Dr Saleem Al-Wardi: My Experience of Planning at the National Insurance Co


أ. د. سليم الوردي: معايشتي لتجربة التخطيط في شركة التأمين الوطنية[1]

امتدت خدمتي في شركة التأمين الوطنية ما يربو على ربع قرن من الزمن: اعتبارا من تموز 1968 ولغاية آذار 1994.

ابّان انخراطي في العمل كانت معارفي النظرية في شؤون التأمين محدودة وكان هاجسي منذ البداية: كيف يقيّض لي ان أوظف معارفي الاقتصادية في حقل التأمين. تطلب ذلك ان احيط ابتداءا بالنظرية العامة للتأمين وتفرعاتها، وقد عزز ذلك التحاقي بدورات تأمينية فنية: تأهيلية ومتقدمة الأمر الذي اسس عندي رؤية واضحة لطبيعة عمل شركة التأمين بمحاورها المختلفة (الاكتتابية والقانونية والتسويقية) التي تُشكل في حصيلتها النهائية المزيج التأميني Insurance Mix. وادركت لاحقا، حين انخرطت ميدانيا في ادارة النشاطين التخطيطي والتسويقي، ان المزيج التأميني لا يتحقق من دون تقاطعات بين تلك المحاور. ودور الادارة الرشيدة هو تحقيق مزيج متوازن يعالج تلك التقاطعات.

سنة 1971 منحتني الشركة اجازة دراسية لإكمال دراسة الدكتوراه في جمهورية بلغاريا. والى جانب انشغالي في اعداد الاطروحة خصصت جزءا من وقتي للتعرف على تجربة التأمين في جمهورية بلغاريا التي كانت تسودها العلاقات الاشتراكية، التي تركت بصماتها على مبادئ وسياسات التأمين. ونشرت في مجلة “رسالة التأمين” التي كانت تصدرها وقتذاك المؤسسة العامة للتأمين “الملغاة”، مقالة تحت عنوان: “اضواء على بعض جوانب التأمين في النظم الاشتراكية”. الى جانب مقالات تأمينية اخرى ارسلتها للنشر في المجلة اثناء دراستي. كما امضيت شهرين في مؤسسة التأمين البلغارية على سبيل التدريب والاطلاع. وانصبّ فضولي المعرفي اثناءها على الجوانب التخطيطية والاحصائية والتسويقية وتزودت ببعض الادبيات والمواد المساعدة في تلك المجالات، الامر الذي اعدّني لمواجهة متطلبات التبشير بالمنهج التخطيطي في شركة التأمين الوطنية لدى اكمال دراستي، مع ملاحظة الفروق الجوهرية في النظام السياسي والاقتصادي للبلدين.

لم اسارع في السنة الاولى من عودتي الى الدعوة لتطبيق اساليب ومنهج التخطيط في اعمال الشركة، بل بدأت أتلمس مدى تقبل اجهزة الشركة المختلفة لمثل تلك الدعوة، متحسبا لردود الفعل المتوقعة، حين يتقاطع منهج التخطيط مع السياقات التي اعتادت عليها في سياقات اعمالها، والتي قد تجد فيها قيودا تحدّ من حريتها في العمل. ولا اكتم انني كنت حريصا على ان لا اتقاطع مع القيادات الفنية التي ربما كانت ترى فيّ عنصرا من خارجها يغرد خارج السرب.

اول ما قدمت عليه تنظيم دورة متخصصة في “احصاء التأمين” للأجهزة الاحصائية العاملة في مركز الشركة وفروعها. وقد مثلّت تلك الدورة رسالة وجهتها الى ادارة الشركة وقياداتها الفنية، مفادها انني لست اكاديميا غريبا عن شؤون التأمين، وان لم اكن اصطف ضمن القيادات الفنية، وان [استخدام] الاحصاء [لدراسة] الخطر يعدّ الاساس الذي يفترض ان ترسو عليه السياسات الاكتتابية والتسعيرية. كما وتضمنت الدورة محاضرات في وظيفة الاحصاء في اعداد الخطط ومتابعتها، تمهيدا لتكليف العاملين في الاحصاء بالنهوض بإعداد الخطط ومتابعة تنفيذها.

في نهاية سنة 1975 تقدمت بدراسة لاستحداث شعبة للتخطيط ضمن تشكيلة قسم الاحصاء والبحوث، ومع اقرار هذا المقترح في الهيكل التنظيمي لسنة 1976، طفقت اتلمس الطريق الذي يقود الى اشاعة القناعة لدى فروع الشركة الانتاجية بجدوى الخطط والبرامج التسويقية. وحرصت ابتداءا على ان لا تصدر تلك التوجهات بصيغة تعليمات فوقية تملى على فروع الشركة واجهزتها الانتاجية. فعمدت الى صياغتها بشكل ورقة عمل عممت على الجهات المعنية لدراستها وتسجيل ملاحظاتها عنها بهدف مناقشتها في ندوة عقدت لهذا الغرض استغرقت نهارا كاملا.

واذ استذكر ذلك فلأنني اجد فيه بداية صحيحة لاستقطاب الأجهزة التنفيذية للانخراط في مناقشة الخطط وأهدافها الانتاجية وتفاديا لما يمكن ان يتمخض عن ذلك من شعور بالغربة ازاء الخطط والأهداف المركزية. انصب التخطيط في المرحلة الاولى على النشاط الانتاجي للشركة. وعلى هذا الاساس اعددت خطة الانتاج الاولى لسـنة 1977. وقد كانت تجـربة تدعو الى الاعتـزاز، حيث تحـققت اهدافــها بنسبة 100.5%، وهو ما اشّر صواب التوقعات وواقعية الاهداف.

منذ اواسط سبعينيات القرن الماضي وحتى مطلع الثمانينيات دأبت شركة التأمين الوطنية على عقد ندوات انتاج سنوية. وقد مثلّت تلك الندوات تجربة رائدة تتفرغ فيها قيادات الاجهزة الفنية والتسويقية (مع التركيز على جهاز الانتاج الميداني)، وتستمر الندوة زهاء اسبوع في احدى محافظات العراق، وتناقش فيها مختلف السياسات والبرامج الفنية والانتاجية. واهم ما كان يتمخض عنها زيادة تفاعل بين الخطين الفني والتسويقي في الشركة، ما عزز روح الولاء للشركة.

سبقت الاشارة الى ان ايجاد نسيج متجانس بين اجهزة الشركة الاكتتابية والتعويضية من جانب والجهاز البيعي الميداني من جانب آخر مهمة معقدة بسبب تقاطع الرؤى والمصالح فيما بينها. فالجهاز البيعي الميداني بقنواته المختلفة يسعى الى زيادة عمليات البيع للحصول على عمولات اكبر، بينما تتوخى الاجهزة الفنية سلامة عمليات الاصدار والتعويض. قرأت في احد المقالات التأمينية الاجنبية وصفا طريفا للضغوط المتقاطعة التي تؤثر في العملية التأمينية، يصفها الكاتب بالسيارة التي يضغط فيها الجهاز البيعي على دوّاسة الوقود بينما يضغط الجهاز الاكتتابي على دوّاسة الكابح. ويترتب على سائق السيارة ان يوفق بين هذا وذاك لخلق حالة من التوازن في حركة السيارة وسلامة سيرها.

شهدت الشركة سنة 1981 تقاطعا واضحا بين الجهاز الفني وجهاز الانتاج الميداني، وكانت الكفّة تميل الى القيادات الفنية بحكم هيمنتها على السياسات الاكتتابية والتسعيرية للشركة. في تلك السنة سجلت محفظة التأمين التكميلي على السيارات (قطاع خاص) خسائر كبيرة في نتائجها. فأصيبت الاجهزة الفنية بالهلع وسارعت الى زيادة كبيرة في اسعار المحفظة. ابتداءا سجل قسم التخطيط تحفظه على تلك الزيادة، لأنها قامت على نتائج سنة واحدة. ولم تخضع المحفظة لدراسة تحليلية لمعرفة شريحة المؤمن لهم التي تقف وراء تلك الخسائر. وراح يتابع النتائج التسويقية السلبية التي نجمت عن تلك الزيادة اولا بأول. وبعد زهاء نصف سنة اصبح واضحا ان المحفظة بدأت تسجل انحسارا ملحوظا في عدد المؤمن لهم. وابدت اجهزة الانتاج الميدانية تذمرا لإحجام زبائنهم عن تجديد وثائق تأمينهم، وخاصة اولئك الذين لم تسجل تأميناتهم مطالبات بالتعويض. حينئذ اقدمت على اعداد دراسة تطبيقية معززة بالبيانات الاحصائية والوقائع الملموسة. وكشفت الدراسة عن ان خسائر المحفظة ناجمة عن شريحة محددة من المؤمن لهم. وهم اصحاب سيارات ” الماليبو ” من الضباط اللذين اشتروها بالنسيئة من الشركة العامة للسيارات وبأسعار تقل كثيرا عن اسعارها في السوق، بينما كانت الادوات الاحتياط مرتفعة قياسا الى الاقساط التي كانت تتسلمها شركة التأمين عن تلك التأمينات. وقد كانت مطالبات التعويض الباهضة لأصحاب تلك السيارات هي السبب المباشر لخسائر محفظة التأمين التكميلي على السيارات (قطاع خاص).

اتذكر ان مناقشة تلك الدراسة قد استغرقت ثلاثة اجتماعات شهرية للكادر المتقدم، احتدمت خلالها النقاشات بين القيادات الفنية وقسم التخطيط. عندها تقدمت بمنظومة مقترحة تقوم على اساس التعامل الفردي مع كل مؤمن له ويتحدد قسط التأمين في ضوء عدد ومبالغ مطالبات التعويض التي يتقدم بها المؤمن له خلال السنة الماضية. فيخفض القسط عند عدم تقدمه بأي مطالبة تعويض، ويحمل بعلاوة حين تقدمه بمبالغ عالية من مطالبات التعويض. واعتمدت المنظومة على ما يسمى بمبدأ الثواب والعقاب وتكللت مساعي قسم التخطيط بالنجاح، فخفضت اسعار المحفظة وأقر اعتماد نظام الثواب والعقاب، وما يزال معتمدا حتى الأن مرفق بوثيقة تأمين السيارات / التكميلي (قطاع خاص).

قرّبت تلك التجربة بين قسم التخطيط واجهزة الانتاج الميدانية، ما حدى بإدارة الشركة الى اناطة مهمة اعداد البرامج التسويقية لجهاز الانتاج الميداني الى قسم التخطيط والمتابعة. وعلى هذا النحو تكوّن القسم من اربع شعب: التخطيط والتسويق والابحاث والإحصاء، وهو ما قيض للقسم التنسيق والتكامل بين هذه الانشطة.

كانت مهمة اعداد اهداف منتسبي الجهاز الانتاجي اعقد من اعداد الخطة الشاملة للشركة، نظرا لارتباط عمولات الانتاج التي يتسلمها المنتجون بتحقيق الاهداف وتجاوزها خاصة ان اجهزة الانتاج الميداني كانت قد ألفت التحرك البيعي من دون ضوابط ودون الانقياد إلى توجهات الشركة لتنشيط المحافظ الراكدة. ولم يكن من السهل الزام المنتجين على التوجه الى ترويج وثائق تلك المحافظ، التي مهما ارتفعت نسبة عمولاتها تبقي حصيلة عمولاتها متواضعة بسبب محدودية اقساطها من جهة، والجهد الذي يتطلبه ترويجها من جهة اخرى.

وعلى اثر توجه قسم التخطيط لإخضاع جهاز الانتاج الميداني لأهداف تسويقية سنوية، اندلعت معركة حامية مع ذلك الجهاز. حاول قسم التخطيط امتصاص ردود فعل جهاز الانتاج الميداني قدر الامكان، فلم يتعامل بأسلوب الاملاءات الفوقية، ولم يصدر تعليمات حول قواعد اعداد البرامج التسويقية الميدانية السنوية، بل عممت مسودتها على جميع المعنيين لمناقشتها في ندوة يحضرها جميع المنتجين.

في عشية الندوة همس الزميل السيد فؤاد عبدالله عزيز في اذني: “ان مسودة التعليمات احدثت ما يشبه الانتفاضة لدى منتسبي الجهاز الانتاجي، وهم سيحضروا الندوة على سبيل المواجهة وليس المناقشة”. كان اول ما فكرت فيه: اناطة ادارة الندوة بشخصية حيادية تحظى باحترام الطرفين، وهو المرحوم الخبير السيد مدحت الجراح،[2] لكي لا يشعر جهاز الانتاج الميداني ان قسم التخطيط يستفرد به، ويفرض عليه املاءاته. وخلال يومين جرت مناقشات حادة لا هوادة فيها. ولم يبدو انها ستفضي الى نتيجة. عندها اقدمت على خطوة تكتيكية، فأعلنت تراجعي عن مسودة التعليمات، وخلصت الندوة الى تشكيل لجنة مشتركة من قسم التخطيط وممثلين عن جهاز الانتاج الميداني لصياغة تعليمات بديلة. وقد تمخض عن اعمال اللجنة القناعة عن جدوى اخضاع التحرك الانتاجي للتخطيط والبرمجة وفق قواعد وآليات واضحة، وان قسم التخطيط لا يروم قولبة تحركهم الانتاجي، بل توسيع قاعدة الزبائن وتنشيط المحافظ الراكدة. وتمخض عن اعمال اللجنة اعداد تعليمات الرقم 7 لسنة 1985، التي اعتمدت مبدأ المكافآت الاضافية لمن يتجاوز أهدافه الانتاجية وخاصة في الوثائق الراكدة.

استعان قسم التخطيط في بلورة تجربته الوليدة بتجارب التخطيط في عدد من البلدان الاشتراكية والرأسمالية. واذ كنت قد أفدت ابّان دراستي من تجربة مؤسسة التأمين الحكومي في بلغاريا، وقرأت عن تجربة مؤسسة التأمين في الاتحاد السوفياتي وقتذاك (غوستراخ)، انصرف اهتمامي الى التعرف على تجارب التخطيط في شركات التأمين الرأسمالية. واستعنت بهذا الصدد بكتاب “تسويق التأمين” للكاتب جارلس دوفت، اصدار شركة اعادة التأمين السويسرية، ويتكون من اثني عشر جزءا. وانصرفت الى ترجمته الى العربية (نشرته على سبيل الترجمة والاعداد سنة 2002. وقد كرّس الجزء السادس من الكتاب لقواعد وآليات التخطيط في شركات التأمين.

ادركت مبكرا ان ظروف سوق التأمين العراقية وقتذاك تختلف في طبيعتها عن اسواق التأمين في النموذجين الاشتراكي والرأسمالي، ولا يحسن بالمخطط ان يستنسخ تجارب أي من التجربتين بدون تفكر او رويّة، بل يجدر به ان يخرج بتوليفة تلبي طبيعة ومتطلبات سوق التأمين العراقية والنظام السياسي والاقتصادي في العراق وقتذاك.

ان الاهداف الانتاجية لمحافظ الشركة لم تكن مجرد أرقام ونسب زيادة سنوية كما يحدث في القطاعات الاقتصادية الاخرى، بل تزداد هذه الاهداف وتنخفض احيانا وفق طبيعة مصادر اعمال المحفظة المعنية. وهو ما حدى بقسم التخطيط الى توزيع اعمال الشركة بموجب الانشطة التي تغطيها، والقوانين والتعليمات الى تنظم التأمين عليها. فكان ان وزعت محافظ الشركة الى ثلاث شرائح: الزامية وشبه الزامية واختيارية.

وتندرج ضمن المحافظ الالزامية، محفظة التأمين الالزامي على المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث السيارات التي يجري التأمين عليها حصرا في شركة التأمين الوطنية بموجب القانون. وهو ما ينطبق على محفظة ضمان الموظفين. بينما تعدّ ضمن المحافظ شبه الالزامية تلك التي تلزم التعليمات الحكومية اجراء التأمين عليها في شركة التأمين الوطنية، مثل التأمين البحري (بضائع وسفن وطيران). وكذلك التأمين الهندسي بقدر تعلق الامر بوثيقة تأمين كافة اخطار المقاولين وتندرج ضمن هذه الشريحة تأمينات منشآت ودوائر ما كان يسمى ” بالقطاع الاشتراكي “. اما الشريحة الثالثة فكانت تنصب عليها الجهود التسويقية والترويجية للشركة، وتشمل الاعمال الاختيارية للقطاعين الخاص والمختلط.

بحكم دورها الاحتكاري لأعمال التأمين العام كانت تركيبة محفظة شركة التأمين الوطنية تعبر عن واقع الاقتصاد العراقي حينذاك. كان قطاع الدولة يساهم بزهاء 75% في تكوين الناتج المحلي الاجمالي. وهو ما انعكس على هيكلية محفظة اعمال الشركة فكانت اعمال القطاع الخاص تشكل 25 – 30 % من مصادر اعمالها.

كنا حين نخطط لأقساط التأمين الالزامي على السيارات نسترشد بأعداد السيارات في البلد وبرامج الاستيراد للشركة العامة للسيارات. وعندما نخطط لأقساط تأمين البحري بضائع نستعين بمعطيات برنامج الاستيراد لوزارة التجارة. وبقدر تعلق الامر بمحفظة التأمين الهندسي كنا نتوقعها في ضوء البرامج الاستشارية للدولة. ونسترشد بتوقعات فرع التأمين الهندسي عن المشروعات التي ستكتمل وتنتقل الى محفظة تأمين الحريق والحوادث … وهكذا.

الجهد التسويقي والترويجي كان ينصب على محافظ القطاع الخاص الاختيارية، وتعبأ في سبيل تحقيق الاهداف التسويقية قنوات الانتاج الميداني: المنتجون الرسميون والوكلاء والمنتجين بالتقاعد الاهليين. وقد سبقت الاشارة الى المشوار الطويل الذي قطعه قسم التخطيط لمد الجسور الى اجهزة الانتاج الميداني، بحكم خصوصية الحوافز المادية التي تحرك اجهزة الانتاج الميداني.

بعد ان استقرت نشاطات القسم في حقل تخطيط الانتاج، طفق يتحرك لإدماج انشطة الشركة كافة في الخطط السنوية والخمسية. وفي هذا الاتجاه تولى مسؤولية اعداد الموازنات التخمينية السنوية للشركة، التي كان ينهض بها القسم المالي. وتعد الموازنة التخمينية وثيقة تخطيطية مهمة، لأنها تمثل في نهاية المطاف تعبيرا ماليا لأنشطة وفعاليات الشركة كافة. تمخض عن تولي قسم التخطيط اعداد الموازنة التخمينية امتداد نهج التخطيط الى اجهزة الشركة كافة. فإلى جانب تخطيط الانتاج صار ينسق مع قسم اعادة التأمين بقدر تعلق الامر بالسياسة الاحتفاظية للشركة، ومع قسم الافراد حول خطة القوى العاملة، ومع قسم الاستثمار الذي يتحكم بأوجه استثمار اموال الشركة، ومع القسم المالي بقدر تعلق الامر باحتياطيات الشركة. وبعدما كانت الموازنة التخمينية تعامل بوصفها وثيقة محاسبية، اصبحت تعامل بوصفها وثيقة تخطيطية تعكس تياري الايراد والانفاق بأوجهها المختلفة خلال السنة المعنية.

وعلى هذا النحو اصبح اعداد الخطط السنوية للشركة مناسبة مؤاتية للتداول والحوار بين اجهزة الشركة النوعية، ما تمخض عنه وبالتدريج ازالة مشاعر التحسس والتحفظ ازاء قسم التخطيط. ومما ساعد قسم التخطيط على النهوض بمهامه ان ضم في هيكليته اربع شعب نوعية هي: التخطيط، والاحصاء، والابحاث، والتسويق وكادر من حملة الشهادات العليا. فبالإضافة اليّ ضمّ القسم: الدكتور جوزيف عبد الاحد، والدكتور جواد الحكيم والدكتورة سلوى زكو، والدكتور عبد الحسن الاطرقجي والدكتور عبود المشهداني.

في مطلع الثمانينيات وبسبب الحرب العراقية الايرانية توقفت المؤسسة العامة للتأمين عن اصدار مجلتها ” رسالة التأمين ” فعبأ قسم التخطيط امكاناته لإصدار نشرة بديلة، وان كانت بإخراج متواضع، تحت عنوان ” نافذة على التأمين ” وكانت تصدر بأعداد محدودة لأنها كانت تسحب على جهاز الرونيو. وقدمت مساهمة ملموسة في اعدادها واخراجها الزميلة الدكتورة سلوى زكو بحكم تخصصها في الصحافة. وبالإضافة الى اصدار هذه النشرة الفصلية عكف القسم على ترجمة بعض الادبيات التأمينية وتوزيعها بأعداد محدودة على اجهزة الشركة، ومن اهمها حسبما اتذكر:

  1. التأمين الحيواني في بلغاريا (مترجم عن البلغارية) لأغراض فرع التأمين الزراعي، سنة 1982
  2. ” فصول في التأمين الزراعي ” (مترجم عن الروسية) لأغراض فرع التأمين الزراعي، سنة 1982
  3. كتاب ” تسويق التأمين ” اصدار شركة اعادة التأمين السويسرية، بغداد 1985 (ترجمة واعداد).
  4. ” تحفيز ادارة الخطر في البلدان النامية ” اصدار منظمة الانكتاد، سنة 1987
  5. ” تأمين السيارات وتعويض حوادث الطرق في البلدان النامية ” اصدار منظمة الانكتاد، سنة 1988.
  6. ” الوجيز في اعادة التأمين العام ” اصدار شركة اعادة التأمين السويسرية. طبع بـ 2000 نسخة ووزع على شركات التأمين العربية، سنة 1987.

اعّد قسم التخطيط خطتين خمسيتين: الاولى للسنوات 1981 – 1985 والثانية للسنوات 1986 – 1990. وقد مهدت لإصدارها كتابة اوراق عمل لمختلف انشطة شركة التأمين الوطنية. ونوقشت هذه الأوراق في الاجتماعات الشهرية للكادر المتقدم في الشركة وتبلورت عن توصياتها اهداف للخطط الخمسية. وما اتذكره من تلك الاوراق واحدة تحت عنوان: ” دراسة لوضع اسس لتخطيط القوى العاملة في شركة التأمين الوطنية “. واخرى عن ” تطوير الهيكلية التنظيمية لشركة التأمين الوطنية”.

انطوت الخطط الخمسية على توجهات هادية اكثر منها ملزمة، لأنها نفذت في ظروف غير مستقرة بسبب الحرب العراقية الايرانية، حين شهد البلد تعثرا في الكثير من مفاصل اقتصاده التي تمثل مصدرا اساسا لأعمال محافظ التأمين العام. هذا فضلا عن التحاق نسبة عالية من موظفي الشركة في جبهات القتال. ومع ذلك كانت توجهات تلك الخطط الخمسية تمثل مرجعية لدى اعداد الخطط السنوية.

عندما التحقت بشركة التأمين الوطنية سنة 1968، لم تكن لدى فكرة واضحة عن طبيعة التأمين وخصوصيات محافظه، والاسس الفنية والتسويقية والقانونية والمالية التي ترسو عليها اعمال شركة التأمين. ولكن حين تيقنت ان عملي الوظيفي قد تحدد في هذا المجال حرصت على الاطلاع على جوانبه المختلفة. وحين وجدت ان اكثر المصادر والادبيات التأمينية باللغة الانكليزية توجهت لتعزيز قدراتي فيها، ما مكنني لاحقا من ترجمة الكثير من الأدبيات التأمينية الى العربية.

ان اختصاصي في علم الاقتصاد، واهتمامي بعلم الاجتماع والشأن العام، لم يحولا دون انجازي العديد من الأبحاث والمقالات والكتب في حقل التأمين. ان مساهماتي المتواضعة في الفكر التأميني العراقي هي حصيلة ما أضافه لي عملي في قطاع التأمين العراقي من معارف وتجارب، الى جانب فضولي المعرفي، وحرصي على ان يكون لعملي الوظيفي مغزى معرفي. والمعرفة حسب قول العالم البرت اينشتاين: “هي الخبرة في التعامل مع الحياة وكل ما سواها معلومات”. والحقيقة ان المعلومات لا تتحول الى معارف الاّ في حيّز التطبيق. لم يكن يلبي سويتي المعرفية ان امضي حياتي الوظيفية كأي موظف نمطي، يمضي سنوات عمره في الوظيفة، ثم يحيل نفسه على التقاعد. لقد دأبت على ان تتلاقح معلوماتي النظرية مع عملي الوظيفي وسياقاته. وقد كان هذا هو الهاجس الذي كان ينتابني في خدمتي في شركة التأمين الوطنية. وهو ما هيأني في عين الوقت للانخراط في العمل الاكاديمي على سبيل التفرغ بعد إحالتي على التقاعد. ومما يذكر ان جميع أبحاث ترقياتي العلمية وصولا الى الأستاذية كانت تتناول جوانب التأمين: الاقتصادية والتسويقية والتنظيمية.

لقد مثّل لي عملي في شركة التأمين الوطنية ما يربو على ربع قرن محطة مهمة في مسيرتي المعرفية، غالبا ما استعيد تفاصيلها ومفارقاتها، وأوظفها في مسيرتي المعرفية الراهنة، التي باتت تنصب على البحث في ظواهر المجتمع العراقي وموضوعات الشأن العام. كنت وما أزال أومن ان التضلع المعرفي في الشأن التأميني يفتح للمرء نوافذ على جميع شؤون الحياة لان الأخطار التي تمثل مادة التأمين، هي الحقيقة التي ترافق الإنسان في جميع أطوار ومراحل ومنعطفات حياته، بدأ من ولادته وصولا الى رحيله عن الحياة الدنيا.

[1] كتب د. سليم الوردي هذه الدراسة لتكون فصلاً في مشروعي لكتاب يكتب على شرف الأستاذ عبد الباقي رضا festschrift. إلا أن هذا المشروع لم يتحقق حتى الآن لأن من توسمت فيهم المساهمة فيه خذلوني باستثناء المرحوم د. سليم الوردي والسيدة إيمان عبد الله شياع.

تم ضم هذه المقالة لكتاب في استذكار أ. د. سليم الوردي، 1942-2016، إعداد وتحرير مصباح كمال (مكتبة التأمين العراقي، 2016)، ص 44-55.

(مصباح كمال)

[2] مدحت الجراح كان مديراً عاماً للشركة العراقية للتأمين على الحياة (1978-1982).

Advertisements
Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: