When I Remember Huda Al-Safwani


عندما أتذكر هدى الصفواني

 

 

نيران نعمان ماهر نيران السامرائي

 

 

 

الأخ مصباح الموقّر[1]

 

لا أدري من أين أبدأ فالكتابة عن زميلة مميزة ليست بالأمر السهل وخصوصا بعد أن تحولت تلك الزمالة الى صداقةٍ استمرت عشرات السنين.  التقينا في أوائل الستينيات بعد عودتها وأسرتها من القاهرة في غربة سنين قضتها هناك حيث درست الأدب الإنكليزي في جامعة القاهرة.  وكانت العلاقة التي تربط والدينا[2] وثيقة منذ سنين طويلة بسبب ميولهما السياسية واهتماماتهما الثقافية والأدبية المشتركة.

 

ويشاء الحظ أن نتزامل في شركة التامين الوطنية حيث كانت هدى قد سبقتني للعمل في بداية ستينيات القرن الماضي.  لا أتذكر التاريخ على وجه الدقة لكنه كان قبل 1965.  صارت الزمالة سببا في تعميق علاقتنا وتحويلها الى صداقةٍ رائعة تنتظمنا بكل ما فيها من فهمٍ مشترك، ومن اهتمامات متشابهة، ومن علاقات إنسانية خاصة، ومن شعور عالٍ بالمواطنة واعتزازٍ بالهوية الوطنية بكل أبعادها المحلية والإقليمية، وبكل أبعادها الإنسانية.  أما على صعيد العمل فقد تدرجتْ في المواقع الوظيفية حتي أصبحت رئيسة قسم التامين البحري والطيران الذي يعتبر أحد اهم أقسام العمل في شركات التأمين، وكان ذلك في أوائل الثمانينيات.  وقتها كان رئيس فرع التأمين البحريالمرحوم ناظم الخضيري.  وتميزت هدى عن الكثير من الموظفين، بل والمسئولين، بكفاءتها العالية وإجادتها للغتين العربية والإنكليزية إجادة تامة بالإضافة الى بعض الألمانية حيث درسناها معا في المعهد الألماني في بغداد.  وقد جاء تقدمها، مثل تقدم زميلات وزملاء آخرين، بفضل مقياس الكفاءة في أداء العمل التي كانت إدارة الشركة تلتزمه.  ولذلك لم نشعر بوجود أية تفرقة في المعاملة بين الجنسين.  وكان الاحترام سيد الموقف في العلاقات بين الموظفات والموظفين، وكانت الزمالة الجميلة تربط الجميع لاسيما أفراد القسم الواحد ناهيك عن مساعدة الموظفين بعضهم البعض في سبيل إنجاز المعاملات المهمة بسرعة.  كنا نعمل أحيانا ثلاث ساعات إضافية بدون مردود مالي خلال فترة التقشف التي سادت الوطن بعد حرب 7319.

 

كانت إنسانةً بكل ما فيها من نُبلٍ وعطاء.

كانت مشرقةً بكل ما فيها من بهاء.

كانت وفيةً بكل ما فيها من صفاء.

وكانت .. وكانت نسمة هواء صيفية تشيع الهدوء والراحة لكل من حولها إذا ما تعسرت الأمور وضاقت الصدور.

 

لقد كنتُ محظوظة بالعمل مع صديقتي، وهو امرٌ لا يتوفر دائما للأصدقاء.  والأبعد من ذلك أن حظنا وفر لنا فرصة نادرة للعمل معا وصديقاتنا المقربات الثلاث (المحامية سهير حسين جميل وكانت معنا في التأمين الوطنية، السيدة عنان سامي فتاح والسيدة الشاعرة مي مظفر وكانتا تعملان في شركة إعادة التأمين العراقية) عندما تم اختيارنا نحن الخمسة عام 1973 من قبل المؤسسة العامة للتأمين، بعد موافقة وزارة المالية، لنكون سكرتيرات وفد العراق الرسمي المكلّف بالتفاوض في بغداد مع كبريات مؤسسات النفط العالمية المعنية بمدّ خط أنابيب النفط العراقي الاستراتيجي، كما سمي آنذاك.[3]  وكنا سعيدات جدا على هذه الشرفية التي مُنحت لنا مما يدل على ثقة المسئولين العالية بنا ذلك أن الموضوع كان في غاية السرية.  كان الوفد العراقي المؤلف من ممثلي البنك المركزي العراقي ووزارة النفط والمؤسسة العامة للتأمين وخبراء اقتصاد كبيرا ومهما.  هذا الأمر قرّبنا جدا من بعضنا البعض، وصار لنا يوم معين نجتمع فيه استمر طوال سنين وجودنا في بغداد ذلك أننا غادرنا الوطن تباعا لظروف خاصة بكل واحدة منا لكن علاقتنا لم تنقطع.

 

في أوائل الثمانينيات تزوجت هدى من غازي بهجت بعد أن جمعت زمالة العمل بينهما في أروقة شركة التأمين الوطنية.  وكان غازي عازف أبوا في الفرقة السمفونية الوطنية التي كانت تقدم حفلاتها الموسيقية في المسرح الوطني ببغداد.  وكنا نحضر تلك الحفلات بفضل اهتماماتنا الفنية والثقافية المشتركة.  زمالة العمل والاحتكاك اليومي تطور الى اهتمام خاص بين الاثنين انتهى بهما الى الزواج.

 

قبل وفاتها بفترة كلمتها من لندن حيث أقيم واستمر الحديث عبر الهاتف أكثر من ساعة صاحت بي أخيرا قائلة: نيران كم ستكلفك هذه المكالمة ما بين لندن ونيوزيلندة؟  ورغم تحذيرها استمر الحديث.  تكلمنا عن ذكرياتنا، عن أفراحنا وأحزاننا وانكساراتنا.  وتكلمنا عن أحلامنا التي لم تتحقق.

 

سألتني عن أخبار الوطن فأجبت بسؤال: أي وطن؟

قالت: حشرجة صوتك هي هي يوم طلبنا منك بإلحاح الاتصال بعمو نعمان (أبي) وكان وكيل وزارة الإعلام ليخبرنا بالحقيقة بعد أن حدث وجوم علني في الإذاعة العراقية في اليوم الثالث لحرب حزيران 1967 (وهي أساسا لم تكن حربا).

قاطعتها: يا صديقتي لا عشت وشفت هذين اليومين.

أكَمَلت: وكان الموظفون يحيطون بك وأنت تمسكين سماعة الهاتف بيد واليد الأخرى تمسح دموعا مدرارة.  ما ادري من وين جبتيها بلحظة قلت: نكسة حزيران 1967!  وكيف ننساها!

 

ثم كررتُ قولي: لا عشت وشفت هذين اليومين. غزو إسرائيل لأراضينا يوم النكسة وغزو الأمريكان للوطن، وهي نكسة اخرى ظالمة.

 

رحلتْ هدى فجأة بعد تدهور حالتها الصحية خلال اسابيع ولم يستطع قلبها الصغير الصمود أكثر أمام إحباطات الزمن وهموم الحياة.  ورغم رحيلها عن بغداد كانت حاضرة معنا نحن الأربعة (سهير حسين جميل وعنان سامي فتاح ومي مظفر) كلما التقينا حيث تأتي سهير من بغداد (وهي الوحيدة التي ظلت تقضي معظم الوقت هناك)، ونحرص على اللقاء في عمّان حيث تقيم عنان وميّ.  وفي أواخر مايس من هذا العام أفجعنا القدر باختطاف عنان فجأة بعد تناول إفطار الصباح.  وبفقدها فقدنا الوجه الجميل والبسمة الحانية.  حضرت سهير من بغداد وجلسنا جميعا مع شقيقتي عنان نتحامل على آلامنا تارة ونستذكر حكاياتنا تارة أخري، ولم تفارق جلستنا ذكرى الصديقتين الراحلتين.  وفي ليلة باردة من ليالي شهر أكتوبر يفجعني الهاتف من عمّان بخبر رحيل سهير بعد ساعات من إحساسها بعدم الراحة وفقدان القدرة على التنفس حيث نقلت الى المستشفى لكنها وصلتها بعد أن فارقت الحياة.  يرحمهم الله جميعا برحمته الواسعة.

 

واليوم، بعد مرور ثلاث سنوات على رحيلك، كيف أذكرك وماذا اقول بحقك يا سيدة الدهشة، واتساع عيناك المدهش، عندما تكتشفين الأشياء، يحلق أمامي في الفضاء.

 

يا صاحبة القلب الجميل والحسن الأصيل

يا أيقونة تتدلى لتضيء المكان

وفرحةً باسمةً تغني الزمان

 

يا صديقتي المُتعبة آن لك أن تستريحي وأن لليلك الطويل أن ينقضي وآن للحزن العميق المقيم أن ينتهي.

 

وتظلين في الذاكرة أبدا ويظل اسمك الجميل أحلى الأسماء.

 

هدى سلمان الصفواني ابنة واحد من كبار أعلام الصحافة الوطنية مؤسس جريدة اليقظة اليومية، ووزير الإرشاد عام 1966. 

 

 

لندن 29 تشرين الثاني – 2 كانون الأول 2012


[1] بتاريخ 27 تشرين الثاني 2012 كتبتُ رسالة إلكترونية قصيرة لنيران قلت فيها ان “يوم 3 كانون الثاني 2013 يصادف الذكرى الثالثة لوفاة هدى الصفواني في نيوزيلنده.  وبودي دعوة الزملاء والزميلات الذين عملوا معها، أو يعرفونها، المساهمة في إعداد ورقة بهذه المناسبة إذ أن قلة المعلومات وقت وفاتها قد حالت دون أن ننشر نعياً لها في مرصد التأمين العراقي، المدونة التي أديرها.  وقد تحدثنا قبل فترة عنها وطلبتُ منك الكتابة عنها إذ انك كنت قريباً منها في موقع العمل في شركة التأمين الوطنية.  أتمنى أن تكتبي عنها وعملها بالصيغة التي ترغبين بها.”  واستجابة لهذه الدعوة تفضلت نيران بإرسال هذه الكلمة في حق صديقتها. 

الهوامش للمحرر (مصباح كمال). 

[2] نعمان ماهر الكنعاني، والد نيران، وسلمان الصفواني، والد هدى.

[3] انبوب ناقل للنفط الخام يعمل شمالاً باتجاه حديثه وجنوباً باتجاه الميناء العميق في.  أنجز عام 1976 من قبل شركة إيطالية وافتتح رسمياً عام 1977.

Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: