Marwan Hashim Al-Kassab – memorium


كلمات في استذكار مروان هاشم القصاب

 

 

كتابات بقلم:

 

إيمان شياع

باقر المنشئ

جمال أحمد

فؤاد شمقار

مصطفى نوري

 

 

تقديم

 

 

كنت قد كتبت لبعض الزملاء في اوائل السنة عن نيتي إعادة نشر مقالات المرحوم مروان هاشم القصاب (1957-2011) التي أصدرتها سنة 2011 في كتاب إلكتروني بعنوان مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق بمناسبة حلول الذكرى الثالثة لرحيله في نيسان 2011.  وقلتُ لهم إن إصدار طبعة ثانية من الكتاب هو خير استذكار له، ولأن ما كتبَه عن قطاع التأمين العراقي لا يزال منطبقا على الواقع الحاضر للقطاع.  وأنا استفقده لأنني لا أجد إلا القليل ممن له قدراته وجلده في البحث والكتابة عن قضايا التأمين العراقي في الوقت الحاضر.

 

وقد تمنيتُ عليهم الكتابة عنه، أو الطلب ممن له معرفة جيدة به القيام بذلك.  وهنا أدرج ما وردني من كتابات حسب تاريخ ورودها باستثناء كلمة الزميل فؤاد شمقار “في استذكار مروان هاشم القصاب” التي كتبها بتاريخ 28 أيار 2011 ونشرتُها في مجلة التأمين العراقي.

 

أُحس وأنا أعد هذه الكلمات للنشر بأننا ننتسب إلى مجتمع صغير يضمنا، نحبه ونأسى عليه أيضاً ونحمل همومه، أعني مجتمع التأمين العراقي، الذي نحتفي اليوم بذكرى أحد أفراده المهمين.  أملنا أن يزدهر هذا المجتمع بالشكل الصحيح ليخدم المجتمع الأكبر الذي هو وطننا العراق وأهله.

 

أقدم شكري للسيد جمال أحمد، صديق المرحوم مروان لعدة عقود، وهو من خارج قطاع التأمين، على رسالته، المنشورة هنا.  أتمنى عليه أن يكتب المزيد عن صديق عمره رغم انشغالاته والمصاعب التي ألمّت به.

 

مصباح كمال

لندن آذار 2014

misbahkamal@btinternet.com

ملحوظة

سأضم هذه الكتابات كملحق للطبعة الإلكترونية الثانية لكتاب مروان القصاب مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق.


 

في ذكرى الإنسان الطيب العقلاني

 

 

مصطفى نوري

 

 

لقد كان لي الشرف بمعرفة الاخ جمال أحمد[1] بعد وفاة اخي وصديقي العزيز مروان.  كم كنت أتمنى لو اجتمعنا في يوم من الايام وتحادثنا فأنا كلي شوق وفضول لمعرفة حجم وجمال تلاقي العقول فالنقاش المتزن والحضاري والبعيد عن ثقافة الجهلاء سيكون ولا اروع.  ولكن، للأسف، خطف الموت مروان قبل ذاك.

 

لقد تألمت جدا عند اطلاعي على رسالة الاخ جمال والمحنة التي يمر بها، نجاه الله منها.  في مقدمة صغيرة عن هذا الشخص الرائع اود القول انه كان يتمنى كثيرا جدا لقاءك.  كم تمنيت في داخلي عندما التقيتك[2] في ممرات التأمين الوطنية ان يكون مروان حاضرا بيننا.  لا يمكنني تصور حجم سعادته.

 

تعود علاقتي مع مروان الى بداية انضمامي الى القسم الفني في شهر شباط من العام 2007 حيث بدأنا نتكلم مطولا عن ما يمر به العراق، وما يحصل من فشل في ادارة الدولة، والفساد المستشري في كافة القطاعات.  وكنا متطابقين في افكارنا الى حد عجيب.  مروان الرجل هو من ذاك الطراز الذي لم يَخفْ في يوم من الايام من قول الحقيقة مهما كانت مرة.

 

لقد احدث انضمامي والمرحوم مروان الى الكتابة في مدونة مجلة التأمين العراقي (كما كانت تسمى حينذاك) تغييراً جذرياً في تفكيرنا، فكنا نجلس بالساعات نناقش مقالة لي تارة ومقالة له تارة اخرى الى ان يعلو صوت المزاح والانتقادات الساخرة في محاولة للوي الاذرع والى ان يحمرّ مروان من الضحك وتدمع عيناه.

 

للأسف ففي الوضع الثقافي المزري الذي يمر به العراق والتخندق الطائفي وعلو اصوات الجهلة اصبح على العقلاء ان ينطوا على انفسهم ويكبتوا في داخلهم خوفا على حياتهم او حياة عوائلهم، دافعا الانسان العراقي الى حالة من اليأس والتشتت الذهني.  فبدلا من التركيز على العمل والانتاج وتحفيز قدرات الانسان في الابداع اتجهنا الى عد الايام وانتظار الضيف المتوقع في اي لحظة وفي اي مكان، الا وهو الموت.

 

مروان هذا الشخص الغريب الاطوار بالنسبة لمن عرفوه عن بُعد او لم يحتكوا به بصورة مباشرة، الا انني ومن معرفتي به ومدى تقربنا أُقسم انه قد أمتلك قلبا عطوفا وحنونا وطيبا، محبا لكل الناس، وعقلا مستنيرا، غير روتيني، مائلا الى المنطق والعقلانية في اتخذا القرارات، بعيدا كل البعد عن ما يروج له البعض من طائفية بغيضة.  هنا اتذكر قول الدكتور علي الوردي، والذي نتشارك انا ومروان حبه، عندما قال ان الشعب العراقي شعب طائفي وغير مؤمن.  رحمك الله ايها الدكتور الجليل.  لقد لخص نفسية الإنسان العراقي بجملة صغيرة، وللأسف صحيحة.

 

رحم الله الاخ والصديق مروان فهو سيبقى الى الابد في ذاكرتي فلا يكاد يمر يوم الا وهو في تفكيري.

 

اشكرك جدا على اهتمامك وتذكرك لشخصية تأمينية مهمة كان لها الاثر في قطاع التأمين وتأريخ الاعادة بشكل خاص.

 

بغداد 15 كانون الثاني 2014

 

 

كلمات في رثاء الراحل مروان هاشم القصاب

 

 

إيمان شياع

 

 

ثلاثة سنوات تمر الآن على رحيل الصديق الزميل مروان القصاب، والذي عرفته لسنوات طويلة وكان لنا فيها الكثير من المواقف المشتركة، تارة متفقين وأخرى مختلفين كحالة صحية للعلاقة الإنسانية التي تسمو فوق الانتماءات وتأخذ طابع الثبات والأرضية المشتركة في مواقف قد لا يعرفها الكثيرون، يدفعنا لذلك الوعي المشترك بالوضع الراهن والأمس الذي انتسبنا له والخلفية المعرفية باعتبارنا كنا ننتمي لجيل جَبُلَ على الاهتمام بقضايا عامة، ساعدنا على ذلك من سبقونا من الإخوة والأصدقاء الأكبر منا سناً.

 

في العمل، اعتبر نفسي من الجيل الذي أتى فيما بعد حيث التحقت بشركة التأمين الوطنية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية حرب الكويت والحصار، وهي فترة حرجة في تاريخ العراق حيث أدت هذه الفترة إلى ترك الكثير من كوادر شركة التأمين الوطنية العمل فيها وللظروف المعروفة للجميع.

 

كان مروان من القلة القليلة الباقية – صحيح انه ترك العمل في منتصف التسعينيات، حاله حال الكثيرين بسبب الحصار ومحاولة اقتناص فرصة خارج الشركة، إلا أنه عاد بعد أحداث 2003 حيث توثقت علاقتي به وأصبح من اعز أصدقائي.  كان لوضعه الصحي أثر كبير في تشكيل شخصية خاصة له فقد لازمه مرضه منذ الطفولة وجعله أكثر حساسيةً وانزواءً.

 

تأثر مروان كثيراً من بداية شبابه بأفكار وطروحات د. علي الوردي، عالم الاجتماع والضمير الحي لجمهرة كبيرة من مثقفي العراق.  كان مروان من اشد معجبيه، واستفاد من نظريات الوردي في تحليل الشخصية العراقية والتي كانت دائماً تضعه في مواقف محرجة في نقاشاته مع زميلاته وزملائه.  واعتقد بانه خسر الكثير من الصداقات لهذا السبب.  كان يعتقد أن علي الوردي هو الوحيد الذي وصف الإنسان العراقي ادق وصف في الانقسام والصراع بين الحضارة والبداوة الداخل في تكويننا النفسي جميعاً والمؤثر في سلوكنا وعاداتنا وفي تشكيل أفكارنا، حتى المثقفين منا ودون أن نحس بأننا أسرى لهذا الانقسام.

 

كنا (مروان وأنا) دائماً نناقش هذه الازدواجية في سلوك الإنسان العراقي خاصة بعد 2003 وتأثير الدين والطائفة على الناس، والتي تجلت في سلوكهم، وأصبحت أعلى من الانتماء إلى الوطن الواحد.

 

حاول مروان على الأقل خلال الفترة التي عرفته بها أن يفعل شيئاً مميزاً خاصة وانه كان يعرف أن حياته قصيرة ونهايتها ممكن أن تحصل في أي وقت.  كان يتعذب من الداخل وأحياناً يصبح فظاً وغير محبوب ولكن، في داخله، كان إنساناً وديعاً ولطيفاً يحب الجمال ويحسه.

 

وجد مروان فيما ينشر في مجلة التأمين العراقي وعن طريق الزميل مصباح كمال متنفساً له ليقول ما كان يحس من شجون التأمين باعتباره عاش فترة لا بأس بها مما تبقى من العصر الذهبي لشركة التأمين الوطنية، وتعامل وسمع عن الكثير من نساء ورجال التأمين المعاصرين له والسابقين منهم.  بدأت علاقته بالزميل مصباح كمال عن طريق المقالات التي كان يكتبها ويبعثها عن طريق الانترنت حيث ساعده الأخير في اختيار المواضيع وتنقيحها.  كانت معظم المواضيع تتعلق بإعادة التأمين باعتباره عاملاً في هذا المجال لسنوات طويلة.  أحبَّ مروان الإعادة كثيراً، وكان دائماً يصرح أن (الإعادة تسري بدمه)، وكان يقول إن (الإعادة هي رئة التأمين).  كان يعتقد أن أي مدير ناجح يجب أن يكون فاهماً للإعادة.  كتب عدة مقالات وتم نشرها جميعاً في مجلة التأمين العراقي.  كانت الكتابة بالنسبة إليه الملاذ الذي كان يهرب إليه.  أتذكر انه في نهاية أيامه كان حائراً خاصة بعد أن تم نقله من قسم إعادة التأمين إلى قسم آخر، وكتب ورقة لا اعرف هل كانت ندماً، أو هل كانت اعتذاراً أو اعترافاً بخطأ ما.  لا اعرف!  لكنه اخبرني انه قال كل ما عنده في هذه الورقة.[3]

 

تختزن الذاكرة هنا عشرات المواقف المشتركة من الصعب اختزالها في هذه الورقة، والتي كانت تجمعنا مع الزملاء الآخرين.  أتمنى أن تكون هذه الكلمات القليلة بحق صديقنا الراحل جزءً بسيطاً من الوفاء له كإنسان وممارس متميز للتأمين ولفترة جميلة من تاريخ شركة التأمين الوطنية.

 

بغداد 6 شباط 2014

 

 

ذكريات ربع قرن مع المرحوم مروان القصاب

 

 

باقر المنشيء

 

 

استجابة لطلب الصديق العزيز مصباح غازي عسكر كمال الذي اكن له كل تقدير واعتزاز لمساعيه في تسليط الضوء على اعلام التأمين العراقي لاسيما الراحلون منهم لتوثيق دورهم في تطوير مسيرة التأمين في العراق، يسرني أن أسجل بعضاً من ذكرياتي مع الراحل الغالي مروان القصاب في ذكرى رحيله الثالثة لأشاركها مع أهله وأصدقائه وزملائه ومحبيه.

 

من خلال سرد ذكرياتي سأسلط الضوء على قسم إعادة التأمين في شركة التأمين الوطنية الذي قضى فيه مروان جل سنوات عمله، والذي تشرفت بالعمل فيه أيضاً للفترة من عام 1977 ولغاية 1991 عندما غادرت العراق لأعمل غالبية سنوات الغربة في اليمن ولا زلت.

 

إن قسم إعادة التأمين حضي باهتمام الإدارة العليا لشركة التأمين الوطنية على الدوام حيث حرصت على أن يتولى إدارة القسم مدراء مؤهلين ويشهد لهم بالكفاءة والمقدرة.

 

عند انتقالي إلى قسم إعادة التأمين من قسم التأمين الهندسي في تشرين الثاني من عام 1977 كان يتولى إدارة القسم حينذاك الأستاذ أنطوان سليم إيليا الذي يشهد كل من عاصره بكفاءته وحرفيته.  أما المديرة السابقة للقسم فكانت الدكتورة سعاد برنوطي (لم يكتب لي شرف العمل معها أو أن التقي بها)، التي، كما علمت، كانت أيضاً تتمتع بمهارات وكفاءة عالية.

 

قبل نهاية عام 1978 تسلم الأستاذ موفق حسن رضا إدارة شركة التأمين الوطنية منقولا اليها من شركة إعادة التأمين العراقية خلفاً للأستاذ بديع السيفي.

 

تولى الأستاذ موفق حسن رضا إدارة الشركة بحماس الشباب إذ لم يكن قد بلغ الأربعين من عمره، وبخبرة معمقة في إعادة التأمين كان قد أكتسبها من خلال إدارته لمكتب شركة اعادة التأمين العراقية في لندن لعدة سنوات.  لهذا أولى قسم إعادة التأمين اهتماماً خاصاً حيث منح ادارة القسم أولوية في اختيار المتميزين من الموظفين الجدد الذين انضموا للشركة خلال الأعوام ما بين 1979 و 1981.

 

خلال اشتراكي في مقابلة المتقدمين للعمل في عام 1979، أخترت الشاب النحيل الطويل ذو الابتسامة الدائمة والنظارات السميكة مروان القصاب للانضمام إلى قسم إعادة التأمين.

 

كما أنضم في تلك الفترة موظفون أخرون للقسم منهم فخري جواد وإباء شكري محمود نديم وعصام صبيح داود وأخرهم مكي رزوقي مصطفى.

 

عملت تلك المجموعة بكل جد ونشاط لتواكب الزيادة الكبيرة في أعمال التأمين والتي انعكست بالتأكيد على عمل إعادة التأمين، خصوصا وأن العمل فيه كان يتم بشكل يدوي إذ لم يكن استخدام الكمبيوتر شائعاً.

 

أثبتت الأيام والسنين صحة توقعي إذ أظهر مروان استيعاباً كبيراً لأساسيات وتقنيات إعادة التأمين وتعامل بذكاء مع الأرقام.  وهذا التميز رشحه لأول دورة تدريبية له في إعادة التأمين لدى شركة الإعادة السويسرية في زيوريخ في عام 1985.  ولا زلت أذكر فرحته الغامرة عندما عاد من زيوريخ لأنه استفاد من الدورة كثيراً، وأيضاً أن إيفاده كان دليلا على تكريمه لتفوقه في إداء عمله.

 

مثابرة الفقيد مروان ورغبته في الاستزادة من المعرفة وتطوير معلوماته جعلته أن يكون عمودا من اعمدة قسم إعادة التأمين.  وكثيراً ما كان يدخل إلى مكتبي لمناقشة عمل آلية معينة في إعادة التأمين أو مناقشة أحد شروط اتفاقيات إعادة التأمين.  كما أمتاز بالدقة في عمله إلا أن ذلك كان على حساب سرعة التنفيذ!

 

إن مرض السكري الذي أصاب المرحوم مروان منذ الصغر أثر على صحته العامة، لكنه لم يعر ذلك اهتماماً كافياً.  لذا كان يمر بين الحين والآخر بنوبات اغماء لهبوط السكر في الدم.  ومن المواقف الصعبة التي عشتها كان عندما شاهدت مروان مغميا عليه ومطروحاً على الأرض عند مدخل الشركة صباح أحد الأيام بسبب من هبوط السكر في الدم، وهذا المنظر لازال يحز في نفسي.

 

موظفو التأمين الوطنية كانوا يمتازون بقوة العلاقات الاجتماعية فيما بينهم على مستوى الأفراد والعوائل.  وكان المرحوم مروان ضمن حلقة اصدقائي التي ضمت عدداً من موظفي فرع تأمين السفن والطيران وإعادة التأمين.  منهم الزملاء نجدت ياور محمود، جمال فريد محمود وعصام صبيح داود.  ومن خارج فرع إعادة التأمين الزميلان سعد البيروتي وعامر الغائب.  وكان نادي الصيد الملتقى المفضل لمجموعة الأصدقاء تلك.

 

في أيلول عام 1991 غادرت العراق بعد حرب الخليج الثانية إلى اليمن للعمل.  لكني حرصت أن أزور العراق لأقضي إجازتي السنوية فيه.  وكنت التقي بمجموعة الأصدقاء القدامى وبالتأكيد كان المرحوم مروان من ضمنهم.  وكنت في كل زيارة الاحظ ازدياد تأثير الحصار الاقتصادي المفروض على العراق على الجميع.  وعلى الرغم من ذلك كان مروان يحرص على تقديم الخدمات الخاصة لي بصفته صديق.

 

خلال غربتي في اليمن علمت بأن مروان ترك العمل في الوطنية للتأمين إلا أنه عاد إليها بعد فترة من الزمن نظراً لتعلقه والتصاقه بإعادة التأمين.

 

وكان مروان بين الحين والآخر يرسل لي بالإيميل استفساراً عن موضوع اختلفت فيه الآراء في مجال إعادة التأمين.  وكنت أجيبه بكل سرور.  وكان ذلك دليل على اهتمامه بتطوير معارفه على الرغم من مرضه.

 

في زيارتي إلى بغداد في ايار من عام 2005 التقيت بالمرحوم مروان عدة مرات.  وقد لاحظت تأثير مرض السكرى والأوضاع الصعبة التي كانت سائدة في العراق عليه.  وكانت تلك اخر مرة التقيه.

 

لقد رحل المرحوم مروان القصاب قبل أوانه وكان رحيله خسارة مزدوجة على المستوى الشخصي وعلى المستوى الحرفي والمهني في إعادة التأمين.

 

أنتهز فرصة ذكرى رحيله بالدعاء له أن يسكنه الرحمن في جنات الخلد وأن يلهم أهله وأصدقائه ومحبيه الصبر والسلوان وأن لله وإنا إليه راجعون.

 

 

صنعاء – آذار 2014

 

 

في استذكار المثقف القلق مروان القصاب

 

 

جمال أحمد

 

 

أحاول مذ كتبتَ لي[4] أن استجمع شتات افكاري لأكتب عن الراحل مروان.  أحاول توصيفه فأعجز، ربما لعدم قدرتي على التركيز بشكل جيد أو عدم تواصل افكاري لفترة ملائمة لبلورة شيء ما.  طبعا الموضوع لا يتعلق بمروان فقط، لكن هذا شكل ايقاع الحياة هنا في العراق كما أعيشه.

 

خطر لي وصف “المثقف القلق”، قد اكون أنا من نحته، وربما هو متداول ولكني لم اسمع به.[5]  أقول: إن هذا الوصف ينطبق على مروان فهو، في رأي، “مثقفٌ قلق” والقلق هنا بمعناه الايجابي.  بعبارة اخرى، إنه كان يعي ما يدور حوله ويشخصه ويريد أن يغيره، حتى وإن وصل إلى التصادم الفكري في حالات نادرة.  كان يقف على تخوم الأفكار الكبرى دون أن يخضع لسلطانها، مستغرقاً في البحث لفهم العالم الذي يتحرك فيه والناس الذين يخالطهم ويلتقيهم في عمله.  كنا نتساجل في وصف ما يمر به المجتمع العراقي، لكنه ـ في ما كنت اشخصه عنده ـ يريد التقدم الى ما بعد التوصيف.  كانت لديه رغبة في احداث تغيير، حتى وان كان القاء حجرٍ في البركة الراكدة، وهو ما كنت أجده مصدر خطورة عليه في مجتمع ضاعت ضوابطه وجُهلت حدوده.  روحه المرحة والنكتة الحاضرة على لسانه كانت تحاول تهدئة مخاوفي.

 

كانت لديه قدرة على طرح افكار تبدو في ظاهرها صغيرة ولكنها غريبة.  لا أدري من أين كان يستنبطها؛ ربما كان يستنبطها من قراءته لكتابات د. علي الوردي.  كانت لديه قدرة على توقع المستقبل.

 

ما اشاهده اليوم من مهاترات سياسية في العراق تؤكد صحة رؤيته.  هذه الرسالة استلزمتني لكتابتها أياماً.  في كل مرة أضيف شيئا لها واحفظها في مسودات البريد بسبب عدم قدرتي على التركيز.  واليوم قررت ارسالها لك، على علاّتها، بسبب اقتراب موعد ذكرى رحيل مروان.  وعسى أن يعنّ على خاطري جديد عندها سأكتب لك ثانية.

 

مع فائق احترامي.

 

 

في استذكار مروان هاشم القصاب

 

 

فؤاد شمقار

 

 

نشرت أصلاً في مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2011/06/on-remembering-marwan-hashim-al-kassab.html

ونشرت أيضاً كفصل في كتاب فؤاد شمقار، التأمين في كوردستان العراق ومقالات أخرى (طبعة إلكترونية، 2014)، ص 86-88.

 

 

قام زميلنا مصباح كمال بتجميع أوراق وتعليقات المرحوم مروان هاشم المنشورة في مجلة التأمين العراقي في كتاب إلكتروني (PDF) بعنوان مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق (أيار 2011).  وذكر في كلمات التقديم بأن الذين يفكرون ويكتبون عن الشأن التأميني وتعقيداته هم القلّة.  ولكن، ومع الأسف، فإن من يقرأون ما يكتب بهذا الشأن هم الأكثر قلّة وإلا أين هي التعليقات على تلك الكتابات أو المساهمات في النقد والمشاركة في إبداء الرأي مؤيداً أو منتقداً؟  وأقولها صراحة، قد أكون أنا شخصياً واحداً من هؤلاء.  ولا أجد حرجاً حينما أقول بأني ومع شديد الأسف لم أطلع في حينه على جميع ما كتبه زميلنا المرحوم مروان هاشم، رحمه الله، في التأمين وإعادة التأمين.  ولعل السبب في ذلك يعود إلى عدم معرفتي باستخدام الحاسوب.  ولعل تجديد تعارفنا الإلكتروني مع زملائي كان السبب في قراءة بعض المدونات في مجلة التأمين العراقي ومرصد التأمين العراقي.

 

لقد كان زميلنا مصباح وفياً وصادقاً مع زميلٍ رحلَ عنا كان همّه الأول خدمة قطاع التأمين بإخلاص من منطلق المحافظة على شرف المهنة وحبها.  وأنا، من جانبي، أقدر وأكبر تقدير مصباح لمساهماته واحترامه لذكراه من خلال تجميع أوراقه وتعليقاته.  فبارك الله له وجهده في احترام وتقدير جهد الآخرين.  وما أتمناه هو أن يهتدي الغير بمصباح في أسلوب التعامل مع مثل هذه المواضع وأن يكون مُقدراً للمواقف خدمه لصالح قطاع التأمين في العراق.

 

إن الأيام تمر بنا ونحن نمر بها كالسحاب، ونمر أحياناً ببعض الأشخاص فنلقي عليهم تحيات المجاملة المعتادة، ولكن لا نقترب منهم لمسافة تجعلنا نعرفهم حق المعرفة.  وتبقى معرفتنا بهم لذلك سطحيه، وتبقى لهم في أذهاننا صوراً نكونها من خلال معرفتنا البسيطة.  وفجأة تأتي يد المنون لتخطف أحداً منهم لنكتشف أبعاداً في الإنسان الراحل لم تكن تخطر على بالنا.  لقد كانت معرفتي وعلاقتي بالمرحوم مروان معرفه وعلاقة صداقه عمل في مؤسسه واحده، ولم أتعرف عليه كما تعرفت الآن بعدما انبرى صديق من بين الأصدقاء، الذي صداقته مع مروان لم تكن أكثر من صداقة مهنه سماها “صداقة إلكترونية” إذ أنه لم يلتقي به أبداً، لتسليط الضوء على الحقائق، والتعريف بما خفي وعلم، وذلك بإعطاء من اختطفه الموت بيننا حقه في بيان سيرته التي كنا نجهل قسماً كبيراً منها.  هذا ما حصل مع المرحوم مروان حيث عرفته لسنوات خلت قبل تركه الوظيفة في شركة التأمين الوطنية وبقاءه لمدة ليست بالقليلة خارج الوظيفة، ومن ثم بعد أن عاد مجدداً إلى الخدمة في الشركة وفي نفس القسم الذي كان يعمل فيه، وهو قسم إعادة التأمين، والذي لم يحصل فيه على موقعه الحقيقي كما كان يجب.

 

إن قيام زميلنا مصباح بنشر ما كتبه السيد مروان من مقالات، تلك التي ضمنها أفكاره وبعضاً من علمه وخبرته، وأقول علمه بدون تردد، تتضمن أول ما تتضمن ملكة الكتابة، وهي صادره عن رجل صاحب فكر وعلم وخبره تراكمت على مر الأيام.  وهو واع ومدرك لكل كلمه يكتبها ويقولها بكل جراءة وصراحة ووعي وكأنه أكاديمي متمرس، غيور على المصلحة العامة، ومهتم بقطاعٍ يعد واحداً من القطاعات الاقتصادية المهمة في الوطن.

إذا كنا نتفق معه في أغلب ما كتبه ونختلف معه في القليل منه، لكننا لا يسعنا إلا أن نفهم دافع الوطنية الصادقة لكل ما كتب.  وإزاء هذا الحال لا يمكننا إلا أن نقول بأننا حقاً خسرنا شخصاً واعياً وحصيفاً، كنا نتمنى أن نعرفه عن قرب.  كان، لو ظلَّ بيننا، سيثري هذه المواضيع بحثاً ودراسة لو لم تمتد يد المنون إليه.  رحم الله مروان وأسكنه فسيح جناته وعزاؤنا لذويه ولأصدقائه ولكل معارفه.

 

كنت أتمنى أن يكرم مروان وأمثاله حال حياتهم، ولكن يظهر بأنه يجب أن تخطفنا يد المنون قبل أن يعرفنا الآخرين، والله أعلم هل سيعرفوننا كما كان ينبغي؟  وهل نُكرّم أم لا؟  أسئلة يبقى الجواب عليها للأيام التي تمر بنا كالسحاب.

 

لعله من الوفاء بمكان ليس للمرحوم مروان ولكن لكل ما يمثله من التواضع العلمي وحب المعرفة ومنهجيه البحث، أن نتابع بتمحيص وبحث كل ما يتعلق بالشأن التأميني، لندفع به إلى الأمام، وتطويره نحو الأفضل، وأن لا يدعي أحداً منا، كما لم يدعي مروان نفسه، بأنه يملك كل خيوط المعرفة، فالعمل التأميني ليس فردياً بل عمل فريق متجانس منسجم واع، يعزف كل منا اللحن السليم الذي لا يشذ عن مجمل المقطوعة لتستكمل السيمفونية الرائعة، من خلال التفاهم والتناغم، الأداء المتميز.  كل منا يقوم بواجبه، ويدلي بدلوه، ورائدنا جميعاً خدمة مصالح المؤمن لهم والمهنة والقطاع والوطن.

 

وأخيراً، لا يسعني إلا أن أقدم شكري الجزيل وامتناني الكبير إلى الأخ العزيز مصباح والذي بات يتحفنا باستمرار باهتماماته بقطاع التأمين والعاملين فيه، وبكل من مرّوا على الدرب الطويل كما تمرُّ بنا الأيام.  جزاه الله عنا كل الخير، وله كل الحب والتقدير والاحترام.  ومن جانبي أنا، وبغية عدم تناثر الأوراق التي كتبها المرحوم مروان هاشم القصاب بين ثنايا النسيان وتبعثرها هنا وهناك فقد قمت بتجليد أربعة نسخ من كتابه مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق وأودعتها في مكتبة الشركة لتبقى مرجعاً للأجيال القادمة.

 

مع اعتزازنا بمصباح وبكل من يعمل من أجل رفعة مكانة التأمين في وعينا وفي حياتنا.

 

هه ولير 28/5/2011


[1] جمال أحمد، من أصدقاء الراحل مروان، من خارج قطاع التأمين.  (المحرر).

[2] كان ذلك في أوائل تموز 2012 (المحرر).

[3] نشرتُ هذه الورقة بعنوان “الرسالة-الشهادة” كملحق في كتاب مروان هاشم القصاب مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق (طبعة إلكترونية، 2011)، ص 60-62.  الكتاب متوفر بصيغة بي دي إف PDF لدي لمن يرغب الحصول عليه.  وسأقوم بإعداد طبعه ثانية له لأضم له ما كتبه زملاؤه وأصدقاؤه عنه في الذكرى الثالثة لرحيله.  (المحرر)

[4] كتبتُ له بتاريخ 10 كانون الثاني 2014 حول مشروعي لإعادة نشر مقالات المرحوم مروان هاشم القصاب التي أصدرتها سنة 2011 في كتاب إلكتروني بعنوان مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق بمناسبة حلول الذكرى الثالثة لرحيله في نيسان 2011.  (المحرر).

[5] هناك كتابان يقتربان، من مواقف مختلفة، من مفهوم المثقف القلق: عبدالرحمن بدوي، شخصيات قلقة في الإسلام و هادي العلوي، شخصيات غير قلقة في الإسلام.  (المحرر).

Advertisements
Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: