عبد الباقي يتماشى مع الاتجاهات المعاصرة في تقاسم المزيد من السلطة مع الموظفين رغم أن الجميع كان يعرف أن هناك مركزاً واضحاً للقيادة والتحكم يعطي الشركة هوية متميزة من خلال صياغة رؤية مشتركة للمستقبل ولإدارة العمل، وهذا هو من وظيفة رئيسها. وفي غياب محاضر جلسات مجلس الإدارة والمستندات الصادرة من الشركة لا يسعنا عرض هذه الرؤية والهوية. كان تصميم شعار الشركة (الذي لا يزال مستعملا حتى الوقت الحاضر)، والفعاليات المرتبطة بمناسبات معينة (العيد الفضي)، التضامن وروح الجماعة (السماح للموظفين بترك الشركة والمشاركة في تشييع الفنان فاروق فياض، وكان من المنتجين المرموقين في الشركة) بعض المظاهر الملموسة لإدارته. إلا أن هناك تفاصيل تكاد أن تكون مخفية كتلك المتعلقة بالكشف الكامل عن ملفات الشركة أمام المحاكم، وهي الحادثة التي يرويها في إحدى رسائله (رسالة مؤرخة في 23/9/2011)، وكذلك عدم الخنوع للمواقف الغريبة والجاهلة لمن هم في السلطة (رسالة مؤرخة في 30/3/2012).

ويمكن القول انه نجح في خلق مؤسسة متماسكة، فتصرفه كان الأنموذج لتجاوز الانفصام بين الموظفين وطالبي التأمين والمؤمن عليهم. فقد اهتم بموظفي الشركة كعناصر أساسية في تطوير الشركة وأداء خدماتها وعدم النظر إليهم كمفردات في تكاليف الانتاج. كان يعرف جيداً أن العمل التأميني يقوم على المعرفة التي تتجاوز المؤهل الأكاديمي رغم أهميته ودوره في تعيين الموظفات والموظفين. وكان على إدارته لذلك توفير الوسائل التي تستطيع من خلالها تشغيل عقول العاملين وليس مجرد السيطرة على وقت العمل، وقد وجد بعضاً من تلك الوسائل في التدريب داخل وخارج العراق، وتشجيع اللقاءات الأسبوعية لقسم الشؤون القانونية، وتشكيل لجان لدراسة قضايا معينة كان من آثارها، عدا توفير فرصة للموظفين للمشاركة في عضويتها، فرصة اختبار هؤلاء في معارفهم واكتشاف إمكانياتهم لاحتلال مواقع متقدمة في المستقبل. أرتبط ذلك طبعاً بطموح الموظف ليرتقي بموقعه إلى درجة أعلى، لكن التدرج الوظيفي كان قيداً على إدارته في الترقية السريعة للعناصر الواعدة. هل كان هذا ما يدور في ذهن عبد الباقي كقائد إداري؟ اعتقد ذلك من خلال تجربتي الشخصية في العمل في بعض اللجان والقيام ببعض المهمات وخاصة تلك التي تتطلب معرفة باللغة الإنجليزية.

تماسك الشركة جاء من خلال الإلمام بالتفاصيل التنظيمية والإدارية والأُلفة مع مدراء الأقسام والفروع وموظفين آخرين يراهم كمدراء في المستقبل. وكان معروفاً عن عبد الباقي انه كان يقرأ نسخ الكتب الصادرة من أقسام وفروع الشركة بدقة ويهمش عليها بقلم الحبر الأخضر من باب التوجيه أو التصحيح أو المتابعة.

كانت مسألة الدقة أساسية عنده، نابعة من قناعة أن الشركة مؤتمنة على أموال الغير ويجب ترجمة هذا الائتمان في أداء العمل وفي الكتابة وفي التعامل مع جمهور المؤمن لهم باحترام. وساعده في ذلك ذاكرته العظيمة للتفاصيل التي لا يزال محتفظاً بها. تقول السيدة سعاد البيطار، مسؤولة المكتبة في شركة التامين الوطنية، والتي عاصرت عبد الباقي رضا وتتحدث عنه باحترام وتقدير عاليين، تقول انها عندما كانت تقدم له الكتلوكات الخاصة بالكتب المراد شراؤها لمكتبة الشركة كان “يبادر الى الاشارة الى ان بعض الكتب موجودة في المكان الفلاني او في القسم او الفرع الفلاني.” وتضيف انه عندما ترجع الى الاوليات كانت تجد “ان كلامه صحيح وان الكتب فعلا موجودة في المكان الذي توقعه واشار اليه. وهذا انما يدل على حرصه وتمكنه من عمله وذاكرته القوية.” وتذكر السيدة البيطار أن مكتبة الشركة تأسست “كمكتبة متخصصة عام 1972 لغرض توفير المصادر والبحوث والمنشورات التي تخص نشاط التامين، إضافة إلى مصادر العلوم الأخرى المساندة لعمل التامين … وكان صاحب فكرة تأسيس المكتبة أ. عبد الباقي رضا عندما كان مديراً عاماً للشركة. وهو أيضاً أول من عرض فكرة تعيين أمين مكتبة متخصص.”

أراد أن يخلق تنظيماً متيناً، ضمن الظروف المتاحة لشركة عامة، تنظيماً لا يقتل روح المبادرة لدى العاملين، ولا يضم مدراء لا يتمتعون بالمؤهلات العصرية لقيادة أقسامهم. كان همه الأساس أن يكون التنظيم صلباً وقوياً يتركز على كوادر متميزة تتمتع بالقدرات الفنية والإدارية المناسبة في اختصاصاتها. ولذلك ركّز على الاستفادة من الكوادر القائمة عندما أصبح مديراً عاماً للشركة في 1 شباط 1966 ووضع قواعد، غير مكتوبة، لتكوين كوادر جدية شابة وذلك من خلال:

انتقاء الموظفات والموظفين (وكان ذلك قبل إدخال التعيين المركزي الذي سلب إدارات المؤسسات العائدة للدولة حرية التعيين) دون انحياز، واعتماد معايير الجدارة والمعرفة واللغة (العربية والإنجليزية)، وتعريض مقدم طلب التعيين لامتحان تحريري ومقابلة، للكشف عن مدى توفر هذه المعايير لدى مقدم الطلب.

التدريب داخل وخارج العراق. وكان هذا ضمن منهج إعداد الصف الثاني لتولي الوظائف الإدارية.

عدم الوقوف أمام من يرغب في الاستزادة من التعليم (رسالة مؤرخة في 13/8/2011 بخصوص تشجيع أحد العاملين للدراسة صباحاً والعمل مساءً).

الاستفادة من فرص تشكيل اللجان لإدخال عناصر واعدة في عضويتها لتفيد وتستفيد.

[4] طبيعة الإنتاج تحت إدارته

في عهده كانت شركة الـتأمين الوطنية مُحتكِرة لأعمال التأمين العام مثلما كانت الشركة العراقية للتأمين محتكرة لأعمال التأمين على الحياة وشركة إعادة التأمين العراقية متخصصة في أعمال إعادة التأمين دون أن يمنع تخصصها الاحتكاري قيام شركة التأمين الوطنية بالاكتتاب ببعض أعمال إعادة التأمين الواردة من الخارج. وكانت سيطرة الدولة على التجارة الخارجية – المصدر الأساس لمحفظة التأمين البحري – طاغية فعقود التوريد على أساس سي أند إف C & F تُلزم المورد التأمين مع شركة التأمين الوطنية.

جاءت تأميمات تموز 1964 والمشاريع الصناعية المرتبطة باتفاقية التعاون الاقتصادي والفني بين العراق والاتحاد السوفيتي (1959) وبالخطط الخمسية في السبعينيات لتزيد من عدد المشاريع الصناعية والإنشائية، ومنها الهياكل الارتكازية، وعدد الوحدات الصناعية وغيرها من المنشآت التي أصبحت موضوعاً للتأمين لتشكل هذه مصدراً مهماً وأساسياً لأقساط التأمين التي كانت التأمين الوطنية تكتتب بها. وقد كان لما عُرف بـ “التنمية الانفجارية” وسيطرة الدولة على التجارة الخارجية وملكية وسائل الإنتاج الأساسية دورٌ كبيرٌ في ارتفاع دخل أقساط التأمين البحري على البضائع والتأمين الهندسي على المشاريع وما كان ينشأ عنها من أقساط إضافية في فروع التأمين الأخرى.

إزاء هذا الوضع، حيث المصدر الأساس لأقساط الشركة هو عقود الدولة ووحداتها الانتاجية، ماذا كان يميز دور عبد الباقي، كمدير عام، في الإنتاج؟ من دون توفر جداول أقساط التأمين المكتتبة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وتحليلها للفصل بين أقساط القطاع العام والأقساط المكتتبة من خارج هذا القطاع لا نستطيع أن نصدر حكماً باتاً عن حجم الجهد المبذول لتطوير أعمال الشركة. مع ذلك، يمكن القول إن إدارة الشركة كانت تتصرف كما لو أن هناك منافسين لها، وهذا هو انطباعي خلال فترة عملي في قسم التأمين الهندسي (1969-1977). كان التصرف نابعاً ليس من معرفة بأهمية المنافسة بقدر ما كان قائماً على قناعة تأدية الواجب بكفاءة وتقنية مع الحرص الشخصي على التعامل بمتطلبات العمل بحرفية واحترام المؤمن لهم من الأفراد والشركات.

لنضيف إلى ذلك تسويق منتجات التأمين بين الشرائح الاجتماعية التي شهدت تحسناً في دخلها في تلك الفترة بحيث صارت تستطيع شراء حماية تأمينية للأسرة (وثيقة تأمين حماية الأسرة كانت واحدة من المنتجات الجديدة التي أدخلها عبد الباقي)، والتأمين على السيارات، وتأمين المحلات التجارية الخاصة. وفي عهده ازدهر الانتاج (قسم متخصص للإنتاج وطاقم من المنتجين في فروع الشركة) وتوسيع قنوات التوزيع من خلال وكالات مستقلة للتأمين تنتج الأعمال للشركة مقابل عمولة. وكانت هذه الوكالات تشكل عنصراً مكملاً لسوق التأمين العراقي، ومؤثراً على بنية السوق التأميني، والطلب على التأمين، ومنافذ توزيع المنتجات التأمينية، وإشاعة الوعي التأميني. كانت هذه الوكالات مستقلة تابعة للقطاع الخاص، ويمكن النظر إليها كحالة من حالات المشاركة في الإنتاج بين القطاعين العام والخاص، كما حاولت التنبيه إليه في مقدمتي لدراسة مشتركة عن وكالات التأمين. وفي عهده أيضاً تم تأسيس قسم التخطيط والتدريب الذي لعب دوراً مهماً في إدخال المفاهيم الحديثة لإدارة الإنتاج والتسويق.

[5] السياسة السعرية

لنتذكر انه خدم الشركة في الفترة (1966-1978) التي كانت هي شركة التأمين العامة الوحيدة في السوق – أي انها كانت محتكرة للتأمينات العامة إلى جانب احتكار شركة التأمين العراقية لتأمينات الحياة.

في ظل هذا الاحتكار كانت السياسة السعرية ذات طبيعة اعتباطية أو هكذا يبدو الأمر للبعض لكننا نعتقد، رغم غياب قوى السوق المؤثرة في التسعير، أن تسعير المنتجات التأمينية كان يقوم على موازنة صندوق أقساط التأمين مع التزامات الشركة بتعويض الخسائر. يعني ذلك أن إدارة الشركة كانت تنحو لتحقيق فائض من عمليات الاكتتاب لتمويل طلبات التعويض، والمستحقات الضريبية والرسوم، وتكاليف الإنتاج، وهامش لإدامة الإنتاج وتوسيعه، ونسبة من الأرباح. لم تعتمد إدارة عبد الباقي على إيرادات الاستثمارات العينية والمالية لمقابلة التزامات الشركة بتعويض المؤمن لهم إذ تركزت السياسة، اختياراً أو ربما دون تفكير مسبق (وهو موضوع يستحق البحث)، على الاعتماد على الأرباح الاكتتابية. وبفضل هذه السياسة استطاعت الشركة التفاوض مع معيدي التأمين الاتفاقي وتحقيق مزايا عديدة شملت توسيع القدرة الاحتفاظية للشركة، وزيادة نسبة عمولات الأرباح وغيرها ومنها توفير معيدي التأمين لفرص التدريب لموظفي الشركة.

ونرى أن التسعير كان يتأثر أيضاً بما كان معيد التأمين الاتفاقي يمليه على الشركة من شروط وأسعار وخاصة في اكتتاب الأخطار الكبيرة. لا بل أن المعيد كان يوفر لشركة التأمين تعرفة أو قل دليلاً لتسعير أخطار مصنفة كفئات متميزة. وكان هذا هو الحال في التأمين الهندسي.

أثناء إدارته استمرت الشركة في تحقيق الأرباح لها ولمعيدي التأمين. ترى هل كانت هذه الأرباح بفضل الأسعار العالية أو الضغط على التكاليف، أو الصرامة في تسديد مطالبات التعويض؟ تحليل هذا الوضع، أي السياسة السعرية، يحتاج إلى بحث مستقل.

في إحدى السنوات حققت الشركة أرباحاً كبيرة، ربما غير اعتيادية، حدت به إلى تخفيض أسعار التأمين على السيارات بنسبة معينة.

هذه حالة فريدة إذ ليس من المعروف انها قد حصلت قبله أو تكررت فيما بعد. أهمية قرار التخفيض تكمن في ان التخفيض لم ينشأ في ظل تنافس مع شركات تأمين فلم يكن هناك شركات أخرى تمارس التأمينات العامة، ومنها تأمين السيارات، غير شركة التأمين الوطنية.

يؤشر هذا القرار على أن احتكار النشاط التأميني لا يعني بالضرورة رفع الأسعار وهي الظاهرة المرتبطة باحتكار السوق. ترى ما الذي حدا بعبدالباقي لاتخاذ هذا القرار؟ هل كان من بنات أفكاره؟ هل صاغه بالتعاون مع زملائه الآخرين في الشركة من رؤساء الأقسام؟ وهل بقيت أسعار تأمين السيارات على حالها بعد التخفيض؟ هل ساهم التخفيض في زيادة الطلب على تأمين السيارات؟ وماذا كان موقف معيد التأمين الاتفاقي؟ هذا الموضوع أيضاً يستحق دراسة مستقلة.

[6] عبد الباقي رضا معاصراً لأحداث نصف قرن

شغل عبد الباقي رضا هادي موقع مدير عام شركة التأمين الوطنية للفترة من 1 شباط 1966 لغاية 4 آذار 1978. عندما أصبح مديراً عاماً للشركة في 1 شباط 1966 كان قد مر تسعة عشر شهراً على تأميم شركات ووكالات التأمين. وقتها كان عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية (1963-1966) وقتل أو اغتيل في 13/4/1966 في حادث تحطم الطائرة المروحية التي كانت تقله. تبعه في الرئاسة أخوه عبد الرحمن عارف (1966-1968) وكان عبد الرحمن البزاز رئيس الوزراء الذي وقع في 26/6/1966 اتفاقية وقف إطلاق النار مع الحركة الكوردية مُنهياً ست سنوات من النزاع العسكري (تضمنت الاتفاقية الاعتراف باللغة الكوردية لغة رسمية، وتمثيل كوردي في الحكومة. في نهاية 1966 قوضت الاتفاقية).

شهد عبد الباقي بعد ذلك انقلاب 17/7/1968 الذي أطاح بعبد الرحمن عارف الذي أوصل أحمد حسن البكر إلى رئاسة الجمهورية (1968-1979) لينتزعها صدام حسين منه (1979-2003). وشهدت فترة البكر اتفاقية الحكم الذاتي (11/3/1970) وتأميم شركة نفط العراق (حزيران 1972)، وبدء العمليات العسكرية ضد الأكراد (1975).

شهدت التأمين الوطنية خلال هذه السنوات نمواً في أقساط التأمين وفي استثمارات الشركة وتوسعاً جغرافياً رغم التقلبات السياسية. وعاصر عبد الباقي ثلاث خطط خمسية للسنوات 1965-1970، 1971-1975، 1976-1980 (ترك التأمين الوطنية سنة 1978).

لقد كان عبد الباقي شاهداً على أحداث جسام في تاريخ العراق. في أول يفاعته: الحرب العالمية الثانية، ثم ثورة تموز 1958 والتحول من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، الانقلاب الدموي في شباط 1963، انقلاب 1968 وما تبعه من ابتلاع حزب البعث للمجتمع، الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، غزو الكويت (2 آب 1990) تحرير الكويت (1991) وعقوبات الأمم المتحدة والحصار الاقتصادي (1990-2003)، غزو العراق واحتلاله (نيسان 2003) والإطاحة بنظام صدام وما تلاه من تفكيك للمؤسسات .. الخ.

ضمن هذه الأحداث يمكن تقسيم تاريخ شركة التأمين الوطنية كما يلي:

1950-1958 من تأسيس الشركة إلى ثورة 14 تموز
1958-1964 من الثورة إلى التأميم
1964-1997 من التأميم إلى الانفتاح
1997-2005 من الانفتاح إلى صدور قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (الأمر رقم 10).

شهد النشاط التأميني خلال هذا التاريخ التعاظم المستمر لمكانة التأمين العراقي حتى 1990، ومن ثم تدهوره ومراوحته في مكانه مع تغييرات بسيطة في سنوات الحصار (1990-2003)، وبعدها الشروع في ترميم مكانة الشركة ضمن بيئة تنافسية جديدة لم تعرفها من قبل. لقد شغلت التأمين الوطنية موقعاً مركزياً في هذا التاريخ بعد مرحلة التأسيس رغم وجود شركات تأمين أخرى. وكان عبد الباقي رضا على راس مرحلة ازدهار التأمين العراقي من أواسط ستينيات القرن الماضي وقبل بدء الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980.

لم تلتقط المقدمة كل ما ورد في رسائل عبد الباقي رضا من معلومات وأفكار ومواقف، لكنني أرجو أن يكون ما تقدمت به محفزاً للغير للبحث في التاريخ الاقتصادي للتأمين العراقي وللأفراد الذين عملوا فيه وتركوا بصماتهم عليه.

Kays Al-Mudaries: Recollections of my Time at Iraq RE

استذكار مسيرة العمل
في شركة إعادة التأمين العراقية

قيس المدرس

لم يخطر ببالي أن أدون ذكرياتي في العمل لولا التشجيع الكبير الذي لقيته من الزميل مصباح كمال وتبادل الرأي معه. ما كتبته لا يتعدى الملاحظات السريعة، كما يظهر من طريقة السرد السريع بالترقيم. يمكن تطوير هذه الملاحظات والتوسع فيها لو كان عندي من المستندات والمعلومات الإضافية ما يحقق ذلك. أملي أن يحثّ هذا الاستذكار القصير الزملاء الآخرين في الإعادة العراقية وغيرهم في سوق التأمين العراقي على تدوين ذكرياتهم فهي مصدر مهم لكتابة تاريخ التأمين العراقي الذي عاصروه، مثلما هي مصدر لاستنباط بعض الدروس من تجاربنا التأمينية وتقييمها من منظور نقدي أيضاً.

أشكر د. مصطفى رجب و أ. موفق حسن رضا لمراجعتهما لمسودة هذا الاستذكار. أي نقص أو خطأ هو من مسؤوليتي.

المنامة 28 تموز 2014

1- 46 عاماً هي الفترة الواقعة بين عام 1968 و2014 وتمثل هذه السنوات مسيرة عملي في قطاع اعادة التأمين داخل وخارج العراق.

لم ادرس مادة التأمين سواء في اعدادية التجارة –بغداد او في كلية التجارة والاقتصاد في جامعة بغداد لأنها لم تكن من ضمن مفردات البرنامج التدريسي، ولكون تخصصي كان في مادة الاقتصاد عند تخرجي من كلية التجارة والاقتصاد.

كنت من المحبين لمادة الاقتصاد الزراعي في الكلية لا لسبب الا لأن مدرس تلك المادة الدكتور اسماعيل عبّاوي كان يلقى محاضراته بأسلوب مشّوق، ولارتباط هذه المادة بحياة الجميع لأنها توفر لهم الغذاء وإذا ما طبقت المعايير العلمية السائدة آنذاك فستكون الكلفة معتدلة والعائد جيداً، إضافة لكون الدكتور عبّاوي من خريجي احدى الجامعات الأمريكية.

اكملت دراستي الجامعية والتحقت كغيري من الخريجين (اللذين لم يدفعوا البدل النقدي) في كلية الاحتياط لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية حيث كانت الفترة تسعة أشهر ويتخرج الطالب منها بدرجة ملازم ثاني ليخدم في الجيش فترة سنتين، ثم يقرر بعدئذٍ فيما إذا كان يرغب للاستمرار بالخدمة العسكرية او العمل في القطاع المدني.

في أحد ايام العطلة الأسبوعية كنت اقرأ احدى الصحف المحلية ووجدت إعلاناً من دائرة البعثات في وزارة المعارف حول البعثات العلمية الى الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ضمن الاختصاصات كانت الدراسة للحصول على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي. هنا قلت لنفسي هذا هو هدفي. في الاسبوع التالي اخذت إجازة لكي اراجع دائرة البعثات لاستلام استمارة طلب التقديم للبعثة وهو ما فعلته. بعد اسبوعين تلقيت على عنوان المنزل وهو 35/1/27 في شارع طه – الوزيريه – بغداد رسالة بالبريد المسجل تبلغني فيه دائرة البعثات بمراجعتها لغرض المقابلة الشخصية. في اليوم المحدد اخذت اجازه من كلية الاحتياط وكانت المقابلة عصراً وكانت لجنه المقابلة متكونه من أربعة اشخاص. اُخبرت في المقابلة بأن بعثة الدكتوراه للاقتصاد الزراعي قد تم تخصيصها لشخص تمّت مقابلته قبل يومين وما تبقى هو درجة الماجستير في مادة التأمين لغرض القيام بتدريسها في جامعة بغداد عند الحصول على الشهادة المتعاقد عليها. ذكرتُ للجنّه انني لم ادرس هذا الموضوع سابقاً فقالوا الخيار لك ويجب ان تتخذه الآن.

لحظات سريعة وقبلتُ العرض ورجعت مساء نفس اليوم الى كلية الاحتياط في الرستمية. لم أنم تلك الليلة بسبب القلق والترقب، وما هو المصير الذي سأواجهه في حالة التصديق على قبولي بالبعثة.

كان اليوم في كلية الاحتياط يبدأ بالنهوض الساعة الخامسة فجراً ثم فطور بسيط جداً ثم الرياضة الصباحية والتدريب حتى الساعة السادسة والنصف ثم الفطور الصباحي يتبعه الانتظام في الدروس العسكرية.

ثلاثة أشهر مرت ولم استلم اي اشعار من دائرة البعثات حيث تم خلالها تخرجي من كلية الاحتياط برتبة ملازم ثاني. في أحد الايام وعند عودتي للدار وجدت رسالة بالبريد المسجل وعند فتحها وجدت الأخبار السارة بقبولي بالبعثة وعليّ مراجعة دائرة البعثات في منطقة الباب المعظم مقابل الإعداديه المركزيه – قرب دائرة البريد القديمه لغرض التوقيع على العقد واستلام نموذج كفالة الدراسة لغرض اكمالها عند كاتب العدل.

أبلغت دائرة البعثات بأنني مرتبط بخدمة الاحتياط ويتطلب الأمر توجيه كتاب الى وزارة الدفاع لطلب اعفائي عما تبقى من فترة الخدمة الإلزامية لغرض الالتحاق بالبعثة. وهذا ما تم. واذكر ان زميلي في الدراسه عمّار علّوش كان آنذاك قريباً من وزير الدفاع صالح مهدي عمّاش فحصّلتُ على الموافقة خلال يومين، قدمتها بدوري الى دائرة البعثات مع كفالة الدراسة. وخلال اسبوع واحد استلمت اشعاراً من دائرة البعثات بأن القبول قد تم في جامعة جنوب كاليفورنيا USC وعليّ مراجعة السفارة الأمريكية في كرادة مريم للحصول على سمة الدخول والتي حصلت عليها في نفس اليوم. خلال اسبوع واحد اصبحت جاهزاً للسفر من بغداد الى لندن، حيث استغرقت السفرة بالطائرة آنذاك 12 ساعة، ثم من لندن الى واشنطن لمراجعة السفارة العراقية، واخيراً من واشنطن الى لوس انجليس.

2- حصلت على شهادة الماجستير في موضوع التامين والتجارة الدولية عام 1968 وعند مراجعتي الى دائرة البعثات لترتيب احالتي الى الجامعة سمع بالخبر اخي وصديق العمر موفق حسن رضا (الذي كان جاري منذ عام 1957) والذي كان يعمل في شركة اعادة التأمين العراقية فاتصل بي وقال إن المدير العام للشركة يريد ان يقابلك! في اليوم والوقت المحدد ذهبت للسلام على الأخ موفق وكان آنذاك يشغل وظيفة مدير قسم البحري في الشركة والتي كان موقعها بناية حمدي الباچه چي في نهاية شارع الرشيد قرب جسر التحرير حيث كان يشغل الطابق الأرضي معرض الشركة الأفريقية.
3- التقيت بالدكتور مصطفى رجب رئيس مجلس الإدارة / المدير العام وكان اللقاء قصيراً أُقْنْعتُ على إثره بالانضمام للشركة. وعلى الفور حرر الدكتور مصطفى رجب بيده رسالة الى مديرية البعثات لغرض تحويل عقد عملي من جامعة بغداد الى شركة اعادة التأمين العراقية. بعد الاجتماع التقيت بالسيد نجيب المانع (1927-2001) وكان يشغل آنذاك معاون المدير العام.

4- حصلت على موافقة مديرية البعثات وباشرت عملي بدرجة ملاحظ في قسم التأمين البحري في شهر تموز 1968 وكان يعمل فيه كل من:
– موفق حسن رضا مدير
– محمد زكي عبد الرحمن معاون مدير
– علي احمد شهاب مسؤول الأعمال العراقية – بضائع
– غازي بني مسؤول السفن والطيران – اعمال عراقية
– جون ملكون مسؤول البضائع – أجنبية
– سمير صادق قطان مسؤول البضائع – أجنبية
– حبيب محمد علي موظف البحري – اعمال عراقية
– ايليا نورو موظف حسابات الاعادة
– حازم بهنام موظف حسابات
– ارام وهرام موظف الطيران – أجنبية
– سامي حسني آرتين موظف السفن – أجنبية
وكانت تتولى سكرتارية القسم بثينه المتولي.

5- كانت خطة التدريب في الاعادة العراقية على مستويات ثلاث.
– تدريب داخلي – كان يتولاه الدكتور مصطفى رجب بنفسه ثلاثة ايام في الأسبوع
– حضور كورسات معهد التأمين.
– الإيفاد لخارج العراق لتطوير اللغة الإنكليزية والتدريب لدى مكاتب الوسطاء ومن خلالهم مكتتبي اللويدز او مع شركات اعادة التأمين: الميركنتايل أند جنرال Mercantile & General، فگتوري Victoryوالاعادة السويسرية Swiss Re وميونخ ري Munich Reوغيرها.
6- بفضل دراستي والشهادة التي حصلت عليها فقد اقتصر تدريبي على محاضرات الدكتور مصطفى رجب والإيفاد الى سويسرا والمملكة المتحدة لمدة 45 يوماً وهي التي ساهمت جميعها في صقل معارفي الأكاديمية ومهاراتي الفنية.

7- عندما باشرت العمل في شركة اعادة التأمين العراقية (الاعادة العراقية) كان الهيكل الإداري للشركة على النحو التالي:
– المدير العام الدكتور مصطفى رجب
– معاون المدير العام نجيب المانع
– مدير مكتب لندن واركيس بوغوص
– مدير الحريق صلاح رفيق
– مدير البحري موفق حسن رضا
– مدير الحوادث كيلان قدو
– مدير الأفراد راسم القيسي
– قسم الأبحاث هاني النقشلي
– مدير القسم المالي صلاح الملاك
– سكرتيرة المدير العام عنان سامي فتاح

– اما موظفي الأقسام فهم كل من:
– قسم الحريق
– صلاح رفيق المدير
– نبيل قزانجي معاون المدير
– حارث النقيب اعمال عراقية
– اسماعيل الجباري ثم انتقل الى مساعد مدير مكتب لندن
– صباح داوود اعمال اجنبيه
– نوزاد المفتي اعمال اجنبيه
– محمد مصطفى العاني حريق اعمال محليه
– صلاح شامل حسابات عراقية
– صلاح فردريك حسابات اجنبيه
– انترانيك كيفوركيان حسابات اجنبيه
– اميره توماس سكرتيره

قسم الحوادث
– كيلان قدو المدير
– سمير سلمان عبد الأحد معاون مدير اعمال اجنبيه
– علي الدوري معاون مدير / اعمال عراقية
– هناء مصطفى ثروت اعمال عراقية
– غسان حمامه اعمال عراقية
– رمزي رسام اعمال اجنبيه
– ناطق الدوحي اعمال اجنبيه
– عبد الوهاب مخلص اعمال عراقية
– سركيس بادليان اعمال اجنبيه
– باهره الشيخلي اعمال عراقية وسكرتيره
– امير العطار اعمال اجنبيه
– مهدي الراشدي اعمال عراقية
– اكوب ميناس حياة اعمال عراقية
– أحمد الحيدري حياة اعمال عراقية

قسم البحري
– موفق حسن رضا المدير
– محمد زكي عبد الرحمن معاون مدير
– جورج جزراوي اعمال اجنبيه ثم انتقل الى المؤسسة العامة للتأمين
– جون جبران ملكون مسؤول اعمال اجنبيه – بحري بضائع
– سمير صادق قطان اعمال اجنبيه بحري بضائع
– قيس محمود المدرس اعمال اجنبيه سفن وطيران
– على احمد شهاب بضائع – عراقية
– غازي بني سفن وطيران – عراقية
– حبيب محمد علي عباس حسابات عراقية / بضائع
– ارام وهرام طيران / اعمال اجنبيه
– ألكسندر الكاتوني حسابات عراقية / سفن وطيران
– سامي حسني آرتين سفن / اعمال اجنبيه
– ايليا نورو حسابات اجنبيه
– بثينه المتولي سكرتيره

القسم المالي
– صلاح حبيب الملاك المدير
– مجيد الحاج حمود معاون مدير
– غانم جاسم الطه محاسب
– سهيل عبد الكريم اصلان محاسب
– محسن عوينه
– هاشم النعيمي

قسم الأفراد
– راسم القيسي المدير
– محمد رشيد محمد سعيد
– اياد هاشم النعيمي
– منذر يوسف الطابعة
– حسين عباس الطابعة
– فوزي داوود الطابعة
– لويس جونز الطابعة
– اسماعيل كاكي الطابعة / التلكس
– عباس رحيمه نبات الخدمات
– فكتوريا آرتين موظفة بداله
– الحاج خليل رئيس الفراشين
– صالح سعيد فراش
– فليح مهلي الحانوت

قسم الأبحاث
– هاني النقشلي المدير
– مي عباس مظفر ابحاث
– كورال البحراني مترجمة

وبطبيعة الحال فقد التحق بالإعادة العراقية بعدئذٍ:
– بيرسي ألبرت سكويرا
– سمير جميل شمعان
– محمد فوزي الكفيشي
– وميض الجراح
– عبدا لزهره عبد الله علي
– فؤاد عبد الحميد مغازه جي
– ساهره رضا مصطفى
– صوفيا اصطفيان
– عدنان بهنان
– يسار عبد الله نشأت
– محمد هادي حسين

8- لقد كان التدريب العملي والدورات التدريبية خارج العراق والمتابعة الشخصية من قبل الدكتور مصطفى رجب الحجر الأساس لتطوير كفاءة جميع موظفي الشركة، إضافة للدافع الشخصي للتعلم، ناهيك عن وجود مكتبة عامرة بالكتب التأمينية والمصادر التي كان يرجع اليها.

9- ان تعامل الإعادة العراقية مع جهات خارجيه قد حتم الالتزام بالمظهر الخارجي والسلوك الصحيح للتعامل، وبالتالي فلم يكن هناك مبالغة بالأمر، كما يظن البعض، وانما التزام الجميع بهذا السلوك لأن الجميع كان يعمل كفرد ضمن عائلة الإعادة العراقية.

10- لقد كانت العلاقة بين المدير العام وجميع الموظفين مبنية على الاحترام الكبير لأنه كان فعلاً القدوة المثلى التي اقتدى بها جميع الموظفين.

11- جرى تعيني بالشركة عام 1968 بدرجة ملاحظ في قسم البحري، ثم جرى ترفيعي الى رئيس ملاحظين في نفس القسم بعد سنة واحدة، ثم الى معاون مدير بعد سنة، ونقلت بعدها الى مكتب الاتصال للشركة في لندن عام 1977 بدرجة مدير. وفي عام 1980 جرى نقلي الى بغداد بدرجة معاون مدير عام، وجرى ترشيحي لوظيفة مدير عام الشركة عام 1980، وتسلمت مهام رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للإعادة العراقية منذ 1980 وحتى 1998 حيث انتقلت الى وظيفة المدير العام التنفيذي للصندوق العربي لتأمين اخطار الحرب في البحرين.

12- لقد كانت العلاقة بين الإعادة العراقية وشركتي التامين المباشر (التأمين الوطنية والتأمين العراقية) مبنية على الاحترام المهني والعلاقة الأخوية الاجتماعية، وكان الهدف الأول والأخير لهذه العلاقة خدمة القطاع ومن خلاله الاقتصاد الوطني.

13- عندما بدأت فكرة الصندوق العربي لتأمين اخطار الحرب عام 1979 كنت آنذاك مديراً لمكتب الاتصال للإعادة العراقية في لندن، وقد تسلمت طلباً من المؤسسة العامة للتأمين لغرض تنظيم لقاء مع مكتتبي اخطار الحرب في سوق لويدز Lloyd’s وكذلك مع الوسطاء ولس فيبر Willis Faber/ ألكسندر هاودن Alexander Howden/ ستيوارت رايتسون Stewart Wrightson/ سي تي باورنگ C. T. Bowring/ مينيت Minnet وغيرهم. وبالفعل، فقد تم اللقاء بين الوفد الذي كان يضم، على ما اذكر، الدكتور مصطفى رجب / موفق حسن رضا / جميل حجار / واصف جبشه / الدكتور رؤوف مقار وهمايون مشايخي مدير عام شركة بيمه مركزي الإيرانية مع قبطان يعمل في شركة ناقلات ابو ظبي الوطنية – ادناتكو.

14- عند تأسيس الصندوق عام 1980 تقرر ان تكون الإعادة العراقية الشركة المضيفة للصندوق، وقد جرى تخصيص جزء من الطابق الأرضي في بناية الشركة ليكون مقراً للصندوق، وتم منحه قرضاً بمبلغ 50,000 دولار بدون فائدة لشراء ما يحتاجه من لوازم مكتبيه.

15- اثناء فترة مسؤوليتي كرئيس لمجلس الإدارة والمدير العام للإعادة العراقية لم تكن سياسة الشركة الاكتتابية تخضع لأية اعتبارات سياسية بل ان السياسيين كانوا يسهلون عمل ونشاط الشركة من خلال الموافقة على الإيفادات، وتسديد الأرصدة المستحقة على الشركة. وكانت العلاقة بين الشركة والجهات الرسمية تتسم بالاحترام والدعم.

16- ما دامت الشركة قد تم دعمها بالتأسيس من قبل الدولة (1960)، وما دامت الدولة قد استمرت بدعمها للشركة من كافة الأوجه، فإن تبعيتها للقطاع العام كانت هي الأفضل. ولم يؤثر ذلك على سير عملها وقراراتها الفنية وإدارتها لأعمالها.

17- لقد كانت الإعادة العراقية سباقه في مجال تطوير الكفاءة الفنية لمنتسبيها، واعتقد بأنها كانت السباقة أيضاً في تدوين اساليب العمل الفنية والمالية والإدارية Management by Manuals في الوطن العربي. وكانت هذه الأساليب قد استندت الى خبرة الشركات المحترفة كالإعادة السويسرية وميونخ ري.

18- لقد كانت السياسة التسويقية للإعادة العراقية تتم من خلال طريقتين الأولى الزيارات التسويقية الى المنطقة العربية / المنطقة الأسيوية / والمنطقة الأفريقية. والطريقة الثانية من خلال الدورات التدريبية للعاملين في شركات التأمين المباشر في تلك المناطق.

19- تعتبر الإعادة العراقية ثاني شركة إعادة تأمين عربية بعد الإعادة المصرية، كما انها كانت أول شركة اعادة تامين عربية تستحدث لها مكتب اتصال في سوق لندن عام 1966 تولى ادارته كل من واركيس بوغوص / كيلان قدو / موفق حسن رضا / قيس محمود المدرس / سمير سلمان عبد الأحد / عفيف الدوري وقد عمل في المكتب اضافه للمدراء كل من / اسماعيل الجباري / حبيب محمد علي / ناطق الدوحي / حسين عباس / طالب جاسم/ وسام محسن ياسين الجوهر، وهو آخر من عمل في المكتب وشهد غلقها بعد غزو العراق للكويت في 2 آب 1990).

20- لقد كانت العلاقة مع شركات اعادة التأمين العربية (الاعادة المصرية) تقوم على اسس التبادل للأعمال. اما الشركات العالمية (الإعادة السويسرية وميونخ ري) فقد كانت على اساس الإسناد فقط.

21- لقد كانت الثلاث سنوات التي قضيتها كمدير لمكتب الاتصال في لندن للفترة 1977 / 1980 فرصه طيبه لتوسيع دائرة العلاقات مع الوسطاء والمكتتبين، وتعميق الخبرة المهنية، ناهيك عن ان المكتب كان مقراً للوفود العربية العديدة التي كانت تزور لندن لأغراض تجديد الاتفاقيات او التدريب مما ساعد على دعم موقف الإعادة العراقية للحصول على الأعمال.

22- ان أسباب نجاح الإعادة العراقية في الماضي كان يتلخص بالآتي:
– الادارة العليا الكفؤة
– الاختيار الجيد للموظفين
– التدريب
– الدعم الحكومي
– العمل بروح العائلة الواحدة.
– العلاقات الإنسانية والالتزام العالي بقواعد المهنة والسلوك الوظيفي من قبل الجميع.

23- ليس هناك ما يجمع بين العمل في الصندوق العربي لتأمين أخطار الحرب والاعادة العراقية سوى انها واحدة من 180 شركة عضو في الصندوق، ولكني على اتصال دائم مع من بقي من الجيل القديم العامل في الشركة لأنهم جميعاً زملاء عمل، كما واني على اتصال مع من تركوا العمل لأن الإعادة العراقية كانت عائله واحدة.

24- الإعادة العراقية جزء من مؤسسات الدولة العراقية فإذا ما كان هناك مستقبل أفضل ينتظر الدولة والعراق فالإعادة العراقية ستكون جزءاً من ذلك.

هناك نقاط لابد من ايرادها لتثبيت حقائق سادت خلال الفترة 1968 ولغاية 1998 وهي فترة عملي في الإعادة العراقية منها ما ارتبط بالشركة نفسها او ما ارتبط بقطاع التأمين العربي وعلى النحو التالي:
– الإعادة العراقية كانت أول مؤسسة عراقية تستعمل نظام التلكس مع الشركات خارج العراق لتسهيل وتسريع المراسلات مع الجهات التي تتعامل معها وكان ذلك عام 1969.
– كانت الإعادة العراقية اول شركة اعادة تأمين عربيه تستحدث لها مكتب اتصال في سوق لندن عام 1966 كما وانها كانت ثاني شركة بعد الإعادة السويسرية لفتح هكذا مكتب في سوق لندن.
– استحدثت الشركة نظاماً احصائياً يدوياً بدءاً من عام 1969 يعكس تفاصيل جميع الأعمال المقبولة والمسندة ووسائل حصر التراكم للأعمال المقبولة من عدة جهات لنفس الخطر. لقد شمل هذا النظام الأعمال المحلية والأجنبية.
– كانت هناك تعليمات ورغبة للإجابة على جميع العروض التي ترد وتتم الإجابة عليها في نفس اليوم حتى لو تطلب الأمر البقاء بعد انتهاء الدوام الرسمي. إن هذا الأسلوب قد مكّن الشركة من الاستجابة لطلبات جميع الشركات في اوروبا وآسيا وافريقيا العربية منها والأجنبية رغم فرق الزمن.
– الأعمال الاعتيادية كانت تنجز مساءاً من قبل الموظفين طواعية لأن المدير العام كان يتواجد مساء كل يوم (عدا ايام الجمعة).
– في عام 1968 كان عدد الموظفين لا يتجاوز 80 موظفاً وبدأ بالارتفاع حتى وصل الى ما يقرب من 158 موظف عام 1980 ليعود فينخفض العدد الى 70 في 1990 ليس بسبب انخفاض الأعمال وانما لدخول المكننة ولزيادة كفاءة العاملين.
– اعتمدت الإعادة العراقية على نظام أساليب العمل لمساعدة الموظفين الجدد على فهم طرق معالجة الأمور التي تقع في مجال اختصاصهم فكان هناك:
أ‌- اسلوب عمل الوحدات الحسابية – حسابات اعادة التأمين
ب‌- اسلوب عمل الوحدات المحاسبية – حسابات ماليه
ج-اسلوب عمل الوحدات الإنتاجية – اكتتاب
د-اسلوب عمل الوحدات الإحصائية

كما وكانت تصدر بين الحين والآخر تعليمات داخليه لتنظيم العمل والعلاقة بين الوحدات (الأقسام المختلفة).
– كانت الإعادة العراقية اول شركة حكومية في قطاع التأمين تدخل نظام الحاسب الآلي عام 1981 واشترت لذلك جهاز IBM وانشأت موقعاً خاصاً للحاسوب قامت بإنشائه شركة Technology Management مكون من:
 موقع اجهزة ادخال المعلومات
 موقع اجهزة الحاسوب
 موقع جهاز استمرار الطاقة UPS
 مولدة كهربائية خارج الموقع لتأمين الطاقة في حالة انقطاعها.
– لم تستعن الاعادة العراقية بأية برامج جاهزة للنظام الآلي ولم تستعن بخبرة خارجية لإعداد البرامج والنظم وانما اختارت بعض الموظفين العاملين في الشركة وزجتهم في دورات للتعلم في المركز القومي للتدريب والتطوير الإداري ومن ثم الإيفاد الى الشركة السويسرية لإعادة التامين لصقل المواهب. وكان صباح الدباغ أول موظف يشغل مدير قسم الحاسبة. وقد تم صياغة جميع البرامج والأنظمة لتخدم العمل اليدوي لجميع الأقسام وبالطبع كان أحد المختصين من الإعادة السويسرية يقوم بزيارات متكررة الى بغداد لتقييم العمل، وكان معجباً بإمكانيات الموظفين لاستيعاب وتطوير مختلف الأنظمة.
– عندما كانت هناك حاجه لتعينات جديدة كانت الشركة تعلن عن الوظائف وبعد تقديم الطلبات كان يجري امتحان تحريري، ومن يجتازه يخضع لمقابلة شخصية من قبل لجنة التعيين برئاسة الدكتور مصطفى رجب وكان التركيز على:
أ‌- اللغة الإنكليزية
ب‌- المظهر والهندام
ت‌- الدرجات في الجامعة

أذكر في احدى المرات تجاوز عدد المتقدمين 120 شخصاً وكانت حاجة الإعادة العراقية لعشرة موظفين. اجتاز الامتحان التحريري نصف المتقدمين وجرت مقابلة الباقين ولم يتم اختيار سوى ثلاثة موظفين. يمكن تصور التقييم الدقيق والصارم للاختيار.
– طيلة عملي في الإعادة العراقية منذ 1968 – 1998 لم يَطلب النقل الى خارج الشركة اي موظف. وهذا ان دلّ على شيء فإنما يدل على الشعور بالراحة والانسجام بين الموظفين وظروف العمل المناسبة التي وفرتها الشركة لجميع العاملين.
– خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980 – 1990 التحق العديد من الرجال للخدمة في الجيش او الجيش الشعبي وقد كانت الخطوط الثانية والثالثة من الموظفات الكفؤات اللواتي ملئن الفراغ لغياب زملائهن من الرجال.
– لقد كانت عملية الاكتتاب بالأعمال تتم وفق المراحل التالية:
– تحليل العرض المقدم من نواحي
– مبلغ التامين / فترة التأمين / العمولات / الخبرة السابقة / الشركة المسندة / المؤمن له الأصلي / السعر وشروط التأمين المطبقة. وقد كانت جميع هذه الفقرات موجودة في استمارة تحليل العروض.
– تُرفع المعاملة بعد التحليل الى المرجع التالي للتدقيق وتأييد التوصية او بيان الرأي ان كان مخالفاً.
– يراجع مدير القسم كل المعلومات ويتخذ القرار او يرفعه الى الجهة التالية معاون المدير العام او المدير العام إذا كان خارج صلاحيات مدير القسم.
– الاعتذار عن قبول الأعمال العربية مناط بالمدير العام فقط.

– كانت الأعمال التبادلية تتم مع شركات الإعادة والشركات الهندية واليابانية للتأمين المباشر بشكل كبير وكان التبادل يتم على اساس حجم الأقساط / الأرباح المتحققة أو أحدهما.

– كان لدى الإعادة العراقية عدة مجمعات Pools داخلية وهي:
أ‌- المجمع الأفرو اسيوي للحريق Afro Asian Fire Pool
ب‌- المجمع الأفرو أسيوي للبضائع Afro Asian Cargo Pool
ج-مجمع بغداد للطيران Baghdad Aviation Pool
د-المجمع الهندسي Engineering Pool
هـ-مجمع السفن Marine Hull Pool
و-مجمع الحوادث Accident Pool

وكان الغرض من تنظيم المجمعات زيادة طاقة القبول للإعادة العراقية ومن ثم توزيع حصص من هذه المجمعات على شركات كانت تطلب التبادل وبعد احتفاظ الإعادة العراقية بحصص لا تقل عن 50%.

– في فترة السبعينات وبمبادرة من الاتحاد العام العربي للتأمين تم تكوين عدة مجمعات عربيه انيطت مهمة ادارتها لشركات عربيه أخص منها:
أ‌- مجمع الحريق – الشركة التونسية للتأمين وإعادة التأمين (ستار).
ب‌- مجمع الطيران – شركة مصر للتأمين ثم انتقلت ادارته الى الشركة المركزية لإعادة التأمين / المغرب.
ج – مجمع البحري – شركة التأمين الكويتية
د-مجمع السفن – شركة التأمين الأهلية / الكويت
هـ-مجمع الهندسي – الإعادة العراقية

هناك حقيقة لابد من ذكرها وهي ان جميع المجمعات العربية كانت غير ناجحة لأسباب عديده، ليس هذا بالمجال المناسب لعرضها، عدا مجمع التامين الهندسي لان ادارته كانت وفقاً للأسس الفنية والمهنية ولم يكن سلة مهملات للأعمال العربية.

لقد كانت الشركة المديرة للمجمع تستحصل على عموله بواقع 5% لإدارة المجمع.

– كانت شركة اعادة التامين العراقية المعيد القائد لعدد من شركات التأمين العربية التي تأسست في السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي وعلى النحو التالي:
– شركة البحرين للتأمين – تأسست عام 1969 وكان اول مدير عام لها منيب خسرو – عراقي. وقد كانت حصة قطاع التامين العراقي في رأسمالها الثلث.
– الشركة اليمنية للتامين واعادة التامين تأسست عام 1970 وكان اول مدير عام لها فاروق ناصر علي / يمني.
– الشركة الصومالية للتامين – وقد زارها وساهم في وضع أسس عملها بيرسي سكويرا، معاون المدير العام للإعادة العراقية، وعمل معه صلاح شامل.
– شركة سبأ اليمنية للتامين / اليمن تأسست عام 1990 وكان اول مدير عام لها الدكتور عبد الزهرة عبد الله علي – عراقي. وقد ساهم في عملية التأسيس وتنظيم اعمالها الأستاذ عبد الباقي رضا عن المؤسسة العامة للتامين / قيس محمود المدرس / غازي حسن السعيدي / وغانم جاسم الطه من الإعادة العراقية.
– قدمت الإعادة العراقية الدعم الفني لكل من شركة ليبيا للتامين وشركة المختار للتامين / ليبيا من خلال تواجد عدد من موظفي الاعادة العراقية فيها واذكر كل من سمير صادق قطان / غسان جورج حمامه / صلاح شامل / عبد الوهاب مخلص / باهره الشيخلي.

– لقد كانت السياسة التسويقية للإعادة العراقية نشطه جداً سواء عن طريق الدورات التدريبية التي كانت تقام في مركز الشركة للعاملين في الشركات العربية / الأفريقية او عن طريق الزيارات التسويقية للأسواق المختلفة من قبل كادر الإعادة العراقية وعلى النحو التالي:
– آسيا وتشمل الهند / اليابان / الباكستان / كوريا / تايوان / بنغلاديش وقد كان يقوم بزيارتها بصورة دوريه او شبه دوريه كل من موفق حسن رضا / نبيل عزيز قزانجي / محمد هادي حسين.
– قارة افريقيا / الشمال / الشرق / الغرب / والوسط وكان يزورها كل من جون جبران ملكون / قيس المدرس / غسان جورج حمامه.
– الدول العربية وكان يزورها كل من كيلان قدو وموفق حسن رضا ومحمد زكي عبد الرحمن.

ختاماً دعائي الى الله عزّ وجل ان يحفظ ويطيل عمر من بقي على قيد الحياة ممن جاء ذكرهم، والرحمة الواسعة والغفران لمن فارقنا.

Study of the Origins of Iraq’s Insurance Market

عرض كتاب:
بحث في جذور “سوق التأمين العراقية”

مصباح كمال

ستار كرمد عيدان، سوق التأمين العراقية: دراسة تحليلية في الجذور التأسيسية (بغداد: شركة إعادة التأمين العراقية، 2012)، 84 صفحة (قياس 21X29.7 سم)

نشرت لأول مرة في الثقافة الجديدة، العدد 366، أيار 2014، ص 62-68.

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2014/06/origins-of-iraqs-insurance-market.html

نشر أيضاً في مجلة التأمين العراقي

بدأ ستار كرمد عيدان في بحث موضوع دراسته في صيف 2007، كما يخبرنا في سفر الإهداء، وانتهى منه عام 2012 وذلك بسبب صعوبة التوفر على المصادر ومشاغل وظيفته. فيما يلي أقدم عرضاً سريعاً للدراسة وبعض الملاحظات.

لقد كان الكاتب متواضعاً عندما كتب في صفحة الإهداء: “فليعذرني كل من يجد لي هفوة أو إخفاق من رأي أو معلومة.” ربما لشعوره بثقل المهمة التي أخذها على عاتقه، وربما هو صعوبة بحث النشاط التأميني في إطار التاريخ الاقتصادي للعراق، وهو المطلب الأساس في دراسته الرائدة ـ كما أرى. لقد اقتحم ستار كرمد مقترب دراسة النشاط التأميني من منظور التاريخ الاقتصادي ليؤسس بذلك قاعدة أولية للباحثين في المستقبل ليس فقط في كيفية الاستفادة من البيانات الإحصائية المتوفرة (وهو الخبير في هذا المجال بفضل دراسته الجامعية للإحصاء) ولكن في ربط النشاط التأميني بالبيئة الاقتصادية والسياسية العامة وبالإطار القانوني. دراسته هي إضافة مهمة لمكتبة التأمين العراقي الفقير للدراسات الاقتصادية والإحصائية.

قسّم الكاتب دراسته إلى أربعة أبواب نستعرضها فيما يلي:

الباب الأول: جذور أعمال التأمين التجاري
يثير الكاتب في هذا الباب سؤالاً عن “جذور التأمين بمفهومه التجاري في العراق” وفي جوابه يعرض ما اسماه بالحقائق وبعضها في إطار يضم البلاد العربية. الحقيقة الأولى يجدها في “غياب التراث الفكري والتجميع الإحصائي” وتشتت المواد القانونية منذ أواسط القرن التاسع عشر بدءاً من قانون التجارة العثماني (1850) الذي تميز بــ “الركاكة في الصياغة المليئة بالألفاظ المبهمة والترجمة العربية السقيمة والتي سببت الفوضى والإرباك.” وكذا الأمر بالنسبة لقانون الشركات الهندي (1882) “الذي لم يكن في جوهره إلا التشريع البريطاني للشركات.” (ص 5).

الحقيقة الثانية تتمثل برفضه للاستنتاجات “التي فسرت ظهور التأمين في العراق كونه جاء نتيجة دخول رؤوس الأموال الأجنبية الهائلة إلى العراق.” (ص 6، التأكيد في النص الأصلي). ويرى أن “ظهور شركات التأمين [الأجنبية] في العراق هو نتيجة لتطور الأهمية النسبية للتجارة الدولية … الذي لعب دوراً متميزاً ورائداً في تحوير الاقتصاد العراقي وجعله يعتمد بصورة كبيرة على التجارة الخارجية.” ويذكر هنا نمو التجارة الخارجية (تجارة التصدير) للعراق بمعدل أعلى من نمو الدخل الوطني من 6% (1860-1870) إلى نحو 17% (1914-1917) و 34% (1939). وكذا الأمر بالنسبة لنمو تجارة الاستيراد. ويستنتج من ذلك “الحاجة إلى الحماية التأمينية التي جاءت لتلبي توفير الأغطية التأمينية للشركات الأجنبية عموماً والشركات المتخصصة بالنقل البحري خصوصاً. وبذلك كانت الحاجة إلى شركات التأمين يأتي [تأتي] ضمن التطور التجاري الذي شهده العراق ..” (ص 7).

الحقيقة الثالثة هي ان “ولادة سوق التأمين التي ظهرت في العراق تمت بعملية قسرية (وليست قيصرية) بمعنى ان هذه السوق ظهرت من خارج الرحم الاقتصادي العراقي وبالتالي لم يكن ظهورها قد تم عبر حاجة محلية وطنية وبرعاية حكومية أو تشريعات أو قوانين ومتابعة رقابية وطنية بل لوحظ عدم وضوح بل انعدام لأي دور أو تدخل حكومي يكون قد ساهم في إيجاد سوق تأمين وطنية ..”

الحقيقة الرابعة تتمثل “بوجود فجوة زمنية بين تأسيس أولى شركات التأمين الوطنية وبين مجيء أولى شركات التأمين الأجنبية ..”

يتوسع الكاتب في البحث ليرسم ملامح لدور النفط والتنافس عليه من قبل الدول الاستعمارية وشركاتها النفطية التي جعلت من “قطاع استخراج النفط قطاعاً خاصاً أجنبياً صرفاً منذ بدء إنتاج النفط الخام العراقي في عام 1927 ..” (ص 10)، وليؤكد دخول “شركات وفروع ووكالات تأمين أجنبية بأعداد هائلة وصل عددها إلى أكثر من (60) هيئة وشركة وفرع لشركات تأمين أجنبية ..” (ص 11. لم يذكر المصدر الذي استقى منه هذه المعلومات) وهذه الشركات “لا تمت بصلة إلى الاقتصاد أو المجتمع العراقي، مما يؤكد أن ظهور شركات التأمين كان لتوفير الحماية التأمينية لأعمال الشركات الأجنبية المختلفة النشاطات التي دخلت العراق وخصوصاً الشركات التي دخلت للقيام بأعمال النقل البحري إضافة إلى الشركات الأخرى المرتبطة بأعمال التحري والاستكشافات للثروات الوطنية ..” (ص 12).

وتحت عنوان ثانوي، التأمين والخدمات التجارية، يحلل الكاتب تطوير المحتل البريطاني لقطاع الخدمات التجارية، بعد الحرب العالمية الأولى، وانتقال العراق من “اقتصاد الكفاف إلى اقتصاد تسيطر عليه التجارة الخارجية للفترة (1869-1951) .. [و] قد صاحب تطور النشاط التجاري الاستيرادي والتصديري في ظل السياسة الأجنبية القائمة على تحويل العراق إلى تابع وإلى سوق مرتبطة بالاقتصاد الأجنبي.” (ص 14). وبحسب الكاتب فإن أول وكالة لأعمال التأمين التجاري، البحري أساساً، في العراق كانت وكالة (فاولر البريطانية) عام 1931. لا نعتقد أن هذه الوكالة كانت الأولى في العراق فالطريق إلى الهند، “جوهرة التاج البريطاني،” تم تدشينه قبل ذلك بعد تأسيس شركة الهند الشرقية عام 1600. وقد حاولنا في دراسة لنا تتبع تاريخ دخول مؤسسات التأمين إلى العراق قبل ثلاثينيات القرن الماضي.

“يفترض باسم فارس في كتابه الموسوعي عن التأمين في الأقطار العربية أن دخول التأمين إلى العراق، في صيغته الغربية، كان في نهاية سنة 1922 بعد التوقيع على الاتفاقية البريطانية العراقية في تشرين الأول من تلك السنة. ويقوم هذا الافتراض على أن البيوتات التجارية البريطانية الكبيرة كانت تقتفي توسع التاج البريطاني في العالم.

وهذا الافتراض صحيح في العديد من الحالات (لكن هناك استثناءات فيما يخص توسع شركات التأمين البريطانية في بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وهي لم تكن تحت الاحتلال البريطاني أو مستعمرات تابعة للتاج البريطاني في فترة توسع التأمين خارج بريطانيا). لكن مصادر أخرى تفيد بصحة هذا التاريخ إذ أن شركتين بريطانيتين هما Provincial Insurance Company, Guardian Assurance Company بدأتا العمل في العراق سنة 1920. “

لا يربط ستار كرمد عيدان “الحقائق” الأربع التي ذكرها بتحقيب تاريخي أو يكيفها. فعندما يذكر، على سبيل المثال، أن “ولادة سوق التأمين التي ظهرت في العراق تمت بعملية قسرية” لم يلحق صفة “الوطنية” بسوق التأمين. ربما كانت أنواع معينة من التأمين موجودة (التأمين البحري، التأمين من الحريق) منذ تأسيس شركة لنج واخوانه المحدودة للملاحة النهرية في العراق عام 1860، وأن التأمين كان يجري إما في المتروبول البريطاني أو من قبل وكالات أجنبية للتأمين في العراق أو في الأستانة ـ أي قبل “دخول رؤوس الأموال الأجنبية الهائلة إلى العراق.” وهذا الافتراض (وجود النشاط التأميني) ينقصه الدليل إذ أنه لم يخضع لبحث تاريخي.

وكما بينا في مقالة لنا لم يكن سوق التأمين في “بداية ثلاثينيات القرن الماضي” ولا قبل ذلك سوقاً عراقياً وطنياً بمعنى أن رأس المال العراقي لم يشارك في تأسيس شركات التأمين، واقتصر في الثلاثينيات، وربما العقود السابقة، على تمثيل شركات التأمين الأجنبية. ومما ذكرته في هذه المقالة الآتي:

“الرصد السريع لقائمة الوكالات يبين ان ما يقارب نصف عدد الوكالات عراقية وهذا مؤشر على ان التجار وأصحاب المال العراقيين، يهود ومسيحين ومسلمين، كانوا آنذاك مهتمين بالنشاط التأميني كمتمم للنشاطات الأخرى التي كانوا يقومون بها. من ذلك أن اشتغالهم في تجارة الاستيراد لحسابهم أو لحساب أطراف أخرى (كوكلاء بالعمولة) ولّدَّ الاهتمام بإجراء التأمين المناسب كالتأمين البحري على البضائع.”

“ونلاحظ أيضاً أن الوكالات كانت تمثل شركات تأمين أجنبية وبعضها كانت تمثل سوق لويدز في لندن. وهذا يشير إلى عدم وجود شركة تأمين عراقية آنذاك ولن تتأسس ما يماثل هذه الشركة إلا بعد عشر سنوات وهي شركة الرافدين للتأمين وبرأسمال عراقي 40% وأجنبي 60%. أما الشركة العراقية الحقة [مؤسسة برأسمال عراقي خاص] فلم تتأسس إلا سنة 1958 وهي شركة بغداد للتأمين وكان مديرها العام جون نودي John Naudi البريطاني الجنسية.”

رفض المؤلف للمقولة التي تربط ظهور النشاط التأميني بدخول رؤوس الأموال الأجنبية إلى العراق يقوم على أطروحة أسماها بـ “الأهمية النسبية للتجارة الدولية” أي أن النشاط التأميني لم يلحق الإنتاج المحلي المادي بل التجارة الخارجية، ولم ينشأ عن حاجة محلية. وأنا أزعم أن تأمين رؤوس الأموال الأجنبية، المتمثلة بالكيانات التجارية والخدمية والصناعية والنفطية، لم يجري داخل العراق في النصف الأول من القرن العشرين إذ لم تكن هناك بعد أنظمة رقابية، عثمانية أو عراقية، تستوجب التأمين مع شركات تأمين مسجلة في العراق.

من المنظور التاريخي، لم يصبح النشاط التأميني وطنياً (ولادة سوق التأمين الوطني) إلا في وقت متأخر تزامن، تقريباً، مع منتصف القرن العشرين. وكان على مؤلف الكتاب أن يكون دقيقاٌ في التمييز بين ظهور النشاط التأميني في العراق (سواء ارتبط بدخول رؤوس الأموال الأجنبية أو التجارة الخارجية) اعتماداً على مصادر أجنبية وبين النشاط التأميني العراقي الوطني الذي اعتمد على تمويل محلي. ومن رأينا أن دخول مؤسسة التأمين (وكالات وفروع شركات التأمين الأجنبية) إلى العراق أرتبط بحركة رأس المال الأجنبي خارج المتروبولات ورافق التوسع الإمبريالي الغربي، البريطاني منه بوجه خاص. ولم تتحقق الولادة “الوطنية” إلا عام 1946 مع تأسيس شركة الرافدين للتأمين (شركة عراقية مملوكة 40% من قبل رأس المال الوطني و 60% من راس المال الأجنبي). تبع ذلك تأسيس شركة التأمين الوطنية (العائدة للدولة) عام 1950 التي بدأت أعمالها الفعلية عام 1952.

ومع ذلك فإن الأطروحة الأساسية للمؤلف في بحث تاريخ وتطور قطاع التأمين في العراق هي أن النشاط التأميني في العراق بدأ أجنبياً وأصبح وطنياً فيما بعد.

هناك أقسام أخرى في الباب الأول تتناول: التأمين والواقع المالي (ص 15)، التأمين والرقابة الحكومية (ص 20)، الواقع السكاني في العراق (ص 25)، التأمين والواقع السياسي في العراق قبل 1958 (ص 30).

الباب الثاني: المرحلة التأسيسية لسوق التأمين العراقية
يتوزع هذا الباب بين الصفحات 32-48، يربط فيه الكاتب مرحلة التأسيس بقيام ثورة 14 تموز 1958، ويوجز صورة سوق التأمين ما قبل الثورة بالآتي: عدد كبير من شركات التأمين الأجنبية يعكس حجم تجارة الصادرات والاستيرادات مقابل شركتين عراقيتين (التأمين الوطنية والرافدين للتأمين) إمكانياتهما صغيرة؛ عدم وجود جهاز رقابي فعّال؛ عدم وجود صلة بين الشركات الأجنبية وواقع الاقتصاد والمجتمع العراقي (عدم التناسب بين هذا الواقع ووثائق التأمين والتعريفات والشروط التي كانت تستخدمها هذه الشركات).

دشنت ثورة تموز 1958 سياسة الاستقلال السياسي والاقتصادي وقيام مُناخ للنهوض “بصناعة التأمين وتشجيع الاستثمار الوطني الخاص في حقل التأمين والسعي تدريجياً نحو إحلال رأس المال الوطني محل رأس المال الأجنبي ..” وترجم هذا الوضع نفسه في تعريق شركات التأمين، وتأسيس شركات تأمين عراقية جديدة (شركة التأمين العراقية وشركة إعادة التأمين العراقية)، والحد من وجود الشركات الأجنبية، وإصدار القوانين المناسبة (ومنها قانون شركات ووكلاء التأمين في العراق رقم 49 لسنة 1960). ويبين الكاتب في عدد من الجداول اسماء شركات التأمين العاملة، الأجنبية والعراقية، وأقساط التأمين المكتتبة، ويسمى القوانين المنظمة للنشاط التأميني.

في تقييمه للقانون رقم 49 يؤكد الكاتب، وبنظرة ثاقبة، على أن القانون

“رسم مستويين متوازيين يعملان على تطوير سوق التأمين الوطني، يقوم المستوى الأول على دعم وإسناد شركات التأمين الحكومية الموجودة وحماية تلك الشركات ورعايتها وسن القوانين والتشريعات التي تنظم أعماله. .. المستوى الثاني .. كان يقوم على تشجيع القطاع الخاص الوطني في الاستثمار في قطاع التأمين وتهيئة المناخ المناسب ليحل هذا القطاع وبشكل تدريجي محل شركات التأمين الأجنبية وبالتالي الحد من تسرب العملات الأجنبية إلى الخارج.”

وكما نعرف فقد جاءت قرارات التأميم سنة 1964 لتلغي دور الرأسمالية الوطنية في الاستثمار في قطاع التأمين لحين صدور قانون رقم 21 لسنة 1997 ومن ثم تأسيس أول شركة تأمين خاصة سنة 2000.

الباب الثالث: التأمين وقوانين التأميم والاندماج
كما يدل عليه عنوانه فإن هذا الباب مكرس لدراسة قوانين التأميم والاندماج. بعد تعريفه لمفهوم التأميم “تحويل الملكية الخاصة لوسائل الانتاج والمبادلة في المجتمع إلى ملكية جماعية (عامة)”، يستعرض الكاتب قانون تأميم شركات التأمين وبعض المنشآت الأخرى رقم 99 لسنة 1964 ويقتبس نصوصاً من مواد هذا القانون. كما يستعرض قرارات التأميم (إعفاء رؤساء الشركات من مهامهم، تعيين مدراء عامين، إلغاء الصلاحيات الممنوحة لوكلاء ومدراء وفروع الشركات الأجنبية في العراق، وإلحاق شركة التأمين الوطنية بالمؤسسة الاقتصادية).

تناول بعد ذلك مفهوم الاندماج كونه إجراء تنظيمي لضم منشأتين وتكوين مؤسسة واحدة، واعتبر الاندماج الذي حصل في العراق من نمط الاندماج الأفقي (دمج كيانات متخصصة في نفس النوع من النشاط) غير الطوعي، والإجباري، لثماني شركات تأمين.

كرس الكاتب اكثر من أربع صفحات لعرض مواقف المؤيدين والمعترضين على قرارات التأميم، لكنه لم يصدر حكماً قاطعاً عن صواب قرارات التأميم واعتبرها “موضوعاً قابلاً للدراسة والمناقشة لمعرفة مقدار ما تحقق لسوق التأمين العراقية من تقدم أو تعثر وتوسع أو انكماش في مسيرتها التاريخية ..” ويقف على مسافة واحدة فيما يخص الاندماج إذ يكتفي بعرض مواقف المؤيدين والمعارضين.

يُشكل تأميم قطاع التأمين مرحلة هامة في تاريخ التأمين في العراق ويستحق المزيد من الدراسات التي تتجاوز التقييم النظري والمواقف المساندة والمعارضة لاختبار هذه المواقف وما نتج من تطورات عقب تأميم شركات التأمين. نأمل أن يقوم ستار كرمد بمثل هذه الدراسات.

الباب الرابع: الإنتاج في المرحلة التأسيسية
يضم هذا الباب عدداً من الجداول عن حصص شركات التأمين العراقية والأجنبية من إجمالي أقساط التأمين، والأقساط الإجمالية لفروع التأمين الرئيسية بما فيها أعمال التأمين على الحياة، وكذلك التعويضات، ونسب الخسارة. كما يُفصّل بعض التعويضات الكبيرة، والتوزيع الجغرافي لأعمال التأمين (عدد وثائق التأمين، مجموع مبالغ التأمين، إجمالي الأقساط، إجمالي التعويضات المدفوعة والموقوفة للفترة 1961-1964).

كان من المناسب لو قام الباحث بربط حجم إجمالي أقساط التأمين المكتتبة في كل الفروع مع الناتج المحلي الإجمالي خلال ما اسماه بالمرحلة التأسيسية. ونعني بذلك إبراز التغلغل التأميني insurance penetration (نسبة أقساط التأمين إلى الناتج المحلي الإجمالي). وكذلك قياس الكثافة التأمينية insurance density (للكشف على الإنفاق الفردي على شراء المنتجات التأمينية باحتساب نسبة إجمالي أقساط التأمين إلى عدد السكان).

ويذكر لنا الباحث أن البنك المركزي العراقي أصدر منشوراً بتاريخ 21/8/1952 “القاضي بوجوب جعل جميع الاستيرادات على أساس (سي. أند. أف) [C&F] وبذلك تم حصر تأمين الاستيرادات داخل العراق.” ويبدو اليوم أن القائمين على إدارة البلاد واقتصاده، منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وحتى اليوم، قد فاتهم التفكير في دعم قطاع التأمين الوطني واستعادة بعض الوسائل الكفيلة بذلك ومنها عقود البيع المناسبة التي تحد من تسرب أقساط التأمين إلى الخارج.

هذا العرض السريع ليس بديلاً عن قراءة النص لاكتشاف العلاقات التي يؤسسها الكاتب بين تطور النشاط التأميني، في مراحله المختلفة، وبين الأوضاع الاقتصادية للعراق في العهد العثماني والاحتلال البريطاني وفترة الاستقلال والتحرر.

هناك جوانب شكلية أتمنى على الكاتب أن ينتبه إليها عند إعداد الدراسة لإعادة الطبع أو النشر ككتاب ورقي مطبوع.

كان من المناسب عرض النص على لغوي لمراجعته وتصحيح بعض الأخطاء الإملائية والطباعية قبل دفعه للطبع. وكذلك المراجعة لضمان صحة بعض التواريخ (ص 23، الشركة العراقية للتأمين تأسست سنة 1959 وليس 1958) والأسماء (ص 22، قرارات الهيئة البريطانية، F.O.C.، وهي المعروفة باسم لجنة مكاتب الحريق Fire Offices Committee وكانت هناك لجنة مكاتب الحريق الأجنبية Fire Offices Committee (Foreign) واستفادت شركات التأمين العراقية من نماذج وثائقها للتأمين ضد الحريق والأخطار الملحقة بها).

وكان من المناسب أيضاً ذكر المصادر في ثنايا النص أو في هوامش وخاصة بالنسبة للجداول الإحصائية فهذه، كما أرى، مستلة من كتب أو تقارير ذكرها الكاتب في نهاية النص، أو بيان أنه قام هو بتصنيف الجداول. ففي نهاية الصفحة 78، على سبيل المثال، نجد ما يشبه خبراً منقولاً بصيغة فعل مستقبلي يعود لسنة 1965: “ومن المؤمل أن تستلم الخطوط الجوية العراقية طائرتين أخريين .. في سنة 1966 ..” وهذا مما يفسد سلاسة السرد وسياقه.

ولتسهيل رجوع القارئ إلى ما يرغبه من فصول الدراسة اقترح إدخال أرقام الصفحات مقابل كل باب وعنوان في جدول المحتويات.

أتمنى على إدارة شركة إعادة التأمين العراقية أن تقوم بطبع هذا النص ككتاب ورقي ونشره ليودع في المكتبة الوطنية لفائدة المهتمين بتاريخ النشاط التأميني في العراق وغيرهم من القراء. ولعل المؤرخين ينتبهون إليه لتدشين بحوث أكاديمية في تاريخ التأمين العراقي.

لندن 28 تشرين الثاني 2013

Insurance Consultancy

الاستشارة في التأمين

 

 

تتضمن هذه الورقة ثلاث مساهمات:

رسالة محمد الكبيسي

تعليق مصباح كمال

ترجمة نهاد غازي عسكر

(المحرر)

 

 

محمد الكبيسي

 

 

عزيزي مصباح

 

لا أدرى بالنسبة للعالم الغربي ولكني أستطيع القول ان مشكلتنا في مناطقنا هي الاختلاف في ثقافة التعاقد (دراسة شروط العقد واحكامه وأن تدرك تماما ما لك وما عليك). فعلى صعيد الشركات، وخصوصا الكبيرة منها، ليس هنالك مشكلة، فقد تطور اليوم منحى مهم نحو استيعاب شروط واحكام الوثائق عن طريق اما المحامي او مدير الخطر او حتى عن طريق الوسيط (وان كان بعض المدراء لدى الزبائن لا يزال يظن انه قادر على التحقق من عروض المؤمنين وانه لا كبير حاجه لأهل الخبرة والاختصاص). وقد انتقلت إليهم هذه الثقافة من خلال تعاملاتهم مع الشركات الاجنبية خاصة في العقد الأخير. اما على صعيد الشركات الصغيرة والافراد فالأمر مختلف تماما فلا أحد في اسواقنا يقرأ شروط الوثيقة او يحاول فهم كامل التزاماته وحقوقه بموجب شروطها العامة والخاصة وحتى من يحاول منهم احيانا فلن يستوعبها ولن يستطيع لان الشرط الخاص تحديدا قد يكتب بلغة او اسلوب يصعب احيانا حتى على العاملين في الصناعة فهم جميع حناياه وخفاياه وتفسيراته. لذلك نجد أن معظم المؤمن لهم يُعّول على التسميات التي نطلقها نحن على وثائقنا: كافة اخطار المقاولين، كافة اخطار الحرب والارهاب، كافة اخطار نقل البضائع، كافة اخطار الحريق إلى اخر ما هناك من تسميات تبعد الزبون وتصرفه عن إدراك ان ما من تغطية هي من دون شروط عامة وخاصة واستثناءات وهذه، أي الاستثناءات، قد تحرمه من الحصول على التعويض الذي يأمله. ومن هنا ينشأ النزاع وغالبا ما يصل الى المحاكم هذا دون ان ننسى ان الكثير من الشروط الخاصة تحديدا لم يتم اختبارها لدى المحاكم ولا اظن ان واضعوها متأكدين تماما من فاعليتها في الدفاع عن مواقفهم!

انت تعلم ان بعض الاستثناءات والشروط الخاصة قد تفرغ الغطاء من محتواه ومعناه وغرضه بالإضافة الى ان الزبون الذي يتفاوض على السعر ويضغط على الشركة لإعادة النظر بالعرض الذي قدمته لا يركز في العرض المعدل على ما قامت به الشركة من تحديدات جديدة على الغطاء كي تلبي طلبه، وغالبا ما يتفاجأ انه قد قبل بسعر معدل مقابل نقص/تحديد حيوي في الغطاء وهكذا، دون ان ننسى صرامة المعيد الدولي بالنسبة لتسوية مطالبة ما خاصة بالنسبة للمخازن الكبيرة (warehouse)،على سبيل المثال لا الحصر. فنجد ان المعيد يفترض وجود معلومات وضوابط سلامة وإجراءات من الدرجة الاولى واذا الواقع مختلف تماما عما يريد .. وهكذا.

من هنا نشأ فهمي الشخصي، وقبل أكثر من ثلاثين عاما، لأهمية ابرام العقد الناجح او المثالي القائم على المثل المعروف (اللي اوله شرط آخره نور) وهو ما يعرف عندكم بالشفافية. ولا ادعي ان ذلك لم يتسبب لي في فقدان بعض الاعمال ولكني على الاقل كسبت رضا وامتنان الزبائن وثقتهم. للأسف فإن المشكلة لا زالت قائمة والطرفين يتحملان “كل بقدر” جزءا من المسؤولية عنها، ولم أجد سواء من المؤمن او المعيد او الوسيط الاهتمام الكافي لتصحيح هذا الامر وتعديله فالكل همه الاوحد هو اغلاق الصفقة (closing) اما كيف فلا يهم حاليا واستراتيجيتهم في ذلك هي ان (الله الحافظ)، ان شاء الله ما يصير شيء ولن تكون هناك مطالبات!

اما إذا بيّت المعيد او المؤمِن التملص من التعويض، لسبب ما، فحتى القاضي “يدوخ.” لذلك، والله اعلم، فإن معظم القضاة لدينا يميل الى الحكم لصالح المؤمن له بدعوى: “ايها المؤمِن بما أنك قد استلمت القسط فعليك التعويض”.[1]

من هنا تقوم نصيحتي لجميع زبائني القدماء ان يشركوني في تحليلاتهم لعروض التغطيات إذا لم يكن لديهم مديرا للخطر ذا خبرة بالشروط والاحكام وتأكيدي على معظمهم (من الافراد والشركات الصغيرة) ان يكون لهم استشاريا يتعاون معهم في مفاوضة شركة التامين قبل قبول العرض.

تحقق لي ذلك منذ تركت العمل قبل عام مع زبونين فقط من زبائني القدماء. اما جل زبائني الاخرين فلم تكن استجابتهم بالمستوى المطلوب، ( ربما يظنون انني اسوق لهم نفسي كاستشاري!).

وكما قال صاحب المقال [أنظر النص العربي للمقال أدناه] ان توفر من يحقق في عروض التامين من ذوي الخبرة من شأنه ان يقلل من النزاعات (وبذا تتعزز الثقة بين المؤمن والمؤمن له) ولكنه بالتأكيد لن يقضي على كل اسباب النزاع. وحتى تتهيأ لنا الارضية المناسبة لقيام ثقافة الاستشارة و(اعطاء الخبز بيد خبازه) علينا ان نبقي اصبعينا منعقدين!

ختاما لك شكري وامتناني لمشاركتي هذا الموضوع الحيوي ودمت بخير.

 

محمد

اربيل 4/5/2014

 

 


 

الاستشارة بين الاستشاري التأميني ووسيط التأمين

 

 

مصباح كمال

 

 

لطالما كان الزميل محمد الكبيسي مصدراً مهماً لي للعديد من المعلومات القيمة عن أوضاع التأمين في العراق، كما أشرت إلى ذلك في العديد من دراساتي. كما كان معلقاً نقدياً نزيهاً لما كنت أكتبه أو أقترحه. فله كل التقدير.

ويسرني الآن أن أنشر رسالته التي كتبها تعليقاً على مقالة قصيرة بالإنكليزية كنت قد أرسلتها له لأنها تلقي بعض الضوء على جانب من العمل الاستشاري في التأمين الذي لا يجد دائماً ترحيباً حقيقياً به لدى المؤمن لهم.

وقد تفضل الزميل ياسر نهاد غازي عسكر بترجمة المقالة إلى العربية. فله الشكر أيضاً.

الملاحظات المهمة التي تضمنتها رسالة الزميل الكبيسي بحاجة إلى توسيع. وأنا أدعو القراء إلى مناقشتها والبحث في مضامينها، كما أدعو الزميل الكبيسي أن يولي مزيداً من الاهتمام بموضوع الاستشارات التأمينية في العراق فهو يشكل في رأي، من منظور واسع، جزءاً من “ثقافة التأمين.”

وبودي توسيع دائرة النقاش من خلال تقديم بعض الملاحظات لجانب من موضوع الاستشارة في التأمين.

عقود التأمين الكبيرة، وخاصة تلك التي يقف ورائها الممولون الدوليون كالبنك الدولي ومؤسسات الإقراض الأخرى، تشترط، ضمن عقد القرض، على تعيين استشاري تأميني قبل توقيع العقد، وبعد وضع البرنامج التأميني قيد التطبيق ولحين إكمال المشروع الممول وتشغيله وسنعرض له بتعليق إضافي أدناه. كما أن العديد من الشركات الكبيرة تلجأ إلى الاستشاري التأميني، مثلما تلجأ إلى وسيط التأمين المحترف، لضمان الحصول على أفضل التغطيات ضمن شروط السوق المتاحة.

ارتبطت نشأة الاستشارة التأمينية تاريخياً بوسيط التأمين. فالوسيط، بصفته المهنية، يقوم باختيار المكتتب المناسب الذي يقدم أفضل الشروط لتغطية الأخطار المراد التأمين عليها وبأفضل الأسعار التنافسية. هذه هي الوظيفة الأساسية للوسيط لكنها كانت تنطوي على تقديم الاستشارة لطالب التأمين، كالتعريف بالمنتجات التأمينية، شرح غطاء التأمين، أثر بعض الاستثناءات، تحسين غطاء التأمين المقدم من قبل شركات التأمين وغيرها. الوسيط الحديث يجمع بين الاثنين. لكن تطوراً أخذ بالظهور منذ سبعينيات القرن الماضي، ارتبط بتمويل المشروعات من خلال القروض المؤسسية.

إن مؤسسات الإقراض الدولية معنية، ضمن أمور أخرى، بضمان إنجاز المشاريع التي تمولها. ويحتل التأمين أهمية أساسية بهذا الشأن. عند وقوع ضرر، أثناء النقل البحري أو أثناء فترة الإنشاء، وحصول تأجيل بسببه فإن المؤسسة المقرضة تشترط على أصحاب المشروع التأمين الكافي بما يضمن جبر الضرر المادي والتعويض عن فترة التوقف أثناء إنشاء المشروع وكذلك التأجيل الذي لا يظهر أثره إلا بعد إنجاز المشروع في وقت متأخر عن التاريخ الأصلي المرسوم لتشغيل المشروع. وهذا الأخير، تأخر تشغيل المشروع وما يترتب على ذلك من خسائر مالية متوقعة (أرباح) كان سيستخدم بعضها لإطفاء القرض، هو الذي ساهم في تطوير وثائق متخصصة للتأمين على الربح المتوقع Advance Loss of Profit (ALOP) أو ما يعرف بتأجيل تشغيل المشروع Delay in Start-Up (DSU). وكان لوسطاء التأمين دورهم في تطوير هذه الوثائق المتخصصة.

صحيح أن الوسيط كان يقوم بمهمة إجراء التأمين لصالح أصحاب المشروع والمقاولين والمشاركين في التمويل وتقديم الاستشارة التأمينية لهذه الأطراف إلا أن ميلاً بدأ يظهر في السنوات الأخيرة للفصل بين هاتين الوظيفتين: إجراء التأمين (وظيفة الوسيط الأساسية) والاستشارة التأمينية (وظيفة الاستشاري التأميني) رغم أن بعض وسطاء التأمين يجمعون بين الوظيفتين.

وهكذا يمكن القول بأن ظهور بعض الوظائف المهنية هو استجابة لمتطلبات جديدة، وهو أيضاً يعكس التطور في تقسيم العمل بمعنى الميل نحو التخصص بسبب تعقد الأعمال والعقود المرتبطة بها.

هذا العرض السريع لظهور الوظيفة الاستشارية في التأمين يقتصر على جانب منه يرتبط بقروض المشاريع الإنشائية. ومن المهم ربطه بتطور وظيفة إدارة الخطر، وهي وظيفة آخذة بالتطور المستمر (التحول من مجرد ترتيب أغطية تأمينية لأخطار معينة نحو تحليل المخاطر التي تتعرض لها المنشأة من الداخل والخارج بما في ذلك تأثير بيئة الأعمال والتشريعات الرقابية وغيرها). والملاحظ أن تطور إدارة الخطر لم يلغي دور الاستشاري التأميني المتخصص، ولذلك يلجأ إليه مدير إدارة الخطر.

 

لندن 12 أيار 2014

هل تظن إنك تعرف الهدف من التأمين؟ فكر مجددا

 

 

بقلم: بروس هﹷبيرن

ترجمة: ياسر نهاد غازي عسكر

 

Bruce Hepburn, “Think you know the point of insurance? Think again” Airmic News, 2 May 2014

 

 

قد يبدو هذا السؤال غريبا بطرحه في إيرمِك نيوز(Airmic News)[2]، لكنه سؤال لا يلقى الكثير من الاهتمام. التأمين يعادل النقود. فهو يحتاج إلى ترتيب تماماً مثلما يرتب القرض المصرفي أو إصدار الأسهم أو أي نوع آخر من أعمال التمويل. وترتيب التأمين هو أكثر تعقيدا مقارنة بأغلب أنواع الأموال الأخرى لأنك لا تمتلكه فعلا. ان الظروف التي يتم بموجبها دفع التعويض في وثيقة التأمين يجب أن تُعـّرف وعقود التامين (متى ما تعمقت فيها) هي في الواقع معقدة جدا فيما يخص التغطية، الالتزامات والكشف عن الحقائق.

مع ذلك مقارنة بالأنواع الأخرى من النقود ينظر إلى التأمين كأمر مُـسلّم به من قبل الإدارة العليا كأنه سلعة يفترض أن يقوم بتسديد التعويض، أو عدم تسديده استنادا إلى الموقف الشكّاك عموماً تجاه المُؤمـِنين: “سوف يجدون طريقة ليتنصلوا عن الدفع مهما فعلنا”. لكن في كل الأحوال، الهدف هو التكلفة وليس ماهية التأمين أو كيف يتم ترتيبه -وعادة ما يتضمن اجور واطئة للترتيب وبدون محامين ومفاوضات محدودة على التغطية أو الشروط. قليلة هي الشركات التي تقترض 300 مليون جنيه بدون تدخل المحامين في جميع التفاصيل، لكن وثيقة التأمين التي توفر حماية بـ 300 مليون جنيه لا ينظر لها بنفس الطريقة بالرغم من تعقيدها – وهذه هي من مفارقات إجراء التأمين.

مع ان الازمة المالية بدأت تصبح من الماضي البعيد، إلا أن آثارها لازالت باقية. وتظل الحماية التي يوفرها التأمين ضروريا لأغلب الأعمال اليوم أكثر مما يدرك البعض، وهذا يتمثـل بسؤالين بسيطين:

 

1. إذا تعرضت لخسارة كبيرة (لنقل ثلثي الحد الأعلى للتأمين) وتأخر تسوية تعويضها لسنوات ولأية أسباب، كيف يمكن للشركة أن تتعامل مع هذا الوضع؟

2. هل ان تأمينك ذا قيمة جيدة مقارنة بالأنواع الأخرى من رأس المال المستثمر؟

 

ان الجواب على السؤال الأول يبقى مشكلة للكثيرين من حيث الاستراتيجية إن لم يكن استمرار بقاء الشركة مما يجعل المفارقة أغرب. أما الجواب عن السؤال الثاني فإنه نادرا ما يؤخذ بنظر الاعتبار لكنه بالنسبة للعديد من الشركات يعطي للتأمين تعريفا وقيمة أعلى.

نحن نعمل مع الشركات لإفهامهم أهمية التأمين لهم وما يمليه عليهم للتأكد من أنه يمكن الاعتماد عليه. ان “المنتج” التأميني المعتمد، مقارنة بمعظم أدوات التمويل الأخرى، يتم تكوينه بصورة مشتركة خلال عملية إجراء التأمين من قبل المشتري، والوسيط والمؤمِن. لذلك فإن التحليل يجب أن يبدأ بفهم أهمية التأمين، لكنه ينتهي بالتأكيد مع ضمان شراء التغطية الصحيحة، وأن تكون العقود واضحة وعادلة، وأن كلا من التعرض ومسؤوليات كل طرف مفهومة ومعرّفة بدلا ان يكتنفها الغموض وتصبح عرضة للجدال متى ما تم تقديم طلب بالتعويض.

لقد أعطي الكثير من الاهتمام الصحيح لعمل مفوضية القانون (Law Commission)[3] لإبراز بعض أكثر الشروط غير العادلة في عقود التامين واقتراح تغييرات قانونية لها. وفيما لو تم إحراز تقدم في هذا المشروع، ففي كل الأحوال يجب على أعضاء إيرمِك (Airmic) أن يدركوا بأن هذا ليس سوى جزء بسيط من قصة أكبر، لأنه ببساطة لا يوفر حماية ضد الكثير من مصادر الخلاف الحالية في ملفات التعويض.

 

بغداد

12 آيار 2014

 

 

[1] ربما يقوم موقف القضاة على الحماية التي يوفرها القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951. فالمادة 985 تنص على أنه “يقع باطلاً كل ما يرد في وثيقة التأمين من الشروط الآتية:

1 – الشرط الذي يقضي بسقوط الحق في التأمين بسبب مخالفة القوانين والانظمة، الا إذا انطوت هذه المخالفة على جناية او جنحة عمدية.

 

2 – الشرط الذي يقضي بسقوط حق المؤمن له بسبب تأخر في اعلان الحادث المؤمن منه الى السلطات، او في تقديم المستندات، إذا تبين من الظروف ان التأخر كان لعذر مقبول.

3 – كل شرط مطبوع لم يبرر بشكل ظاهر وكان متعلقاً بحالة من الاحوال التي تؤدي الى البطلان او السقوط.

4 – شرط التحكيم إذا ورد في الوثيقة بين شروطها العامة المطبوعة، لا في صورة اتفاق خاص منفصل عن الشروط العامة.

5 – كل شرط تعسفي آخر، يتبين انه لم يكن لمخالفته إثر في وقوع الحادث المؤمن منه.” (المحرر).

 

بعد اطلاعه على مسودة هذه الورقة كتب الزميل محمد الكبيسي ما يلي:

 

عزيزي مصباح،

 

الواقع انني لم أكن اقصد الشروط التي تفضلت بإيرادها اعلاه وهي مما اسميه بالـ(اجرائية)، وكلها تراعيها وثائقنا عند الاصدار والتطبيق، فتجد وثائقنا معلمة باللون الاحمر لكل شرط يؤدي الى سقوط الحق، ومنذ زمن بعيد يلحق شرط التحكيم بورقة خاصة منفصلا عن الوثيقة ويوقع عليه من قبل الطرفين قبل الاصدار، أي ابتداءً عند تقديم استمارة طلب التأمين .. الخ، بل كان المقصود هو بعض الجوانب الفنية في بعض الشروط الخاصة والتحديدات التي ينطوي عليها البعض (ولو كان لدي وقت لبحثت في ارشيفي عن العديد من الامثلة) وخاصة في التأمينات الهندسية كطول جسر او شرط استيراد معدات او شرط العمل الاضافي او الشروط الخاصة بحفر خندق قرب مجرى مائي او غيرها الكثير من الشروط التي قد يضطر معها القضاء الى استشارة اخصائيين او اجراء كشوف وما الى ذلك مما يؤدي الى تأخير في تسوية التعويض وكلها في غير صالح المؤمن له خاصة اذا نظرنا الى الامر من زاوية القدرة على الاستمرار بالعمل والتداعيات المترتبة على التأخير كتأثيرات التضخم النقدي وخسارة الارباح وغيرها وذلك عندما لا يبت بالمطالبة الا بعد مرور سنوات عدة.

 

محمد

أربيل 13/5/2014

 

[2]AIRMIC هي الحروف الأولية لجمعية مدراء التأمين والخطر في الصناعة والتجارة (Association of Insurance and Risk Managers in Industry and Commerce)، وهي منظمة بريطانية غير ربحية تأسست عام 1963 لتمثيل والدفاع عن مصالح مستهلكي التأمين من الشركات الصناعية والتجارية في بريطانيا وترويج مفاهيم إدارة الخطر للمنشآت بين أعضائها. (المحرر).

 

[3] بدأت مفوضية القانون، في بريطانيا واسكتلندا، عملها عام 2006 لدراسة واقتراح تعديل جوانب من القوانين الحاكمة لعقد التأمين: مبدأ كشف طالب التأمين لشركة التأمين عن المعلومات الجوهرية المتعلقة بموضوع التأمينinsured’s duty of disclosure وما يعرف بالاشتراطات law of warranties والمصلحة التأمينية insurable interest والمطالبات القائمة على الغش fraudulent claims وأقساط التأمين البحري premiums in marine insurance. هذه المعلومة مستلة من كتاب مساهمة في نقد ومراجعة قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (منشورات مكتبة التأمين العراقي، 2013) ص 6. (المحرر).

Scientific Research, Future of Insurance

البحث العلمي، مستقبل التأمين[1]

كرستوف كورباج و باتريك م. ليدتكه

ترجمة ياسر نهاد غازي عسكر

نشر هذا المقال في اقتصاديات التأمين العدد 56، تموز 2007، وهي من مطبوعات المؤسسة البحثية المعنية بالخطر واقتصاديات التأمين، المعروفة باسم جمعية جنيف The Geneva Association

Christophe Courbagé and Patrick M. Liedtke, “Scientific Research, Future of Insurance,” Insurance Economics, No. 56, July 2007.

في سنة 1973، قررت مجموعة صغيرة من المؤمِنين الأوربيين بقيادة فابيو بادوا Fabio Padoa رئيس مجموعة جنراليالايطالية (Generali group)آنذاك وبدعم من رايموند بار (Raymond Barre)تشكيل جمعية جنيف (The Geneva Association). كان هدف الجمعية في ذلك الوقت تكوين بنية هيكلية تدعو للبحث في مجالي الخطر والتأمين. لقد أدرك الأعضاء المؤسسون لجمعية جنيف قبل ثلاثين سنة مضت الدور الفاعل الذي سيلعبه التأمين وإدارة الخطر في اقتصاد السوق. وبتشكيل هذه الجمعية عبر أعضاؤها عن رغبتهم ليس فقط في المشاركة من أجل فهمٍ أفضل لتطور مجتمعاتنا بل في تحفيز الدارسين والباحثين في دراسة أنشطة التأمين أيضاً. في الوقت نفسه أتاحت لهم هذه المبادرة  تكييف الإدارات الخاصة بشركاتهم لتتماشى مع متطلبات عصرنا.

حداثة البحث في التأمين

من الجدير بالذكر انه في بداية السبعينيات كانت البحوث في إقتصاديات الخطر والتأمين لاتزال في طور التحديث. كان ينظر للتأمين كنشاط اجتماعي غير مهم، ولم تلقَ وظيفته الاقتصادية الاهتمام الكافي، والأسئلة المتعلقة به كانت تُحل على أساس الرياضيات الاكتوارية والقانون. ومع مرور الثلاثين سنة المجيدة(Trente Glorieuses) [2] وبداية نمو اقتصادي مطرد، ظهرت أهمية التأمين تدريجياً كعامل فعـّال في أي استراتيجية للتنمية الاقتصادية. فقد استطاع الباحثون من خلال دمج مبدأ عدم التأكد (uncertainty) في النظرية الاقتصادية والاستفادة من تطور النظرية المالية ونظرية اتخاذ القرار، فَهْم القضايا ذات العلاقة باقتصاديات التأمين وبإدارة الخطر، مثل: توازن التأمين في السوق، والطلب الفردي للتأمين، ومشكلة التباين في المعلومات، وبنية عقود التأمين، وتنظيم الأسواق .. الخ. في أيامنا هذه ازدادت البحوث الأكاديمية في اقتصاديات التأمين. ونجد الآن مجلات أكاديمية تأمينية متخصصة وتم نشر موسوعات في التأمين. لقد أصبح هذا المجال مادة تُدّرس في أفضل الجامعات، ويمكننا التجرؤ بالقول ان جمعية جنيف شاركت في هذا التطور.

ماذا يعني البحث العلمي؟

بالرغم من وجود المعرفة الاكاديمية والنتائج النظرية والعملية في إقتصاديات التأمين بكثرة في الوقت الحاضر فمن العدل ان نتساءل حول مدى فائدتها لقطاع التأمين. هذه التساؤلات تشير بشكل كبير إلى ضرورة البحث العلمي. فالبحث العلمي، قبل كل شيء، يلعب دوراً فاعلا في تطور الابتكار والإبداع. وبهذه الطريقة سيخدم البحث العلمي هدفين: من جهة، تطوير معرفة جديدة قائمة على اكتشاف المجهول من خلال البحوث الأساسية. ومن جهة اخرى، تطوير معرفة موجودة لتكوين نتائج جديدة من خلال البحوث التطبيقية. هذان الهدفان مكملان لبعضهما لأن البحوث الأساسية بدون تطبيقات ممكنة ستكون ذات فائدة محدودة وفي الوقت نفسه فإن البحث التطبيقي بحاجة إلى البحوث الأساسية.

وهكذا فإن قطاع التأمين يستفيد بصورة كبيرة من البحث العلمي لفهمٍ أفضلَ لآلية التأمين وعمله، حيث يمكنه [البحث العلمي] تقديمَ منتجاتٍ تعكس بدقة تقريباً الخطر المراد تحمله ويساعد في تكوين القرارات المتعلقة به من خلال تصميم نماذج (models) غاية في الدقة لتقييم الأخطار والتنبؤ بها. ويمكنه أيضاً تشخيص أخطار جديدة تكون الحاجة للحماية منها عالية. أخيراً، لا حاجة للتأكيد على العلاقة القوية بين البحث والتعليم. البحث العلمي هو استثمار للمستقبل. نحن نعلم ان دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تستطيع مع الوقت زيادة قابليتها الإنتاجية إذا قام أفراد منها بإكمال دراساتهم العليا حيث لا يمكن الاستهانة برأس المال البشري. التوجهات الديمغرافية الحالية تشير إلى نقص العاملين في مجال التأمين ويظل تدريب الأفراد في هذا القطاع يُشكّل تحديا كبيرا.

إن هذه الاعتبارات تقودنا بالتأكيد إلى أسئلة متنوعة في حيثيات تمويل البحوث. هل نستطيع خصخصة البحوث الأساسية مع الحفاظ على جعل نتائجها بمتناول الجميع؟ هل من الضروري جعل العلوم التطبيقية حكراً خاصاً بالشركات أو نرضى بإدراجها في مشاريع عامة؟ هل من الممكن إيجاد أرضية تعاون بين القطاعين العام والخاص قادرة على أن تحافظ على مصالح الشركات والمجتمع بنفس الوقت؟ يبدو أن القطاع المصرفي قد نجح في الإجابة على هذه الأسئلة من خلال تفاعله مع الوسط الأكاديمي. ومن حقنا أن نتساءل عن عدم اهتمام صناعة التأمين باقتصاديات التأمين والعلوم الاكتوارية. الجواب الأول يأتي من وجود منتجات مالية معقدة تستدعي نماذج وتقنيات جديدة لتقييم الأصول المالية. ومن غير الواضح إذا كانت الطرق الإحصائية والمنتجات التأمينية قد تعرّضت لنفس التطورات. ثانيا، استفادت البحوث في قطاع المال من مجموعة كبيرة من المعطيات لتقييم نماذجه، واختبار نتائجه وتطبيقه مباشرة من قبل العاملين فيه. لسوء الحظ مثل هذه المعطيات عن التأمين غير متوفرة، مما يؤثر على توسيع  البحث.

توجهات البحث في مجال التأمين

إن البيئة الاقتصادية الحالية تتمثل بالترابط المتزايد بين الأخطار والنشاطات مما يؤدي إلى زيادة الإحساس بالانكشاف أمام الأخطار والحاجة إلى الحماية. لذلك سيلعب التأمين دورا كبيرا في عدد من القطاعات الاقتصادية. ماهو المتوقع من البحث العلمي في حقل التأمين؟ ماهي مجالات البحوث الملائمة التي تلتقي مع الاهتمام المتزايد بقطاع التأمين مستقبلا؟ الإعتبار الأول يكون بتمييز البحث الذي نتائجه ليست محددة بالتأمين فقط، مثل البحوث المتعلقة بالابتكار، والأخطار المتعلقة بالبيئة، والديموغرافيا … الخ، مِن البحوث المتعلقة بالتأمين كما يجري تطويرها في إطار العلوم الاكتوارية واقتصاديات الخطر والتأمين. وقد حددت جمعية جنيف، من خلال برامجها البحثية، عدداً من التوجهات التي تستحق تحليلاً مكثفاً واستثماراً للبحث الأكاديمي، والتي يمكن أن توفر تطبيقات للمزيد من البحوث الأساسية. لن نقدم قائمة مسهبة هنا لكننا سنطرح بعض التوجهات التي لها الأولوية.

قطاع المال، الملاءة والمحاسبة

إن المقاربة المالية لقطاع التأمين مرت بتطورات ملحوظة من خلال قياس الملاءة والمحاسبة (solvency and accounting). وقد تم تعزيز هذه القضايا مؤخراً بالتعديلات التي أدخلت على قواعد الملاءة المصرفية (Basle II)، والاصلاحات في معايير المحاسبة الدولية (IAS) واطلاق الاصلاحات في الإطار الاوربي للتأمين (Solvency II). السؤال المهم هنا هو الفهم الأفضل لهذه المتغيرات وعواقبها لقطاع التأمين. بصورة عامة، من الضروري فهم كيفية توزيع رأس المال وإدارته في المؤسسات المالية. ومن الضروري أيضا معرفة مصادر عدم الكفاءة في المجموعات المالية. وأخيراً، فهم الابتكارات المالية الاخيرة في مجال توريق (securitization) صنوف معينة من الخطر تحتاج إلى تطوير.

القانون والمسائل الرقابية

مع التطور الحالي في تنظيم أسواق التأمين، يمكننا التساؤل عن القيمة التي أضافتها قوانين تنظيم الخدمات المالية في عالم يكون فيه عرض الخدمات وطبيعة المنتجات المالية في الغالب معقداً ومبهماً. هل هناك ضرورة لمنظم [مراقب] واحد لجميع الخدمات المالية أو وجود عدة منظمين اعتماداً على نوع الخدمة؟ هذا بدوره سيدفعنا للتساؤل حول فعالية نظام [للمراقبة] مقارنة بنظام آخر. بنفس الطريقة، كيف يمكننا أن نُقدّر الكلفة لشركة التزامها بالقوانين التنظيمية غير متكامل ومساعدة صناع القرار [في مثل هذه الشركات] لكي يفهموا بشكل أفضل عواقب اختيارهم؟ من وجهة نظر قانونية، فإن قضايا المسؤولية لاتزال في الواجهة، وتحديداً في القطاعات الطبية والبيئية حيث أسعار التغطية التأمينية لأخطار المسؤولية قد تزايدت بشكل كبير في السنوات الأخيرة. إن خطر المسؤولية حالة خاصة من حيث المبدأ إذ أن الفترة بين تحديد الخطر ودفع التعويض عن الضرر غالباً ما تكون  طويلة. مثل هذه العقود الطبية والبيئية تمر بدورات مهمة مما يجعل من تقدير الخسائر مسألة حساسة جدا.

الشيخوخة، التقاعد والتأمين الصحي

تبين الاتجاهات الديموغرافية الجديدة ظهور تغيرات جوهرية من حيث ادارة المخاطر المتعلقة بالحياة. كيف يمكننا تغطية هكذا خطر؟ من الضروري استيعاب القرارات الاستهلاكية خلال فترة حياة الفرد وبذلك يتم تقليل العبء على افراد المجتمع الذين قد يتخذون خيارات خاطئة وباهظة الثمن. هذا بدوره يتطلب فهماً افضلَ للعواقب المتأتية من رسملة أكبر لأنظمة الحماية الاجتماعية. كيف يمكن تصميم الآليات الخاصة والعامة لتمويل الأنظمة الصحية لدعم الابتكار (بدون توليد نفقات اضافية)، وتحسين نوعية العناية وتقليل الأخطاء الطبية؟ من المهم أيضاً أن نفهم بشكل أفضل المؤثرات الديموغرافية على الأنظمة الصحية، من حيث تدريب الكادر الطبي، وأنواع الرعاية الصحية، وتوزيع وتمويل العناية. أخيراً، هذه الاتجاهات الديموغرافية يجب أن تعزز التفاعل بين الأنظمة التقاعدية والصحية مما يحتاج إلى وقفة عالمية.

إدارة الخطر

مع ازدياد الترابط بين النشاطات البشرية، أصبحت الأخطار مرتبطة ببعضها أكثر فأكثر مثل أحجار الدومينو. كيف يمكننا قولبة [وضع نموذج] وقياس وإدارة هذه الأخطار؟ ما هي الصعوبات النظرية والعملية؟ إن الأخطار التشغيلية مثالٌ واضحٌ وتحتاج إلى معالجة خاصة من قبل المؤسسات المالية وغير المالية. وإذا كانت طرق إدارة الخطر الحالية غير مثالية، يجب التفكير في الاستفادة من النظريات والمناهج والممارسات المعتمدة في فروع المعرفة الأخرى في هذا المجال. هل سنستفيد من سبر مجالات أخرى مثل علم المناخ، علم الاجتماع، علم الانسان (الأنثروبولوجيا) والهندسة العالية؟ أخيراً، يمكننا التساؤل عن امكانية إدارة خطر المؤسسة [المشروع، الشركة] Enterprise Risk Management بشكل تطبيقي ليتم استخدامه بشكل مباشر من قبل الشركات أو الافراد.

القابلية التأمينية والمزج بين القطاعين العام والخاص

هذا الموضوع [القابلية التأمينية أو التأمينية اختصاراً insurability][3] هو من كلاسيكيات اقتصاد التأمين الذي ارتبط مع أول دراسة قام بها برلينر Berliner(1982) حول مفهوم القابلية التأمينية. وتظل هذه الدراسة دائماً أساسية وتثير الكثير من الأسئلة المهمة مثل: كيف يمكن تكوين إطار نظري ووضع مجموعة من المبادئ تشمل القطاعين العام والخاص لأغراض توزيع الخطر؟ كيف يمكن أيضاً تعويض الضحايا من الأضرار الناتجة عن الأخطار طويلة الأمد مثل التعرض للمواد السامة والخطرة؟ كيف يمكن تحسين آلية إدارة الخطر المرتبط بالأحداث الطبيعية والارهاب وغيرها من الأخطار الكارثية؟

الخاتمة

هذا المقال المختصر بـيّن أهمية البحث العلمي لقطاع التأمين، ليس فقط لكون البحث حيوياً لتحفيز الباحثين للعمل على مواضيع متعلقة بالتأمين بل تقديم الوسائل للقيام بذلك. ان التخصيص الحديث لمقاعد اكاديمية لدراسة الخطر في الجامعات الفرنسية ومراكز البحوث الممولة من قبل شركات التأمين هي خطوة مهمة في هذا الاتجاه، وهي علامة قوية على اهتمام صناعة التأمين يعكس صورة طويلة الأمد على أهمية دور ووظيفة التأمين وإدارة الخطر في الاقتصاد. وعطفاً على ما تقدم فإن جمعية جنيف تدعم هكذا مبادرات وتنوي ان تصبح أحد المشاركين الأساسيين فيها. ويجب ان لا ننسى أن عملية خلق الأفكار وتوزيع المعرفة في مجال التأمين كان من الأهداف الأساسية لمؤسسي الجمعية.

المصادر

Berliner, B., Limits of Insurability of Risks, Englewoods Cliffs, 1982.

Dionne, G. (Ed); Handbook of Insurance, Kluwer Academics Publishers, 2000.

Liedtke, P. (Ed); Ventures in Insurance Economics and Strategy, Blackwell Publishing, 2003.

Liedtke, P. et Courbage, C. (Eds); Insurance and September 11 – One Year After, PWS Publishing, 2002.

Loubergé, H.; “Risk and insurance economics – 25 years after”, The Geneva Papers on Risk and Insurance – Issues and Practices, no 89, 1998, p. 540-567.

Authors: Christophe Courbage and Patrick M. Liedtke are respectively Head of Research Programme andSecretary General and Managing Director of The Geneva Association.

تمت الترجمة في 9 نيسان/أبريل 2014

[1]هذا النص هو نسخة مختصرة من مقالة منشورة في Risques – Les cahiers de l’assurance, vol 69, 2007, pp. 111-115

[2]وهي السنوات الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى عام 1975 (المحرر).

[3]للتعريف بالتأمينية من منظور تاريخي أنظر: جيفري كلارك، “وجهة نظر تاريخية عن التأمينية”، نص مترجم في كتاب مصباح كمال، مؤسسة التأمين: دراسات تاريخية ونقدية (مصباح كمال: مكتبة التأمين العراقي، 2014)، ص 60-76.

في تقديمه لترجمة هذه الدراسة ذكر المترجم أنه “ليس لنا في اللغة العربية مقابل واضح وسهل للمفردة الإنجليزية (insurability) ولذلك استخدمنا كلمة “التأمينيّة” (بدلاً من قابلية الخطر للتأمين من عدمه) كمصدر صناعي (ياء مُشددة وتاء تأنيث في آخر الكلمة).  والقارئ اللبيب يعرف كيف يُفرّق بين استعمال هذه المفردة حسب السياق الذي ترد فيه كمصدر صناعي وكأسم منسوب (صفة) كما في قولنا الحماية التأمينية.  وأتمنى على من هو ضليع باللغة العربية أن يُسعفنا في بيان صحة هذا الاستخدام أو تقديم بديل مناسب.” ص 60-61 (المحرر)

Marwan Hashim Al-Kassab – memorium

كلمات في استذكار مروان هاشم القصاب

 

 

كتابات بقلم:

 

إيمان شياع

باقر المنشئ

جمال أحمد

فؤاد شمقار

مصطفى نوري

 

 

تقديم

 

 

كنت قد كتبت لبعض الزملاء في اوائل السنة عن نيتي إعادة نشر مقالات المرحوم مروان هاشم القصاب (1957-2011) التي أصدرتها سنة 2011 في كتاب إلكتروني بعنوان مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق بمناسبة حلول الذكرى الثالثة لرحيله في نيسان 2011.  وقلتُ لهم إن إصدار طبعة ثانية من الكتاب هو خير استذكار له، ولأن ما كتبَه عن قطاع التأمين العراقي لا يزال منطبقا على الواقع الحاضر للقطاع.  وأنا استفقده لأنني لا أجد إلا القليل ممن له قدراته وجلده في البحث والكتابة عن قضايا التأمين العراقي في الوقت الحاضر.

 

وقد تمنيتُ عليهم الكتابة عنه، أو الطلب ممن له معرفة جيدة به القيام بذلك.  وهنا أدرج ما وردني من كتابات حسب تاريخ ورودها باستثناء كلمة الزميل فؤاد شمقار “في استذكار مروان هاشم القصاب” التي كتبها بتاريخ 28 أيار 2011 ونشرتُها في مجلة التأمين العراقي.

 

أُحس وأنا أعد هذه الكلمات للنشر بأننا ننتسب إلى مجتمع صغير يضمنا، نحبه ونأسى عليه أيضاً ونحمل همومه، أعني مجتمع التأمين العراقي، الذي نحتفي اليوم بذكرى أحد أفراده المهمين.  أملنا أن يزدهر هذا المجتمع بالشكل الصحيح ليخدم المجتمع الأكبر الذي هو وطننا العراق وأهله.

 

أقدم شكري للسيد جمال أحمد، صديق المرحوم مروان لعدة عقود، وهو من خارج قطاع التأمين، على رسالته، المنشورة هنا.  أتمنى عليه أن يكتب المزيد عن صديق عمره رغم انشغالاته والمصاعب التي ألمّت به.

 

مصباح كمال

لندن آذار 2014

misbahkamal@btinternet.com

ملحوظة

سأضم هذه الكتابات كملحق للطبعة الإلكترونية الثانية لكتاب مروان القصاب مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق.


 

في ذكرى الإنسان الطيب العقلاني

 

 

مصطفى نوري

 

 

لقد كان لي الشرف بمعرفة الاخ جمال أحمد[1] بعد وفاة اخي وصديقي العزيز مروان.  كم كنت أتمنى لو اجتمعنا في يوم من الايام وتحادثنا فأنا كلي شوق وفضول لمعرفة حجم وجمال تلاقي العقول فالنقاش المتزن والحضاري والبعيد عن ثقافة الجهلاء سيكون ولا اروع.  ولكن، للأسف، خطف الموت مروان قبل ذاك.

 

لقد تألمت جدا عند اطلاعي على رسالة الاخ جمال والمحنة التي يمر بها، نجاه الله منها.  في مقدمة صغيرة عن هذا الشخص الرائع اود القول انه كان يتمنى كثيرا جدا لقاءك.  كم تمنيت في داخلي عندما التقيتك[2] في ممرات التأمين الوطنية ان يكون مروان حاضرا بيننا.  لا يمكنني تصور حجم سعادته.

 

تعود علاقتي مع مروان الى بداية انضمامي الى القسم الفني في شهر شباط من العام 2007 حيث بدأنا نتكلم مطولا عن ما يمر به العراق، وما يحصل من فشل في ادارة الدولة، والفساد المستشري في كافة القطاعات.  وكنا متطابقين في افكارنا الى حد عجيب.  مروان الرجل هو من ذاك الطراز الذي لم يَخفْ في يوم من الايام من قول الحقيقة مهما كانت مرة.

 

لقد احدث انضمامي والمرحوم مروان الى الكتابة في مدونة مجلة التأمين العراقي (كما كانت تسمى حينذاك) تغييراً جذرياً في تفكيرنا، فكنا نجلس بالساعات نناقش مقالة لي تارة ومقالة له تارة اخرى الى ان يعلو صوت المزاح والانتقادات الساخرة في محاولة للوي الاذرع والى ان يحمرّ مروان من الضحك وتدمع عيناه.

 

للأسف ففي الوضع الثقافي المزري الذي يمر به العراق والتخندق الطائفي وعلو اصوات الجهلة اصبح على العقلاء ان ينطوا على انفسهم ويكبتوا في داخلهم خوفا على حياتهم او حياة عوائلهم، دافعا الانسان العراقي الى حالة من اليأس والتشتت الذهني.  فبدلا من التركيز على العمل والانتاج وتحفيز قدرات الانسان في الابداع اتجهنا الى عد الايام وانتظار الضيف المتوقع في اي لحظة وفي اي مكان، الا وهو الموت.

 

مروان هذا الشخص الغريب الاطوار بالنسبة لمن عرفوه عن بُعد او لم يحتكوا به بصورة مباشرة، الا انني ومن معرفتي به ومدى تقربنا أُقسم انه قد أمتلك قلبا عطوفا وحنونا وطيبا، محبا لكل الناس، وعقلا مستنيرا، غير روتيني، مائلا الى المنطق والعقلانية في اتخذا القرارات، بعيدا كل البعد عن ما يروج له البعض من طائفية بغيضة.  هنا اتذكر قول الدكتور علي الوردي، والذي نتشارك انا ومروان حبه، عندما قال ان الشعب العراقي شعب طائفي وغير مؤمن.  رحمك الله ايها الدكتور الجليل.  لقد لخص نفسية الإنسان العراقي بجملة صغيرة، وللأسف صحيحة.

 

رحم الله الاخ والصديق مروان فهو سيبقى الى الابد في ذاكرتي فلا يكاد يمر يوم الا وهو في تفكيري.

 

اشكرك جدا على اهتمامك وتذكرك لشخصية تأمينية مهمة كان لها الاثر في قطاع التأمين وتأريخ الاعادة بشكل خاص.

 

بغداد 15 كانون الثاني 2014

 

 

كلمات في رثاء الراحل مروان هاشم القصاب

 

 

إيمان شياع

 

 

ثلاثة سنوات تمر الآن على رحيل الصديق الزميل مروان القصاب، والذي عرفته لسنوات طويلة وكان لنا فيها الكثير من المواقف المشتركة، تارة متفقين وأخرى مختلفين كحالة صحية للعلاقة الإنسانية التي تسمو فوق الانتماءات وتأخذ طابع الثبات والأرضية المشتركة في مواقف قد لا يعرفها الكثيرون، يدفعنا لذلك الوعي المشترك بالوضع الراهن والأمس الذي انتسبنا له والخلفية المعرفية باعتبارنا كنا ننتمي لجيل جَبُلَ على الاهتمام بقضايا عامة، ساعدنا على ذلك من سبقونا من الإخوة والأصدقاء الأكبر منا سناً.

 

في العمل، اعتبر نفسي من الجيل الذي أتى فيما بعد حيث التحقت بشركة التأمين الوطنية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية حرب الكويت والحصار، وهي فترة حرجة في تاريخ العراق حيث أدت هذه الفترة إلى ترك الكثير من كوادر شركة التأمين الوطنية العمل فيها وللظروف المعروفة للجميع.

 

كان مروان من القلة القليلة الباقية – صحيح انه ترك العمل في منتصف التسعينيات، حاله حال الكثيرين بسبب الحصار ومحاولة اقتناص فرصة خارج الشركة، إلا أنه عاد بعد أحداث 2003 حيث توثقت علاقتي به وأصبح من اعز أصدقائي.  كان لوضعه الصحي أثر كبير في تشكيل شخصية خاصة له فقد لازمه مرضه منذ الطفولة وجعله أكثر حساسيةً وانزواءً.

 

تأثر مروان كثيراً من بداية شبابه بأفكار وطروحات د. علي الوردي، عالم الاجتماع والضمير الحي لجمهرة كبيرة من مثقفي العراق.  كان مروان من اشد معجبيه، واستفاد من نظريات الوردي في تحليل الشخصية العراقية والتي كانت دائماً تضعه في مواقف محرجة في نقاشاته مع زميلاته وزملائه.  واعتقد بانه خسر الكثير من الصداقات لهذا السبب.  كان يعتقد أن علي الوردي هو الوحيد الذي وصف الإنسان العراقي ادق وصف في الانقسام والصراع بين الحضارة والبداوة الداخل في تكويننا النفسي جميعاً والمؤثر في سلوكنا وعاداتنا وفي تشكيل أفكارنا، حتى المثقفين منا ودون أن نحس بأننا أسرى لهذا الانقسام.

 

كنا (مروان وأنا) دائماً نناقش هذه الازدواجية في سلوك الإنسان العراقي خاصة بعد 2003 وتأثير الدين والطائفة على الناس، والتي تجلت في سلوكهم، وأصبحت أعلى من الانتماء إلى الوطن الواحد.

 

حاول مروان على الأقل خلال الفترة التي عرفته بها أن يفعل شيئاً مميزاً خاصة وانه كان يعرف أن حياته قصيرة ونهايتها ممكن أن تحصل في أي وقت.  كان يتعذب من الداخل وأحياناً يصبح فظاً وغير محبوب ولكن، في داخله، كان إنساناً وديعاً ولطيفاً يحب الجمال ويحسه.

 

وجد مروان فيما ينشر في مجلة التأمين العراقي وعن طريق الزميل مصباح كمال متنفساً له ليقول ما كان يحس من شجون التأمين باعتباره عاش فترة لا بأس بها مما تبقى من العصر الذهبي لشركة التأمين الوطنية، وتعامل وسمع عن الكثير من نساء ورجال التأمين المعاصرين له والسابقين منهم.  بدأت علاقته بالزميل مصباح كمال عن طريق المقالات التي كان يكتبها ويبعثها عن طريق الانترنت حيث ساعده الأخير في اختيار المواضيع وتنقيحها.  كانت معظم المواضيع تتعلق بإعادة التأمين باعتباره عاملاً في هذا المجال لسنوات طويلة.  أحبَّ مروان الإعادة كثيراً، وكان دائماً يصرح أن (الإعادة تسري بدمه)، وكان يقول إن (الإعادة هي رئة التأمين).  كان يعتقد أن أي مدير ناجح يجب أن يكون فاهماً للإعادة.  كتب عدة مقالات وتم نشرها جميعاً في مجلة التأمين العراقي.  كانت الكتابة بالنسبة إليه الملاذ الذي كان يهرب إليه.  أتذكر انه في نهاية أيامه كان حائراً خاصة بعد أن تم نقله من قسم إعادة التأمين إلى قسم آخر، وكتب ورقة لا اعرف هل كانت ندماً، أو هل كانت اعتذاراً أو اعترافاً بخطأ ما.  لا اعرف!  لكنه اخبرني انه قال كل ما عنده في هذه الورقة.[3]

 

تختزن الذاكرة هنا عشرات المواقف المشتركة من الصعب اختزالها في هذه الورقة، والتي كانت تجمعنا مع الزملاء الآخرين.  أتمنى أن تكون هذه الكلمات القليلة بحق صديقنا الراحل جزءً بسيطاً من الوفاء له كإنسان وممارس متميز للتأمين ولفترة جميلة من تاريخ شركة التأمين الوطنية.

 

بغداد 6 شباط 2014

 

 

ذكريات ربع قرن مع المرحوم مروان القصاب

 

 

باقر المنشيء

 

 

استجابة لطلب الصديق العزيز مصباح غازي عسكر كمال الذي اكن له كل تقدير واعتزاز لمساعيه في تسليط الضوء على اعلام التأمين العراقي لاسيما الراحلون منهم لتوثيق دورهم في تطوير مسيرة التأمين في العراق، يسرني أن أسجل بعضاً من ذكرياتي مع الراحل الغالي مروان القصاب في ذكرى رحيله الثالثة لأشاركها مع أهله وأصدقائه وزملائه ومحبيه.

 

من خلال سرد ذكرياتي سأسلط الضوء على قسم إعادة التأمين في شركة التأمين الوطنية الذي قضى فيه مروان جل سنوات عمله، والذي تشرفت بالعمل فيه أيضاً للفترة من عام 1977 ولغاية 1991 عندما غادرت العراق لأعمل غالبية سنوات الغربة في اليمن ولا زلت.

 

إن قسم إعادة التأمين حضي باهتمام الإدارة العليا لشركة التأمين الوطنية على الدوام حيث حرصت على أن يتولى إدارة القسم مدراء مؤهلين ويشهد لهم بالكفاءة والمقدرة.

 

عند انتقالي إلى قسم إعادة التأمين من قسم التأمين الهندسي في تشرين الثاني من عام 1977 كان يتولى إدارة القسم حينذاك الأستاذ أنطوان سليم إيليا الذي يشهد كل من عاصره بكفاءته وحرفيته.  أما المديرة السابقة للقسم فكانت الدكتورة سعاد برنوطي (لم يكتب لي شرف العمل معها أو أن التقي بها)، التي، كما علمت، كانت أيضاً تتمتع بمهارات وكفاءة عالية.

 

قبل نهاية عام 1978 تسلم الأستاذ موفق حسن رضا إدارة شركة التأمين الوطنية منقولا اليها من شركة إعادة التأمين العراقية خلفاً للأستاذ بديع السيفي.

 

تولى الأستاذ موفق حسن رضا إدارة الشركة بحماس الشباب إذ لم يكن قد بلغ الأربعين من عمره، وبخبرة معمقة في إعادة التأمين كان قد أكتسبها من خلال إدارته لمكتب شركة اعادة التأمين العراقية في لندن لعدة سنوات.  لهذا أولى قسم إعادة التأمين اهتماماً خاصاً حيث منح ادارة القسم أولوية في اختيار المتميزين من الموظفين الجدد الذين انضموا للشركة خلال الأعوام ما بين 1979 و 1981.

 

خلال اشتراكي في مقابلة المتقدمين للعمل في عام 1979، أخترت الشاب النحيل الطويل ذو الابتسامة الدائمة والنظارات السميكة مروان القصاب للانضمام إلى قسم إعادة التأمين.

 

كما أنضم في تلك الفترة موظفون أخرون للقسم منهم فخري جواد وإباء شكري محمود نديم وعصام صبيح داود وأخرهم مكي رزوقي مصطفى.

 

عملت تلك المجموعة بكل جد ونشاط لتواكب الزيادة الكبيرة في أعمال التأمين والتي انعكست بالتأكيد على عمل إعادة التأمين، خصوصا وأن العمل فيه كان يتم بشكل يدوي إذ لم يكن استخدام الكمبيوتر شائعاً.

 

أثبتت الأيام والسنين صحة توقعي إذ أظهر مروان استيعاباً كبيراً لأساسيات وتقنيات إعادة التأمين وتعامل بذكاء مع الأرقام.  وهذا التميز رشحه لأول دورة تدريبية له في إعادة التأمين لدى شركة الإعادة السويسرية في زيوريخ في عام 1985.  ولا زلت أذكر فرحته الغامرة عندما عاد من زيوريخ لأنه استفاد من الدورة كثيراً، وأيضاً أن إيفاده كان دليلا على تكريمه لتفوقه في إداء عمله.

 

مثابرة الفقيد مروان ورغبته في الاستزادة من المعرفة وتطوير معلوماته جعلته أن يكون عمودا من اعمدة قسم إعادة التأمين.  وكثيراً ما كان يدخل إلى مكتبي لمناقشة عمل آلية معينة في إعادة التأمين أو مناقشة أحد شروط اتفاقيات إعادة التأمين.  كما أمتاز بالدقة في عمله إلا أن ذلك كان على حساب سرعة التنفيذ!

 

إن مرض السكري الذي أصاب المرحوم مروان منذ الصغر أثر على صحته العامة، لكنه لم يعر ذلك اهتماماً كافياً.  لذا كان يمر بين الحين والآخر بنوبات اغماء لهبوط السكر في الدم.  ومن المواقف الصعبة التي عشتها كان عندما شاهدت مروان مغميا عليه ومطروحاً على الأرض عند مدخل الشركة صباح أحد الأيام بسبب من هبوط السكر في الدم، وهذا المنظر لازال يحز في نفسي.

 

موظفو التأمين الوطنية كانوا يمتازون بقوة العلاقات الاجتماعية فيما بينهم على مستوى الأفراد والعوائل.  وكان المرحوم مروان ضمن حلقة اصدقائي التي ضمت عدداً من موظفي فرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين.  منهم الزملاء نجدت ياور محمود، جمال فريد محمود وعصام صبيح داود.  ومن خارج فرع إعادة التأمين الزميلان سعد البيروتي وعامر الغائب.  وكان نادي الصيد الملتقى المفضل لمجموعة الأصدقاء تلك.

 

في أيلول عام 1991 غادرت العراق بعد حرب الخليج الثانية إلى اليمن للعمل.  لكني حرصت أن أزور العراق لأقضي إجازتي السنوية فيه.  وكنت التقي بمجموعة الأصدقاء القدامى وبالتأكيد كان المرحوم مروان من ضمنهم.  وكنت في كل زيارة الاحظ ازدياد تأثير الحصار الاقتصادي المفروض على العراق على الجميع.  وعلى الرغم من ذلك كان مروان يحرص على تقديم الخدمات الخاصة لي بصفته صديق.

 

خلال غربتي في اليمن علمت بأن مروان ترك العمل في الوطنية للتأمين إلا أنه عاد إليها بعد فترة من الزمن نظراً لتعلقه والتصاقه بإعادة التأمين.

 

وكان مروان بين الحين والآخر يرسل لي بالإيميل استفساراً عن موضوع اختلفت فيه الآراء في مجال إعادة التأمين.  وكنت أجيبه بكل سرور.  وكان ذلك دليل على اهتمامه بتطوير معارفه على الرغم من مرضه.

 

في زيارتي إلى بغداد في ايار من عام 2005 التقيت بالمرحوم مروان عدة مرات.  وقد لاحظت تأثير مرض السكرى والأوضاع الصعبة التي كانت سائدة في العراق عليه.  وكانت تلك اخر مرة التقيه.

 

لقد رحل المرحوم مروان القصاب قبل أوانه وكان رحيله خسارة مزدوجة على المستوى الشخصي وعلى المستوى الحرفي والمهني في إعادة التأمين.

 

أنتهز فرصة ذكرى رحيله بالدعاء له أن يسكنه الرحمن في جنات الخلد وأن يلهم أهله وأصدقائه ومحبيه الصبر والسلوان وأن لله وإنا إليه راجعون.

 

 

صنعاء – آذار 2014

 

 

في استذكار المثقف القلق مروان القصاب

 

 

جمال أحمد

 

 

أحاول مذ كتبتَ لي[4] أن استجمع شتات افكاري لأكتب عن الراحل مروان.  أحاول توصيفه فأعجز، ربما لعدم قدرتي على التركيز بشكل جيد أو عدم تواصل افكاري لفترة ملائمة لبلورة شيء ما.  طبعا الموضوع لا يتعلق بمروان فقط، لكن هذا شكل ايقاع الحياة هنا في العراق كما أعيشه.

 

خطر لي وصف “المثقف القلق”، قد اكون أنا من نحته، وربما هو متداول ولكني لم اسمع به.[5]  أقول: إن هذا الوصف ينطبق على مروان فهو، في رأي، “مثقفٌ قلق” والقلق هنا بمعناه الايجابي.  بعبارة اخرى، إنه كان يعي ما يدور حوله ويشخصه ويريد أن يغيره، حتى وإن وصل إلى التصادم الفكري في حالات نادرة.  كان يقف على تخوم الأفكار الكبرى دون أن يخضع لسلطانها، مستغرقاً في البحث لفهم العالم الذي يتحرك فيه والناس الذين يخالطهم ويلتقيهم في عمله.  كنا نتساجل في وصف ما يمر به المجتمع العراقي، لكنه ـ في ما كنت اشخصه عنده ـ يريد التقدم الى ما بعد التوصيف.  كانت لديه رغبة في احداث تغيير، حتى وان كان القاء حجرٍ في البركة الراكدة، وهو ما كنت أجده مصدر خطورة عليه في مجتمع ضاعت ضوابطه وجُهلت حدوده.  روحه المرحة والنكتة الحاضرة على لسانه كانت تحاول تهدئة مخاوفي.

 

كانت لديه قدرة على طرح افكار تبدو في ظاهرها صغيرة ولكنها غريبة.  لا أدري من أين كان يستنبطها؛ ربما كان يستنبطها من قراءته لكتابات د. علي الوردي.  كانت لديه قدرة على توقع المستقبل.

 

ما اشاهده اليوم من مهاترات سياسية في العراق تؤكد صحة رؤيته.  هذه الرسالة استلزمتني لكتابتها أياماً.  في كل مرة أضيف شيئا لها واحفظها في مسودات البريد بسبب عدم قدرتي على التركيز.  واليوم قررت ارسالها لك، على علاّتها، بسبب اقتراب موعد ذكرى رحيل مروان.  وعسى أن يعنّ على خاطري جديد عندها سأكتب لك ثانية.

 

مع فائق احترامي.

 

 

في استذكار مروان هاشم القصاب

 

 

فؤاد شمقار

 

 

نشرت أصلاً في مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2011/06/on-remembering-marwan-hashim-al-kassab.html

ونشرت أيضاً كفصل في كتاب فؤاد شمقار، التأمين في كوردستان العراق ومقالات أخرى (طبعة إلكترونية، 2014)، ص 86-88.

 

 

قام زميلنا مصباح كمال بتجميع أوراق وتعليقات المرحوم مروان هاشم المنشورة في مجلة التأمين العراقي في كتاب إلكتروني (PDF) بعنوان مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق (أيار 2011).  وذكر في كلمات التقديم بأن الذين يفكرون ويكتبون عن الشأن التأميني وتعقيداته هم القلّة.  ولكن، ومع الأسف، فإن من يقرأون ما يكتب بهذا الشأن هم الأكثر قلّة وإلا أين هي التعليقات على تلك الكتابات أو المساهمات في النقد والمشاركة في إبداء الرأي مؤيداً أو منتقداً؟  وأقولها صراحة، قد أكون أنا شخصياً واحداً من هؤلاء.  ولا أجد حرجاً حينما أقول بأني ومع شديد الأسف لم أطلع في حينه على جميع ما كتبه زميلنا المرحوم مروان هاشم، رحمه الله، في التأمين وإعادة التأمين.  ولعل السبب في ذلك يعود إلى عدم معرفتي باستخدام الحاسوب.  ولعل تجديد تعارفنا الإلكتروني مع زملائي كان السبب في قراءة بعض المدونات في مجلة التأمين العراقي ومرصد التأمين العراقي.

 

لقد كان زميلنا مصباح وفياً وصادقاً مع زميلٍ رحلَ عنا كان همّه الأول خدمة قطاع التأمين بإخلاص من منطلق المحافظة على شرف المهنة وحبها.  وأنا، من جانبي، أقدر وأكبر تقدير مصباح لمساهماته واحترامه لذكراه من خلال تجميع أوراقه وتعليقاته.  فبارك الله له وجهده في احترام وتقدير جهد الآخرين.  وما أتمناه هو أن يهتدي الغير بمصباح في أسلوب التعامل مع مثل هذه المواضع وأن يكون مُقدراً للمواقف خدمه لصالح قطاع التأمين في العراق.

 

إن الأيام تمر بنا ونحن نمر بها كالسحاب، ونمر أحياناً ببعض الأشخاص فنلقي عليهم تحيات المجاملة المعتادة، ولكن لا نقترب منهم لمسافة تجعلنا نعرفهم حق المعرفة.  وتبقى معرفتنا بهم لذلك سطحيه، وتبقى لهم في أذهاننا صوراً نكونها من خلال معرفتنا البسيطة.  وفجأة تأتي يد المنون لتخطف أحداً منهم لنكتشف أبعاداً في الإنسان الراحل لم تكن تخطر على بالنا.  لقد كانت معرفتي وعلاقتي بالمرحوم مروان معرفه وعلاقة صداقه عمل في مؤسسه واحده، ولم أتعرف عليه كما تعرفت الآن بعدما انبرى صديق من بين الأصدقاء، الذي صداقته مع مروان لم تكن أكثر من صداقة مهنه سماها “صداقة إلكترونية” إذ أنه لم يلتقي به أبداً، لتسليط الضوء على الحقائق، والتعريف بما خفي وعلم، وذلك بإعطاء من اختطفه الموت بيننا حقه في بيان سيرته التي كنا نجهل قسماً كبيراً منها.  هذا ما حصل مع المرحوم مروان حيث عرفته لسنوات خلت قبل تركه الوظيفة في شركة التأمين الوطنية وبقاءه لمدة ليست بالقليلة خارج الوظيفة، ومن ثم بعد أن عاد مجدداً إلى الخدمة في الشركة وفي نفس القسم الذي كان يعمل فيه، وهو قسم إعادة التأمين، والذي لم يحصل فيه على موقعه الحقيقي كما كان يجب.

 

إن قيام زميلنا مصباح بنشر ما كتبه السيد مروان من مقالات، تلك التي ضمنها أفكاره وبعضاً من علمه وخبرته، وأقول علمه بدون تردد، تتضمن أول ما تتضمن ملكة الكتابة، وهي صادره عن رجل صاحب فكر وعلم وخبره تراكمت على مر الأيام.  وهو واع ومدرك لكل كلمه يكتبها ويقولها بكل جراءة وصراحة ووعي وكأنه أكاديمي متمرس، غيور على المصلحة العامة، ومهتم بقطاعٍ يعد واحداً من القطاعات الاقتصادية المهمة في الوطن.

إذا كنا نتفق معه في أغلب ما كتبه ونختلف معه في القليل منه، لكننا لا يسعنا إلا أن نفهم دافع الوطنية الصادقة لكل ما كتب.  وإزاء هذا الحال لا يمكننا إلا أن نقول بأننا حقاً خسرنا شخصاً واعياً وحصيفاً، كنا نتمنى أن نعرفه عن قرب.  كان، لو ظلَّ بيننا، سيثري هذه المواضيع بحثاً ودراسة لو لم تمتد يد المنون إليه.  رحم الله مروان وأسكنه فسيح جناته وعزاؤنا لذويه ولأصدقائه ولكل معارفه.

 

كنت أتمنى أن يكرم مروان وأمثاله حال حياتهم، ولكن يظهر بأنه يجب أن تخطفنا يد المنون قبل أن يعرفنا الآخرين، والله أعلم هل سيعرفوننا كما كان ينبغي؟  وهل نُكرّم أم لا؟  أسئلة يبقى الجواب عليها للأيام التي تمر بنا كالسحاب.

 

لعله من الوفاء بمكان ليس للمرحوم مروان ولكن لكل ما يمثله من التواضع العلمي وحب المعرفة ومنهجيه البحث، أن نتابع بتمحيص وبحث كل ما يتعلق بالشأن التأميني، لندفع به إلى الأمام، وتطويره نحو الأفضل، وأن لا يدعي أحداً منا، كما لم يدعي مروان نفسه، بأنه يملك كل خيوط المعرفة، فالعمل التأميني ليس فردياً بل عمل فريق متجانس منسجم واع، يعزف كل منا اللحن السليم الذي لا يشذ عن مجمل المقطوعة لتستكمل السيمفونية الرائعة، من خلال التفاهم والتناغم، الأداء المتميز.  كل منا يقوم بواجبه، ويدلي بدلوه، ورائدنا جميعاً خدمة مصالح المؤمن لهم والمهنة والقطاع والوطن.

 

وأخيراً، لا يسعني إلا أن أقدم شكري الجزيل وامتناني الكبير إلى الأخ العزيز مصباح والذي بات يتحفنا باستمرار باهتماماته بقطاع التأمين والعاملين فيه، وبكل من مرّوا على الدرب الطويل كما تمرُّ بنا الأيام.  جزاه الله عنا كل الخير، وله كل الحب والتقدير والاحترام.  ومن جانبي أنا، وبغية عدم تناثر الأوراق التي كتبها المرحوم مروان هاشم القصاب بين ثنايا النسيان وتبعثرها هنا وهناك فقد قمت بتجليد أربعة نسخ من كتابه مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق وأودعتها في مكتبة الشركة لتبقى مرجعاً للأجيال القادمة.

 

مع اعتزازنا بمصباح وبكل من يعمل من أجل رفعة مكانة التأمين في وعينا وفي حياتنا.

 

هه ولير 28/5/2011


[1] جمال أحمد، من أصدقاء الراحل مروان، من خارج قطاع التأمين.  (المحرر).

[2] كان ذلك في أوائل تموز 2012 (المحرر).

[3] نشرتُ هذه الورقة بعنوان “الرسالة-الشهادة” كملحق في كتاب مروان هاشم القصاب مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق (طبعة إلكترونية، 2011)، ص 60-62.  الكتاب متوفر بصيغة بي دي إف PDF لدي لمن يرغب الحصول عليه.  وسأقوم بإعداد طبعه ثانية له لأضم له ما كتبه زملاؤه وأصدقاؤه عنه في الذكرى الثالثة لرحيله.  (المحرر)

[4] كتبتُ له بتاريخ 10 كانون الثاني 2014 حول مشروعي لإعادة نشر مقالات المرحوم مروان هاشم القصاب التي أصدرتها سنة 2011 في كتاب إلكتروني بعنوان مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق بمناسبة حلول الذكرى الثالثة لرحيله في نيسان 2011.  (المحرر).

[5] هناك كتابان يقتربان، من مواقف مختلفة، من مفهوم المثقف القلق: عبدالرحمن بدوي، شخصيات قلقة في الإسلام و هادي العلوي، شخصيات غير قلقة في الإسلام.  (المحرر).

Shorja Market: removing encroachments

أغلقت الطرق المؤدية إلى “السوق” و”الشارع”

أمانة ‏بغداد ‏تستعين ‏بقوات ‏مكافحة ‏الشغب ‏لإزالة ‏تجاوزات ‏الشورجة ‏والرشيد

بغداد – طريق الشعب 16 شباط 2014، ص 3

أغلقت القوات الأمنية، صباح أمس السبت، شارع الرشيد وسوق الشورجة وسط العاصمة بغداد، مطالبين أصحاب المحال التجارية بإغلاق محالهم لتنفيذ خطة أمانة بغداد برفع التجاوزات.

وقال مصدر أمنى لوكالة “البغدادية نيوز”، إن “امانة بغداد وبالتنسيق مع قيادة عمليات بغداد نفذت صباح أمس السبت حملة لإزالة التجاوزات من شارع الرشيد وسوق الشورجة، وسط بغداد، لا سيما بعد استمرار الحرائق المتكررة في العمارات التجارية، والتي تعيق فرق الدفاع المدني من الوصول لإخماد الحرائق”.

وأضاف ان “القوات الامنية اغلقت شارع الرشيد وسوق الشورجة وأجبرت اصحاب المحال التجارية على إغلاق محالهم”، عازيا سبب “وجود قوات مكافحة الشغب جاء تحسبا لقيام اصحاب البسطيات والجنابر بمنع فرق الأمانة من القيام بخطتها، وتحويل الأمر الى اعمال شغب”.

وقال مصدر آخر لوكالة “شفق نيوز”، إن “القوات الامنية احكمت سيطرتها على مداخل ومخارج سوق الشورجة من جانبي العاصمة الكرخ والرصافة، ومنعت الناس من الدخول والخروج”.

وذكر أبو تبارك، صاحب محل في شارع الرشيد، بالقرب من سوق الشورجة للوكالة إن “آلاف الاشخاص يتجمهرون حالياً بالقرب من السوق في محاولة منهم للوصول الى اماكن أعمالهم، ولكن دون جدوى؛ فالأجهزة الأمنية المتواجدة هناك لا تسمح لأحد بالدخول”، مضيفا انه “حاولت من جميع الجهات ان أصل الى محلي التجاري إلاّ ان محاولاتي باءت بالفشل”.

وشهد سوق الشورجة الخميس الماضي انفجار عبوتين ناسفتين استهدفتا مجمعين تجاريين، ما أسفر عن مقتل واصابة عشرات الأشخاص، وحرق المبنيين بالكامل. وأعلنت أمانة بغداد الجمعة، عن مباشرتها أمس السبت إطلاق حملة كبرى لإزالة التجاوزات عن سوقي العربي والشورجة، بالتنسيق مع قيادة عمليات بغداد لتسببها في اعاقة جهود فرق الدفاع المدني في إخماد الحرائق المتكررة وعرقلة عملية تقديم الخدمات البلدية.

ونقلت مديرية العلاقات والاعلام عن امين بغداد نعيم عبعوب الكعبي، قوله: ان “امانة بغداد ستباشر يوم السبت حملة كبرى لإزالة التجاوزات الحاصلة على سوقي العربي والشورجة التجاريين في جانب الرصافة من العاصمة بغداد بعد ان تسببت بعرقلة جهود فرق الدفاع المدني في إخماد الحريق الذي اندلع الخميس، في عدد من المراكز والعمارات التجارية في هذين السوقين بسبب تفجيرات إرهابية”.

واضاف الكعبي في بيان عن الأمانة، اطلعت عليه “طريق الشعب”، ان “هذه التجاوزات شكلت عبئاً ثقيلاً على امانة بغداد من خلال عرقلة عملية تقديم الخدمات ورفع النفايات والمخلفات وتنفيذ مشاريع تطوير الشوارع والأزقة مما تطلب اتخاذ اجراء عاجل وفوري بإعادة النظر في ملف هذين السوقين واعادة تنظيمها واتخاذ اشد الإجراءات بحق المخالفين والمتجاوزين وفق القوانين والأنظمة البلدية”.

ودعا الكعبي “اصحاب البسطات والجنابر الى المباشرة يوم الجمعة برفع ممتلكاتهم وأغراضهم وأماكن البيع المؤقتة العائدة لهم وبخلافه ستتم إزالتها بشكل نهائي خلال الحملة التي تنطلق يوم السبت”.

طريق الشعب

الخميس 20 شباط 2014

اصحاب البسطيات في الشورجة:

النيران التهمت مصدر عيشنا، وامانة بغداد نكأت جروحنا

وكالات

شهدت منطقة الشورجة تفجيرات بعبوات ناسفة يوم الخميس الماضي ادت الى حدوث حرائق هائلة في المنطقة تسببت في مقتل عدد من العاملين في السوق اضافة الى خسائر تقدر بالمليارات، لكن الالاف من باعة الارصفة وأصحاب الاكشاك في منطقة الشورجة فوجئوا بعد ايام بجرارات أمانة بغداد مصحوبة بقوة عسكرية كبيرة تطوق المنطقة لإزالة بسطياتهم وأكشاكهم بصورة عنيفة بدعوى التجاوز على الطرقات العامة.

وروى عدد من اصحاب تلك البسطيات ما حدث وكيفية تدمير بضائعهم دون سابق إنذار، مؤكدين ان بعضهم يعمل على تلك الارصفة منذ ثمانينات القرن الماضي.

حرائق وديون!

أبو زينب أحد أصحاب المحال التي احترقت يقول: قبل أيام سددت مبلغا كبيرا إلى أحد التجار كدين سابق عن البضاعة التي التهمتها النيران في الحريق الذي حدث العام الماضي . اليوم خلف الحريق الجديد أكوام من النفايات وهي بضاعة تمثل أقمشة وصناديق أخرى لم يميز بينهما نتيجة تحولها من مواد تجميل وملابس إلى قطع سوداء متفحمة.

ويضيف ابو زينب قائلا: لقد تعبت من هذا الحال، وهذه المرة الثانية التي تحترق بضاعتي فيها ومعها أيضاً دين ثقيل. أبو زينب بدا عليه التعب وضيق التنفس بسبب حالته الصحية، وحين ظهر بالقرب من مخزنه بدأ العديد من العاملين في السوق بتقبيله والقول له : الحمد لله بالمال ولا بالبنين. أبو زينب قال لي:تعبت من هذه الدنيا.

المواطن مشتاق من سكنة منطقة الحسينية

8عاماً متزوج ويعمل عامل تفريغ وتحميل في مكتب للنقليات يقول: انا اعمل هنا منذ أكثر من خمس سنوات ومقدار ما اتقاضاه يذهب لسد احتياجات البيت، فأين اذهب وماذا اعمل وليس لي مورد اخر والدولة عاجزة عن توفير فرصة عمل لي وهاهي القوات العسكرية تداهم المنطقة لرفع التجاوزات وكأننا في حرب. مشتاق يتساءل عن أسباب عدم وضع ضوابط مسبقة بحق المتجاوزين وغيرهم، حتى لايتعرضوا الى مثل هذا الموقف الصعب.

عدم توفر البديل

الحاج عباس الكربلائي وهو تاجر ووكيل العديد من الشركات العالمية خصوصاً العدد اليدوية يقول: أن الحرائق التي تشهدها الشورجة بين الحين والاخر بسبب وجود إهمال من كل الأطراف:التجار، وأصحاب البسطيات، والمسؤولين عن شارع الشورجة، حيث تنتشر البسطيات من ساحة حافظ القاضي إلى الرصافي مع تراكم النفايات. عباس أشار إلى أن هذا الحريق هو الثالث خلال العام الحالي. وهذه الفوضى يجب ان يكون لها حل بسبب هدر مليارات الدنانير من أموال التجار إلى أصغر بسطية موجودة. مضيفا: المفروض أن يكون هذا السوق نموذجا رائعا يعرض التجار بضاعتهم عبر محال تجارية واضحة المعالم، وفيها منظومة أمنية، لكن الفوضى منتشرة . يشاطره العامل جعفر الرأي حول هذه الفوضى،مبيناً انه قبل أسبوع كان شاهدا على مشكلة تدخلت فيها عشائر بسبب خمسة أمتار لبسطية دفع صاحبها مبلغ عشرة ملايين سر قفلية لتكون الأرض ملكا له.

راي امانة بغداد

من جهتها قالت امانة بغداد ان قرار ازالة التجاوزات من منطقة الشورجة اتخذ منذ اشهر، وليس للتفجيرات الاخيرة التي ضربت سوق الشورجة علاقة مباشرة بالاجراء، بل كانت دافعاً لتنفيذ الخطة. واكد مدير العلاقات والاعلام في الامانة حكيم عبد الزهرة ان قرار ازالة التجاوزات لايحتاج الى اعطاء المتجاوزين سابق انذار، مؤكداً ان الامانة ستقضي على هذه الظاهرة في جميع انحاء العاصمة.

واضاف أن التجار يحمّلون الأمانة مسؤولية ماجرى وما يجري، ومنها تراكم النفايات التي يعتقدون أنها السبب الرئيس لاندلاع الحرائق. مؤكدا أن سوق الشورجة يغلق مساء، والأمانة تقوم في هذا الوقت برفع

أطنان من النفايات يوميا في بغداد، وهذا الكم دليل على الجهد الكبير الذي تقوم به دوائر الأمانة.

اما رئيس مجلس محافظة بغداد رياض العضاض فقد انتقد الاجراءات الامنية، والطريقة التي رفعت بها البسطيات من الشوارع. واشار الى ان عملية ازالة التجاوزات ينبغي ان تتم بعد توفير البدائل لهؤلاء الباعة، مؤكدا على ان المجلس سيجتمع الاسبوع المقبل ويطرح القضية للنقاش من اجل وقف هذه العملية.

Fire Losses in Iraq

الحرائق في العراق

 

 

عبد القادر عبدالرزاق فاضل

المدير المفوض

شركة كردستان الدولية للتأمين، بغداد

 

 

لوحظ في السنتين الماضيتين ازدياد نسبه الخسائر بسبب حالات الحرائق في العراق.  ومن المعروف ان شدة حرارة الجو في فصل الصيف تساعد بشكل او باخر على اندلاع الحرائق، تؤدي إلى خسائر في العديد من المحلات التجارية وبائعي المفرد الذين يفترشون الارض والأرصفة طلبا للرزق وهؤلاء ليس بحوزتهم وثائق تامين الحريق.

 

ومن مشاهداتنا على شاشه التلفزيون حصول حوادث حريق في بغداد (منطقه بغداد الجديدة، والكاظمية) وحوادث أخرى في النجف وكركوك والبصرة شملت العديد من الأماكن.  وقسم من هذه الحرائق لمخازن معزولة، وخاصة المخازن المؤمن عليها، تتحول إلى مطالبات بالتعويض وبعضها كانت من نصيب مجمع تأمين المخازن.

 

وفي كل حاله، تقريباً، نسمع ان سبب اندلاع الحريق هو التماس الكهربائي، وقد يكون هذا صحيحا بنسبة 90% بسبب الشبكة العنكبوتية – الاسم الذي يطلقه اهالي العراق على الأسلاك الكهربائية المتداخلة.  وهذه الأسلاك تتدلى، وبشكل خطر، في الشوارع بمستوى رؤوس الأشخاص، وعلينا الانحناء تحتها للمرور.  وفي حين أن دول العالم تضع شبكات الزينة في الشوارع، فإن قدرنا هو ان نتمتع برؤيه شبكات الاسلاك الكهربائية المرعبة.  هذه الحالة في نقل وتوزيع الكهرباء فريدة من نوعها في العالم.

 

الملفت للنظر، مؤخراً، حصول حرائق في فصل الشتاء، الذي تميز بالبرودة الشديدة هذا العام، حيث حصل حريقين خلال اسبوع في شارع الرشيد، واحد قرب ساحة الخلاّني في محلات لبيع الزيوت للسيارات والمولدات.  وهنا نلاحظ ان هذه المحلات تبيع مواد خطره شديده الاشتعال كانت مصدر الحريق.  وقد قُدرت قيمة الخسائر بحوالي مليون دولار.  والحريق الثاني حصل في 8/2/2014 وضرب منطقة حافظ القاضي، هو الآخر ادى الى خسائر كبيره لكن التقديرات عن حجم هذه الخسائر ليس معروفاً حتى وقت كتابة هذه الورقة.

 

ومن الملاحظ أنه وبالرغم من تدخل فرق الاطفاء الا ان الخسائر تلتهم العديد من المحلات وتحولها الى ركام.

 

والملاحظ أيضاً ان الخسائر في صعود مستمر بسبب تزايد حجم الأموال والممتلكات المعرضة لخطر الحريق وبقاء مصادر الحريق دون معالجة كافية.  ولو استمر هذا الحال دون اتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع الحرائق او تقليل الخسائر ووضع الحلول فإن آثار الحرائق قد تتحول، في بعض الحالات، إلى كوارث حقيقية لمن يتعرض لها من أشخاص وممتلكات.

 

وفيما يخص قطاع التأمين فإنه الخاسر لأن الكثير من المحلات التجارية لديها وثائق تامين.

 

ادناه إحصائية عن خسائر الحريق للعامين 2011 و2012

 

              خسائر حملة وثائق التامين بواسطة شركات التامين

2011                 –      1.593.572.000 دينار

2012                –      4.127.813.000 دينار

 

              خسائر حملة وثائق التامين بواسطة مجمع المخازن

2011                    –    1.405.594.693 دينار

2012                   –    815.969.335 دينار (تقريبا)

 

يحصل هذا على الرغم من تطور وسائل اطفاء الحريق العامة في العراق حيث تتواجد محطات اطفاء الحريق في بغداد والمحافظات موزعة لتقديم الخدمة عند الحاجة اليها.  وكذلك وسائل اطفاء الحريق الخاصة بالمصانع والمحلات والمخازن المختلفة لمواجهة الحرائق، ووجود شروط السلامة الواجب التقيد بها.

 

وانا على ثقة تامة ان شركات التامين الحكومية والأهلية، في ممارستها للعملية الاكتتابية، ومن ضمن ما تطلب توفره لدى حملة الوثائق توفير النظافة داخل المحل والتخلص من النفايات، ووضع اللوحات التي تمنع التدخين، وطريقة تستيف البضائع وعدم تكديسها، وتوفير عدد كافٍ من ادوات اطفاء الحريق المختلفة، الثابتة والمتحركة، موزعة في كل الزوايا.

 

ولكن، وعلى الرغم من كل اجراءات السلامة الواجب توفرها فإن الحرائق تندلع في المحلات والمخازن التجارية المؤمن عليها وتأتي على الاخضر واليابس.

 

الملاحظ في العراق ان أكثر الحرائق تحصل في المحلات التجارية وخاصة محلات بيع الملابس في شوارع مكتظة، وقسم من هذه المحلات تخزن وتبيع العطور وغيرها من المواد السريعة الاشتعال، وكذلك “محلات” موزعة على الأرصفة والشوارع تجاوزاً للقانون وحقوق المارة.

 

ان شاغلي الشوارع والأرصفة هم خطر دائمي بسبب تكديس المحلات وقربها من بعضها وهو عامل يساعد على سرعه انتشار النار وانتقالها من محل الى اخر conflagration.  ان الخسائر تحصل ليس بسبب التماس الكهربائي لوحده فهناك اسباب اخرى هي الاهمال والأخطاء البشرية كرمي اعقاب السكائر وغيرها دون اكتراث لما يحصل.

 

ولتفادي حصول هذه الحرائق ارى قيام الدولة بالتدخل والعمل على ازالة هذه التجمعات التجارية على ارصفه الشوارع غير المرخصة حفاظا على المال العام وحياة الناس.

 

كم ان الحديث عن توفير مكان امن من خطر الحريق في العراق لا يتم الا بإزالة الشبكة العنكبوتية التي تعتبر واحده من الاسباب الخطرة لحصول الحرائق التي تحصد الاموال والممتلكات.  وصرنا نشاهدها في فصل الشتاء اضافه الى فصل الصيف اللاهب، وهي الفترة التي كنا معتادين على رؤية الحرائق فيها بسبب وصول درجه الحرارة في فصل الصيف الى 50 درجه مئوية او أكثر.

 

وختاماً، ومن المؤسف حقا، والحق يقال، اننا لا نلمس أية اجراءات رادعة وخاصة تلك التي تتعلق بحياة الناس واموالهم وممتلكاتهم، لا أحد يكترث بها.  والمواطنين يصبحون ضحايا ويتعرضون للخسائر ولا ندري الجهة التي ستعوضهم عن هذه الخسائر وهي مصدر رزقهم الوحيد باستثناء حملة وثائق التأمين فهم في مأمن من تحمل نتائج الخسائر التي تسببها هذه الحرائق.

 

بغداد 12 شباط/فبراير 2014

Taleb Al-Masraf: Collection of Iraqi Insurance Laws, 1905-1970

ملاحظة حول كتاب طالب المصرف (معد ومشرف): قوانين التأمين والأنظمة والتعليمات الصادرة بموجبها

مصباح كمال

نشرت هذه الورقة أيضاً في مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2014/02/taleb-al-masraf-collection-of-iraqi.html

قبل أيام قدم لي الزميل عبد جعفر، صحفي يعمل في لندن، كتاب قوانين التأمين[1] من إعداد وإشراف طالب المصرف، تعرّف عليه لدى أحد القانونيين المخضرمين المقيمين في لندن، وهو يساعده في أرشفة مطبوعاته.  قدم الكتاب لي لاطلاعي عليه لمعرفته باهتمامي بموضوع التأمين في العراق.  وقد وفر لي رؤية هذا الكتاب فرصة لتقديم بعض الملاحظات.

كنت عارفاً بهذا الكتاب وقت صدوره في بغداد إذ كنت أعمل في شركة التأمين الوطنية.  وقد أصدر معد الكتاب، وكان مفتشاً بديوان المؤسسة العامة للتأمين، في وقت لاحق جزءاً ثانياً مكملاً للكتاب، لا أتوفر على نسخة منه، ضم القوانين ذات العلاقة بالتأمين التي صدرت بعد نشر الكتاب.

يبدو أن مقدمة الكتاب هي للمرحوم أديب جلميران، وكان وقتها رئيس المؤسسة العامة للتأمين.[2]  تؤكد المقدمة على دور المؤسسة في نشر الوعي التأميني من خلال الندوات والدورات التدريبية وإصدار مجلة رسالة التأمين ونشرة شهرية، واعتبار نشر هذا الكتاب جهداً متواضعاً في نشر الثقافة التأمينية.

ومن الغريب أن جهد معد الكتاب لا يرد له ذكر في المقدمة.  وهو أمر مؤسف ولكن ويبدو أن هذا هو حالنا، نضفي ما نشاء من الثناء على المؤسسات وننسى الأفراد.  لي تجربة بهذا المجال، فعندما قامت شركة التأمين الوطنية بنشر كتابي أوراق في تاريخ التأمين في العراق: نظرات انتقائية (بغداد، 2012)، أثنت وزارة المالية في كتاب لها إلى التأمين الوطنية، التي تتبعها الشركة، على نشر الكتاب دون أن تشير إلى جهد المؤلف وكأنه لا يستحق التقدير.

أول قانون يضمه الكتاب هو قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه)، وهو قانون عثماني صدر في 23 آب 1905.  وينتهي الكتاب بنظام تعديل النظام الداخلي للمؤسسة العامة للتأمين والمنشآت التابعة لها الصادر بتاريخ 1 آذار 1967.

في آخر الكتاب جدول بالأخطاء الطباعية.  ومع ذلك فات على “المصحح” مفردة “الاواربا” في ص 21 التي وردت في العنوان “فيما يختص بالخسائر لبحرية (الأواربا)” وهي التي تقابل مفردة “العوارية” التي اقتبست من العربية لتكون بالإنجليزية، مثلاً average.[3]  وربما هناك أخطاء طباعية أخرى.

قوانين التأمين لطالب المصرف كتاب مرجعي مفيد للباحثين رغم توفر بعض المواقع الإلكترونية كموقع المكتبة القانونية للحكم المحلي

http://www.iraq-lg-law.org/ar

أو موقع مجلس القضاء الأعلى/قاعدة التشريعات العراقية

http://www.iraqld.com/

فائدة كتاب المصرف تكمن في اختصاص موضوعه بحيث يسهل على الباحث ان يجد ضالته فيها بيسر.

لكن الكتاب بحاجة إلى التحديث (إعادة طبع الجزئين الأولين وإضافة جزء ثالث يبدأ من حيث انتهى الجزء الثاني وحتى الوقت الحاضر) ليكون في متناول الباحثين وتسهيل الرجوع إلى القوانين.  لعل ديوان التأمين العراقي يستطيع الاضطلاع بهذه المهمة أو جمعية التأمين العراقية.  وإن تعذر ذلك، لعل شركة التأمين الوطنية، لوحدها أو بالتعاون مع شركات أخرى مستعدة لتحمل تكاليف الطبع، تستطيع أن تقوم بذلك.  وللتأمين الوطنية خبرة في طبع وإصدار المنشورات.  وفيما يخص موضوعنا فإنها قامت بإصدار وتوزيع كتاب قانون الشركات من إعداد علي محمد إبراهيم الكرباسي (بغداد، 2001).

تحديث الكتاب ضروري أيضاً لأنه لم يضم بعض القوانين ذات العلاقة بالتأمين كقانون شركات التأمين رقم 74 لسنة 1936، وقانون تعديل قانون شركات التأمين رقم 74 لسنة 1936 (صدر التعديل في 4/7/1941)، ونظام إجازات وكلاء شركات التأمين رقم 25 لسنة 1936 والتعديل الصادر عليه سنة 1938.  وربما هناك قوانين أخرى تستحق الإضافة للكتاب.

بعض القوانين التي يضمها كتاب طالب المصرف أصبحت موضوعاً للتحليل والتعليق.  على سبيل المثال، ما قام به الأستاذ بديع السيفي.[4]  ولي دور بسيط في هذا المجال.  وليست لدي دراسات أخرى للغير بشأن هذه القوانين، وافترض أن مثل هذه الدراسات موجودة.

وأنا أطلع على هذا الكتاب طرأ على بالي فكرة الكتابة عن قضايا تأمينية أمام المحاكم العراقية، إي إخضاع القضايا المتنازع عليها لأحكام القوانين ومنها قوانين التأمين.  وبهذا الشأن كتبت إلى الزميلين فؤاد شمقار ومنذر الأسود أوائل شباط 2014 مقترحاً التالي:

لدي مشروع لكما للكتابة عن بعض القضايا الخاصة بالتأمين التي كانت قد عرضت أمام المحاكم العراقية.  في ظني أن الكتابة بهذا الشأن ليس شائعاً في الكتابات التأمينية العراقية.  وأنا أرى فائدة عظيمة لها لأنها ستبرز المبادئ والمفاهيم التأمينية وموقف القوانين العراقية من موضوع النزاع التأميني.  أعرف أن الموضوع ليس سهلاً لأن قرارات المحاكم ليست منشورة أو مجموعة في كتاب.  ولكن، ربما كان لكل منكما دور في التعامل مع قضية قانونية تأمينية صارت موضوعاً للنظر من قبل المحاكم العراقية، أو كان لزملاء لكما شاركا في قضية معينة.  ربما تستطيعان الكتابة، بشكل عام، عن الموضوع عند عدم توفر نصوص قرارات قضائية تساعدكما في التحليل والتعليق.

ربما يبادر زملاء آخرين للكتابة بهذا الشأن.  أتمنى ذلك لأن القراءة المتأنية لكتاب طالب المصرف من شأنها أن تكشف تأثر صياغة القوانين بالبيئة الاقتصادية والمالية السائدة وما يرتبط بها من أفكار، من جهة، وتأثير القوانين على تشكيل وعي عام وحقوقي عن التأمين والنشاط التأميني، من جهة أخرى.

وتظل قوانين التأمين في العراق بحاجة إلى دراسة تاريخية اقتصادية لربطها بالواقع الاقتصادي القائم وقت التشريع، وبالأفكار والرؤى التي كانت سائدة بين الفئات الحاكمة وكذلك الانحياز الإيديولوجي لأفرادها، مثلما هي بحاجة إلى دراسة سوسيولوجية لإبراز تطور المؤسسات القانونية، وتقدم المجتمع والعلاقات الاجتماعية والتفاعل بين القوانين والأعراف (كالتعويض من خلال العشيرة بدلاً من القانون ومدى استمرارية الأعراف).  مثل هذه المقتربات لدراسة مؤسسة التأمين في العراق غير معروفة، لكن الأمل يظل قائماً أن يولي بعض الباحثين الأكاديميين اهتمامهم بها وتوجيه طلبتهم نحوها.

لندن 7 شباط/فبراير 2014


[1] قوانين التأمين والأنظمة والتعليمات الصادرة بموجبها، إعداد وإشراف طالب المصرف (بغداد: المؤسسة العامة للتأمين، 1970).

[2] ألغيت المؤسسة العامة للتأمين بقرار مجلس قيادة الثورة المرقم 193 بتاريخ 1/4/1987، وتم بموجبه ربط شركة التأمين الوطنية، والشركة العراقية للتأمين على الحياة، وشركة اعادة التأمين العراقية بوزارة المالية مع احتفاظها باستقلالها المالي والاداري وشخصيتها المعنوية.

[3] مهند عبدالرزاق الفلوجي، معجم الفردوس: قاموس الكلمات الإنجليزية ذوات الأصول العربية (الجزء الثاني)، ص 95.

[4] بديع أحمد السيفي، الوسيع في التأمين وإعادة التأمين، 2ج (بغداد: د.ن.، 2006)، الجزء الأول، ص 240-262.  ومن بين القوانين التي يتناولها بالتحليل قانون (شركات) الضمان (السيكورتاه)، ص 243.  وقد استفدت منه في دراستي حول نفس القانون.  أنظر: مصباح كمال، أوراق في تاريخ التأمين في العراق: نظرات انتقائية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2012)، ص 28-38.  كما قمت بالتعليق على قوانين أخرى، ومنها قوانين تأميم شركات التأمين، في نفس الكتاب.

Indemnifying Acts of Terrorism: an insurance solution

تعويض حوادث الإرهاب: حلٌّ تأميني

 

منعم الخفاجي

 

تشترك هذه المقالة في المضمون مع مقالات سابقة نشرناها في مرصد التأمين العراقي

د. مصطفى رجب: “الحلول الوطنية لمشاكل الطاقةالاكتتابية في تأمين أخطار الإرهاب”

https://iraqinsurance.wordpress.com/2013/05/04/terrorist-risks-national-solutions-for-the-problem-of-underwriting-capacity/

نشرت هذه الدراسة أصلاً في مجلة التأمين العربي، العدد 99، 2008

المحامي منذر عباس الأسود:”دعوة لتشكيل مجمع لتأمين خطر الإرهاب”

https://iraqinsurance.wordpress.com/2012/02/01/pool-for-terrorism/ 

عبدالكريم حسن شافي: “التـأمين وخطر الأعـمال الإرهابية: تجربة شركة التأمين الوطنية انموذجاً”

https://iraqinsurance.wordpress.com/2013/02/14/insurance-terrorist-acts-in-iraq/

 عبد القادر عبدالرزاق فاضل: “مقترح توفير غطاء تأميني ضد خطر الارهاب”

https://iraqinsurance.wordpress.com/2013/03/

 مصباح كمال

 

 

مقدمة

 

أبتلى العراق، كما غيره من بعض الدول العربية والإسلامية، ببـلوى التفجيرات والعمليات الإرهابية من اغتيالات وتفجيرات وغيرها من الحوادث التي تأتي على عدد كبير من أرواح الأبرياء وممتلكاتهم، بمختلف انتماءاتهم وبدون تمييز بين طفل او شيخ كبير من كلا الجنسين، لأنها عشوائية تستهدف التجمعات البشرية في أغلبها ودون تمييز، تنتج عنها وفيات وإصابات بدنية تتخلف عنها عاهات مستديمة لعدد غير قليل من هؤلاء الأبرياء، إضافة الى خسائر في الأموال والممتلكات العامة والخاصة.

 

دور الدولة في تعويض هذه الحوادث

صحيح ان الدولة تعلن تعويضها للمصابين وذوي الشهداء ولكن هذه التعويضات محدودة ولا تفي بالغرض لأنها لا تُحدد على أساس الحاجة بل تكون في أغلبها متساوية (مبالغ مقطوعة) وهذا أمر غير صحيح لأن التعويض، كي يكون عادلا وافيا بالغرض جهد الإمكان، يجب أن يكون متناسبا مع الحاجة في حالة الوفاة ومع الضرر الحاصل في حالة الإصابة، أي ان يؤخذ بنظر الاعتبار عند تحديد التعويض ولكل ضحية، عدد الورثة ومن كان يعيلهم الشهيد وكذلك طبيعة الإصابة ودرجة العجز الدائم.

 

دور التامين

أما من ناحية التأمين فهناك أغطية تم تهيئتها محليا من قبل شركات التأمين العراقية، ولكن هذه الأغطية هي الأخرى محدودة.  فبقدر تعلق الامر بالأشخاص يقتصر تأمينهم بغطاء حوادث شخصية موسع يشمل الوفاة والإصابات البدنية الناتجة عن العمليات الارهابية وبمبالغ تأمين قد لا تزيد عن عشرة ملايين دينار للشخص الواحد مع تحديد حد أقصى للحادث الواحد للوثيقة الواحدة. ولكن عدد المؤمن عليهم بهذا الغطاء محدود، فهو يقتصر على بعض موظفي الشركات وبعض الدوائر الحكومية.  أما تعويض هؤلاء عند وجود حادث فإنه لا يخضع الى تعقيدات ويدفع بسلاسة. بعد استكمال المستندات الضرورية لإثبات وقوع الحادث وما نتج عنه من وفاة أو إصابة ودرجة العجز المتخلفة عنها.  لكنني لم اسمع عن الانتشار الواسع، لحد الآن، لوثائق تأمين لمثل هذه الحوادث المؤمن عليها، فعدد هذه الوثائق ضئيل لا يتناسب مع عدد الوفيات والإصابات البدنية الناتجة عن العمليات الإرهابية التي يعلن عنها في وسائل الإعلام.  وسبب ذلك يعود الى قلة الوعي بوجود وضرورة هذا النوع من التأمين وندرة المؤمن عليهم من طالبي هذا الغطاء.

 

وكما أوضحتُ، فإن الدولة تقوم بتعويض ورثة المتوفين الشهداء والمصابين بمبالغ تكاد تكون عشوائية غير مدروسة.  وفي هذا المجال يخطر ببالي ضرورة أن تتبنى الدولة مشروع تأمين الوفيات والإصابات البدنية الناتجة عن العمليات الارهابية يشمل العراقيين كافة.  ويدار هذا المشروع، وفقا للقواعد التي تنتظم آلية التأمين، من قبل هيئة أو شركة تأمين لحساب الدولة وعن طريق أنشاء صندوق يُموّل من قبل الدولة ويساهم فيه منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية والتبرعات من أطراف أخرى.  ويتم التعويض استنادا الى جداول تعد مسبقاً مع المرونة الكافية في التطبيق لتحقيق تعويض كاف ومدروس.  ولا تحدد مبالغ التعويضات بشكل متساوي للوفاة وأخرى للإصابات البدنية بل يتم التعويض على أساس الحاجة الاقتصادية والعلاجية ولكل حالة وفاة أو عاهة حسب طبيعتها.  ويمكن أن تستند هذه التجربة على ما هو الحال في صندوق التأمين الإلزامي على السيارات، وربما يكون مسترشدا بما هو متراكم من خبرات لدى صندوق تعويضات التامين الإلزامي على السيارات.

 

تعويض الممتلكات

ما تقدم بالنسبة لتعويض الأشخاص.  أما بالنسبة لتعويض الممتلكات من سيارات ومحال تجارية وغيرها فالغطاء التأميني متوفر لدى شركات التأمين ولكن الإقبال عليه من قبل الجمهور محدود لأسباب عديدة: منها، وأهمها، فاعلية شركات التأمين وجمعية شركة التأمين العراقية بتعريف الناس بهذا النوع من الأغطية التأمينية.  ويمكن، وبسهولة، استيعاب تأمين الممتلكات لدى شركات التامين المحلية عن طريق تأسيس مجمع تأمين لهذا الغرض، كما اقترح بعض الزملاء.

 

وكفى الله العراقيين شر هذه الحوادث.

 

بغداد 29 كانون الثاني 2014