Memories of my years with the late Mouayyad Al-Saffar


ذكريات سنواتي مع مؤيد الصفار

باقر المنشئ

المقدمة

سأحاول في سردي هذا أن أسترجع بعضاً من ذكرياتي مع إنسان قلّ نظيره، وترك بصمة في حياتي المهنية والشخصية ألا وهو المرحوم مؤيد جواد الصفار[1] التي امتدت من نهاية عام 1975 ولغاية أيلول 1991م.

عدت إلى مدينتي الحبيبة بغداد من أمريكا في أيلول من عام 1975 بعد غياب قارب الخمس سنوات قضيتها في الدراسة والعمل. بعد أسابيع من المراجعات الروتينية حططت الرحال في شركة التأمين الوطنية. والفضل في ذلك يرجع إلى أستاذي المبجل عبد الباقي رضا (أطال الله بعمره ومتعه بوافر الصحة) إذ “أغراني” بالانضمام إلى الوطنية بدلاً من شركة إعادة التأمين العراقية أو التدريس في الجامعة.

باشرت العمل في الوطنية في 19/11/1975 وبعدها بأيام تعرفت على المرحوم مؤيد الصفار في  كافتيريا الشركة قرب ساحة النافورة بعد أن لفت نظري إليه بحجمه الضخم وصوته الجهوري وهو مع شلته التي شملت في الغالب فؤاد عبد الله عزيز وطارق خليل وكمال الزبيدي.

بعد بضعة أسابيع قضيتها في قسم الشؤون الفنية للتعرف والتدرب على نمط العمل في الشركة صدر قرار تعييني في قسم التأمين الهندسي. وأعتقد بأن المرحوم مؤيد الصفار “حاك” ذلك مع المدير العام الأستاذ عبد الباقي رضا.

التحقت بقسم التأمين الهندسي تحت إدارة المرحوم مؤيد ومعاونته السيدة الفاضلة نجيبة كاكا في شعبة إصدار وثائق التأمين. وعلى الفور أدركت بأن المرحوم مؤيد هو ربان القسم بلا منازع ويميل إلى المركزية في العمل.

صـفاتـه

اتصف المرحوم مؤيد بشخصية قيادية شديدة وأيضاً صارمة عند الحاجة! وأعتقد إن انخراطه في العمل السياسي في مرحلة مبكرة من عمره طورت صفات الصرامة والقيادة عنده.

كنت من المعجبين بأسلوبه في التفاوض والتحاور بشكل عام وخصوصاً مع اليابانيين. فاليابانيون، وبعد ساعات من النقاش يلجؤون إلى ذكر تلخيص لما دار في الاجتماع، وعادة ما كانوا “يحشرون” أموراً لم يتم تناولها. وهذا ما كان يثير المرحوم مؤيد وبالتالي يصر على درج ما تم تناوله والاتفاق عليه فقط من دون زيادة في محضر الاجتماع.

الدعابة وخفة الدم كانت إحدى صفات المرحوم مؤيد، وكان يجيد القاء النكات والطرائف. وكان يضحك على نكاته بصوت عالي وفم مفتوح وكرش مهتز!

البساطة والتواضع مع المرؤوسين والزملاء كانت الصفة الغالبة في تعامل المرحوم مؤيد كما تميز بحبه للأكل! وكان المرحوم عبد بدّاي رسوله إلى أبو علي أبو التكة بشكل شبه يومي!. ومن الأسرار التي لم نتمكن من الوصول إليها هو الوزن الحقيقي للمرحوم مؤيد!.

تعاملي معه

شهد تعاملي مع المرحوم مؤيد مرحلتين. الأولى، عندما تم تعييني كملاحظ في شعبة إصدار الوثائق في قسم التأمين الهندسي الذي كان يترأسه والتي امتدت لأكثر من عامين. تعلمت منه الكثير من فنيات وإجراءات العمل. بالمقابل أستطاع بفراسته أن ينمي قدراتي في العمل، فمنحني صلاحية تسعير المشاريع الهندسية الصغيرة تأمينياً لأول مرة، إذا كان التسعير يتم حصراً في قسم الخدمات الهندسية تحت إدارة المهندس جاسم العاني وطاقمه المؤلف من المرحوم المهندس باسل النوري والمهندس سعد البيروتي والمهندس عامر الغائب.

المرحلة الثانية كانت بعد نقلي إلى قسم إعادة التأمين لأكون مساعداً للمرحوم أنطوان سليم إيليا، ومن بعدها ترقيتي لأشغل إدارة فرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين. بذلك أصبحت في مستوى إداري واحد مع المرحوم مؤيد الصفار. إلا أنه حافظ على مكانته المميزة في الشركة، وأحتفظ بمسؤولية ترتيب إعادة التأمين الاختيارية للمشاريع العملاقة على الرغم من مركزية إعادة التأمين في الفرع المتخصص.

شخصياً لم أجد غضاضة في ذلك لثقتي بأن المرحوم مؤيد بقدراته الخارقة في التعامل مع المقاولين الأجانب ومعيدي التأمين العالميين كان قادراً على تحقيق أفضل الشروط لإعادة تأمين المشاريع العملاقة.

المرحوم مؤيد أدخل أسلوباً جديداً في التعامل مع معيدي التأمين من ناحية والمقاولين من ناحية أخرى، إذ كان يتفق مع المعيدين على أن تكون إعادة التأمين الاختيارية وفق السعر الصافي، في حين انه يقوم بتحميل السعر بعمولة مرتفعة في اتفاقه مع المقاولين وبذلك كان يحقق عائداً كبيراً للشركة.

من ذكرياتي الحلوة مع المرحوم مؤيد هي ما رافق سفرتنا إلى كولون الألمانية في نيسان من عام 1986م. المرحوم غسان رضا مندوب شركة گيرلنگ[2] الألمانية قام بترتيب لقاء ما بين الكادر المتقدم في سوق التأمين العراقي وشركة گيرلنگ في مقرها في كولون. وضم الوفد العراقي كلاً من المرحوم مؤيد الصفار وقيس الجبوري وباقر المنشيء ونبيل قزانجي من الإعادة العراقية. وقام كل مشارك بإعداد ورقة قدمها في اللقاء. تطرقنا فيها إلى ما تتوقعه شركة التأمين من المعيد وأيضاً ممارسات العملية التأمينية في السوق العراقي، ونالت جميع الأوراق أستحسان المسؤولين في گيرلنگ.

كانت رحلة كولون أول سفرة جوية لي مع المرحوم مؤيد. جلست إلى جانبه وكانت المفاجأة الكبرى لي عندما بدأت الطائرة بالسير على أرضية المطار. إذ تسمر المرحوم مؤيد بمقعده وأغلق عينيه ولم يتكلم ولا كلمة طوال الرحلة التي دامت عدة ساعات. وحتى لم يعر أي اهتمام لصينية الأكل وهو الشغوف به!. لذا مازحته وقلت له سأكل نيابة عنك! ومع ذلك لم ينطق بأي كلمة.

أما في دعوات العشاء أو السفرات التي رتبتها لنا گيرلنگ فكان المرحوم مؤيد كعادته مرحاً متحدثاً لبقاً وذو روح دعابة يضيف جو المرح والضحك في أي تجمع يضمه.

وفــاته

بعد أن غادرت العراق في أيلول 1991، علمت بصدور قرار إداري بنقل المرحوم مؤيد من فرع التأمين الهندسي إلى فرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين الذي كنت أشغل إدارته لسنوات. وكانت هذه إحدى رغباته بعد أن أنحسر العمل في التأمين الهندسي بسبب الحصار والمقاطعة، في حين تحول العمل في الفرع الجديد إلى عمل ينطوي على الكثير من التحديات والصعوبات بعد الحرب على العراق وإلغاء اتفاقيات إعادة التأمين من قبل كل المعيدين العالميين. ولا يمكن أن يكون هنالك شخص أكثر قدرة من المرحوم مؤيد على شغل هذا المنصب في ظل الظروف الصعبة التي كانت سائدة. لكن يبدو أن الحالة النفسية والصحية له والتي تدهورت كثيراً في الفترة التي لحقت قيام الحرب أثرت على قلبه الكبير فأسكتته وهو جالس على الكرسي في مكتبه وخلال ساعات العمل في يوم حزين من شهر أيار من عام 1992 كما أذكر.

بذلك تكون وفاته وهو في عمر الـ 53 عاماً، قد طوت صفحة ناصعة من صفحات التأمين الوطنية، ووضعت نهاية لمشوار لم يكتمل للمرحوم مؤيد الصفار.

لقد تلقيت نبأ وفاته المفجع وأنا في صنعاء بدموع حزينة لشخص عزيز على قلبي، ومن المؤلم أن المرحوم مؤيد لم ينل في حياته الشخصية ما يستحقه فهو لم يكتب له الزواج وبالتالي ليس له من يخلفه أو يحمل أسمه.

أسأل الله أن يتغمد المرحوم مؤيد الصفار بواسع رحمته ويسكنه جنات الخلد.

ستبقى ذكراك يا مؤيد حية وعطرة في قلوب محبيك وبالتأكيد أنا منهم.

باقر المنشيء

صنعاء

آب 2015

[1] كانت وفاته في 9 نيسان 1992 حسب المعلومات التي أوردها الزميل عبد الكريم حسن شافي في مقالته “في استذكار المرحوم مؤيد جواد الصفار” المؤمل نشرها في مرصد التأمين العراقي قريباً (المحرر)

[2] Gerling Konzern Allgemine Versicherung AG (المحرر).

Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: