Presumed Risk & Insurance


الخطر الظني والتأمين

 

موفق رضا

 

نشرت هذه الدراسة في مجلة البيان الاقتصادية، بيروت، 2012، تحت عنوان “الخطر الظني – التأمين على شرط الأنباء السارة أو السيئة”

 

الظنُ لغةً هو ” الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض “[1] ، وتأسيساً على ذلك فإن ” ألخطر الظني ” في التأمين هو الخطر الذي ” يُعتقد بشكل راجح ” بأنه لازال قائماً وغير متحقق عند إجراء التأمين، إلا أن هنالك احتمال بأن يكون الخطر قد زال أو تحقق عند إجراء التأمين.

 

وكما هو معلوم فإن الشروط الواجب توفرها في الخطر لكي يكون محلاً لعقد تأمين نافذ هي:

 

1-  أن يكون غير محقق الوقوع

2-  أن يكون غير متعلق بمحض إرادة أحد طرفي العقد

3-  أن يكون مشروعاً، أي غير مخالف للنظام العام والآداب

فإذا تخلف أي من الشروط الواردة أعلاه فأن عقد التأمين يكون باطلاً.

 

وعليه فإن ” احتمالية “ تحقق الخطر ركناً مهماً من أركان عقد التأمين تؤثر على العقد وجوداً وعدماً.  فالخطر ينبغي أن يكون غير محقق الوقوع، وهذا يعني أن الخطر المؤمن منه قد يقع أو لا يقع، وإذا كان وقوعه حتمياً، كالوفاة في التأمين على الحياة، فإن وقت وقوعه غير معروف، فالخطر محقق إلا أنه مضاف الى أجل غير محقق.

 

تعالج الأحكام المتعلقة بعقد التأمين عادة في القوانين المدنية، ولغرض معرفة كيفية معالجة تلك القوانين للخطر الظني نورد أدناه نصين، الأول ورد في القانون المدني العراقي والثاني ورد في القانون المدني البحريني.

 

الفقرة (2) من المادة (984) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 تنص على الآتي:

 

“ويقع عقد التأمين باطلاً، إذا تبين أن الخطر المؤمن ضده كان قد زال، أو كان قد تحقق في الوقت الذي تم فيه العقد، وكان أحد الطرفين على الأقل عالماً بذلك.”

 

أما المادة (691) من القانون المدني البحريني رقم (19) لسنة 2001 فتنص على الآتي:

 

“يقع التأمين باطلاً إذا تبين أن الخطر المؤمن منه كان قد زال أو كان قد تحقق قبل إتمام العقد.”

 

ويظهر جلياً أن النصين أعلاه يختلفان من حيث أن القانون المدني البحريني قد جعل عقد التأمين باطلاً وبشكل مطلق إذا ما زال أو تحقق الخطر قبل إتمام العقد، حتى لو كان أحد الطرفين أو كلاهما ” يظن “ بأن الخطر لازال قائماً وغير متحقق.  وهذا هو منحى الغالبية العظمى للقوانين المدنية العربية، ومنها القانون المدني المصري والكويتي وتقنين الموجبات والعقود اللبناني.  في حين أخذ القانون المدني العراقي بجواز التأمين من “الخطر الظني ” إذ أعتبر عقد التأمين نافذاً حتى في حالة زوال الخطر أو تحققه قبل إبرام عقد التأمين، ولكن بشرط عدم معرفة أحد طرفي العقد بذلك الزوال أو التحقق، فما هو سبب هذا التباين؟

 

في الواقع ان القوانين المنظمة لعقد التأمين في الدول العربية تجمعها قواسم مشتركة عديدة، وعلى الأخص في أمر مهم كالتأمين من “الخطر الظني “.  فالدول التي اعتبرت قوانينها المدنية عقد التأمين باطلاً إذا كان الخطر قد زال أو تحقق قبل إبرام العقد، عادت وسمحت في قوانينها المنظمة للتجارة البحرية بالتأمين من ” الخطر الظني “.  فالفقرة الأولى من المادة (254) من القانون البحري في البحرين أجازت هذا التأمين في التجارة البحرية بنصها على أنه يقع باطلاً عقد التأمين الذي يبرم بعد هلاك الأشياء المؤمن عليها أو بعد وصولها إذا ثبت أن نبأ الهلاك أو الوصول قد بلغ المكان الذي يوجد فيه المؤمن له قبل إصداره أمره بإجراء التأمين أو الى مكان توقيع العقد قبل أن يوقعه المؤمن.  كما تنص الفقرة الثانية من المادة (254) على أنه ” إذا كان التأمين معقوداً على شرط الأنباء السارة أو السيئة فلا يبطل إلا إذا ثبت أن المؤمن له كان يعلم علماً شخصياً بهلاك الشيء المؤمن عليه أو كان المؤمن يعلم بوصول الشيء “.  ونَحى هذا المنحى تقنين التأمين البحري المصري في المادة (207) منه والقانون البحري الكويتي.

 

والسبب في جواز التأمين من ” الخطر الظني ” في التجارة البحرية فقط يعود الى طبيعة التجارة البحرية، فمالك السفينة الناقلة ومجهز البضاعة ومشتريها والمصارف الممولة، بموجب عقد من عقود البيع الدولية، يتعذر عليهم المعرفة التامة، عند إبرام عقد التأمين، بوضع السفينة والبضاعة المنقولة عليها، وهي تتحرك في مياه دولية واقليمية لعدد من الدول ولفترات طويلة لحين وصولها الى وجهتها النهائية، وعلى الرغم من التطور الكبير الذي حصل في تقنية الاتصالات.  فمن الجائز، عند إجراء التأمين، أن يكون طرفا العلاقة أو أحدهما أحدهما غير عالم بوصول السفينة والبضاعة سالمة، أو بتضرر البضاعة، قبل إبرام عقد التأمين.  فإذا أجري التأمين لحماية مصالح أطراف العلاقة التجارية، دون العلم بأن الخطر قد زال أو قد تحقق، فإن المنطق والعدالة تقتضيان جواز هذا التأمين ونفاذه.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو، ما حكم النقل البري بعد التطور الكبير الذي شهده، إذ تغير من نقل داخلي، أو بين دول مجاورة، الى نقل دولي عابر للقارات يستغرق وقت طويلاً ويخضع للاختصاص القانوني لدول مختلفة ضمن عملية النقل الواحدة، وبذلك اقترب من خصوصيات النقل البحري، فهل يمكن إجراء التأمين ضد ” الخطر الظني ” في النقل البري؟

 

أننا نرى أن هذا التساؤل وارد جداً، فعلى الرغم من التطور الهائل في نظم الاتصالات الحديثة والتي تمكن أصحاب العلاقة من معرفة وضع واسطة النقل البري والبضاعة المنقولة عليها في أي وقت وبشكل يسير، إلا أن طبيعة التجارة الدولية وسرعة إبرام عقود البيع الدولية واشتراك العديد من الجهات، كالمجهزين والمستوردين والمصارف والناقلين ووكلاء النقل والشحن والتفريغ، قد يجعل عدم المعرفة القاطعة بزوال الخطر أو تحققه قبل ابرام عقد التأمين أمراً راجحاً مع احتمال النقيض.  إلا أن الدول التي جعلت قوانينها المدنية التأمين من ” الخطر الظني ” باطلاً وأجازته في قوانينها المنظمة للتجارة البحرية فقط، لا يمكن فيها التأمين من ” الخطر الظني ” في النقل البري.  لذلك نرى أنه لابد من حماية حقوق أصحاب العلاقة في التجارة البرية الدولية ودراسة السبل، وفي كل بلد ووفقاً لقوانينه النافذة المفعول، لإجازة التأمين ضد ” الخطر الظني ” في النقل البري، سواء كان ذلك بإيراد نصوص في عقود التأمين، إذا كانت الأحكام القانونية النافذة تجيز الاتفاق على ما يخالفها، أو بتعديل تلك النصوص إن لم تُجزْ الاتفاق على ما يخالفها.

 

وبقدر تعلق الأمر بالقانون المدني العراقي المشار اليه آنفاً، فأن النقل البحري والبري مشمولان بجواز التأمين من ” الخطر الظني ” ‘ أذ أن النص جاء مطلقاً، وورد في القانون المدني وليس في القانون البحري.  إلا أن الذي يُعاب عليه النص الوارد في القانون المدني العراقي هو عموميته المطلقة التي جعلت منه شاملاً لكافة أنواع التأمين، كالتأمين من الحريق والحوادث، وهو توسيعٌ غير مبرر، كما نعتقد، ويفسح المجال لسوء الاستعمال والحصول على تعويضات بدون وجه حق.

 

موفق رضا

الرئيس التنفيذي

شركة المدى للاستشارات التأمينية

المنامه – البحرين

 


[1] عندما سألت الأستاذ موفق رضا عن الترجمة الإنجليزية للخطر الظني أفاد بأن القوانين المدنية العربية تعتمد على القانون المدني الفرنسي [Napoleonic Code] ويعرف هذا الخطر بالفرنسية باسم risque putatiff ويقابلها بالإنجليزية presumed risk. [مصباح كمال].

Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: