The Tribe in Lieu of Insurance


“بدل شركات التأمين غير الموجودة هناك العشيرة”

 

مصباح كمال

 

تقديم

أرسل لنا الزميل فؤاد شمقار من أربيل،[1] ضمن ما يرسل من مقالات منتقاة تُدل على اعتزازه العميق بالعراق كدولة مواطنة (لكل مواطنيها) فيها مكونات متنوعة وليس دولة مكونات (محاصصات طائفية واثنية، كما هو عليه الآن)، أرسل مقالة بعنوان “العراق البلد التالف/1” للكاتب عبد الرضا حمد جاسم.[2]

 

يبدأ كاتب المقالة بمقدمة يقول فيها: “كنت في زيارة للعراق للفترة من 09/10/2012 لغاية 29/12/2012 وسجلتُ ما سجلت التي [هكذا] سأنشرها تباعا تحت عنوان البلد التالف.”  يرسمُ الكاتب صورة قاتمة للأوضاع العامة البائسة فهو يعتبر العراق اليوم “تالف سياسياً وعلمياً ودينياً وثقافياً وصحياً واقتصادياً وعلمياً وبيئياً .. وسيستمر ذلك لسنوات طويلة …”  قد نختلف مع الكاتب في بعض التفاصيل وفي التقييم لكن تبويبه للأوضاع المزرية، على المستوى الفردي والجماعي والمؤسسي، يمكن أن يكون جدول عملٍ لتأشير ما نحن عليه الآن وما يمكن أن نكون عليه في المستقبل لو أعْلَينا من حبنا للوطن وليس للطائفة أو المذهب أو الحزب وغيرها من دوائر الانتماءات الضيقة.  فلنتشبث، إزاء هذا الوضع، بما تبقى من أمل في صندوق باندورا ونحن نعيش في الزمن الضائع من عمرنا.

 

عدم وجود شركات تأمين

لأننا نحاول، قدر المستطاع، رصد ما ينشر عن التأمين في العراق نودُ هنا أن نناقش باختصار ما أورده الكاتب في ختام مقالته حول عدم وجود شركات للتأمين ونهوض دور العشيرة.  يقول الكاتب:

 

هذا عراق اليوم عراق الاحتلال والشفافية والدستور والديمقراطية حيث لا يمكن لشخص ان يطمئن دون ان يتكئ على عشيرته فبدل شركات التامين غير الموجودة هناك العشيرة … لأن اي حادث عرضي او شجار بسيط او حادث سيارة بسيط او خدش او نظره او كلمه عليك ان تستعد لل(كَوامه) … حيث عليك ان تبادر للذهاب الى اهل الطرف الثاني وتطلب سماح (عطوه) لعدة ايام تتهيأ خلالها لتحديد موعد لتصطحب اهلك وعشيرتك لزيارة الطرف الثاني ومعكم احد رجال الدين ووجهاء (فريضه) ليتم محاسبتك وتدفع المطلوب او المتفق عليه.” (التأكيد من عندنا)

 

يظل قطاع التأمين العراقي مظلوماً ومهملاً من قبل النخبة المحاصصية الحاكمة ولا يجد مكاناً له في موازنة الدولة، أو في اهتمامات البرلمانيين، أو في تفكير الاقتصاديين إلا قليلاً وفي بعض الأحيان بشكل مشوّه.  وقد كتبنا عن جوانب هذا الإهمال عدداً من المقالات المنشورة ضمن رصدنا لما يُكتب عن النشاط التأميني.[3]  والكاتب عبد الرضا حمد جاسم لا يشذُّ عن الآخرين في إعلانهم ضعف شركات التأمين العراقية، أو قلة عددها أو عدم وجودها وغيرها من الأوصاف.  وكلما نأتي على مثل هذه الأوصاف نقوم بالتصحيح لإنصاف شركات التأمين العراقية بتأكيد وجودها في الماضي والحاضر.  وها نحن نكرر هنا ما ثبتناه سابقاً أن هناك، وحتى كتابة هذه الورقة، 30 شركة تأمين في العراق، اثنتان منها شركتان عامتان (تأسستا سنة 1950 و 1959)، وإحداها فرع لشركة تأمين إيرانية، وهناك شركة تأمين متخصصة بإعادة التأمين وهي أيضاً شركة عامة تأسست سنة 1960.  وكل هذه الشركات مسجلة في العراق ومرخصة لمزاولة النشاط التأميني من قبل ديوان التأمين العراقي.  كما أن هذه الشركات منتظمة في جمعية التأمين العراقية.  وأغلب هذه الشركات موجودة في بغداد، وست شركات في إقليم كوردستان العراق موزعة بين السليمانية وأربيل.

 

يمكن أن نتحدث عن ضعف شركات التأمين في مواردها المالية وفي إمكانياتها وكوادرها الفنية وكذلك ما أسميناه بمحنتها[4] ويمكن أن نتساءل عن مستوى أدائها وغيرها من الاختبارات التي يمكن أن تطبق على مؤسسات أخرى اما القول بأنها غير موجودة فهو عينُ الخطأ.  كان على الكاتب أن يتحقق من الموضوع، إن كان معنياً بأهمية وجود مؤسسة التأمين في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية، قبل تسجيل ملاحظته.

 

موقف الكاتب، على أي حال، يعكسُ حرصه وتقديره للدور الذي تقوم به مؤسسة التأمين في التخفيف من النزاعات بين الأفراد بدلاً من مؤسسة العشيرة وقيمها.  وربما كان في باله الدور المُضمر للمؤسسة في تحمّل العبء المالي للأضرار من خلال تحويله من مُسبب الضرر إلى شركة التأمين.

 

العشيرة بديلاً عن التأمين

العشيرة وقيمها هي من مؤسسات ما قبل الحداثة، وكان لها دور في تسوية بعض المطالبات التي تنشأ بين الأفراد نتيجة لتعاملهم اليومي مع شؤون حياتهم.  وقد لعبت العشيرة في العراق وفي بلدان أخرى مثل هذا الدور (تحويل عبء الضرر من الفرد أو إلى العشيرة) قبل قيام مؤسسة التأمين الحديثة.[5]  النهوض الجديد لدور العشيرة وقيمها، ومنها ما يخص التعويض عن الضرر، مسألة تستحق بحثاً مستقلاً ويكفي هنا أن نقول ان المؤسسات الحضارية الحديثة لم تتجذر في حياتنا لا بل اننا نشهد رجوعاً إلى الماضي بدأَ في سنوات احتضار النظام الديكتاتوري.  تدهور الأوضاع العامة يفسّرُ إلى حدٍ ما هذا النكوص والتحول صوب العشيرة والعمامة الذي سجله الكاتب.  ويورد د. سليم الوردي مثالاً من تجربته الشخصية قبل 2003 فيما يخص النزاعات المدنية ما يفيد في فهم هذه الظاهرة:[6]

 

“لم يقتصر تشجيع السلطة للعلاقات العشائرية على دعمها مادياً ومعنوياً، بل وعلى إضعاف فاعلية بعض القوانين المدنية المصممة لتسوية النـزاعات المدنية، مما فتح الباب على مصراعيه لإحلال أسلوب الفصل العشائري بديلاً عنها.  وكنت شاهداً على مثال حي يتعلق بتطبيقات قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات، بحكم عملي في شركة التأمين الوطنية:

 

منذ أواسط الستينات من القرن الماضي، وضحايا حوادث السيارات يتقدمون بمطالبات التعويض إلى شركة التأمين الوطنية، بموجب قانون التأمين الإلزامي على السيارات.  وكان لتطبيقات هذا القانون دور ملحوظ في خلق الشعور لدى المواطنين في الحق المدني والمطالبة به.  وتشير الإحصاءات أن تعويضات مجزية نسبياً كانت تدفع لضحايا حوادث السيارات.  كان معدّل التعويض الذي يدفع سنة 1980 زهاء 3500 دينار بما يقابل 11900 دولار أميركي.  بينما أصبح معدل مبلغ التعويض زهاء 5350 دينار في سنة 1995[68]، أي بما يقابل (بسبب التضخم الجامح) في حدود 3 دولارات فقط.  ولم يعد من المعقول أن يقتنع الضحايا بمبلغ تعويض تافه كهذا.  وقد طالبت شركة التأمين الوطنية ديوان الرئاسة بتعديل قسط التأمين المحسوب بمعدّل عشرة فلوس على اللتر الواحد من وقود السيارات عندما كان سعر اللتر 90 فلساً.  ولكن ديوان الرئاسة أصر على عدم التعديل وإبقاء السعر من دون زيادة، على الرغم من ارتفاع سعر لتر الوقود إلى عشرات المرات.  بما يعني فعلاً أن ديوان الرئاسة لم يكن يكترث بانفضاض أصحاب الحق المدني من ضحايا حوادث السيارات عن شركة التأمين، وانصرافهم لتسوية حقهم المدني بأسلوب الفصل العشائري، الذي يحقق تعويضات أكبر بمئات الأضعاف[69].”

 

[68]– د. الوردي، سليم، تقييم لآليات صندوق التأمين الإلزامي على السيارات.  مجلة التقني، العدد 68 سنة 2000، بغداد ص 108.

[69]– لم يوافَق على تعديل حصة شركة التأمين الوطنية إلا سنة 2000.

 

ما ذكره د. سليم الوردي يلخص تراجع المفاهيم والمؤسسات الحديثة في الحياة العامة، ويعني أيضاً تراجع المعرفة، بما فيها تسطيح المعرفة بالدين، والأخطر من ذلك تهميش المعرفة العلمية.  وعندها ينحسر التأمين أيضاً، بتعزيز التواكل والاستسلام للقضاء والقدر والاعتماد على مؤسسات تقليدية غير قادرة على الإنصاف الموضوعي للحقوق بدلاً من إدارة المخاطر من خلال مناهج العلم والهندسة.

 

في زمن الأزمات تنتعش القيم التقليدية ويصبح استعادة ملامح جميلة من الماضي (وكأنها الفردوس المفقود) بديلاً عن المواجهة مع متطلبات الحاضر.  نرى ذلك في الحنين العارم لجمهور من العراقيين إلى العهد الملكي الأول وعهد الملك فيصل بن غازي مقترناً بإضعاف مؤسسات الدولة، وتسييس القضاء، وإضعاف مفهوم المواطنة وإعلاء شأن العشيرة والطائفة.

 

 

لندن 20 كانون الثاني 2013


[1] وأرسلها أيضاً زميلي الأكاديمي د. مدحت القريشي من بغداد، وربما سأستلمه من آخرين مما يدل على توافق مع ما سجله كاتب المقالة من ملاحظات مهمة حول واقع العراق اليوم.

[2] يمكن قراءة المقالة في موقع الحوار المتمدن: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=340000

[3] أنظر المقالات التالية لمصباح كمال:

“تعليق على غياب التأمين في برنامج الحكومة للسنوات 2011- 2014،” مرصد التأمين العراقي

https://iraqinsurance.wordpress.com/2011/07/21/absence-of-insurance-in-government-programme-for-2011-214/

تعليقات على “ركود سوق التأمين العراقي: مناقشة لرأي اقتصادي،” مرصد التأمين العراقي

https://iraqinsurance.wordpress.com/2011/11/21/discussing-the-stagnation-of-iraqs-insurance-market/

“ركود سوق التأمين العراقي: مناقشة لرأي اقتصادي،” مرصد التأمين العراقي

https://iraqinsurance.wordpress.com/2011/11/10/stagnation-of-iraqs-insurance-market/

“مناقشة لتقرير البنك الدولي ورأي الدكتور مهدي حافظ،” مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/03/world-bank-iraqs-insurance-sector.html

“البلاد تخلو من شركات التأمين الرصينة” – مناقشة لرأي اقتصادي،” مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/03/belittling-iraqi-insurance-companies.html

“التأمين: موضوع مهمل في الكتابات الاقتصادية العراقية،” مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2010/07/336-2010-36-49.html

“رسالة غير مكتملة إلى جمعية شركات التأمين وإعادة التأمين في العراق: لنعمل على وقف الإساءة لقطاع التأمين العراقي،” مجلة التأمين العراقي

Iraq Insurance Review http://misbahkamal.blogspot.com/

[4] مصباح كمال، “ملامح من محنة قطاع التأمين العراقي،” مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/03/dilemmas-of-iraqs-insurance-sector.html

 

[5] رينات بَكّين، “الأشكال الأولية للتأمين في المجتمع الإسلامي: مؤسسة الدية والزكاة كمثال،” مجلة التأمين العربي، العدد 108، آذار/مارس 2011، ص 14-22.  (ترجمة مصباح كمال).

 

أنظر أيضاً مصباح كمال، “إطلالة على بواكير التأمين والرقابة على النشاط التأميني في العراق،” الثقافة الجديدة، بغداد، العدد 331، 2009، ص 44-52، نشرت بعد ذلك في مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2009/09/331-2009-44-52.html

حيث ذكرنا فيها صندوق العشيرة كشكل من أشكال التعاضد الاجتماعي المحدود، وكذلك “العونة” وهي شكل من التعاضد الاجتماعي التلقائي لدرء عواقب الأضرار التي تلحق بالغير.

 

[6] د. سليم الوردي، مقتربات إلى المشروع السياسي العراقي: 1921-2003 (بغداد، د. ن.، 2005)، ص 107.

Advertisements
Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: