Is There a Contract of Insurance in Islamic Jurisprudence?


 

هل هناك عقد للتأمين في الفقه الإسلامي؟

 

 

مصباح كمال

 

 

نشر موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، أوائل آذار/مارس 2015، الطبعة الإلكترونية الأولى (منقحة ومزيدة، 2014) من كتابي “أوراق في تاريخ التأمين في العراق – نظرات انتقائية” (نشرت نسخته المطبوعة شركة التأمين الوطنية، بغداد، 2011 [2012]).

 

وقد كتب أ. فاروق يونس (9 مارس، 2015) في موقع الشبكة تعليقاً اقتبسه أدناه وبدوري قمت بالتعليق عليه. وفيما يلي أقدم التعليقين مع إضافة بسيطة لما كتبته أصلاً.

 

يقول أ. فاروق يونس:

 

لاحظت بان كتابكم القيم لم يخصص مبحثا مستقلا حول عقد التامين فى الفقه الاسلامى وجاء فى الصفحة 172 من الكتاب (ان تاريخ تطور التامين فى العالم العربى هو موضوع صعب لم يبحث بعد وحتى تاريخ النشاط التامينى فى كل قطر عربى ارتباطا مع التاريخ الاقتصادى لم يحظ بدراسة) مع اشارة مقتضبة لراى كل من ابن عابدين حول التامين البحرى وراى الشيخ محمد عبده الذى اجاز التامين على احد اشكال التامين على الحياة.

 

الحقيقة ان الجدل لم ينقطع بين رجال القانون وبين علماء الفقه الاسلامى حول عقد التامين.

 

جاء فى مقال الدكتور برهام محمد عطا الله الموسوم ب ( التامين وشريعة الاسلام ) المنشور فى مجلة المسلم المعاصر بتاريخ 16 كانون الاول 2001 ما يلى:

 

( ومن الذين عنو بمعرفة راى الشرع الاسلامى بموضوع التامين الدكتور رزق الله انطاكى والدكتور نهاد السباعى وهما يرون ان الفقه الاسلامى يتقبل عقد التامين وانه سبق الى تقريره ويذكران ما جاء فى – الدرر فى شرح الغرر – فى كتاب الكفالة لو قال رجل لاخر: اسلك هذا الطريق فانه امن وان كان محفوفا واخذ مالك فانا ضامن فسلكه واخذ ماله يضمن القائل.

 

ويستنبطان من ذلك ان فقهاء المذهب الحنفى قد قبلوا مبدئيا فكرة ضمان خطر الطريق التى تعتبر نصا صريحا فى التامين قبل ان يولد ذلك العقد) انتهى الاقتباس.

 

وفي تعليقي (23 مارس 2015) على كلمة أ. فاروق يونس كتبت التالي:

 

(1)   ترحيب بالتعليق وتقديم للموضوع

سررت لقراءة تعليقك واهتمامك بالنشاط الـتأميني وتاريخه. حقاً ما قلتَ بأنني لم أخصص مبحثاً مستقلاً في كتابي حول عقد التأمين في الفقه الإسلامي. ولم يكن هذا سهواً من جانبي بل انعكاساً لموضوع الكتاب الأساسي وهو محاولتي الاقتراب من تاريخ التأمين في العراق. وما نقلته في الفصل المعنون (مداخلة حول تحديث البحث في التأمين وتاريخه في العالم العربي) عن ابن عابدين ومحمد عبده لم يكن يهدف إلى تقويمٍ لموقفهما الفقهي بل العرض التاريخي، وهو عرض قاصر، للنشاط التأميني في العالم العربي. يضاف إلى ذلك أن الفقه الإسلامي الموروث لا يضم على وجه التحديد فصلاً مستقلاً حول عقد التأمين.

 

وبودي أن استفيد من هذه الفرصة للتفريق بين (1) الأشكال الأولية للتأمين، وهي كثيرة وموجودة لدى مختلف شعوب العالم، وبين (2) التأمين كمؤسسة اجتماعية أو تجارية مُنظمة تقوم بتجميع المساهمات/الأموال من مجموعة من الأفراد، ووضع هذه الأموال في صندوق يستخدم لجبر الضرر الذي يلحق بعدد قليل من الأفراد، مستفيداً بالقيام بهذه الوظيفة من قانون الأعداد الكبيرة والاحتمالات.

 

(2)   أشكال بدائية للتأمين في التراث العربي

اقتباسك الأمين من مقال الدكتور برهام محمد عطا الله الموسوم بـ (التأمين وشريعة الإسلام) الذي أوردته في تعليقك يُصنّف ضمن الأشكال الأولية غير المنظمة للتأمين. لاحظ أن النص المقتبس (لو قال رجلٌ لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، وإن كان محفوفاً وأخذَ مالكَ فأنا ضامنٌ، فسَلَكَه وأُخذَ ماله يُضمِن القائل)، أي إن القائل يُعوّض الشخص الآخر لخسارة أمواله، هو بمثابة اتفاق خاص بين شخصين لا يرقى إلى نشاط تأميني منظم، جماعي أو تجاري. صحيح أن هناك طرفين “متعاقدين” شفاهاً (القائل والرجل المخاطب، مُؤمِن ومؤمَن له) وأن هناك “مجازفة” (خطر تأميني ينطوي على احتمال التحقق من عدمه) وتحويل لعبء المجازفة (عبء الخطر) إلى القائل (المؤمِن)، إلا أن العِوَض/المقابل (قسط التأمين) وتجميع هذه الأقساط في صندوق مالي لتعويض الخسارة مفقودان، كما أن الضمان ليس مبنياً على تقييم للاحتمالات. أي أن الاتفاق لا يعدو غير تقديم حماية من شخص إلى شخص آخر ربما لسبب أخلاقي.

 

مثل هذا الاتفاق، كغيره، لا يُشكّل صيغة تأمينية قائمة على نظرية للاحتمالات، واتفاق منظم بين طرفين متعاقدين، قابل للتنفيذ بقوة القانون، مقابل مبلغ (قسط تأمين) لتعويض الطرف المتضرر في نفسه أو أمواله بسبب خطر أو أخطار محددة، وكل ذلك ضمن إطار تنظيمي مؤسسي، أو شبه مؤسسي، لإدارة عملية توزيع عبء الخسارة المالية على عدد كبير من أعضاء الجماعة المشتركة في مشروع الحماية من الأخطار الخارجية التي قد تصيبهم.

 

(3)   إدارة الخطر في التراث العربي

ويشهد تاريخ العرب وجود أشكال أولية، تؤشر على بدايات إدارة الخطر. إدارة الخطر، رغم حداثتها كموضوع مستقل، فإنها موجودة، وبأشكال مختلفة، كممارسة للتحوط من آثار ما يمكن أن يحصل مستقبلاً للناس وأموالهم من خسائر وأضرار. نقرأ التالي في كتاب:

 

“من قديمٍ كانت جزيرة العرب طريقاً عظيماً للتجارة، فطوراً تنقل غلاتها إلى ممالك أخرى كالشام ومصر، وأهم هذه الغلات البخور الذي يكثر في الجنوب في ظفار؛ وطوراً تنقل غلات بعض الممالك إلى البعض الآخر، ذلك لأن طريق البحر لم يكن طريقاً آمناً، فالتجأ التجار إلى البر يسلكونه، ولكن طريق البر نفسه كان طويلاً وكان خطراً، لذلك أحاطوه بشيء من العناية، كأن تخرج التجارة في قوافل، وأن تسير القوافل في أزمنة محددة وفي طريق محدودة.” (أحمد أمين، فجر الإسلام، بيروت: دار الكتاب العربي، ط 11، 1975، ص 11).

 

ولنا في قصة النبي يوسف ومشورته لفرعون مصر عن خطر سنوات المجاعة مثلاً جيداً عن إدارة هذا الخطر. وبهذا الشأن نقرأ التالي في القرآن (سورة يوسف: 43-49)

 

“قَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ. قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ. وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ. قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ.”

 

التفكير في المستقبل وما قد يحمله من آثار واستنباط الوسائل المناسبة للتعامل مع تصور الآثار نشاط بشري يتخذ أشكالاً عديدة.

 

(4)   تأصيل مؤسسة التأمين

أزعم أن البلدان العربية فشلت في تأصيل التأمين من خلال الاستفادة من الأشكال الأولية، البدائية، لبعض عناصر مؤسسة التأمين، كتجزئة/توزيع المخاطر، وضمان/كفالة الضرر. وظلت مؤسسة التأمين غائبة أو غريبة عن هذه البلدان لحين إدخالها إليها من خلال التوسع الإمبريالي الأوروبي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. (H James (editor), P Borscheid, D Gugerli, T Straumann, The Value of Risk, Oxford: University Press, 2013, pp 50-52))

 

ليس هناك عقد للتأمين، في مفهومه الحديث وتنظيمه، في الفقه الإسلامي. وما يرد في التراث من إشارات، قبل الإسلام وبعده، تظل مجرد إشارات تكلست في بيئتها التاريخية ولم تخضع إلى تطوير لتتحول إلى مؤسسة منظمة للتعامل مع عدم اليقين وإدارة الخطر، الطبيعي والبشري، المصاحب لحياة الناس. لو كان التأمين حاضراً بصيغته التعاقدية في الفقه الإسلامي لما انصب رأي ابن عابدين على رفض في (دار الإسلام).

 

لقد ظلّ النموذج الأوروبي لمؤسسة التأمين هو السائد، حتى أن تأسيس أول شركة تأمين إسلامية في السودان، من قبل بنك فيصل الإسلامي عام 1979، شركة التأمين الإسلامية المحدودة، استوحت هذا النموذج، في صيغته التبادلية، من النموذج الغربي رغم إضفاء تسميات جديدة على بعض المصطلحات كإطلاق تعبير التبرع على قسط التأمين، والاستفادة من بعض العقود الشرعية كعقد الكفالة وعقد الإجارة.

 

وقد كتبتُ في سياق آخر له علاقة بالموروث الديني المستخدم لأغراض الاشتغال في التجارة بأن الاعتماد على النص القرآني يتطلب انتقاءاً دقيقاً للكشف عن الأشكال الأولية للتأمين، في حين أن التقاليد القبلية قبل الإسلام أكثر ثراءً من هذه الناحية. (رينات بَكّين، “الأشكال الأولية للتأمين في المجتمع الإسلامي: مؤسسة الدية والزكاة كمثال،” ترجمة مصباح كمال، التأمين العربي، العدد 108، مارس (آذار) 2011، ص14-21). فالنص القرآني يُحيل المرء أحياناً إلى التواكلية، كما جاء في سورة البقرة: “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات [الضرر والخسارة بالمعنى التأميني] وبشّر الصابرين (الآية 155) الذين إذا أصابتهم مصيبة [حادث بالمعنى التأميني] قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون.” (156). أي لا رجوع إلى مؤسسة أخرى (كيانات التأمين المختلفة في زماننا) تتولى توفير درجة من راحة البال ضد عدم التيقن والتعويض الكلي أو الجزئي عن خسائر الأفراد والجماعات. وعلى أي حال، فإن القرآن “حمّال أوجه” كما نُقل عن علي بن أبي طالب.

 

(5)   الأشكال البدائية للتأمين وإشاعة ثقافة التأمين

اكتشاف الأشكال البدائية لبعض عناصر التأمين، وكذلك إدارة الخطر، في تاريخ العراق والعالم العربي يُفيد في تعميق الثقافة التأمينية المعاصرة، مثلما هو مفيدٌ في التأكيد على أن مصادر المعرفة والممارسات القديمة هي التي وفّرت التراكم الضروري لابتكار التأمين في شكله الحديث. وهذا ما انتبه له العديد من الباحثين في دراستهم لشريعة حمورابي، ونظام الدية قبل الإسلام وبعده وغيرها.

 

اشكرك ثانية لتعليقك الذي حفّزني على كتابة هذه الملاحظات، وآمل منك ومن المعنيين نقدها والإضافة إليها.

 

5 نيسان 2015

Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: