Insurance – a necessity


التأمين كحاجة من الحاجيات اليومية الملحة

 فؤاد شمقار٭

 

ما هو التأمين وما هي تلك الحاجة الملحة؟

كثيراً ما نسمع بأن التأمين لا يخرج عن كونه عملاً من أعمال المقامرة والرهان، وبالتالي تلعب الشطارة من جهة والحظ والمصادفة في نتائجه من جهة أخرى.  إلا أن الواقع والحقيقة هو أن التأمين عبارة عن نظام يهدف إلى حماية الفرد والمجتمع من نتائج الحوادث والكوارث الاقتصادية التي لا يمكن التنبؤ بوقت وكيفية حدوثها والسيطرة عليها.  ان نظام التأمين يخضع إلى أسس وضوابط فنية وقانونية من خلالها يتم توزيع الخسائر التي تلحق بعدد قليل الأفراد من جراء الحوادث على اكبر عدد من الأفراد بدلاً من تحمل الفرد الواحد لنتائجها لينوء بحملها وثقلها لوحدة.  وبذلك يتلاشى أثر الخسارة عن من وقعت عليه.  ان المقابل لرفع آثار ونتائج الحوادث التي تقع على الفرد هو عبارة عن مبلغ من المال يسمى “بقسط التأمين” يدفع إلى شركة التأمين، وبفضل تسديد هذه الأقساط من جانب مجموعة من المؤمن لهم يتكون رصيدً من المال، يتم استخدام هذا الرصيد في تغطية التعويضات التي يتوجب على شركات التأمين دفعها للمتضررين ضمن المجموعة نتيجة تحقق الحادث المؤمن منه.  هذا هو مفهوم التأمين بصورته المبسطة.

 

الإنسان والظواهرالملازمة لحياته

من الظواهر الملازمة للإنسان في حياته ميله إلى حماية نفسه وممتلكاته مما يحتمل أن يحيط به من مخاطر وأضرار.  وقد تطورت الحماية المطلوبة بتطور الحياة فمن الرغبة في اتقاء المخاطر الطبيعية والتقلبات المناخية وغير ذلك من العوامل الطبيعية الأخرى إلى الحاجة للحماية من مخاطر العمل ووسائل الإنتاج التي هي في تطور مستمر.  ومن الرغبة في حماية النفس والروح إلى الرغبة في حماية الأموال والممتلكات، هذا هو ديدن الإنسان.

 

إن نمو الحضارة وتطور المدنية وجميع مظاهر التقدم الأخرى التي تسود مجتمعاتنا اليوم أدت إلى زيادة المخاطر والأضرار التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان في حياته.  هذا الوضع حمله على التفكير في وسائل الحماية التي من شأنها تجنب تلك المخاطر التي ترافق المدنية وتفادي أضرارها.  إلا انه و بالرغم من كل ما تهيأ للإنسان من وسائل الاطمئنان فقد ظل يبحث عن المزيد منها، فجاء التأمين ليلجأ إليه الإنسان في نشاطه وعملة اليومي حتى أصبح اليوم يشمل مختلف أنواع الأنشطة الاقتصادية كالصناعة والتجارة والزراعة، وسائر الأعمال الأخرى.  ولم يقتصر التأمين على هذه النواحي فحسب بل تناول كثيراً من مظاهر الحياة اليومية وتجاوز إلى ما يقع للإنسان كفرد في المجتمع من حوادث وما تقع عليه من المسؤوليات.

 

التأمين نوع من أنواع الخدمة تقدمها شركات التأمين أو تتعهد بتقديمها

ان تقديم الحماية من جانب شركات التأمين هو نوع من الخدمة أو التعهد، والذي لا يمكن التأكد من صدق هذا التعهد المقدم أو أهميته إلا بعد وقوع الحوادث التي قد تكون في كثير من الأحيان كارثية.  لذلك فإن هنالك في مجتمعاتنا من لا يهتم ولا يعطى أهميه لمفهوم الخدمة في مجال التأمين إلا بعد وقوعه تحت هول الكارثة.  وهناك الكثيرون في مجتمعنا يعتقدون بأنهم قد خسروا تلك المبالغ التي دفعوها إلى شركة التأمين كقسط للتأمين والخدمة أو الحماية المقدمة فيما لو انتهت المدة المقررة للتأمين دون تعرضهم إلى الخطر المؤمن ضده ومن ثم إلى الضرر وكأنهم قد أقدموا على إجراء التأمين المطلوب كي يتعرضوا للخطر ومن ثم الضرر وليقدموا مطالبتهم بالتعويض إلى الشركة المُؤمِنة.  ان الموقف تجاه تصحيح هذه الحالة من التفكير يجب ان يقوم به المثقفين المتنورين والعاملين في قطاع التأمين.   فالموقف الصحيح  هو إفهام جمهور المؤمن لهم بأنهم كانوا يتمتعون بالخدمة والحماية التأمينية طيلة فترة سريان عقد التأمين ولهذا السبب قد قاموا بدفع قسط التأمين الذي هو مبلغ بسيط لقاء الحماية الكبيرة، التي لا تقدر أهميتها إلا بعد تعرضنا إلى الخطر ومن ثم الضرر.  نحن في حياتنا اليومية نتعامل مع مختلف أنواع الأخطار اليومية المحيطة بنا، ونستخدم في أحاديثنا اليومية وأعمالنا كلمة الخطر في اليوم أكثر من مره ونعرف تماماً ما نقصد ونعني بها إذ تعني عندنا احتمالية حدوث حالة غير مرغوبة تنتج عنها أضرارا مادية أو مسؤوليات لم نكن نتوقعها أو بالأحرى لم يخلد ببالنا في يوم من الأيام لأننا لا نمتلك القدرة على التنبوء بالمستقبل، أو كان لدينا ذلك ولكن لم نُُرد ان نقنع أنفسنا بأن تحقق واحده من الأخطار التي تحدثنا عنها أو كانت في بالنا قد يؤدي إلى خسارة كبيرة وفي كثير من الأحيان خسارة كبيرة جدا.

محيطنا و الأخطار المحيطة بنا

يعيش الإنسان في محيط يلفه مختلف أنواع المخاطر اليومية (الحريق، السرقة، حوادث الطرق والسير والمركبات، المسؤوليات المختلفة وغيرها) وإزاء وجود هذه المخاطر ونشاطنا اليومي المختلف فأننا بحاجة إلى راحة الفكر والبال والاستقرار والطمأنينة، ولا يمكننا الشعور بذلك إلا بعد حصولنا على ضمان ما من نتائج الأخطار التي نخشاها.  ان هذا الأمر يتطلب منا ان تكون نظرتنا تجاه هذه الأخطار نظره واقعية بعيده عن السلبية والإهمال. ان نظرتنا إلى الخطر ليست واحدة ومتساوية لدى الجميع، فهنالك بيننا من يرضخ للخطر ويؤمن بالواقع.  وهنالك من يحاول ويريد ان يتحاشى الخطر،  وآخرون على عكس منهما يكون جاهزاً ومستعداً للخطر والتصدي له.  فأي من هؤلاء الفئات الثلاث نختار لنكون من بينهم؟  ان فكرة الرضوخ إلى الخطر فكرة سلبية من شأنها ان تدعو الإنسان إلى التسليم بالخطر ومن ثم القبول بما يسفر عنه من نتائج بعيداً عن التفكير في كيفية تدارك هذه النتائج ومحو ما يترك من آثار.  أما أصحاب الموقف الثاني، وهم من يتحاشى الخطر الذي هو موقف وسط بين الرضوخ والتصدي فهو موقف مقدر للخطر وآثاره السيئة الذي يخلفه ومقدار تحققه نراه يتحاشى ويبتعد عنه ولكن ومهما حاول الابتعاد والتحاشي فإن هنالك كثير من الأخطار لا يمكن للإنسان ان يتحاشاها ويبتعد عنها.  أما الموقف الثالث والأخير فهو موقف المتصدين للخطر الذي يتسم بالايجابية تجاه الخطر بدلاً من ان يخضع له ويحاول التصدي والقضاء على نتائجه وآثاره ذلك بأن يقوم بنفسه باتخاذ وسائل الأمان التي من شأنها التصدي للخطر ولكن وعلى الرغم من التقدم الحاصل في مجالات الحماية من مختلف أنواع الأخطار والتقدم الذي حققه الإنسان إلا إنه يستحيل عليه القضاء على الخطر طالما أن هناك أخطاراً لازال الإنسان عاجزاً عن التصدي لها.

 

الخطر كظاهرة محتملة لا يمكن اتقاءه

ان الخطر كظاهرة محتملة محيطه بنا لا يمكن اتقاءه وعليه لابد من التسليم بهذه الحقيقة والتفكير في وسيلة ما لا ليبعده عن تحقق الأخطار وإنما ليعينه في تحاشي النتائج والآثار السلبية التي تتركها تحقق الأخطار.  ومن هذا المنطلق لابد من التأمين إذ ان التأمين هنا يفرض نفسه كحاجه من الحاجيات اليومية الملحة.  لذلك فأن التأمين وكما أسلفنا وبأنواعه المختلفة يعتبر من أهم وسائل مواجهة مثل هذه الأخطار فهو يعمل على توفير التغطية التأمينية للأفراد والمنشآت ضد أخطار كثيرة.  وقد قيل بأن كلمة التأمين وطلب الأمن يوحي بالاطمئنان والهدوء، وطلب الأمن والاطمئنان والهدوء لا يتعارض مع إرادة ومشيئة الله عز وجل وقضاءه وقدره.  أقول هذا رغم أن هناك إشكالية في هذا القول نبهني عليه أحد الزملاء وقد تحين الفرصة كي نقوم بمناقشتها في ضوء المنطق وفي تكييف العلاقة الروحانية بين الإنسان والخالق.

 

هل ان وجود التأمين من موانع تحقق الأخطار؟

قد يتبادر إلى ذهن بعضنا بأن وجود التأمين من موانع تحقق الأخطار إلا ان الواقع هو خلاف ذلك إذ ان وجوده لا شأن له في تحقق الأخطار المحيطة بنا أو عدم تحققها، إنما شأنه وأهميته يكمن في إزالة نتائج الخطر ومحو أثاره وذلك بالتعويض وإعادة حامل وثيقة التأمين إلى مركزه المالي قبل تحقق الخطر.  ولما كنا في معرض تقديم التأمين بهذا الشكل فأن علينا ان نبين الدور الذي تلعبه هذه الخدمة على الصعيدين الفردي والعام وعدم الاكتفاء بما ورد في المقدمة فقط.  فعلى الصعيد الفردي فأن وجود هذه الخدمة أو التعهد يتمثل بالاستقرار والطمأنينة التي يشعر بهما الإنسان عند حصوله على وثيقة التأمين لأمواله وممتلكاته ومصالحه ومسؤولياته القانونية والعقدية عن الحوادث التي تحيط بنا وتلك الأخطار التي يخشى الإنسان من وقوعها يوميا.  ان الجوهر في اقتناء وثائق التأمين لا يعني التفكير في الحصول على المنافع المادية واعني هنا بأن شراءنا للخدمة لا يجب ان يكون الهدف منه الطمع في قبض مبلغ التعويض لان المبالغ التي نحصل عليها لا يمثل في جميع الأحوال قيمة الأضرار الواقعة تلك التي خسرناها بنتيجة تحقق ضرر ما.  وتأسيساً على ذلك فأن ما يقدمه لنا التأمين من وظيفة هو الاطمئنان والاستقرار.  إلى جانب ذلك فأن منافع التأمين على الصعيد العام هي وجود مختلف أنواع الاستثمارات التي تعم بالخير على اقتصاديات البلدان فضلاً عن دورها في توثيق التبادل التجاري ومعاملاتها وتنشيط حركتها.  ومن كل هذه المنطلقات، ومن منطلق كوني شخصاً عمل في مجال التأمين في العراق لمدة تربو عن أربعين سنة، ومن ثم عملت في نفس القطاع عند انتقالي من بغداد إلى مدينتي السليمانية وهي مسقط رأسي ولحين انتقالي إلى العمل في القطاع نفسه في عاصمة إقليم كوردستان – أربيل- عملت جاهداً على نشر الوعي التأميني والوقائي وذلك بالاتصال المباشر والمخاطبات والرسائل الالكترونية مع كثير من القطاعات مذكراً بأهمية التأمين،  مع أصحاب المعامل والمصانع والفنادق والمحلات العامة من الأسواق والمعارض.  ولكن، ومع شديد الأسف، لم أجد آذانا صاغية لسماع نصائحي ونداءاتي.  ولكن مع اصابتي بخيبة أمل كبيرة لم اترك أمر توعية الناس بضرورة اتخاذ موقف التصدي للخطر من خلال وسائل إدارة الخطر المعهودة ومن بينها آلية التأمين لتحويل الأعباء المالية للأخطار من عاتق الأفراد والشركات على عاتق شركات التأمين.  ورغم ضعف الاستجابة فلا يهل لي ان اركن للسكون.  إن الوعي بالتأمين مسألة حضارية تحتاج إلى جهد جماعي.

 

الوقائع المؤلمة يجب ان تكون من أسباب بحثنا عن الحماية التأمينية؟

كنت في مكتبي في شركة كار للتأمين وهي شركة تأمين تأسست في مدينة أربيل برأسمال كبير قدره أربعون مليار دينار عراقي وبقدرة وقابلية فنيه تأمينيه كبيره، أتصفح إحدى الجرائد اليومية – جريدة ئاسو بالتحديد – وقد طالعت فيها الخبر التالي:  في غضون شهر واحد وقع (503) حادث حريق في حدود السليمانية  وتعرض (285) شخصاً لحوادث الطرق بينهم سبعة قتلى.  أو ليس مثل هذا الخبر يجب ان يكون الباعث للبحث عن الحماية التأمينية؟  هذا من جهة، ومن جهة أخرى ألم يحن وقت التفكير في وسيلة قانونية لتعويض ضحايا حوادث السيارات و المرور في إقليم كوردستان؟  إلى متى تستمر معاناة  ضحايا حوادث الطرق والسير والمركبات؟  هل تستمر تلك المعاناة لعشرين سنه أخرى؟[1]

 

هذه الأسئلة وضعتها أمامي وأمام الجهات المسؤولة في كوردستان. في حينه وبجهد شخصي تمكنت من الحصول على موافقة وزارة المالية و الاقتصاد ووزارة العدل في الإقليم وبرلمان الشعب (لجنة الخدمات الاجتماعية واللجنة القانونية) بضرورة إيجاد وسيلة قانونية وقد نالت الفكرة تأييد الجميع لها ووافقوا عليها وتم رفع تلك الموافقات إلى مجلس الوزراء لتشريع قانون ولكن ومع الأسف لم يرى المشروع النور وما زال معاناة الضحايا مستمراً.  لماذا يا ترى؟  لعل الجواب لدى أصحاب القرار.

 

ان معاناة هؤلاء وفاجعة إحدى المحلات العامة ليلة الخميس 15/7/2010 في مدينة السليمانية ونشوب حريق كبير ووقوع ضحايا بشرية كبيرة وأضرار مادية بنتيجة الواقعة المؤلمة والفاجعة الكبيرة التي ألمت بسكان مدينة السليمانية بأكملها ذلك لهولها ونتائجها والأضرار المادية والبشرية، كل ذلك يدعونا ان نقول ونكرر القول بأن التأمين عبارة عن حاجة من الحاجيات اليومية الملحة.  لذلك علينا، كل من موقعه، ان يجلس مع نفسه للتفكير بحاجياته من التغطيات التأمينية للحصول عليها لحماية أَموالنا وممتلكاتنا ومسؤوليتنا لمختلف القطاعات العامة والخاصة والفردية.

 

ما هي أسباب الحرائق التي نشبت؟

لعل من الضروري في هذا المجال الاطلاع على أسباب تلك الحرائق التي اشرنا إليها آنفا ان من مجموع الحرائق التي ذكرتها (153) حادثاً بنتيجة رمي أعقاب السجائر، (63) حادثاً بالإضافة إلى الحادث المفجع بسبب التماس الكهربائي، (11) حادثاً عن استعمالات الغاز السائل “ولعل عدم وجود الصيانة والإدامة والفحص لاسطوانات الغاز هي السبب”، (96) حادثاً عن العمد، (24) حادث عن الإهمال وغيرها من الأسباب والتي في اغلبها من فعل الإنسان.  أو ليس كل ذلك والحادث المفجع في السليمانية مدعاة للتفكير بإيجاد الحماية التأمينية من جهة وضرورة تفقد الأماكن العامة وجميع العمارات والبنايات التي تقدم فيها الخدمات إلى العامة لتحديد وتأشير مكامن الخلل والتأكد من وجود أجهزة ومعدات ومخارج الطوارئ ومواقع السلامة ومكافحة الحريق كي لا تتكرر المأساة مره أخرى؟

 

لقد حصل هذا في مدينة السليمانية بعد الفاجعة المؤلمة وبتوجيه شخصي من السيد رئيس مجلس وزراء الإقليم الدكتور برهم احمد صالح إذ شكل عدة لجان لهذه الغاية وبغاية البحث والتحري عن أسباب الحريق طالما ما زال الكثير من الفنادق والمحلات العامة التي يرتادها الناس تفتقر إلى إجراءات السلامة والأمان من وجود للسلالم ومخارج الطوارئ وعلامات الدلالة على الخروج الاضطراري وأجهزة الإنذار المبكر بوجود الحريق ووسائل الإطفاء الموضعية ومعرفة العاملين والعمال على استخدامها وغيرها من مستلزمات السلامة.  وكل ذلك يتطلب وجود لدور رقابي من جانب الجهات المعنية لضمان التطبيق بغية عدم تكرار أو حدوث فاجعة أخرى.  لقد قيل بأن كل واقعة تجربة، لذلك يتعين على أصحاب الشأن القيام بمفاجئة الحدث وليس الانتظار ليفاجئنا الحدث ويطل علينا ومن ثم نندب الحظ والطالع.

 

كيف نتعامل مع الخطر؟

ان متطلبات السلامة والأمان المطلوبة نسميها نحن العاملين في التأمين بإدارة الخطر أو التعامل مع الخطر والتحكم فيه، واتخاذ الوسائل التي تحده من جهة والعمل على التقليل من حجم الخسائر المتوقعة بأقل كلفة ممكنة من جهة أخرى، وقبل ذلك التعرف على مكامن ومصادر الخطر، ومن ثم تقدير حجم الخسارة المحتملة في حال وقوع الخطر، واختيار الوسائل المناسبة لمواجهة هذا الخطر.  ان من أهم الطرق والوسائل لمواجهة الخطر هي الوقاية والمنع وما نسميه بسياسة تخفيض الخطر والتجزئة والتنويع – ونقصد به توزيع الشيء المعرض للخطر وليس تجميعه.  وأخيرا نقل أو تحويل الخطر – ونعني بذلك مواجهة الخطر بتحويله إلى طرف آخر.  ولكن من هو هذا الطرف؟  إنها “شركات التأمين” التي تقبل بتحويل آثار الخطر على عاتقها مقابل دفع مبلغ معين وهو قسط التأمين.  ومن هذا المنطلق فأن على الجهات المسؤولة عن منح إجازات البناء وفتح المحلات العامة والفنادق، عليهم التعامل مع الخطر بأمانة وعدم السماح ومنح الإجازة المطلوبة دون مراعاة وجود وسائل الأمان والسلامة.  ولو كان هناك طلب للتأمين على مثل هذه الأماكن لقدمت شركة التأمين المعنية النصح والإرشاد إلى أصحابها.  ولكن كيف ذلك دون وجود رغبة في اقتناء الخدمة التأمينية.  حبذا لو يتم إضافة شرط جديد إلى شروط منح إجازة المحلات العامة وهو ضرورة أجراء التأمين ضد أخطار الحريق و المسؤوليات الناجمة عن الخدمات التي تقدمها هذه المحلات.

 

هل ان التأمين يكون على الأموال والممتلكات فقط؟

في كثير من المناسبات كنت اسأل الناس: ماذا تعرفون عن التأمين؟  فكان الجواب وبعفوية: يعني التأمين على السيارة.  ومن ثم يبدأ بالشرح وبالقدر المستطاع وكأن نظام التأمين يختص بالتأمين على السيارات فقط.  هؤلاء لهم الحق في ذلك لسماعهم الكثير عن حوادث السيارات وقيام شركة التأمين بتعويض ضحايا هذه الحوادث.  وكان هذا هو الحال في كوردستان قبل عشرين سنة أما اليوم فأن الضحايا محرومون من التعويضات المستحقة.  نحن العاملين في قطاع التأمين نجعل من وظيفة التأمين وظيفة وهواية معاًً، لذلك كثيراً ما نتكلم ونبحث ونتناقش، حتى في الجلسات الخاصة، عن التأمين.  ومن خلال هذا الكلام الكثير وجدت قلة من الناس ومن الأصدقاء يدركون بأن للتأمين فروع مختلفة. أن هناك تأمين على الأشخاص وآخر على الأموال وثالث من المسؤولية القانونية.  فالتأمين على الأشخاص يشمل التأمين على حياة الأفراد بمختلف صوره، والتأمين على الأموال يشمل التأمين ضد مخاطر الحريق والسرقة والفقدان والتلف وغير ذلك، وآخر وهو  التأمين من المسؤولية.  وقد يسألني احدهم ما هو التأمين من المسؤولية؟  وما هو الأساس القانوني لهذا النوع من التأمين؟  ان جوابي له يجب ان يكون الآتي: ان أي إخلال بقاعدة من قواعد القانون يرتب نوعاً من المسؤولية تسمى بالمسؤولية المدنية أو المسؤولية القانونية، وإن نوع الإخلال الواقع على القاعدة القانونية يحدده طبيعة نوع هذا الإخلال.  فالمسؤولية الناشئة عن الإخلال بالنصوص العقابية تترب عليها عقوبات ومسؤوليات جنائية وجزاءها العقوبة.  أما المسؤولية الناشئة عن إخلال بالتزام يفرضه القانون ويترتب على هذا الإخلال إلحاق الضرر بالغير يوّجبُ على مرتكبه تعويض المتضرر.  هنا لابد من التوسع في موضوع المسؤولية وبيان ما إذا كان تقديم الخدمات في المحلات العامة يرتب نوعاً ما من المسؤولية على مقدميها طالما أن هناك كثيرون يجهلون هذا الجانب، وتترك الكثير من المسؤوليات عند تحققها على أنها من أعمال القضاء و القدر.

 

ان بعضاً من الخدمات التي تقدم للناس عبارة عن نشاط غير ملموس، تهدف إلى تلبية احتياجات أو رغبات الأشخاص مقابل دفع مبلغ من المال.  ومن هذه الخدمات والأنشطة خدمات الفنادق والمحلات العامة إذ ان استخدام مرافق مثل هذه المواقع عبارة عن ظاهرة مادية ملموسة وهذه الأنشطة تعتبر نشاط خدمة وإن من يقدم الخدمة يجب ان يكون تقديمه لها مقترناً بتحمل المسؤولية طالما أن الإنسان مطالب بتحمل عواقب أعماله وملزم بتبعات أفعاله، وان تسبب أعماله وأفعاله بأذى وضرر بالغير فأن جزاء ذلك هو العقاب أو التعويض وفي بعض الأحيان اثنان معاً.  ولكن كم هم مقدمي الخدمة الذين يقدرون مسؤولياتهم القانونية والعقدية في مجتمعاتنا؟ الجواب هم القلة من الناس.  إذا كان لنا الحق والحرية في أموالنا وممتلكاتنا وعدم التفكير في إيجاد الضمان لها فهل ان الحق والحرية ينصرفان إلى عدم مسؤوليتنا عن تعريض حياة و أموال وممتلكات الغير للضرر عند تقديمنا للخدمات لهم؟  كلا ليس لنا الحق ولا الحرية في ذلك وإنما علينا إيجاد الضمان تجاه ذلك لأننا حتى إن كنا ميسوري الحال قد لا نتمكن من تحمل عبء ذلك.  عليه لابد ان تكون هنالك جهة ما بظهرنا تعيننا عند الحاجة.  ولكن من هي هذه الجهة ومن تكون؟  التأمين طبعاً.  إذا لماذا لا نطلب العون الكبير (التعويض عن الأضرار والخسائر الكبيرة) لقاء مبلغ صغير (قسط التأمين)؟

 

لقد مر حادث الحريق المفجع المؤثر والمؤسف في مدينة السليمانية على شركات التأمين العاملة في إقليم كوردستان مروراً لعدم وجود أي نوع من الأنواع المختلفة من التأمين لا على هيكل البناء ولا على المحتويات ولا على المسؤوليات عن الخدمات التي تقدم ولا على المسؤوليات القانونية التي تترتب على مقدمي الخدمات في المحلات العامة.  وأكثر من ذلك لا يوجد تأمين أو تغطيات تأمينية حتى على باقي المحلات والأبنية والعمارات المجاورة للمحل المنكوب والتي تقدر أقيامها بملاين الدولارات.  ان هذا الحال هو حال يؤسف له.  كنت أتمنى لو ان كل موقع ومحل ومخزن مؤمن عليه هيكلاً ومحتويات ومسؤوليات لدى إحدى شركات التأمين لتنهض هذه الشركة بمسؤوليتها بدفع مبالغ التعويضات المستحقة إلى طالبيها عند تحقق الأخطار المؤمنة وإلحاقها الأضرار بالمحل المؤمن لتكون الحالة درساً وعبرة وتجربة للآخرين كي يبتعدوا عن فئة الراضخين للخطر أو المبتعدين عنه ليدخلوا ضمن فئة المتصدين للخطر.  ولكن ومع الأسف ليس كل ما يتمناه المرء يتحقق.

 

أسفي على الأرواح التي تزهق والأموال والممتلكات التي تهدر بدون تعويض.  وهي في نهاية الأمر إهدار للثروة الوطنية.

 

*shamkar1939@yahoo.com

 

 

[1] هذه الورقة، التي تضمُ صرخة ألم وموقف تأسي على الواقع التأميني القائم في إقليم كوردستان وعلى ضحايا حوادث المرور والحريق، تستقيمُ وتطورُ ما كتبه زميلنا فؤاد شمقار في مقالته: “هل ننتظر أكثر من ذلك لإيجاد وسيلة لحماية ضحايا حوادث الطرق في إقليم كوردستان” مجلة التأمين العراقي الإلكترونية، 16 حزيران 2009

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/06/blog-post.html

 

[مصباح كمال]


Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

Trackbacks

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: