Author Archives: Iraq Insurance Monitor - Misbah Kamal

Insurance & Development of Banking Services

التأمين واهميته في تطوير الخدمات المصرفية

 

 

سعدون مشكل خميس الربيعي

 

 

المصارف وشركات التأمين مؤسسات مالية تلعب دوراً مهماً في تطوير القطاع المالي، وذلك من خلال توفير قنوات لتجميع وتدوير الأرصدة النقدية المتجمعة لديها (كودائع وأقساط تأمين) لأغراض استثمارية والمساهمة في رأسمال شركات تجارية وصناعية وكذلك العقارات.

 

ويلعب التأمين دورا ايجابيا فاعلا في تنشيط القطاع المصرفي وسوق الأوراق المالية.  وفي أسواق التأمين المتقدمة تلعب شركات التأمين دوراً مهماً في توفير المرتبات التقاعدية.  وفيما يخص موضوع هذه الورقة فإن الإمكانية متوفرة لدى شركات التأمين العراقية للعمل مع القطاع المصرفي لتوفير حماية تأمينية لأخطار الائتمان للقروض الممنوحة، على سبيل المثال، وتوفير الاغطية التأمينية الأخرى حسب الحاجة على ضوء المتغيرات الاقتصادية وتطور الأدوات المالية.  ويمكن للقطاعين المصرفي والتأميني التعاون على تطوير اساليب العمل المشترك وفق منهجية واضحة وشفافة تعود بالنفع الاكبر للمصارف والزبائن معاً.

 

شهدت السنوات الماضية تعرض العديد من المصارف في الدول المتقدمة إلى أزمة سيولة  تبعتها أزمة العجز المالي السيادي لبعض الدول.  مثل هذه الأزمات لها انعكاساتها الخطيرة على المصارف العربية وخاصة الخليجية منها.  فلأزمة المالية الكبيرة الني بدأت في 2008 حفزت المصارف الاجنبية والعربية لعقد مؤتمرات دولية لتدارك آثارها ومنها مؤتمر القمة المصرفية الدولية في لندن يوم 25/6/2009 الذي انعقد تحت شعار “استراتيجيات ما بعد الازمة.”  وقد حضرها د. سنان الشبيبي، محافظ البنك المركزي العراقي، وكبار المسؤولين الماليين من الدول الاوروبية والعربية.  وصرح في حينه لمجلة “البيان الاقتصادية” بعددها 452 في شهر تموز 2009 “ان تأثر القطاع المصرفي العراقي (المحلي) من جراء الازمة العالمية كان بسيطا وغير مباشر وذلك لعدم امتلاكه المنتجات الحديثة وعدم انخراطه في العلاقات المصرفية الدولية المؤثرة.”  ولفت الانتباه الى ان المصارف العراقية تحتاج الى امرين: الوضع الامني من جهة وظروف السوق من جهة ثانية، مؤكدا على ان المصارف العراقية مندرجة تحت سلطة البنك المركزي العراقي وشروط التوسع خارج بغداد تتمثل بدراسة الجدوى الاقتصادية ورأس المال وخطة عمل واضحة لفترة محددة اضافة الى المعاملات الروتينية.

 

وللأسف غاب عن ذهن المحافظ او نسي او تناسى دور التأمين وما يوفره لهذه المصارف من ضمان وخدمات تأمينية تسهم في تقليل مخاطرها وتوفير الحماية لها ومنها اخطار الائتمان ومخاطر التعثر في تسديد القروض وعدم قدرة المقترض على الايفاء بالتزاماته المالية.  وكما هو معروف فإن المصارف تتعرض لجملة من المخاطر ومنها:

 

* مخاطر سعر الصرف الناتجة عن التعامل بالعملات الاجنبية.

* مخاطر سعر الفائدة واحتمال ارتفاع وانخفاض معدلاتها لأنها متغيرة.

* مخاطر التسعير الناتجة عن المتغيرات في اسعار الاصول ومنها محفظة الاستثمار.

* مخاطر قانونية متمثلة بعدم التزام بعض المصارف بالقوانين والتعليمات ومخالفتها.

* مخاطر تشغيلية كالاخطار البشرية والفنية الناتجة عن الغش والاحتيال والتزوير والسطو، ومخاطر فنية كإدخال معلومات غير صحيحة في الحاسوب والسجلات[1]

 

ليست كل هذه المخاطر قابلة للتأمين لكن التعاون والتنسيق المشترك بين المصارف وشركات التأمين يساعد في التوصل إلى توفير الحماية التأمينية اللازمة.  وهذه الحماية تساعد في التخفيف وطأة المخاطر وتحقيق الاستقرار المالي للمصارف مع مراعاة تنشيط آليات العمل الرقابي والاداري وتطوير عملها لحماية القروض وتأمين استردادها (وهو ما يندرج تحت مفهوم إدارة الخطر).

 

ولهذا وفرت شركات التأمين العامة والخاصة منتجات تأمينية تناسب عمل المصارف ومنها الوثيقة المصرفية الشاملة ووثيقة التأمين على الاعتمادات المستندية لتأمين البضائع المستوردة او المصدرة  (التأمين البحري – البري – النهري – الجوي).

 

وما يؤسف له ان الكثير من زبائن المصارف من المستوردين يؤمنون لدى شركات تأمين اجنبية وحرمان شركات التأمين العراقية من موارد مالية كبيرة متمثلة بأقساط التأمين.  وهذا ما يتطلب من وزارة المالية – ديوان التأمين – اصدار تعليمات الى كافة الوزارات والمؤسسات ودوائر الدولة والمحافظات والجهات الرسمية الاخرى بأن يكون التأمين حصراً لدى شركات التأمين العراقية العامة والخاصة على حد سواء.  مع تأكيدنا على ضرورة تعديل قانون تنظيم اعمال التأمين رقم 10/2005 وما تضمنه من مثالب لا تخدم اهداف شركات التأمين.

 

كما ندعو البنك المركزي العراقي الى حث المصارف لتوفير الحماية التأمينية لأموالها وموجوداتها وموظفيها وزبائنها بالتعاون والتنسيق مع شركات التأمين العراقية، وكذلك تشجيعها للمساهمة في رؤوس اموالها، وبالمقابل مساهمة شركات التأمين في رؤوس اموال المصارف الاهلية.  مثل هذا الاستثمار سيساعد المصارف وشركات التأمين في تحقيق تعليمات زيادة رؤوس الاموال.

 

وخلاصة الموضوع ان قطاع المصارف وقطاع التأمين يسهمان في عملية التنمية الاقتصادية من خلال الأرصدة المتجمعة لديهما.  كما يبرز دور التأمين في تراكم رأس المال وتوظيفه في معالجة الآثار الاقتصادية الناجمة عن الاخطار التي تتمثل في التعويض عن الخسائر المادية غير المتوقعة التي تلحق بمؤسسات الدولة ومنشآتها والشركات والافراد.

 

سعدون مشكل خميس الربيعي

المدير المفوض، الشركة الاهلية للتأمين

ممثل القطاع الخاص لشركات التامين في لجنة القطاع الخاص في مجلس الوزراء

عضو مجلس إدارة جمعية التأمين العراقية

 

بغداد 4 تشرين الأول 2012


[1] هيام تكليف الربيعي، التامين من مخاطر القروض المصرفية، دراسة استطلاعية لشركة التامين الوطنية ومصرف الرافدين، أطروحة ماجستير مقدمة لنيل شهادة الدبلوم العالي، (المعهد العالي للدراسات المحاسبية والمالية، جامعة بغداد، 2010).

 

Remarks on State Insurance Companies

شركات التأمين العامة ودعوى احتكار تأمين

أعمال الوزارات والمحافظات والمؤسسات الرسمية الأخرى

مصباح كمال

في مقالتنا “كلام عن شركات التأمين الخاصة” وتحت عنوان فرعي “احتكار تأمين الأعمال الحكومية: نقد شركات التأمين العامة” ذكرنا أن شركات التأمين العامة تتعرض

إلى نقد، صريح أحياناً ومضمر أحياناً أخرى، من قبل شركات التأمين الخاصة أو من أفراد [داخل قطاع التأمين ومن قبل بعض أعضاء النخبة الجديدة الحاكمة].  وليس كل هذا النقد يجد طريقه إلى النشر رغم تداوله بين العاملين في قطاع التأمين.  ويتركز النقد الأساسي على احتكار الشركات العامة لتأمين الأعمال الحكومية وبخاصة عقود التراخيص النفطية، وهذه، بفضل حجمها، هي المنتج الأكبر لأقساط التأمين.  ويستند هذا النقد على أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005. [1] [المادة 81 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 المعروف بالأمر رقم 10]

وبالنسبة لعقود التراخيص النفطية أوضحنا أن الوضع قد تغير

بعد ان تدخل ديوان التأمين بإصدار تعميم على الشركات النفطية في تشرين الأول 2010، موجه إلى إحدى الشركات النفطية التابعة لوزارة النفط، والتأكيد على الفقرة 3 من المادة 81.  كما أن دائرة التراخيص النفطية أبلغت شركات الوزارة أن يكون التعامل مع التأمين عن طريق المناقصة العلنية كما نص عليه القانون [الفقرة 3 من المادة 81].

وذكرنا بأن

شركات التأمين العامة لم تضغط على الوزارات والمؤسسات الحكومية للتأمين لديها لكنها ظلت ساكتة عندما توجهت لها الوزارات والمؤسسات [بطلبات التأمين] ولم تنبهها لمتطلبات القانون.  ولا نعرف إن كانت هناك تصرفات أخرى تُلام عليها شركات التأمين العامة.

نحاول في هذه الورقة الصغيرة الوقوف مجدداً أمام مدى صحة دعوى احتكار شركات التأمين العامة لأعمال الوزارات والمحافظات والمؤسسات الرسمية الأخرى، نعرض فيها بعضاً من الأفكار التي ضمّناها في مقالات سابقة.  لنتعرف أولاً بشكل سريع على هذه الشركات.

يضم قطاع التأمين العراقي شركتين عامتين للتأمين المباشر، شركة التأمين الوطنية (تأسست سنة 1950 كشركة حكومية) وشركة التأمين العراقية (تأسست سنة 1959 كشركة خاصة)، وشركة واحدة متخصصة بإعادة التأمين هي شركة إعادة التأمين العراقية (تأسست سنة 1960 كشركة حكومية)[2].  وتكتتب شركة التأمين الوطنية ببعض أعمال إعادة التأمين الاختياري وخاصة الأعمال الواردة من شركات التأمين الخاصة.  وفقدت الإعادة العراقية امتياز الحصول على إسناد إلزامي لأعمال التأمين لها من قبل شركات التأمين سنة 1988.  دعوى الاحتكار لا تنطبق على الإعادة العراقية، ولولا وجودها لما كان باستطاعة معظم شركات التأمين الخاصة توفير اتفاقيات إعادة تأمين خاصة بها نظراً لصغر حجم إيراداتها.

إنتاج شركات التأمين العامة فيما يخص تأمين أعمال الوزارات ومنشآت القطاع العام ذو طابع ريعي، بمعنى أن الجهد المبذول في الإنتاج إما أن يكون معدوماً أو صغيراً.  وقد أشرنا إلى ذلك في مقالة سابقة:

يمكن النظر إلى الشركات العامة على أنها تتمتع بريع بفضل موقعها.  فرغم وجود شركات تأمين خاصة منذ سنة 2000 فإن الموقع الريعي للشركات العامة هو من إرث الماضي ونعني به إرث رأسمالية الدولة.  فبحكم العادة تلجأ منشآت القطاع العام إلى الشركات العامة لشراء وثائق التأمين.  هذا رغم أن قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (المادة 81) ينص على استدراج العروض في تأمين الأصول العامة.[3]

وقد تجد مؤسسات القطاع العام ما يبرر تصرفها في مجال شراء السلع والخدمات (ومنها الحماية التأمينية) ما يقضي به قانون الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنة المالية 2012.  فالمادة 29 – أولاً تنص على التزام “الوزارات الاتحادية والمحافظات والجهات غير المرتبطة بوزارة في شراء احتياجاتها من منتجات الوزارات الاتحادية على ان لا تقل القيمة المضافة لهذه المنتجات المجمعة والمصنعة عن(25%) من الكلفة الاستيرادية لها وعلى ان لا تكون اسعار المنتجات المحلية اعلى من مثيلتها المستوردة بنسبة تزيد عن (10%)، مع مراعاة مواصفات النوعية والجودة.”

التأمين وإعادة التأمين هو أحد منتجات وزارة المالية الاتحادية.  وهكذا فإن “الوزارات الاتحادية والمحافظات والجهات غير المرتبطة بوزارة” قادرة على “شراء احتياجاتها [التأمين وإعادة التأمين] من منتجات الوزارات الاتحادية [شركات التأمين وإعادة التأمين التابعة لوزارة المالية الاتحادية].”

ويعزز هذا الوضع ما ورد في المادتين 38 و 39:

المادة ـ38ـ اولاً:

لا يعمل بأي قرار مخالف لهذا القانون ولا تتحمل الخزينة العامة الاتحادية اي اعباء مالية لهذا القرار مالم يكتسب الشرعية القانونية ويصادق عليه في مجلس النواب.

المادة -39

على الوزراء ورؤساء الجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظين ورؤساء المجالس المحلية والبلديات والجهات المعنية تنفيذ هذا القانون.

لكن فاعلية هذه الأحكام تحتاج إلى إصدار تعليمات تنفيذية مفصلة كما تقضي بذلك المادة التالية:

المادة -51-

على وزير المالية الاتحادي بالتنسيق مع وزير التخطيط الاتحادي اصدار التعليمات اللازمة لتسهيل تنفيذ احكام هذا القانون.

وحسب علمنا لم تصدر، حتى كتابة هذه الورقة، ما يفيد إصدار التعليمات اللازمة بخصوص شراء التأمين وإعادة التأمين من شركات التأمين العامة.  إصدار مثل هذه التعليمات ضرورية نظراً لأن تعليمات تنفيذ موازنة عام 2012 لا تتضمن أحكاماً بشأن التأمين وإعادة التأمين فالمادة 3 – أحكامعامة: صلاحياتالشراء، القسم الثاني، تعليمات تنفيذ الموازنة العامة الاتحادية لسنة 2010 تنصب على شراء السلع المصنعة محلياً “من القطاع الخاص أو القطاع المختلط إذا اعتذر القطاع العام عن ذلك خلال مدة سبعة أيام ..”[4]  ونلاحظ هنا أن النص هو عن “سلع مصنعة” وهي ليست، بالمعنى الضيق للكلمة، مطابقة للخدمات ومنها خدمات التأمين وإعادة التأمين.

من مصلحة شركات التأمين العامة والخاصة، على حد سواء، وكذلك ديوان التأمين، الاهتمام بهذا الموضوع كي لا تضام الحقوق المنصوص عليها في القوانين، وكي تتأسس الممارسات الخاصة بشراء التأمين وإعادة التأمين على قواعد قانونية سليمة واضحة.

وضمن معايير إدارة الخطر (تشخيص مصادر الخطر، وتقييمها والسيطرة عليها بوسائل هندسية وغيرها، والتفكير بعد ذلك بتحويل العبء المالي للأخطار عند تحققها لشركات التأمين) فإن شركات التأمين العامة، وضمن المعايير السائدة في قطاع التأمين العراقي، بالنسبة للوزارات الاتحادية والمحافظات والجهات غير المرتبطة بوزارة، هي الأفضل والأكفأ مالياً بين شركات التأمين العراقية.  الشركات العامة، ككيانات اقتصادية، أثبتت فعاليتها كمؤسسات ذات تمويل ذاتي بموجب قانون الشركات العامة رقم 22 لسنة 1997.  فلم تتعرض طوال تاريخها الذي يزيد عن نصف لعجز مالي، ولم تتعكز على خزينة الدولة لتمويل نشاطاتها، ولم تقترض من وزارة المالية، أو من المصارف، لتسديد رواتب العاملين فيها.  وهي في ذلك تختلف عن معظم الشركات العامة كتلك التي تعمل في قطاع الصناعة.  وكذلك هي الأفضل في تطبيق الأسس الفنية في الاكتتاب وخاصة في شركة التأمين الوطنية.  ولها احتياطيات مالية كبيرة لا ترقى إليها شركات التأمين الخاصة في الوقت الحاضر.

ربما ان ما يدفع الوزارات الاتحادية والمحافظات والجهات غير المرتبطة بوزارة إلى شراء احتياجاتها من التأمين من الشركات العامة هو ، كما ذكرنا، توارث الممارسة بهذا الشأن في التوجه تلقائياً نحو لهذه الشركات.  لكن هذا الدافع لم يخضع للدراسة.  ولعله من المفيد هنا أن نشير إلى أن وظيفة شراء التأمين في الوزرات والمحافظات، في أحسن حالاتها، تترك للقسم القانوني أو المحاسبي أو تناط بأحد المدراء أو المهندسين – كما هو الحال بالنسبة للعقود الإنشائية.  فالوزارات العراقية والمحافظات وشركات القطاع العام وغيرها من المؤسسات الرسمية لا تمتلك قسماً مختصاً بإدارة الخطر والتأمين يقوم، بين أمور أخرى، بالمقارنة بين شركات التأمين فيما يخص أسعار التأمين ونوعية الخدمات.  ولا يختلف الوضع بالنسبة لشركات القطاع الخاص.  الأسلوب العصري في شراء الحماية التأمينية، من خلال استدراج العروض التنافسية مثلاً، لا يجد له حضوراً لدى جميع الشركات الكبيرة، العامة والخاصة.  وبما ان “العادات قاهرات” فإن معظم الشركات تلجأ إلى شركة التأمين التي تعاملت معها في وقت سابق وبدوافع لم تلق اهتمام الدارسين.

ومن منظور تطوير قطاع التأمين العراقي فإن شركات التأمين العامة، وبخاصة شركة التأمين الوطنية، تحاول زيادة الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الأقساط المكتتبة رغم أن جهودها لا يقترن بالنجاح دائماً.  فهناك حالة الشركات النفطية العالمية التي تشترط على أدنى احتفاظ، وعلى عدم الاستفادة من طاقة اتفاقيات إعادة التأمين التي تديرها شركة إعادة التأمين العراقية، يضاف إلى ذلك استثناء التأمين على أعمال الطاقة (النفط والغاز) من هذه الاتفاقيات.  لكننا لا نعرف على وجه الدقة إن كان هناك تصور تضامني واضح من لدن الوزارات الاتحادية والمحافظات والجهات غير المرتبطة بوزارة في تنظيم سياسة لشراء التأمين تصبُّ في تطوير الاقتصاد العراقي من خلال تعظيم مكانة قطاع التأمين، وبالأخص سياسة تميل إلى تقليل الاعتماد على الريع النفطي.

حسب المعطيات الاحصائية المتوفرة فإن شركات التأمين العامة هي الأكثر نمواً بين شركات التأمين.  وكما ذكرنا في مقالة سابقة فإن ربط التطور البطيء لشركات التأمين الخاصة بوجود شركتي التأمين العامتين ليس صحيحاً.  فهل ان ضعف الشركات الخاصة هو حقاً بسبب وجود الشركات العامة؟  ترى “لو اختفت الشركتان بصفتهما الحالية وتحولتا إلى شركات مخصخصة هل سيتغير وضع شركات التأمين الخاصة؟  لا نعتقد ذلك إذ أن الخصخصة ربما تعزز من مكانتهما من حيث الإنتاجية، وتقليص التكاليف (التخلص من العمالة الفائضة)، وإدخال تقنيات جديدة لإدارة الأعمال والتسويق والبيع.  العائق أمام شركات التأمين الخاصة ليس وجود هاتين الشركتين، ومن الضروري لذلك التعمق في البحث لاكتشاف مكامن الخلل أو القصور.”[5]

عندما أصدر ديوان التأمين العراقي التعليمات رقم (15) لتحديد رأس المال المقرر بخمسة مليارات دينار (بالنسبة لشركات التأمين القائمة) وخمسة عشر مليار دينار (بالنسبة للشركات التي تؤسس بعد تاريخ نفاذ هذه التعليمات) بغض النظر عن ملكية هذه الشركات، أكانت التعليمات تقويضاً لمكانة الشركات الخاصة أم الدفع باتجاه تكوين كيانات تأمينية قوية مالياً؟

نفترض، اعتماداً على الممارسات في أسواق التأمين القائمة على التنافس، أن يهتم طالب التأمين، فرداً كان أو شركة خاصة أو عامة أو مؤسسة حكومية، بكلفة التأمين، ونوعية الخدمة التي تقدمها شركات التأمين، ودور هذه الشركات في تحسين نوعية الخطر المؤمن عليه (التوسع في الخدمة التأمينية، ومن منظور إدارة الخطر، ليشمل تقديم الاستشارة للمؤمن له في منع وقوع الخسارة أو التخفيف من حدتها – وهو الذي يأتي من خلال الكشف الموقعي على الأصول المؤمن عليها مثلاً أو من خلال وضع اشتراطات معينة)، وكذلك توفير منتجات تأمينية مبتكرة (وثائق تأمين) لمواجهة أخطار مستجدة.

من هي الأوفر حظاً في خدمة طالب التأمين في هذا المجال ضمن الواقع الحالي لقطاع التأمين العراقي؟  شركات التأمين الخاصة أم شركات التأمين العامة؟  إن كانت الشركات لا تمتلك الأدوات المهنية المناسبة للاستجابة وإن كان طالبي التأمين غير آبهين لما تقدمه الشركات من خدمات (ونحن نعتقد بأن الطرفين متخلفان) فإننا إزاء معضلة حقيقة – كيف ومتى نستطيع إذاً تطوير قطاع التأمين العراقي؟  سؤال مطروح على ممارسي التأمين في العراق.

لندن 19 تشرين الأول 2012


[1] مصباح كمال، “كلام عن شركات التأمين الخاصة، مرصد التأمين العراقي:

iraqinsurance.wordpress.com/2012/09/18/362/

[2] ضم مؤسسي الشركة وزير المالية نيابة عن الحكومة العراقية، مدير عام مصلحة الموانئ العراقية، مدير عام شركة التأمين الوطنية، مدير عام مصرف الرافدين، مدير السكك الحديدة العام.  أنظر: د. عبدالباقي عنبر فالح، فاروق حبيب الملاك، عبدالرحمن مصطفى طه، إدارة التأمين (جامعة البصرة، 1990) ص 61.

[3] مصباح كمال، “هل هناك مشروع لإعادة هيكلة شركات التأمين العامة؟ تمهيد لمناقشة موسعة،” مجلة الثقافة الجديدة، العدد 346، 2011.  وكذلك مجلة التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/01/restructuring-state-owned-insurance.html

[4] تعليمات تنفيذ الموازنة العامة الاتحادية لسنة 2010

http://www.iraq-lg-law.org/ar/webfm_send/130

[5] مصباح كمال، “كلام عن شركات التأمين الخاصة،” مرصد التأمين العراقي

http://iraqinsurance.wordpress.com/2012/09/18/362/

Whatever Happened to Insurance in Iraq Finance 2012

الإشارة لقطاع التأمين في المؤتمر المالي العراقي 2012

قراءة نقدية سريعة للموقف الرسمي

مصباح كمال

تقديم

برعاية من رئيس الوزراء، نوري المالكي، عقد في لندن في الفترة من 18-19 أيلول 2012 المؤتمر المالي العراقي بدعوة من شركة سايمكسو المحدودة Symexco Ltd، وهي شركة متخصصة بتنظيم المؤتمرات والمعارض ويديرها مجموعة من العراقيين البريطانيين، مقرها في لندن.  وقد شارك في المؤتمر حشد كبير من الوزراء العراقيين وكبار المسؤولين وآخرين من قطاع المال والأعمال.

غياب ورقة عراقية عن النشاط التأميني

ربما كان بإمكان الشركة المنظمة للمؤتمر دعوة رئيس ديوان التأمين العراقي الحالي بالوكالة أو رئيس جمعية التأمين العراقية أو مديرها المفوض، أو رئيس مجلس إدارة مصرف الرافدين ضياء الخيّون الذي شارك في المؤتمر، وكان قد شغل موقع رئيس الديوان بالوكالة عدة سنوات، للمشاركة بورقة حول قطاع التأمين، وبهذا تكون قد استكملت مجالات المناقشة للقطاع المالي بشقيه المصرفي والتأميني مع الخدمات الساندة لهما.

عقد المؤتمرات في الخارج

المناقشات التي تجري في هذه المؤتمرات هي بين أطراف يصفها البعض بأنهم اعضاء في جمعية إعجاب متبادلة mutual admiration society ولا يُنقل ما هو اساسي من الناحية الفنية والفكرية في هذه المؤتمرات إلى الصحافة العراقية كي تكون موضوعاً للمناقشة العلنية العامة، وهي مصدر أساس في غياب المجلات المتخصصة.  لو عُقد مؤتمر كهذا في العراق لكان عدد كبير من المختصين داخل العراق، ممن لا يُرشحون للإيفادات، قد استفاد منه، ولكان بالإمكان توفير مبالغ كبيرة لخزينة الدولة.[1]

هل كان التأمين، يتيم القطاع المالي، حاضراً في المؤتمر؟

في إعلانها المنشور عن المؤتمر ودعوة المشاركة فيه ذكرت الشركة المنظمة له المجالات الرئيسية التي ستناقش في المؤتمر من خلال 12 سؤال آخرها كان عن التأمين:[2]

12 – ما هي الخطوات المطلوبة لتحديث وتطوير قطاع التأمين العراقي؟

وقد وزعت الشركة مذكرة شكر للمؤتمرين باللغة الإنجليزية مع ترجمة عربية تضمنت التوصيات التالية، التي تمخضت عن هذا المؤتمر:

  1. رحب المؤتمر بالإصلاحات المســتمرة واعادة هيكلية البنوك الحكومية وتحويلها الى شركات ذو رساميل مستقلة ودعى بالتزام القوي لعمل البنوك الحكومية المستقل.
  2. رحب المؤتمر بإزالة القيود على المؤســسات الحكومة وتلك المرتبطة بها في تعاملها مع البنوك الاهلية.
  3. دعى المؤتمر الى تقليص اجراءات تسجيل الشركات، والمدد اللازمة لذلك والاسراع في اقرار قانون موحد للشركات وتقليل الصعوبات ومتطلبات التسجيل.
  4. دعى المؤتمر لتطوير قطاع المحاسبة والادارة المالية وتشـــجيع اعدادا متزايدة من المحاسبين المدربين الى المستويات والمعايير العالمية
  5. دعى المؤتمر البنك المركزي للنظر في كلفة عمليات التحويل المالية والوساطات وازالة تشوهات السوق المالية.
  6. دعى المؤتمر لتأسيس صندوق للاستثمار الوطني لدعم تمويل المشاريع البنية التحتية للأقاليم والمحافظات ودعم تمويل مشاريع المشاركة للقطاع العام والخاص.  واقترح المؤتمر ان يصدر هذا الصندوق سندات خاصة تسوق للبنوك العراقية وعامة الجمهور.
  7. دعى المؤتمر الحكومة العراقية بالقيام بتأسيس بنوك الاعمار للأقاليم والمحافظات بالشراكة مع حكومات الاقاليم والمحافظات والقطاع الخاص العراقي والمؤســـسات الاجنبية لدعم استثمارات القطاع الخاص.
  8. دعى المؤتمر الحكومة لوضع الهيكلية التشريعية والتنظيمية للنظام المصرفي الاسلامي في العراق ليكون نظام موازي للنظام المصرفي الحالي.

ونلاحظ في هذه التوصيات غياب الإشارة إلى “الخطوات المطلوبة لتحديث وتطوير قطاع التأمين العراقي” التي وردت في الإعلان عن المؤتمر.

ولأننا لم نحضر هذا المؤتمر فلا ندري إن تمت مناقشة تحديث وتطوير قطاع التأمين، ولم نطلع في متابعتنا لأخبار المؤتمر في بعض الصحف العراقية ما يفيد أن قطاع التأمين أخذ قسطاً من اهتمام المؤتمرين.  وحتى مُذكرة الشكر التي وزعتها الشركة المنظمة للمؤتمر، باللغة الإنجليزية، خلت من أية إشارة للتأمين.

المؤتمر في التعليقات الصحفية ونقد المبالغة في الموقف

لا ننوي في هذه الورقة الصغيرة مناقشة التوصيات المقدمة.  كما لا نناقش ما أوردته بعض وكالات الأنباء العراقية من أخبار هذا المؤتمر ولكننا نتوقف قليلاً مع ما أورده موقع دليل العراق نقلاً عن وكالة انباء أور (مصادر لـ (أور): مؤتمر في لندن لبيع القطاع المصرفي العراقي)، ومع وكالات أخرى.  مصادر وكالة أنباء أور، غير المُعرّفة، لفتتْ الانتباه إلى

ان الاستثمار المرتقب [في القطاع المصرفي العراقي] سيعمل على تطوير قطاع التأمين لربط المواطن بقوانين تجبره على دفع التأمين للشركات الأجنبية على ما يملك من عقار أو سيولة تمهيداً لخصخصة القطاع الصحي والخدمي في المرحلة القادمة من الاجتماعات.[3]

نلاحظ أولاً ضعف الصياغة في هذا الجزء من الخبر، وتشوش المعنى ثانياً وعدم فهم آلية التأمين والقوانين المنظمة له ثالثاً.  لا نعتقد بأن أية حكومة عراقية تجرأ على إجبار مواطنيها بشراء التأمين من شركات تأمين أجنبية كما يرد في هذا الخبر.  لكن التوجهات السياسية لحكومات ما بعد 2003 واضحة فيما يخص الاقتصاد العراقي، وقد عبّر عنها نائب رئيس الوزراء، روژ نوري شاويس، في كلمته أمام المؤتمر كما يلي:

لدينا قناعة تامة بأن العراق سيكون في مقدمة الدول المستقطبة للاستثمار في القريب العاجل بعد اجراء التعديلات في القوانين النافذة ذات العلاقة، وفي مقدمتها قانون المصارف، قانون الاستثمار، قانون الضريبة، قانون المعادن، قانون العمل، وقانوني الشركات العامة والخاصة وغيرها، اضافة لمذكرات التفاهم الثنائية التي تبرم بين العراق والدول المهتمة بمستثمريها.[4]

فهذه التوجهات تؤدي ضمنا، من منظور اقتصاد التنمية، إلى الإخلال بالتنمية المستقلة وتهيئة كل ما من شأنه استقدام الاستثمار الأجنبي، المطلب الأكبر للنخبة الحاكمة، وبعضه سيشمل قطاع التأمين العراقي.  وهي توجهات مشكوك في قدرتها على تصنيع العراق أو زيادة القدرات الانتاجية للشركات المحلية.  انه الطريق السهل للخروج، في المدى القصير، بأرقام عن زيادة الاستثمار الأجنبي ومعدلات النمو (كالهوس وراء زيادة الريع النفطي لتغطية الفشل في السياسة الاقتصادية).  هي على أي حال مُوْضَة العصر لكنها لن تحل أزمة الاقتصاد الريعي في العراق.

هذا المؤتمر، حسب ما نقلته وكالة انباء براثا من “مصادر مالية عراقية في تصريحات اعلامية سابقة”:

سيجعل من العراق مصرفاً لتمويل الاقتصادات المفلسة وإنقاذ مصارف أوربا والولايات المتحدة كما هو الحال مع القطاع المصرفي الخليجي، وان عرض المسؤولين العراقيين فرص الاستثمار في القطاع المالي سيمهد لبيع العراق للقطاع المصرفي الاجنبي، ويؤدي بالتالي الى سن قوانين تسهل اختراق الشركات الأجنبية للقطاع المصرفي العراقي، وتحديد المشاريع الأساسية لانطلاق مشروع التغلغل المالي.[5]

ورغم المبالغة في هذا التقييم فإنه يميط اللثام عن سياسة فتح القطاع المالي العراقي ورفع الحماية عنه وعن الصناعة الوطنية وكأن الاقتصاد العراقي صار على مستوى الندية مع الاقتصادات المتقدمة.

وفيما يشبه الرد المباشر على موقف المصادر المالية لوكالة أور، تذكر الوكالة في نفس الخبر:

ان الخبير الاقتصادي في وزارة المالية هلال الطعان قال في تصريح سابق للوكالة الوطنية العراقية للأنباء/نينا: “ان القطاع المالي في العراق يتمثل بالبنك المركزي وسوق الاوراق المالية والمصارف الحكومية والاهلية، لذلك لا يمكن قطعا بيع هذا القطاع الى اية جهة خارجية مهما كانت جنسيتها.

لن نتوقف طويلاً أمام هذا الرد ونكتفي بالقول انه غير مكتمل وفيه تأكيد غير مبرر ضمن توجهات حكومات ما بعد 2003 ولا ينهض به الواقع.  فقد نسي ان القطاع المالي العراقي يضم شركات التأمين (30 شركة تأمين مباشر اثنتان منها فقط مملوكة للدولة وشركة إعادة التأمين العراقية المملوكة للدولة أيضاً).  وهناك جهات خارجية تساهم في رأسمال بعض شركات التأمين الخاصة، ولذلك فإن التأكيد بأنه “لا يمكن قطعا بيع هذا القطاع الى اية جهة خارجية مهما كانت جنسيتها” زعم لا يقوم على دليل.  وكذا الأمر بالنسبة لمشاركة مصارف أجنبية في رأسمال العديد من المصارف العراقية.[6]

“في انتظار البرابرة”

حكومات ما بعد 2003 مازالت في انتظار “البرابرة،” في انتظار من يُقدّم لها من الخارج السياسات والمهارات والمعارف والتقنيات لتنهض بالاقتصاد العراقي، أفرادها يلهثون من مؤتمر إلى آخر بحثاً عن الإرشادات والحلول.  فها هي وكالة كردستان للأنباء تعلن في 18/9/2012 ان “العراق يشارك في المؤتمر والمعرض العالمي المالي في لندن”  وتنقل عن “شاويس من لندن: المؤتمر المالي العالمي فرصة لاستفادة العراق من التجربة البريطانية في مجال المصارف.”[7]  فيما تذكر الوكالة الإخبارية للأنباء ان نائب رئيس الوزراء بحث “مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الاوسط أليستر بيرت وضع القطاع المصرفي في العراق وسبل تطويره.”[8]

لأن النخبة الحاكمة، مع بعض الاستثناءات، فقيرة في إمكانياتها الفكرية المتخصصة وتخاف على مواقعها من عراقيين آخرين إكفاء ولذلك فهي تستهين بهم، وتستمرئ بقائهم خارج دائرة الفعل وفي المنافي.  وهي تفتقر إلى معرفة بالتاريخ الاقتصادي للتنمية في العالم وحتى “طريق 14 تموز”[9]، وتكتفي بأطروحات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الحرة، ومنظمات مجتمع مدني عراقية تخفي مصادر تمويلها، وتوصيات المستشارين الأجانب.  وهكذا يخبرنا نائب رئيس الوزراء:

انا وزملائي العراقيين المشاركين في هذا المؤتمر والذين يمثلون القيادة العليا في صنع القرار الاقتصادي نؤكد لكم بأن الاصلاحات ستأخذ مداها لبناء العراق الجديد، وان يكون هذا البناء وفق المعايير الدولية وبما يضمن مصلحة كافة الاطراف (مصلحة العراق والمتعاملين معه) ويصون ثروات البلاد ويحقق للمواطن العراقي الرخاء والتقدم والحياة المرفهة الكريمة.  وان أملنا كبير بمسعاكم معنا في ذلك.

الإصلاحات (الخصخصة)، المعايير الدولية (فتح السوق)، مصلحة كافة الأطراف (التكافؤ بين الضعيف والقوي) – هي بعض من مفردات خطاب الليبرالية الجديدة التي يرددها العديد من أفراد النخبة الحاكمة في الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ومجلس النواب والمؤسسات الرسمية الأخرى إضافة إلى طابور المنتفعين من المؤسسات والأفراد.

ويضع نائب رئيس الوزراء أمله في “البرابرة” بعد أن وصف لنا الاقتصاد العراقي مترجماً من الإنجليزية:

إن الظاهرة الهامة التي يتصف بها الاقتصاد العراقي حاليا تتمثل ……

موارد نفط جيدة وبتزايد — بطالة كبيرة — تحت المستوى المطلوب [هكذا ورد في النص المنشور]

وهذا يتطلب منا ايجاد الصيغ والوسائل الكفيلة بتحريك الموارد لتشغيل اليد العاملة لإصلاح وتحديث البنية التحتية بما يتناسب ومتطلبات العراق الجديد، وبالتأكيد يتعذر تحقيق ذلك بالإمكانيات والخبرات المتاحة في العراق حاليا، ولابد من الاستعانة بالخبرات والإمكانيات والتكنلوجيا الخارجية، التي تمتلكها الدول المتقدمة والشركات العالمية وكبار المستثمرين من أصحاب الخبرة والمال كالنخبة التي نلتقي بها في هذا المؤتمر لتغذية متطلبات هذه المشاريع وبضمانات مقبولة لجميع الاطراف.

يتيم القطاع المالي

تضمن كلمة نائب رئيس الوزراء 45 كلمة حول التأمين من مجموع 1,310 كلمة أي ما يقرب من 3.44% وهذه النسبة أكبر بكثير من نسبة حجم أعمال التأمين المكتتبة قياساً بموازنة الدولة التي تقدر بحوالي 110 مليار دولار.  تضمنت فقرة التأمين في كلمته الآتي:

وبقدر تعلق الامر بقطاع التامين، فأن الجزء الاكبر من النشاط (على غرار المصارف) ينحصر بثلاث شركات حكومية انشأت قبل عقود من الزمن وقد تم خلال السنوات الاخيرة تأسيس عدد من شركات التامين الاهلية الا انها لازالت في بداية النشاط وبرؤوس اموال صغيرة نسبيا.

قد تكون هذه أول إشارة رسمية من سياسي عراقي، عضو في الحكومة الحالية، إلى قطاع التأمين.  نائب رئيس الوزراء يستحق من العاملين في القطاع الشكر على اهتمامه بقطاع التأمين رغم انه لم يتجاوز حدود الوصف، وله مآرب أخرى من خلال هذا الوصف – بعضها يتضمن الإدانة لتأميم شركات التأمين سنة 1964 والبعض الآخر يمهد للخصخصة ومشاركة الشركات الأجنبية في القطاع المالي ومنه التأمين.[10]  ولا يتبين من هذا الوصف موقف الحكومة الحالية من نشاط التأمين إلا ان المماثلة بين المصارف وشركات التأمين الحكومية تدفعنا إلى القول أن نائب رئيس الوزراء ربما يقيّم قطاع التأمين، في وضعه الحالي، كما قيّم المصارف:

ان هذا التطور في عدد المصارف والفعاليات الساندة لها لم يصاحبه تطور في الاداء والتوسع في الأنشطة المصرفية ليجعلها على الاقل بمستوى مصارف الدول الاقليمية، وان الجهود لازالت مكثفة للارتقاء بأداء هذه المصارف، لتكون عونا في تحقيق برامج الاستثمار والتنمية في ظل الزيادة المتوقعة في عوائد صادرات النفط التي من المؤمل ان تصل الى (6) مليون برميل في عام 2017 (اي بزيادة تفوق الضعف بما هي عليه حاليا – عام 2012) وبالتأكيد (سيستخدم الجزء الاكبر من هذه العوائد لتغطية احتياجات المواطن العراقي) [الحصر بين قوسين والتأكيد ورد في النص المنشور] الذي لايزال يعاني من نقص خدمات البنية التحتية في العديد من المرافق.

ما لم يترجم الريع النفطي نفسه في وحدات اقتصادية انتاجية جديدة (صناعية وزراعية وغيرها) تتجه نحو شراء الحماية التأمينية فإن شركات التأمين العراقية لن تستفيد من زيادة العوائد النفطية كما هو الحال في الوقت الحاضر.  فعقود التراخيص النفطية لم تؤدي إلى طفرة في أقساط التأمين التي تكتتب بها شركات التأمين.  وما لم يتم البحث عن أسباب هذا الوضع فإن المستقبل ربما لن يكون أفضل لهذه الشركات، ولن يفيد سحر الإصلاح الاقتصادي (إعادة الهيكلة والخصخصة) في تغييره.[11]

ولم يعرج نائب رئيس الوزراء ثانية على موضوع التأمين رغم أنه ذكر في بداية كلمته:

طالما ان موضوع مؤتمرنا اليوم هو الخدمات المالية والمصرفية في العراق والتي تعتبر احدى الركائز الاساسية لأي نظام اقتصادي، فلابد من استعراض لهذه الخدمات بما كانت عليه ووضعها الحالي وآفاقها المستقبلية.

وهكذا حرمنا من استعراض خدمات التأمين “بما كانت عليه [1964-2003] ووضعها الحالي [2003-2012] وآفاقها المستقبلية.”  فقد كان بإمكانه مقارنة حجم إنتاج الشركات في الماضي والحاضر، أو كان سيخبر مستمعيه عن عدد الشركات في الوقت الحاضر وفوضى التنافس على الأسعار وتدهور المعايير الفنية في اكتتاب الأخطار.  وهذا يدل على شحة الاهتمام الرسمي بالنشاط التأميني وربما التقليل من دوره كركيزة للنظام الاقتصادي (تمويل الخسائر المادية والمساهمة في تكوين أرصدة للاستثمار).

التأمين: من سيتبنى هذا اليتيم؟

نأمل أن لا تظل إشارة نائب رئيس الوزراء الرسمية للتأمين يتيمة لا تلقى الاهتمام النقدي من لدن العاملين في قطاع التأمين، والحكومة، ومجلس النواب ومن المؤسسات الرسمية ذات العلاقة بالقطاع.  في مقالتي “تعليق على غياب التأمين في برنامج الحكومة للسنوات 2011- 2014″ ذكرت “أن قرارات وبرامج الحكومات والأحزاب السياسية، وخاصة تلك المعروضة أثناء الانتخابات البرلمانية العامة والمؤتمرات، توفر الفرصة للقطاع، أفراداً وكيانات، لإبداء موقف منها.  لكن شيئاً من هذا التمني لم يجد له تعبيراً في الواقع، وهكذا بات علينا، مرة أخرى، أن نرصد ونعلق على أمر ذو علاقة بقطاع التأمين، ولنُذكّر بعضنا بأهمية الإعلان عن قطاع التأمين للحكومة والصحافة من خلال إبداء المواقف تجاه قضايا تمس القطاع مباشرة أو بصورة غير مباشرة.  إعلان المواقف من شأنها أن تساهم في تعزيز الوعي بالتأمين.”[12]  كما من شأنها أن تساهم في بلورة سياسة لقطاع التأمين العراقي وتعزيز سوق وطني اتحادي للنشاط التأميني.

لندن 12 تشرين الأول/أكتوبر 2012

ملحق

 

في انتظار البرابرة

 

قسطنطين كفافي (1863-1933)

ترجمة سعدي يوسف

ما الذي ننتظرُ، في الساحةِ، مُزدحمين؟
البرابرة ُسيصلونَ اليوم.
ولِمَ مجلسُ الشيوخِ مُعطَلْ؟
الشيوخُ لا يشترعون القوانين
فلم هُمْ جالسونَ هناك إذنْ؟
لأن البرابرةَ يَصِلون اليوم.
أي قوانين سيشترعها الشيوخ الآن؟
عندما يأتي البرابرة، سيسنون هم القوانين.

لِمَ يستيقظ إمبراطورنا، مُبكراً هكذا؟
ولِمَ يجلس الآن مُعتليا عرشه، مُعتمرا تاجه
عند البوابة الكبرى للمدينة؟
لأن البرابرة يصلون اليوم.  والإمبراطور ينتظر استقبالَ قائدهم.
والحق أنه تهيأ ليوجّه إليه خطبة
خلعَ عليه فيها كل الأسماء و الألقاب.

لم خرج قنصلانا معا، والقضاة
بأقبائهم الحمر، وأقبائهم المزركشة؟
لم هذه الأساور، وكل هذا الحجر الكريم،
كل الخواتم ذات الزمرد المتألق؟
لم يحملون اليوم صولجاناتهم الثمينة؟
ذات المقابض الفضة، والنهايات الذهب؟
لأن البرابرة سيصلون اليوم
وأشياء كهذه تدهش البرابرة.

لم لم يأت الخطباء، المفوهون، هنا، كالعادة
ملقين خطبهم، قائلين ما ينبغي أن يقولوا؟
لأن البرابرة سيكونون اليوم، هنا
وهم يسأمونَ البلاغة والفصاحة.
لم هذا الضيق المفاجئ، والإطراب؟
لِمَ غَدتْ عابسة وجوه القوم؟
لِمَ تخلو الشوارع و الساحات، سريعا ؟
والكل يعود إلى داره، غارقا في الفكر؟
لأن الليل قد هبط، ولم يأتِ البرابرة.
ولأن أناسا قدِموا من الحدود
وقالوا أن ليس ثمة برابرة.

والآن … ماذا نفعل بدون برابرة؟
لقد كان هؤلاء نوعا من حل.


[1] ذكرت شفق نيوز، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2012 أن “المالكي يشكل لجنة فنية لإعادة النظر في إيفادات الوزارات ويطرح خطة عكسية.”  http://www.iraqicp.com/2010-11-22-05-28-38/24829-2012-10-08-08-05-47.html

“شفق نيوز/ كشف مصدر مقرب من الحكومة العراقية، الاحد، عن تشكيل لجنة فنية لدارسة جميع ايفادات الوزارات وبيان الحاجة لها، مشيرا إلى أن رئيس الحكومة اقترح خطة عكسية تقضي بجلب الخبراء إلى بغداد “مع توفير الحماية الكاملة” بدل ايفاد الموظفين إلى الدول الأخرى.

وقال المصدر الذي طلب عدم الاشارة إلى اسمه لـ”شفق نيوز”، إن “رئيس الحكومة نوري المالكي اوعز بتشكيل لجنة فنية برئاسة ثامر الغضبان كبير مستشاريه لتقديم دراسة عن ايفاد وزارات الحكومة وإعادة النظر فيها”، لافتا إلى أن المالكي “مستاء من كثرة اعداد الموفدين وتكرار الايفادات فضلا عن الاموال المترتبة عن كل ايفاد”.  وأضاف أن “المالكي اقترح على اللجنة تنظيم خطة عكسية تقضي بجلب الخبراء والمعنيين إلى العراق مع توفير الحماية الامنية اللازمة وتخصيص فندق الرشيد في قلب المنطقة الخضراء لسكنهم بدل أيفاد عشرات الكوادر العراقية إلى دول اوروبا”.

ويتحدث سياسيون ونواب من كتل مختلفة عن أن العراق ينفق نحو مليار دولار سنوياً، على إيفادات المسؤولين وموظفي الدولة، بالرغم من أن مصادر حكومية لم تؤكد الموضوع.”

[2] مجالات النقاش التي حددتها الشركة المنظمة للمؤتمر هي:

  1. What opportunities are available for investment in banking and financial services in Iraq?
  2. Recently the Iraq government introduced many new financial reforms; how will these affect international investment in Iraq?
  3. What are the challenges and the priority areas of reform moving forward?
  4. How should Iraq respond to the global financial crisis?
  5. What role should Iraq’s banks play in the country’s regeneration and redevelopment?
  6. How should the operations of Iraq’s state-owned banks be improved and developed?
  7. What needs to be done to encourage the development and growth of private banks?
  8. What obstacles are impeding business and consumer access to finance?
  9. How should large-scale infrastructure projects be financed?
  10. How banking and supervisory regulation should be improved?
  11. What reforms are needed to capital markets and the growth of the Iraq Stock Exchange?
  12. What steps are required to modernize and upgrade the Iraqi insurance sector?

[4] موقع مكتب نائب رئيس الوزراء: http://www.dpm-rshaways.iq/ArticleShow.aspx?ID=239

كُتبت كلمة نائب رئيس الوزراء باللغة الانجليزية، ربما من قبل مستشار أجنبي وهو ما نعتقد لأنه يضم مصطلحات ومفاهيم دارجة لدى دعاة الليبرالية الجديدة.  ونزعم بأنه لم يُحرره للتخلص من بعض عيوب الترجمة.  هناك إذن من يفكر نيابة عنه وعن زملائه في الحكومة ويرسم السياسات.

تذكرنا هذه الكلمة، وغيرها من التصريحات الرسمية بقصيدة “في انتظار البرابرة.”  أنظر الملحق.

[5] حيدر علي جواد، “البنك المركزي: مؤتمر المصارف في لندن دعا لتعديل قانون الاستثمار في العراق،” 23/09/2012 وكالة أنباء براثا: http://burathanews.com/news_article_170527.html

[6] زهير علي اكبر، “مشروع فتح فروع للمصارف الاجنبية أو مشاركتهم للمصارف العراقية بمدينة البصرة،” البنك المركزي العراقي (د. ت.): http://www.cbi.iq/documents/zuhair4.pdf

[9] د. إبراهيم كُبّه، هذا هو طريق 14 تموز: دفاع إبراهيم كبه أمام محكمة الثورة (بيروت: دار الطليعة، 1969).

فيما يخص النشاط التأميني، ضمن تطبيق السياسة التجارية الجديدة لوزارة الاقتصاد يذكر د. إبراهيم كبه “وقف أعمال شركات التأمين الأجنبية ذات العلاقة بإسرائيل أو المخالفة لقانون شركات التأمين.” (ص 57).   وعند عرضه للاتفاقية العراقية-السوفياتية يذكر التالي: “يجري تسليم المعدات والمكائن والمواد في الموانئ العراقية (سيف).” (ص 82).  ويصف القرض السوفياتي بانه “تكنيكي صرف قائم على تقديم عدد من وسائل الانتاج وطرق الانتاج والخبرات التكنيكية والتدريب الفني.” (ص 85).

[10] مصباح كمال: “هل هناك مشروع لإعادة هيكلة شركات التأمين العامة؟ تمهيد لمناقشة موسعة ”الثقافة الجديدة،” العدد 346، 2011

[11] مصباح كمال، “ملامح من محنة قطاع التأمين العراقي،” مرصد التأمين العراقي

http://iraqinsurance.wordpress.com/2012/03/07/dilemma-of-iraqs-insurance-sectpr/

Iraqi Cabinet Secretariat on Social Security & Takaful

الأمانة العامة لمجلس الوزراء والتأمين الاجتماعي والتكافل الاجتماعي

مصباح كمال

قرأنا في نيسان خبراً قصيراً أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء في جلستها العاشرة برئاسة الامين العام علي العلاق “ناقشت موضوعي التأمين الاجتماعي وانشاء صندوق للتكافل الاجتماعي”.  ونقل البيان عن العلاق قوله إن “ثقافة التأمين لابد أن تسود بين أفراد المجتمع لما لها من مردودات إيجابية في الجوانب الإقتصادية والإجتماعية.”[1]

ثم قرأنا بتاريخ 22 أيلول 2012 في حوار مع الأمين العام للأمانة العامة لمجلس الوزراء ما يبدو متمماً للخبر أعلاه:

وفي معرض سؤاله حول الإصلاحات المرتقبة، وهل ستشمل مفاصل أمانة مجلس الوزراء، أكد أن أي إصلاحات فيها تطوير وتحسين أداء العمل ستكون الأمانة معها، شريطة أن تنطلق هذه الإصلاحات من منطلقات موضوعية وعلمية، وسنستجيب إليها، منوها انه “على مستوى الكتل السياسية هناك انطباع ايجابي عن الأمانة بشكل عام”.

وأضاف العلاق “بشان مشروع إنشاء صندوق الأمانة العامة للتكافل الاجتماعي، وموضوع التامين الاجتماعي، هناك صندوق للتامين العام والصحي، وبعد دراسات مطولة تم الاتفاق مع شركة التامين الوطنية، ووقعنا معهم بوليصة لتامين الموظفين في الأمانة”، داعيا مؤسسات الدولة إلى أن تخطو هذه الخطوة، التي تحتوي على مزايا كثيرة”.[2]

ليس واضحاً في هذين الخبرين ما هو الفرق بين التأمين الاجتماعي و صندوق التكافل الاجتماعي، أو كما يرد في الخبر الثاني صندوق الأمانة العامة للتكافل الاجتماعي.  هل ان التأمين الاجتماعي هو للمواطنين كافة والتكافل الاجتماعي لفئات معينة كمنتسبي الأمانة العامة لمجلس الوزراء.  ثم ان العلاق يشير إلى وجود صندوق للتامين العام والصحي.  ترى هل ان هذا صندوق واحد أم صندوقين أحدهما للتأمين العام (لا نعرف إن كان المقصود منه التأمين العام لممتلكات الدولة الاتحادية) والآخر للتأمين الصحي (لا نعرف إن كان هذا التأمين يشمل المواطنين كافة أم فئات معينة في أجهزة الدولة).  ونميل إلى أن التأمين الصحي هو لموظفي الأمانة العامة لمجلس الوزراء الذي تحقق، كما يقول العلاق “بعد دراسات مطولة” “مع شركة التامين الوطنية، ووقعنا معهم بوليصة لتامين الموظفين في الأمانة.”

نتوقف قليلاً هنا مع الدراسات المطولة (حقاً؟) مع شركة التأمين الوطنية التي تتوجت بشراء التأمين منها .  هذه الدراسات المطولة ليست منشورة، ولن تظهر للعلن بفضل السرية المعروفة في الممارسة التأمينية في الحفاظ على المعلومات المقدمة من قبل طالب التأمين لشركة التأمين.  وتظل هذه المعلومات مُحصنة إلا إذا تدخل القضاء للإعلان عنها.

يفرح المرء لتوسيع دائرة الاستفادة من حماية التأمين، المتوفرة لدى شركات التأمين العراقية، لتشمل موظفي جهاز حكومي محدد، فهي بداية جيدة ربما تؤشر على تطور في شراء التأمين من قبل مختلف مؤسسات الدولة سواء مل تعلق منه بالتأمين على المنتسبين أو الممتلكات العامة.  لكن السؤال الكبير الذي ينهض هنا هو: لم قامت الأمانة العامة لمجلس الوزراء بحصر التأمين على موظفيها لدى شركة التأمين الوطنية، وهي شركة عامة مملوكة للدولة.  يثار السؤال لأن قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (المعروف بالأمر رقم 10) ينص في المادة 81-ثالثاً على ما يلي:

ثالثا – يجري التامين على الاموال العامة والاخطار التي ترغب الوزارات او دوائر الدولة في التامين ضدها بالمناقصة العلنية وفقا لأحكام القانون ولجميع المؤمنين المجازين في العراق حق الاشتراك فيها.

في ضوء هذا النص فإن ما قامت به الأمانة العامة لمجلس الوزراء يقوم على مخالفة واضحة لأحكام القانون ومن حق شركات التأمين الخاصة الاعتراض عليه (ولنا منها 28 شركة عراقية بضمنها تلك الشركات المؤسسة في إقليم كوردستان).  ما قيمة القانون إن كانت الأجهزة الحكومية تجيز لنفسها حرية خرق أحكامه؛ أهي فوق القانون؟  ام أن لها تفسيراً خاصاً للقانون؟

جاء في الأسباب الموجبة لتشريع الأمر رقم 10 ما يلي:

بهدف تنظيم قطاع التامين والاشراف عليه بما يكفل تطويره وتامين سوق مفتوح وشفاف وامن ماليا وتعزيز دور صناعة التامين في ضمان الاشخاص والممتلكات ضد المخاطر لحماية الاقتصاد الوطني. فقد شرع هذا القانون

تصرّف الأمانة العامة في حصر التأمين مع شركة تأمين تابعة للدولة، بدون مناقصة علنية، يلغي فكرة السوق المفتوح القائم على التنافس بين الشركات، والسوق الشفاف – أي لا يخفي المعلومات عن تصرفات السلطة السياسية لا بل هو في الواقع يلغي فكرة السوق الحديث الذي يستدعي وجود عدة شركات.  وربما يعتبر البعض مثل هذا التصرف شكلاً من أشكال الفساد الإداري.

تلاحظ القارئة والقارئ المفارقة التي خلقها العلاق كما يرد في الخبر:

وفي معرض سؤاله حول الإصلاحات المرتقبة، وهل ستشمل مفاصل أمانة مجلس الوزراء، أكد أن أي إصلاحات فيها تطوير وتحسين أداء العمل ستكون الأمانة معها، شريطة أن تنطلق هذه الإصلاحات من منطلقات موضوعية وعلمية.

نفترض أن إجراء التأمين هو أحد الإصلاحات لتطوير وتحسين أداء العمل المشروط بمنطلقات موضوعية وعلمية.  لقد فشل الأمين العام في الالتزام بهذه المنطلقات وأهمها، في سياق التأمين، هو تطبيق القانون بموضوعية وليس حسب الأهواء.  لو فسرنا الشك لصالحه فربما جاء تصرف الأمانة العامة جهلاً بمتطلبات القانون وهو ما يستوجب التصحيح.

ثم أين يقف هذا الاختيار (أو بالأحرى غياب الاختيار) مع التوجه السياسي والاقتصادي لدى حكومات ما بعد 2003 لتشجيع القطاع الخاص الذي تروج له الحكومة الحالية وأجهزتها وجوقة المُطبلين لهذه الاطروحة في الداخل والخارج؟

ولذلك فإن الأمانة العامة لمجلس الوزراء تخضع للمساءلة فيما أقدمت عليه بشراء التأمين دون الالتزام بالقانون.

وفيما يخص التكافل الاجتماعي سنبقى بانتظار ما سيصدر من قرارات بشأنه من قبل الأمانة العامة لمجلس الوزراء.

ذكر لنا الأمين العام للأمانة العامة لمجلس الوزراء، وبنفس إيجابي يقيني، أن:

ثقافة التأمين لابد أن تسود بين أفراد المجتمع لما لها من مردودات إيجابية في الجوانب الإقتصادية والإجتماعية.

لكن هذه الثقافة لن تسود قريباً بسبب غياب الطلب الفعّال على الحماية التأمينية لدى المواطنين (ضعف الدخل، وغياب تقليد التدبر للمستقبل والاتكال على القضاء والقدر وأسباب أخرى) وحتى غياب الطلب لدى العديد من الشركات العامة والخاصة ومؤسسات الدولة الاتحادية وفي إقليم كوردستان وفي المحافظات.  وكذلك بسبب مزاحمة القيم العشائرية لمؤسسة التأمين.[3]

لعل هذه المقالة تصل إلى الأمين العام للأمانة العامة لمجلس الوزراء ويقوم بالرد على ما ورد فيها وتوضيح الأمور لشركات التأمين العاملة في العراق.

ونتمنى أن يقوم ديوان التأمين العراقي باستقراء الموضوع والتباحث مع الأمانة العامة لمجلس الوزراء وتنبيهها إلى ضرورة الالتزام بأحكام الأمر رقم 10.

كما نتمنى على زملائنا في قطاع التأمين متابعة هذا الموضوع والتوسع في التعليق عليه.

لندن 23 أيلول 2012


[1] اصوات العراق، “الأمانة العامة لمجلس الوزراء تناقش التأمين الاجتماعي وانشاء صندوق للتكافل،” بغداد، 23 نيسان 2012

http://ar.aswataliraq.info/(S(4kefsp45ubaqhmijtx53jj45))/printer.aspx?id=296681

[2] صوت العراق، “في حوار مع [أين] امين مجلس الوزراء يطالب بتفعيل المرحلة الثانية من عملية الترشيق الحكومي ويجدد دعوته لتجميد البرلمان،” بغداد، 22 أيلول 2012.

http://www.sotaliraq.com/iraq-news.php?id=72133#ixzz27JrzurFd

[3] مصباح كمال، “محاولة في بحث بعض الخسائر الافتراضية لقطاع التأمين العراقي،” لندن، 15 أيلول 2012 (ورقة غير منشورة.  من المؤمل أن تنشر في التأمين العربي، مجلة الاتحاد العام العربي للتأمين).

Sadoun Al-Rubaiy Appointed Representative of Private Insurers at Cabinet’s Private Sector Committee

جمعية التأمين العراقية ترشح السيد سعدون الربيعي ممثلاً لشركات التأمين الخاصة لدى لجنة القطاع الخاص في مجلس الوزراء

أعلمت جمعية التأمين العراقية في رسالة مؤرخة في 10 أيلول 2012 إلى لجنة القطاع الخاص في مجلس الوزراء، مع نسخة الى ديوان التأمين، ترشيحها للسيد سعدون مشكل خميس الربيعي، المدير المفوض للشركة الأهلية للتأمين وعضو إدارة الجمعية، ممثلاً عن قطاع شركات التأمين الخاصة العاملة في العراق لحضور اجتماعات اللجنة.

يأتي ترشيح السيد سعدون تعبيراً عن خدماته الطويلة في قطاع التأمين العراقي، ومساهماته في عرض قضايا شركات التأمين الخاصة والدفاع عن مصالحها، وكل ذلك مقروناً بموقف عام يقوم على الموازنة بين مصالح جميع الشركات العامة والخاصة، وعل أهمية تعزيز سوق وطني عراقي للتأمين.

يقول المثل أن اليد الواحدة لا تستطيع التصفيق. لذلك فإن تمثيل مصالح الشركات الخاصة يستدعي تعاون هذه الشركات مع ممثلهم ودعمه بمقترحاتهم.

مصباح كمال

19 أيلول 2012

Remarks on Private Insurance Companies

كلام عن شركات التأمين الخاصة

 

 

مصباح كمال

 

 

تقديم

 

كان بودنا تسجيل بعض الخواطر بعد زيارتنا للعراق في تموز 2012 لكن عملية التسجيل أوصلتنا إلى هذه المقالة التي نطل من خلالها على بعض القضايا التي تمس شركات التأمين الخاصة تستدعي المكاشفة، وهي دعوة موجهة للعاملين والعاملات في قطاع التأمين.

 

احتكار تأمين الأعمال الحكومية: نقد شركات التأمين العامة

تتعرض شركات التأمين العامة إلى نقد، صريح أحياناً ومضمر أحياناً أخرى، من قبل شركات التأمين الخاصة أو من أفراد.  وليس كل هذا النقد يجد طريقه إلى النشر رغم تداوله بين العاملين في قطاع التأمين.  ويتركز النقد الأساسي على احتكار الشركات العامة لتأمين الأعمال الحكومية وبخاصة عقود التراخيص النفطية، وهذه، بفضل حجمها، هي المنتج الأكبر لأقساط التأمين.  ويستند هذا النقد على أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005، كما جاء في مقالة للزميل سعدون الربيعي:

 

ما يؤسف له ما ورد في كتاب وزارة النفط المرقم 958 والمؤرخ في 3/5/2010 الموجهة إلى شركة نفط الجنوب والمتضمن توجيه كافة المقاولين المتعاقدين مع شركة نفط الجنوب لتأهيل وتطوير الحقول النفطية ضمن جولات التراخيص الأولى والثانية التعامل مع شركة التامين الوطنية (حصراً) وبدون منافسة مع الشركات الأجنبية والأهلية.  إن هذا الإجراء يتعارض مع مضمون المادة (81) – ثالثاً من قانون تنظيم أعمال التامين رقم 10 لسنة 2005 والتي تنصُّ على ما يلي: (يجري التامين على الأموال العامة والأخطار التي ترغب الوزارات ودوائر الدولة في التامين ضدها بالمناقصة العلنية وفقاً لأحكام القانون ولجميع المؤمنين المجازين في العراق حق الاشتراك فيها).  كما يتعارض مع إعمام وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي المرقم 4/5/4493 في 31/3/2010 والمعمم بكتاب ديوان التامين رقم 25 في 29/4/2010.  وهذا ما يوضح عدم حصر التامين لدى شركة تأمين حكومية محددة وضرورة التزام جميع الشركات العامة والخاصة بهذا الاعمام.[1]

 

بالنسبة لعقود التراخيص النفطية، تغير الوضع حقاً بعد ان تدخل ديوان التأمين بإصدار تعميم على الشركات النفطية في تشرين الأول 2010، موجه إلى إحدى الشركات النفطية التابعة لوزارة النفط، والتأكيد على الفقرة 3 من المادة 81.  كما أن دائرة التراخيص النفطية أبلغت شركات الوزارة أن يكون التعامل مع التأمين عن طريق المناقصة العلنية كما نص عليه القانون.

 

شركات التأمين العامة لم تضغط على الوزارات والمؤسسات الحكومية للتأمين لديها لكنها ظلت ساكتة عندما توجهت لها الوزارات والمؤسسات ولم تنبهها لمتطلبات القانون.  ولا نعرف إن كانت هناك تصرفات أخرى تُلام عليها شركات التأمين العامة.

 

شركات التأمين الخاصة: التمني والواقع والمستقبل

 

تأسست شركات التأمين الخاصة بفضل قانون الشركات رقم 21 لسنة 1997.  وتم تسجيل أول شركة خاصة للتأمين، شركة دار السلام للتأمين، سنة 2000.  ومنذ ذلك الوقت تزايد عدد الشركات العراقية الخاصة لتصبح حسب آخر إحصاء 29 شركة.

 

من المفترض أن يؤدي ازدياد عدد الشركات إلى زيادة في الانتاج الكلي (زيادة حجم الأقساط المكتتبة)؛ تحسين مستوى ونوعية الخدمات المقدمة لجمهور المؤمن لهم؛ تقديم أغطية تأمينية مبتكرة قائمة بذاتها أو من خلال توسيع نطاق التغطية.  إلا أن الواقع الحالي هو دون هذه الافتراض.  وما يشهده المراقب هو الاكتتاب غير الفني، واشتداد حدة المنافسة المنفلتة، بدافع الحصول على الأعمال.  ومن تداعياته تهريب الأخطار وأقساطها إلى الخارج من خلال إعادة التأمين الاختياري.  إن صحت هذه الملاحظة، فإن الدور الذي تلعبه شركات التأمين الخاصة في تنمية قطاع التأمين ضعيف جداً لا يتعدى توفير فرصة عمالة لعدد قليل من الموظفين وهامش صغير للربح للمساهمين.

 

ومن المفارقات في الوضع القائم أن الشركتين العامتين هما اللتين تحاولان زيادة الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الأقساط المكتتبة رغم أن جهودهما لا يقترن بالنجاح دائماً.  فهناك حالة الشركات النفطية العالمية التي تشترط على أدنى احتفاظ، وعلى عدم الاستفادة من طاقة الاتفاقيات التي تديرها الإعادة العراقية.

 

في ظل هذا الوضع تطلب الشركات الخاصة موقعاً أكبر لكنها لا تمتلك، في الوقت الحاضر، الموارد المالية الكبيرة،[2] والكوادر البشرية المدربة، وربما حتى السياسات الانتاجية المناسبة لإحداث نقلة نوعية في عملها وفي مكانتها من حيث حصتها من حجم الأعمال.  تُوصف بعض هذه الشركات مع الأسف، ومن باب الاستهانة بإمكانياتها، بأنها دكاكين صغيرة للتأمين.  ويأتي هذا الوصف عند التذكير بعدد العاملين[3] في هذه الشركات وأحياناً عند مقارنة رأسمال شركات التأمين.[4]  لكننا قلما نسمع بالمسببات.  على سبيل المثال، ان عدد العاملين يؤثر على مستوى الخدمات؛ أو ان ضعف الضمانة (عدم تدقيق تصنيف المعيد الاختياري ومدى قدرته على تسديد المطالبات عند إعادة التأمين خارج النظام الرقابي) قد يؤدي إلى التفريط بمصالح المؤمن لهم مثلما أن الاكتتاب بأسعار تأمين غير اقتصادية باسم التنافس يقلص من حجم الموارد لمواجهة خطر كبير عند تحققه؛ أو ان تسريب أقساط التأمين يؤثر سلباً على تطور قطاع التأمين العراقي.  وغير ذلك من معايير الحكم على شركات التأمين.

 

ويربط البعض التطور البطيء لشركات التأمين الخاصة بوجود شركتي التأمين العامتين.  هل ان ضعف الشركات الخاصة هو حقاً بسبب وجود الشركات العامة؟  لو اختفت الشركتان بصفتهما الحالية وتحولتا إلى شركات مخصخصة هل سيتغير وضع شركات التأمين الخاصة؟  لا نعتقد ذلك إذ أن الخصخصة ربما تعزز من مكانتهما من حيث الإنتاجية، وتقليص التكاليف (التخلص من العمالة الفائضة)، وإدخال تقنيات جديدة لإدارة الأعمال والتسويق والبيع.  العائق أمام شركات التأمين الخاصة ليس وجود هاتين الشركتين، ومن الضروري لذلك التعمق في البحث لاكتشاف مكامن الخلل أو القصور.

 

صحيح أن الشركتين تتمتعان بالأقدمية في السوق، وكوادرهما هي الأكبر، وربما الأفضل في مجالات معينة، من تلك الموجودة في الشركات الخاصة، ولهما موارد مالية أكبر نسبياً بضمنها رأس المال، وتستفيدان من تقليد لدى الوزارات والمؤسسات الحكومية في شراء التأمين من الشركتين العامتين.  لكن ذلك لا يعفي الشركات الخاصة من مجابهة هذا الواقع مثلما حصل بالنسبة لتأمين عقود التراخيص النفطية.  ما الذي عملته شركات التأمين الخاصة في هذا المجال؟

 

لا نعتقد أن الشكوى من شركات التأمين العامة قائمة على أساس ايديولوجي – نعني خلق مُناخ فكري لتقويض مكانة الشركات العامة.  فقد تأسست شركة التأمين الوطنية كشركة حكومية في العهد الملكي عندما كان سوق التأمين العراقي قائماً على التنافس بين شركات ووكالات أجنبية وشركة عراقية واحدة.  ولم يكن ذلك بدافع اشتراكي فقد ظلت الشركة، طوال وجودها، تعمل كمؤسسة رأسمالية تستهدف الربح كأية شركة تأمين خاصة.  هي من أحد مواريث العهد الملكي التي بقيت عاملة رغم تبدل انظمة الحكم.

 

بعض النقد يتجه صوب استصغار أهمية وجود شركة تأمين عامة، لأنها بيروقراطية مترهلة بطيئة الأداء، تقتل روح المبادرة، وبالتالي فإن الارتقاء بها هو من خلال خصخصتها.  هذا هو الانطباع العام لكنه بحاجة إلى تمحيص.[5]

 

في تصورنا ان شركات التأمين الخاصة لن تحتل موقعاً مهماً ما زال حجم الطلب (الشعبي ومن قبل الشركات العامة والخاصة ودوائر الدولة الاتحادية وفي الإقليم والمحافظات) على المنتجات التأمينية ضعيفاً، وما زال حجم رأسمالها صغيراً وكذلك افتقارها إلى الكوادر المدربة.  عندما تتزاحم 29 شركة على إيرادات اكتتابية لا تزال دون 100 مليون دولار، مصدر القسم الأكبر منها من الدولة ومن المشاريع، فما الذي تستطيع الشركات الصغيرة أن تغنمه من هذه الإيرادات.  وحسناً فعل الديوان عندما أصدر التعليمات رقم (15) لتحديد رأس المال المقرر بخمسة مليارات دينار (بالنسبة لشركات التأمين القائمة) وخمسة عشر مليار دينار (بالنسبة للشركات التي تؤسس بعد تاريخ نفاذ هذه التعليمات).  لكن هناك بعض الإشكاليات في تطبيق هذه التعليمات أشار إليها الزميل سعدون الربيعي:

 

ان الزيادة الكبيرة في رؤوس اموال شركات التامين لا يمكن تطبيقها من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية وقد طلبنا إعطائنا مهلة لمدة لا تقل عن ثلاثة سنوات على اقل تقدير كما يستحيل على المساهمين الاكتتاب بزيادة راس المال طالما سعر السهم في سوق العراق للأوراق المالية اقل من دينار في حين يطمح المساهم الى الحصول على نسبة ارباح وليس العكس.

واعتقد سيتم الحوار حول اندماج الشركات مع بعضها – وان هذه التعليمات ستفسح المجال للشركات العربية والاجنبية في الاستحواذ على قطاع التامين في العراق لما تمتلكه من ملاءة مالية كبيرة قد تعجز الشركات الخاصة من تحقيق هذه الزيادة.

وكما حصل لقطاع المصارف حيث ان معظمها لم تحقق لحد الان الزيادة المقررة والمحددة بـ 250 مليار دينار.

سنوافيكم لاحقاً عن المستجدات لهذا الموضوع في حين لم يحصل القطاع الخاص لأية استجابة او رد لما نكتبه لديوان التامين وقد حان الوقت للضغط باتجاه النقد الهادف للجهة القطاعية وزارة المالية.  وسيتم تشكيل وفد ستحدد اسماؤهم لمقابلة السيد مسؤول اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب.[6]

 

تشجيع الشركات الخاصة القائمة على الاندماج للامتثال للسقف الجديد لرأس المال ضرورة اقتصادية وفنية.  يقيناً لا نختلف مع مبدأ تكوين شركات تأمين قوية مالياً ومكتملة فنياً ولعل هذه التعليمات، وبغض النظر عن عدم إفصاح الديوان عن سبب إصدار التعليمات، فإنها فرصة للعديد من شركات التأمين لإعادة النظر في موقعها من خلال الاندماج.

 

 

 

شركات التأمين الخاصة وإعادة التأمين الاتفاقي

 

يجري حالياً تداول بين بعض شركات التأمين الخاصة بشأن إيجاد اتفاقيات لإعادة التأمين خارج الترتيبات الإعادية للإعادة العراقية، من خلال توحيد جهودها.  وقد ظهر هذا الموقف لأن الاتفاقيات الحالية التي تديرها الإعادة العراقية منحازة في بعض مفرداتها لصالح الشركتين المملوكتين للدولة مما يعطي الشركتين ميزة تنافسية غير عادلة.  النقد ليس موجهاً بالضرورة للإعادة العراقية لكنه يؤثر على موقعها.  وحتى الآن، لم يتخذ أي إجراء ملموس من قبل الشركات الخاصة، والجهود موجهة نحو تعبئة الرأي وربما الحصول على المعلومات الاكتتابية تمهيداً لطرح برنامج اتفاقي كامل ومستقل فيما بعد.

 

قد يأتي الوقت الذي يتحقق فيه هذا المشروع لكن هناك بعض الصعوبات في الوقت الحاضر.  منها صعوبة الاتفاق بين شركات التأمين المعنية على تعيين الشركة التي تقوم بمهمة التفاوض والتنسيق وإدارة الاتفاقيات (تقوم الإعادة العراقية حالياً بهذه الوظيفة).  لكن الصعوبة الكبرى تكمن في جدوى مثل هذا المشروع المشكوك فيه في الوقت الحاضر بسبب صغر حجم الأعمال، وبالتالي كونها غير اقتصادية من وجهة نظر معيدي التأمين فالشركات الخاصة، خارج إقليم كوردستان، ليست في وضع مالي (رأسمال، احتياطيات، حجم الإيرادات) تستطيع معه الحصول على حماية اتفاقية.  وإضافة الى كلفة الحماية الإعادية هناك تكاليف القيام بالمعاملات transaction costs للمعيدين وكذلك لشركة التأمين التي ستتولى إدارة الاتفاقيات، وهي ليست قليلة سواء أكانت مباشرة أو من خلال وسيط لإعادة التأمين.  والمعروف ان الاتفاقيات الحالية، ومنذ 2004، لم تكن لتظهر إلى الوجود لولا المكانة المهمة، من ناحية الإيرادات خاصة، لشركة التأمين الوطنية وشركة التأمين العراقية.  وكلتا الشركتين تستطيعان ترتيب اتفاقيات منفردة لكل منهما.  النقد ضروري لكن الموقف السلبي من الشركات العامة ليس في صالح الشركات الخاصة وصالح سوق التأمين العراقي.

 

وفيما يخص الإعادة العراقية، وهي شركة عامة، فإنه لولا وجودها لما كان باستطاعة معظم شركات التأمين الخاصة توفير اتفاقيات خاصة بها نظراً لصغر حجم إيراداتها.  كتبنا في السابق، وفي سياق آخر، دفاعاً عن إبقاء الاتفاقيات المشتركة والتوصية بتريث التأمين الوطنية في اتخاذ قرار الخروج من هذه الاتفاقيات لأن ذلك سيضر بمصالح السوق: تقويض مكانة الإعادة العراقية وربما حرمان شركات التأمين الخاصة من حماية إعادة التأمين الاتفاقي.[7]

 

نسمع شكوى مفاده ان الشركات الخاصة لا تغذي الاتفاقيات بما يكفي من أقساط لأن البعض منها يعيد تأمين الاخطار اختيارياً في الخارج، في بعض أسواق التأمين في الخليج وفي الأردن ولبنان ومع شركات عربية أو أجنبية خارج اتفاقيات الإعادة العراقية.  ليس هناك توثيقاً لهذه الظاهرة.

 

قد يقال أليس من الأفضل أن تكون لكل شركة اتفاقياتها الخاصة بها في الوقت المناسب مع معيد تأمين أجنبي وإعطاء حصة للإعادة العراقية كأي معيد آخر؟  أصحاب هذا الرأي يستحضرون مثالين لشركتين في إقليم كوردستان استطاعتا ترتيب اتفاقيات خاصة بهما خارج ترتيبات الإعادة العراقية، وأهملتا إشراك الإعادة العراقية في اتفاقياتها، وهو موقف لم يجرِ البحث فيه.  لعل هناك وسائل أخرى يمكن لشركات التأمين الخاصة اللجوء إليها لتحسن وضعها ضمن اتفاقيات الإعادة العراقية أو البحث عن بدائل.

 

التحامل على شركات التأمين الخاصة

يعتبر البعض وجود شركات تأمين خاصة إضراراً بسوق التأمين العراقي دون ربط هذا الموقف بحجج يمكن مناقشتها.  كالقول بأن وجودها يؤجج تنافساً محموماً، ويشتت ما تبقى من كوادر مهنية، ويُسهّل من تسريب أقساط التأمين خارج العراق.

 

فالتنافس قابل للضبط من خلال الاتفاق على الحدود الدنيا لأسعار التأمين (دون تواطء بحق جمهور المؤمن لهم للحصول على أفضل الأسعار) والتأكيد على مستوى ونوعية الخدمات، وهذه من شأنها إفراز الغث من السمين.

 

التشتيت ليس حقيقياً لأن الكوادر التي تعمل في الشركات الخاصة كانت قد تقاعدت عن العمل في الشركات العامة وليس من السهل إعادة استخدامها في شركات التأمين العامة إلا بأوامر خاصة.  ويمكن التعويض عن شحة الكوادر من خلال التدريب.[8]

 

تسريب الأقساط يتخذ أشكالا عديدة والشركات العامة ليست بمنأى عنه من خلال ضعف الاحتفاظ أو عدم الاستفادة من اتفاقيات الإعادة العراقية بسبب ضغط المؤمن لهم من الشركات العالمية العاملة في العراق.  وإذا غضضنا النظر عن سكوت قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 على التأمين خارج العراق، خارج النظام الرقابي، فإن التسريب سيستمر إن لم يتحسن الاحتفاظ الصافي والإجمالي لشركات التأمين، وإن لم تتعزز القدرات الاكتتابية والاحتفاظية للإعادة العراقية.

 

ملاحظة أخيرة

لم تفكر إدارات الشركات الخاصة والعامة، حسب المعلومات المتوفرة لدينا، وبسبب التأكيد على المنافسة دون غيرها من العلاقات، بالمشاركة co-insurance في تغطية الأعمال الكبيرة لتعظيم حجم الاحتفاظ الصافي، وتطوير أدوات التعامل معها.  حصة شركات التأمين الخاصة من أقساط التأمين المكتتبة ربما لا تتجاوز 10% من حجم دخل الإيرادات السنوية التي بلغت عام 2010 ما يقرب من 80 مليون دولار.[9]

 

في ظل الأوضاع الاقتصادية القائمة يمكن لسوق التأمين العراقي أن يستوعب انماطاً متعددة من ملكية شركات التأمين: عامة، خاصة، تعاونية، تبادلية، تكافليه.  وجود مثل هذه التعددية يوفر لجمهور طالبي التأمين الاختيار بين الشركات.

 

 

لندن 17 أيلول 2012

 

ملحق

 

في دراسة سابقة لنا ذكرنا أن البعض يدعو إلى ما يسمى بإعادة هيكلة شركات التأمين العامة والبعض الآخر يدعو إلى خصخصة هذه الشركات دون تفكير كافٍ بتداعيات الخصخصة.  ونقتبس الجزء التالي من الدراسة، بدون الهوامش، لفائدة القراء.

 

الخصخصة ليست حلاً سحرياً لأزمة الاقتصاد العراقي

 

في مقالة مُهمة حول مستقبل اليسار العراقي أكد د. عصام الخفاجي على

 

ان الوقوف ضد خصخصة قطاع الدولة يعني مزيدا من إضاعة من الفرص والموارد التي يمكن توظيفها بطرق أخرى لتحسين أداء الاقتصاد الوطني، فضلا عن أنه يمثل الدخول في معركة خاسرة سلفا. أقترح، عوض ذلك، أن يطرح الحزب مطلب ضمان تثبيت ملكية العاملين في أي مشروع تتم خصخصته لنسبة 25 بالمئة من رأس المال وتمثيلهم بمثل هذه النسبة في مجالس الإدارة، ويشترط ألا يتم التصرف بتلك الحقوق لفترة زمنية محددة (20 سنة على سبيل المثال) ضمانا لعدم استغلال المتموّلين لحاجة العاملين وشراء تلك الحقوق.

 

لن نناقش أطروحة د. عصام الخفاجي، رغم العنوان الكبير الذي اخترناه، إلا من خلال نظرتنا لقطاع التأمين العراقي. نحن على قناعة أن الخصخصة، لوحدها، لا تحل القضايا العقدية للاقتصاد العراقي كحل مشكلة البطالة والفقر وتضييق الاعتماد على الريع النفطي. كما أن نهوض وتطور قطاع التأمين ليس مرهوناً بالخصخصة.

 

الخصخصة بالمطلق لكل الشركات والمنشآت التابعة للدولة لا ينسجم مع التحليل الملموس لكل حالة على حدة لاكتشاف مكامن الخلل فيها والتي يمكن أن تُصحح قبل اتخاذ قرارٍ لخصخصتها. ربما تضم بعض هذه الشركات مزايا تضاهي تلك الموجودة لدى مثيلاتها من الشركات الخاصة وهو ما نعتقد أن شركات التأمين العامة تتمتع بها لكنها تحتاج إلى تطوير. ومن رأينا أنه ليست هناك مبررات اقتصادية لخصخصة هذه الشركات بل هناك ضرورات للتطوير.

 

شركات التأمين العامة، الممولة ذاتياً منذ سنة 1997، تختلف عن معظم الشركات العامة تلك التي تعمل في قطاع الصناعة، فهي، على سبيل المثال، لا تقترض من وزارة المالية لتسديد رواتب العاملين فيها. الخبر التالي يشرح هذا الأمر:

 

“تواصل عشرات الشركات التي تتبع وزارة الصناعة وتعمل بنظام التمويل الذاتي، اقتراض رواتب موظفيها البالغة مليارات الدولارات من وزارة المالية، في ظل العجز عن تحويلها الى “شركات رابحة”.

 

 

 

وتملك وزارة الصناعة 75 شركة، تعمل جميعا بنظام التمويل الذاتي، وتشغل نحو 250 الف منتسب، 68 الفا منهم عادوا عبر نافذة “الفصل السياسي”. ويعاني معظم هؤلاء من عدم تغيير عناوينهم الوظيفية منذ سنوات، ما جمّد رواتبهم عند حدود واطئة.”

 

لا بل أن شركات التأمين تدفع نسبة من أرباحها للمستحقين من العاملين والعاملات. خلال تاريخها الذي يتجاوز نصف قرن لم تعتمد هذه الشركات على أي تمويل من قبل الدولة (الخزينة المركزية) لتغطية عجز (وهي لم تتعرض إلى عجز) لا بل هي كانت دائماً مصدراً لتمويل الميزانية من خلال الضرائب التي تدفعها على الأرباح المتحققة ورسم الطابع على وثائق التأمين الصادرة.

 

إذا كان هذا هو الواقع الحالي لهذه الشركات هل هناك ضرورة اقتصادية لخصخصتها أم أن هذه ترجمة لموقف إيديولوجي وربما ينطوي على مرامي غير ظاهرة الآن.

 

سؤال آخر موجّه لإيديولوجي الليبرالية الجديدة: لماذا لا يترك مصير شركات التأمين العامة ليتقرر في السوق “الحرة” من خلال قرارات المستهلكين (طالبي التأمين) وليس بقرار سياسي. أليس دعاة ومروجي إيديولوجيا السوق الحرة في كتب الاقتصاد المدرسية والمنابر الإعلامية والمؤسسات البحثية يؤكدون أن المستهلك هو صاحب السيادة في السوق؟  فلتتنافس الشركات العامة والخاصة على جذب المستهلكين إليها وليقرر هؤلاء أيهما الأفضل في تقديم المنتجات التأمينية والخدمات المرتبطة بها ومن ثم “طردها” من السوق من خلال عدم التعامل معها.

 

ما هو الهدف؟ إخضاع الشركات لمبدأ الربح كي تكون شركات رأسمالية؟ هذا الهدف لا مقوم له إذ أن الشركات تمارس أعمالها بهدف تحقيق الربح، وهي خاضعة لقيم الربح والخسارة.

 

ربما الهدف هو التخلص من الموظفين الفائضين عن الحاجة وتحسين مستوى الكفاءة الإنتاجية. يمكن تحقيق ذلك دون خصخصة الشركات. الشركات العامة متهمة بأنها غير كفوءة في الأداء او انها غير قادرة على ابتكار منتجات تأمينية جديدة أو أنها تدير أعمالها بفساد وكل هذه أمور قابلة للنقاش بشكل عام وتحتاج الى فحص كل حالة على انفراد وليس إطلاق الحكم. ونحن ميالون إلى تأكيد أن شركات التامين العامة في العراق في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كانت متقدمة في الأداء ومبتكرة للمنتجات (او قل مواكبة ومقلدة لما هو موجود في أسواق تأمينية أخرى) وخالية من مظاهر الفساد المالي والإداري.

 

يمكن النظر إلى الشركات العامة على أنها تتمتع بريع بفضل موقعها. فرغم وجود شركات تأمين خاصة منذ سنة 2000 فإن الموقع الريعي للشركات العامة هو من إرث الماضي ونعني به إرث رأسمالية الدولة. فبحكم العادة تلجأ منشآت القطاع العام إلى الشركات العامة لشراء وثائق التأمين. هذا رغم أن قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 (المادة 81 ) ينص على استدراج العروض في تأمين الأصول العامة.

 

شركات التأمين العامة هي الأكثر غنى من الشركات الخاصة، وقد يستمر موقعها الريعي حتى بعد الخصخصة. إذا كان هذا التوقع صحيحاً فما الذي تجنيه شركات التأمين الخاصة من الخصخصة؟ ستشتد المنافسة على الأسعار، وستتركز المنافسة، خارج الأسعار، على تقليص كلفة الانتاج (عنصر حاسم في تقييم أداء الشركات العامة) وزيادة المبيعات دون تخفيض الأسعار من خلال حملات إعلانية، وتغيير نطاق أغطية التأمين، وجباية أقساط التأمين بالتقسيط، وتحسين نوعية الخدمة المقدمة لحملة وثائق التأمين. هذه المنافسة قائمة في الوقت الحاضر بدون خصخصة الشركات العامة.

 

في قطاع التأمين العراقي تعمل شركات التأمين العامة جنباً إلى جنب الشركات الخاصة أي أن الشركات العامة تعمل ضمن ضوابط السوق التنافسي – ومنها أن شركات التأمين الخاصة الكفوءة والناجحة تضغط كنموذج بديل للشركات العامة وقد تستقطب العناصر الجيدة من الشركات العامة (معظم إدارات شركات التأمين الخاصة منذ 2000 هم من خريجي شركات التأمين العامة). مثل هذا الوضع يحفز الشركات العامة لمواجهة الشركات الخاصة في السوق. عندها تلجأ الشركات العامة إلى تحسين أدائها، إن كان دون ما هو مخطط له أو بالمقارنة مع أداء الشركات الخاصة، من خلال اعتماد جملة من الإجراءات:

 

- التدريب المكثف والمستمر للعاملين بما فيه احترام المستهلكين ضمن ضوابط العقود والقوانين

 

- الاستفادة من خبراء استشاريين من خارج الشركات في مجالات معينة – على سبيل المثال إدخال الحاسوب في جميع مجالات تنفيذ الأعمال اليومية او إعادة النظر في نظام الحوكمة وسبل تعزيزه

 

- إجراء دراسات من قبل استشاريين مستقلين لكلفة الانتاج للمقارنة مع شركات التأمين الخاصة المماثلة

 

- الاستفادة من نماذج التخطيط في الشركات الخاصة المتقدمة، وغيرها من الأدوات التي تستخدم في الشركات الخاصة: مساءلة المدراء ومجالس الإدارات، ضوابط لمنع سوء استخدام السلطة من قبل المدراء، التعلم من الحوكمة المؤسسية لدى الشركات الخاصة الناجحة الملتزمة بضوابط الأداء والمساءلة امام المالكين (مالكي الأسهم من الأفراد والشركات).

 

لو قارنا بين الشركات العامة والخاصة في العراق في الوقت الحاضر لوجدنا إنها جميعاً تدور في فلك المدير العام والمدير المفوض. أي ان التنظيم الداخلي متشابه وبالتالي فإن المركزية هي السمة المميزة التي تسود في الشركات العامة والخاصة وكذلك البيروقراطية.

 

نعيد السؤال: هل الخصخصة هي الصيغة الوحيدة لإعادة الهيكلة أم أن هناك نماذج أخرى لها؟ ألا يمكن لهذه الشركات أن تكون مملوكة لحملة وثائق التأمين وتدار كمؤسسة تعاونية؟  نثير هذا السؤال وفي بالنا تأميم قطاع التأمين سنة 1964. موقفنا من التأميم ينطبق على إعادة الهيكلة فقد كتبنا الآتي بشأنه:

 

لم تكن نتائج التأميم متجانسة: تقدمٌ من ناحية وحجرٌ على التطور من ناحية أخرى، استقلالٌ في الإدارة آناً وتدخلٌ سياسي وهكذا. وهذا يعلمنا أن لا نقاء في النظرية التي تنتظم التأميم وفي النتائج الفعلية المنظورة وغير المنظورة التي تترتب على التأميم. ولكن يظل هناك دائماً فسحة للتداول بشأن الخيارات المتوفرة في إدارة قطاع التأمين والاقتصاد الوطني. القول أن لا بديل هناك هو الموقف المتطرف عند اليمين واليسار معاً لإلغاء حرية المفاضلة بين البدائل.

 

كان بالإمكان التفكير بخيارات أخرى غير التأميم الذي كرّس سيطرة الدولة على ملكية مرافق اقتصادية كان الأفضل أن تترك تحت ملكية وإدارة القطاع الخاص. هناك دور للدولة وهناك دور للقطاع الخاص وبينهما نماذج أخرى للملكية لم تجرِ الاستفادة منها، وهي التي لم تلقَ الاهتمام المطلوب من الاقتصاديين ومن أصحاب القرار في الماضي أو الحاضر لإصلاح النظام الاقتصادي وتداخله مع السياسي والاجتماعي.

 

نعرف أن العالم كله يتغير وبنية الاقتصاد العراقي يجب أن تتغير ضمن مشروع يقوم أساساً على تحديد الرؤية لمكانة المحرك الأساسي، الموارد النفطية، وتقليص الاعتماد عليها، ومعالجة أزمة البطالة والفقر ووضع أساس متين لدولة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. لكن الخصخصة ليست المفتاح السحري لحل قضايا الاقتصاد العراقي إن لم توضع ضمن المشروع الاقتصادي الوطني. وعلى المرء أن يسأل: لماذا ولمصلحة من ستخصخص شركات التأمين العامة؟

 


[1] سعدون الربيعي، “شركات التامين العراقية الخاصة تسعى لتوفير الخدمات التأمينية المتميزة”، مرصد التأمين العراقي:

http://iraqinsurance.wordpress.com/2010/12/12/private-iraqi-insurance-companies-providing-quality-services/

[2] باستثناء شركتين في إقليم كوردستان لكن حجم أعمالها المكتتبة صغيرة، حسب المعلومات غير الموثقة المتوفرة لدينا.

[3] عدد العاملين في 18 شركة تأمين بضمنه الاعادة العراقية، كما أحصيناه في تموز 2012، هو  1,326موزع كما يلي:

729 في شركة التأمين الوطنية، 345 في الشركة العراقية للتأمين (شركتين عامتين)، 252 في 16 شركة تأمين خاصة.

[4] بلغ إجمالي رأسمال جميع شركات التأمين، بما فيه الإعادة العراقية واستثناء فرع شركة تأمين إيرانية، أي 29 شركة، كما هو في تموز 2012 (133,770,000,000 دينار)، ما يقرب من 114.33 مليون دولار.  وتوزَع هذا الرقم الإجمالي كما يلي:

40 مليار دينار، شركة كار للتأمين، أربيل

30 مليار دينار، شركة آسيا للتأمين، سليمانية

15 مليار دينار، شركة التأمين الوطنية، بغداد

38 مليار دينار، باقي الشركات بضمنها شركة إعادة التأمين العراقية

 

وتظل التأمين الوطنية هي الأكبر من حيث حجم إيراداتها، وتتبعها بالدرجة الثانية العراقية للتأمين.

[5] كمقاربة للموضوع، أنظر: مصباح كمال، “هل هناك مشروع لإعادة هيكلة شركات التأمين العامة؟  تمهيد لمناقشة موسعة”، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 346، 2011 وكذلك مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2012/01/restructuring-state-owned-insurance.html

[6] رسالة من سعدون الربيعي للكاتب مؤرخة  6 حزيران 2010.

[7] مصباح كمال، “إعادة التأمين الاتفاقي لسوق التأمين العراقي: التماس شخصي”، مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2008/09/1-2008.html

[8] ضياء هاشم مصطفى، “إضافات لمشروع صياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق” مرصد التأمين العراقي:

http://iraqinsurance.wordpress.com/2012/08/07/a-supplement-to-misbah-kamals-paper-a-policy-for-iraqs-insurance-sector/

 

[9] جمعية التأمين العراقية، إحصائية نشاط شركات التأمين العاملة بالعراق (2005-2010)، بغداد، [حزيران] 2010، ص2-ص7.  البيانات تقتصر على 15 شركة تأمين وكنها مؤشر جيد على مستوى الإيرادات.

Sadoun Al-Rubaiy: Supplementary Notes on Kamal’s Paper A Policy for Iraq’s Insurance Sector

ملاحظات تكميلية لمشروع صياغة سياسة لقطاع التامين في العراق

 

سعدون مشكل خميس الربيعي

 

ابتداء اشكركم على مبادرتكم في اعداد مقالة (نحو مشروع لصياغة سياسة لقطاع التامين في العراق المزمع نشرها في مرصد التأمين العراقي[1]).  لقد جاءت المقالة، بتقديري، استكمالاً لما كتبتموه وكتبناه عن قطاع التامين في العراق،[2] وافاق تطور شركات التامين.  وقد كتبت بشكل مختصر يختزل في سرد نوعي مكثف العديد من الكتابات.  وهذا توجه يشجع المتلقي لقراءتها من منطلق (خير الكلام ما قل ودل).  ادناه ملاحظاتي أعرضها بشكل مقتضب.

  1. 1.       بداية مقدمة المقالة تمثل الامانة الادبية في الاعتراف والتقدير لما كتبه غيركم في هذا المجال.  وهذه من صفات الادباء والكتاب والمثقفين الامناء في البحث والتدوين.

 

  1. 2.       أ- يمكن ان اضيف فيما يتعلق بغياب الرؤية تجاه القطاع (غياب الوعي المجتمعي الشعبي، وكذلك غياب الوعي الرسمي والقانوني).  وقد حاولنا جميعاً في العديد من المقالات رصد هذه الحالة والكشف عنها وتأثيرها السلبي على طلب الحماية التأمينية.

ب- ان رسم ملامح مشروع الصياغة لسياسة مرحلية يستوجب تحديد المرحلة (هل هي لخمس سنوات او اكثر) بغية متابعة ما ينفذ من هذا المشروع.  نقول هذا ونحن نؤمل أنفسنا أن يتحقق هذا المشروع أو بعض منه على أقل تقدير.

  1. 3.       السياسة المقترحة للتامين.  ارجو اضافة بند المحور الاقتصادي او المالي لأنه لا ينفصل عن التامين ويكمل بعضهما البعض من الاهداف.  وكما اشرتم فان قطاع المصارف وقطاع التامين هما ركنين أساسيين في عملية التنمية الاقتصادية.

 

  1. 4.       لا بد من اصدار تشريع او تعليمات يمنع بموجبها اجراء التامين لمصالح عراقية لدى شركات تامين اجنبية، والحد من تسرب الاموال المتمثلة في اقساط التأمين الى خارج العراق، وكما ذهبتم اليه في الصفحة 3 والصفحة 4 من مقالتكم.

اقترح استبدال كلمة “تحريم” بـكلمة “عدم جواز” او “يمنع اجراء التامين” بدلاً من التحريم الذي ورد في الفقرة 2 ص 4.

وسائل تحقيق سياسة التامين

لدي ملاحظات بسيطة اترك تقديرها لكم وللزملاء والزميلات هي:

ورد في الفقرة 3 تحت باب توطين التامين بنداً عن الاستيرادات.  وهذه مسألة مهمة وقد كتبتُ عنها مقالة مختصرة دفعتها الى جريدة البينة الجديدة بتاريخ 25/4/2012 ولا أدري إن كانت قد نشرت أم لا.  وكنت قد كتبت عن هذا الموضوع في رسالتي إلى وزارة المالية/ديوان التأمين بتاريخ 23/12/2008.

 

اما بقية النقاط الواردة في مقالتكم فإنني اتفق معكم بأهميتها للمشروع.

تعزيز مؤسسات التامين

في هامش الفقرة 12 اوردتم  تعليق للأستاذ عبد الباقي رضا عن موضوع اعادة النظر بالقوانين الضريبية.  اتفق مع أستاذنا ان هناك ضريبة محددة معتمدة لشركات التامين بواقع 15% تستوفى كضريبة دخل.  وهناك رسم طابع بواقع 3.1% على صافي الاقساط بالنسبة لأعمال التأمين غير البحري ونسبة أقل بالنسبة لأعمال التأمين البحري.

وهنا لا بد من التنبيه إلى أن هناك رسوم اضافية تفرض من خلال مناقشة الميزانية والحسابات الختامية لشركات التأمين مع المخمن الخاص في الهيئة العامة للضرائب.  وتشمل هذه الضرائب الإضافية ما يلي:

المبالغ المصروفة للوقود والزيوت – يفرض عليها ضريبة بنسبة 25 %

المبالغ المصروفة للصيانة – يفرض عليها 35%

المبالغ المصروفة على الدعاية والاعلان – يفرض عليها 25%

المبالغ المصروفة على الاتصالات العامة – يفرض عليه 32%

المبالغ المصروفة على النشر والطبع – يفرض عليها 25%

اضافة الى رسم المهنة الذي يسدد لديوان التامين بنسبة 1% من مجموع اجمالي الاقساط السنوية.

رسم اشتراك في جمعية التأمين 5.% ( خمسة بالألف ) من مجموع الاقساط خلال السنة التقويمية على أن لا تقل مساهمة كل شركة عن ( مليون دينار ) ولا تزيد عن (مليوني دينار).

هذه الرسوم تشكل عبئاً مالياً تنعكس على نتائج اعمال الشركات سنوياً، ولا بد من اعادة النظر في هذه الرسوم الاضافية لأنها بالأساس مصاريف سلعية وخدمية ملازمة لعمل الشركات.

تأسيس سوق فدرالي

هل المقصود من الفقرة 17 كتابة وثائق التأمين وشروطها واستثناءاتها باللغة الكردية؟  إن كان ذلك هو المقصود اعتقد ان يصار الى تشريع قانوني او تعديل قانون تنظيم اعمال التامين رقم 10 لسنة 2005.

 

 

سعدون مشكل خميس الربيعي

المدير المفوض

الشركة الاهلية للتامين

عضو مجلس ادارة جمعية التامين العراقية

 

بغداد 8/8/2012

 


[1]نشرت في مرصد التأمين العراقي وهذا رابط المقالة:

 http://iraqinsurance.wordpress.com/2012/08/06/a-policy-for-iraqs-insurance-sector/

وردت مقالة الزميل سعدون الربيعي بصيغة رسالة موجهة إلى مصباح كمال وقد ارتأينا تحريرها قليلاً ونشرها كمقالة لتعميم الفائدة واستدراج المزيد من التعليقات.  (محرر المرصد)

[2]سعدون الربيعي، “قطاع التأمين في العراق وآفاق تطور شركات التأمين الخاصة”، مجلة التأمين العراقي، 2/6/2010

http://misbahkamal.blogspot.co.uk/2010/06/74-1936-10-2005-21-22-1997.html

A Supplement to Misbah Kamal’s Paper: A Policy for Iraq’s Insurance Sector

 

إضافات لمشروع صياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق

 

ضياء هاشم مصطفى

قام الزميل مصباح كمال مؤخراً بتوزيع ورقة بعنوان “نحو مشروع لصياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق”نشرها بعد ذلك في مرصد التأمين العراقي أيضاً:

http://iraqinsurance.wordpress.com/2012/08/06/a-policy-for-iraqs-insurance-sector/

واود ان اسجل هنا تثميني لاهتمامه الكبير والمستمر بسوق التأمين العراقي اضافة الى ما تضمنته الورقة من مقترحات هامة وقيمة، آملاً ان يُعيرها المشرع العراقي بعض الانتباه خدمة لاقتصاد البلد وشركات التأمين العاملة في السوق.

بعد قراءة متأنية للورقة بودي تقديم بعض الملاحظات السريعة التي ارجو ان تكون معلومة اضافية لما تم تدوينه من مقترحات في ورقة زميلنا.

معالجة الاضمحلال التدريجي للكفاءة التأمينية العراقية

منذ مدة ليست بالقصيرة وسوق التأمين العراقي يعاني من الاضمحلال التدريجي للكفاءة التأمينية والاسباب معروفه للجميع منها: هجرة معظم الكوادر المتقدمة والظروف الاقتصادية التي سادت الفترة ما بعد 1991 بالإضافة الى تجاوز من تبقى في السوق من الكوادر القديمة السن القانوني وبالتالي خروجه من العمل ليلتحق هو الاخر بشركات التأمين خارج العراق والقليل القليل منهم مع بعض الشركات الخاصة داخل العراق.

وللأسف الكبير فان هذه الظروف قد عقدت مسالة التدريب المهني للعاملين والعاملات في قطاع التأمين في الداخل على الرغم من وجود بعض المحاولات البسيطة للتدريب، واقول محاولات بسيطة لان معظم من يقوم بها هو من يحتاج الى تدريب وخاصة على المستوى الدولي المعلوماتي ومواكبة التطورات الحاصلة في اسواق التأمين العالمية، وبالتالي يبقى التدريب في الداخل تدريبا كلاسيكيا لا يتعدى الأطر العامة لبعض انواع التأمين.

اما بالنسبة للتدريب خارج القطر، وخاصة مع الشركات الرائدة في السوق الدولي، فانه محصور وللأسف بشركات القطاع العام لان اهتمامات معيدي التأمين عادة تكون للشركات التي لديها محفظة تامين كبيرة وذات جدوى اقتصادي آني ومستقبلي، اضافة الى ان هذه الشركات العامة لديها من الامكانات المادية الكبيرة التي تستطيع ان توفر منها ما يدعم التدريب خارج العراق عكس معظم الشركات الخاصة التي ان افردت فقرة في ميزانياتها العامة فإنها تكون بمبالغ بسيطة قد تستنفذ من قبل ادارات الشركات في ايفاداتهم الخاصة وبالتالي لا يمكنها من تلبية متطلبات التدريب خارج القطر.

لعلي اريد مما تقدم ان تتضمن الورقة شرطا اضافيا لتعديل اتفاقيات اعادة التأمين وبما يضمن تخصيص عدد من المقاعد من قبل شركات اعادة التأمين المساهمة في اتفاقية السوق العراقي وعلى نفقتهم للتدريب على ان يتولى ديوان التأمين ترشيح الموظفين وبالتناوب بين جميع الشركات العامة والخاصة لكي يتم خلق جيل جديد يمكن ان يساهم في تطوير السوق.

 

ديوان التأمين العراقي: دعم مادي وهيكلية واضحة

ان ضمان استقلالية ديوان التأمين العراقي عن وزارة المالية قد لا اجده نافعا في الوقت الحاضر وخاصة ان الديوان لا يتوفر فيه الحد الادنى للكفاءة التأمينية مما يعني انه لأجل ان يقوم بدوره الرقابي، كما نص عليه قانون التأمين رقم 10 لسنة 2005، فسيحتاج الى كوادر ومستلزمات عديدة وبالتالي ارتفاع كبير في المصاريف الادارية له، قد لا تغطيها نسبة 1% من اقساط التأمين للشركات العاملة والتي تسددها للديوان، وان أية زيادة في هذه النسبة ستشكل عبئا اضافيا على شركات التأمين.  عليه فإنني ارى ان يبقى ديوان التأمين تابعا لوزارة المالية في الوقت الحاضر على ان تتولى الوزارة دعمه ماديا وايجاد هيكلية واضحة و بكوادر متقدمة ولا باس ان تكون بعقود مع بعض الكوادر التي خرجت من القطاع بسبب السن القانوني لكي يستطيع الديوان القيام بواجبه الرقابي الهام وقطع الطريق امام فوضى المنافسة غير الفنية الحاصلة الان في السوق.

جمعية التأمين العراقية: تأكيد الهوية المستقلة

اما بالنسبة الى جمعية التأمين العراقية فإنني اؤيد وأؤكد على اهمية ان تكون هويتها غير حكومية وان تقدم خدماتها للشركات العامة والخاصة وان تكون العضوية فيها مُلزمة لجميع الشركات العاملة وكما ورد في المادة 84 – اولا من قانون تنظيم أعمال التأمين رقم 10 لسنة 2005 وان يكون التمويل لها من جميع الشركات وكما نصت عليه الاوامر الصادرة بذلك.

أكرر شكري واعتزازي بزميلنا مصباح كمال وورقته المتجردة من الرؤى الضيقة وتنصب أساساً في مشروعه لخدمة قطاع التأمين العراقي.  أرجو أن يستمر في عرض مساهماته، وآمل من زملاءنا الآخرين في القطاع المساهمة كذلك في مناقشة واغناء المقترحات والبدء بالصياغة الجماعية للمواقف والدفع حقاً باتجاه تطوير سوق التأمين العراقي.

بغداد 5 آب 2012

A Policy for Iraq’s Insurance Sector

نحو مشروع لصياغة سياسة لقطاع التأمين في العراق

 

 

مصباح كمال

 

 

مقدمة

 

كتبتُ مثل ما كتب غيري من زملاء المهنة عن إهمال النشاط التأميني في الكتابات الاقتصادية العراقية، وكذلك إهمال الأحزاب السياسية والبرلمان والحكومات التي تشكلت بعد 2003.  وكتبنا أيضاً عن قيام البعض بإصدار أحكام بشأنه فيها الكثير من الإجحاف بتاريخ هذا النشاط والعاملين فيه.  وقد يكون من التطرف إلقاء اللوم على كيانات التأمين (كديوان التأمين العراقي وجمعية التأمين العراقية وشركات التأمين) بعدم الدفع باتجاه إعلاء مكانة التأمين في التفكير السياسي والاقتصادي في العراق ولدى الحكومة، وهو موضوع حسّاس يستحق بحثاً موضوعياً مستقلاً.  لكنني أرى ان ما ينتظم هذا الإهمال، وهو حالة عراقية عامة، هو غياب رؤية تجاه قطاع التأمين لدى مؤسسات الحكم والأحزاب وكيانات التأمين.  غياب الرؤية ليس مقصوراً على التأمين، فليس هناك، على سبيل المثال، رؤية/سياسة لقطاع النفط سوى زيادة الانتاج وهو ما يشهد عليه جولات تراخيص العقود النفطية التي أبرمتها الحكومة الاتحادية وتلك التي أبرمتها حكومة إقليم كوردستان.

 

في هذه الورقة القصيرة أحاول رسم ملامح مشروع لصياغة سياسة مرحلية لقطاع التأمين العراقي، اعتمدُ فيها على مساهمات سابقة لي قدمتها لحزب وتجمع سياسيين لسد ثغرة في مشروع البرنامج السياسي لهما فيما يتعلق بالتأمين.  ويبدو لي أن هذه المساهمات هي طي الأدراج،[1] وبودي أن أخرجها الآن للعلن لعل ممارسي التأمين ينتبهون إليها ويعتمدها أركان التأمين كأطروحة أولية لصياغة موقف جماعي، وهو المرتجى.[2]

 

ذكرت في إحدى أوراقي المُقتَرب الذي اعتمدته لمشروع رسْم سياسة للقطاع كما يلي:

 

تتضمن الورقة فقرة تُلخص سياسة مقترحة لقطاع التأمين، وجملة من الوسائل المقترحة التي يمكن اعتمادها لتحقيق هذه السياسة.  وتُركّز المقترحات على الإطار المؤسسي وليس تقديم مقترحات لتطوير عمل شركات التأمين القائمة أو إدخال منتجات تأمينية جديدة إذ أن مشروع البرنامج السياسي لأي حزب ليس بالمكان المناسب لعرض وتحليل هذه القضايا.

 

وهنا استعيد، مع بعض التعديل، ما كنت قد كتبته سابقاً عن وضع سياسة ذات طابع مرحلي، آني، لقطاع التأمين.

 

 

 

سياسة مقترحة للتأمين

 

فقد اقترحت فيما يخص صياغة سياسة للتأمين في مشروعات البرامج السياسية للأحزاب إضافة البند أدناه تحت باب المحور الاقتصادي أو المحور المالي في هذه البرامج إما كفقرة مستقلة عن التأمين أو مع البند الخاص بالمصارف.  وليس هناك ما ينتقص من الربط بين التأمين والمصارف فالمعروف ان العنصرين الأساسين في القطاع المالي هما المصارف وشركات التأمين إضافة إلى سوق الأوراق المالية والمؤسسات المرتبطة بها.

 

جاء نص السياسة والآليات المرتبطة بها التي اقترحتها، وهو مُعدّل هنا قليلاً، كما يلي:

 

يستحق قطاع التأمين اهتماماً خاصاً نظراً للدور “الإنتاجي” الذي يلعبه في التعويض عن الأضرار والخسائر المادية التي تلحق بالأفراد والعوائل والشركات على أنواعها، والدور الاستثماري من خلال تجميع أقساط التأمين.  وسيزداد هذا الدور أهمية مع التطور الاقتصادي والاجتماعي للعراق مع تعاظم حجم أقساط التأمين، وضرورة ضمان استفادة شركات التأمين العامة والخاصة المرخصة بالعمل في العراق من هذه الأقساط إذ أن قدْراً كبيراً من الأقساط يتسرب إلى الخارج.  لذلك يجب العمل الآن على إعادة النظر بقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 لتغيير الرؤية الخاطئة التي يقوم عليها هذا القانون وأحكامه الضارة بالقطاع، ورسم سياسة للقطاع يحول دون التسرب غير القانوني لأقساط التأمين خارج العراق.[3]

 

هذا البند يُكثّف ما قدمته في العديد من دراساتي المنشورة في مدونتي مجلة التأمين العراقي ومرصد التأمين العراقي، وقد نُشرت بعضها في مجلة الثقافة الجديدة والتأمين العربي، مجلة الاتحاد العام العربي للتأمين.

 

بعض وسائل تحقيق سياسة التأمين

 

أما وسائل تحقيق السياسة المقترحة، المشار إليها في هذا البند، فقد أوجزتها بالآتي مع بعض الإضافات الجديدة عند كتابة الورقة الحالية.  وبالطبع فإن هذه الوسائل لا تستنفد الطيف الواسع لما يمكن أو يجب القيام به للنهوض بقطاع التأمين.  ولذلك سأكتفي بما أراه أساسياً بأمل أن يقوم زملاء المهنة بتقييمها وتطويرها، وكذلك البحث في تفاصيل هذه الآليات لأنها معروضة هنا كعناوين أو لافتات.

 

أولا – توطين التأمين

1- اشتراط إجراء التأمين على الأصول المادية والمسؤوليات القانونية الناشئة عنها حصراً لدى شركات تأمين مسجلة لدى الدوائر المختصة في العراق ومجازة من قبل ديوان التأمين العراقي.

2- تحريم إجراء التأمين خارج العراق، أي خارج القواعد الرقابية التي يديرها ديوان التأمين العراقي.

3- اشتراط ان تكون استيرادات العراق بشروط الكلفة والشحن (سي أند اف – C & F) وليس بشروط الكلفة والتأمين والشحن (سي آي اف -CIF ) عند فتح الاعتمادات المستندية مع المصارف.[4]

4- فرض غرامات مالية وغير مالية عند مخالفة شرط التأمين لدى شركات مجازة من قبل ديوان التأمين العراقي على طرف عراقي أو اجنبي يعمل في العراق(أي المؤمن له)، وإلزام الطرف المخالف بشراء التأمين من شركة تأمين مسجلة ومجازة في العراق.

5- تعزيز الالتزام بهذه الشروط أعلاه وضمان تطبيقها من خلال التنسيق مع الإدارات الجمركية لتقييد إخراج البضائع المستوردة على أنواعها من الموانئ العراقية البرية أو البحرية أو الجوية وذلك باشتراط إبراز وثيقة تأمين أصولية صادرة من شركة تأمين مسجلة ومجازة في العراق.

6- عدم تقديم السلف أو الدفع على الحساب أو إجراء التسوية النهائية لعقود المقاولات دون إبراز وثيقة تأمين أصولية صادرة من شركة تأمين مسجلة ومجازة في العراق.

7- النص في عقود الدولة على إجراء التأمين مع شركات تأمين مسجلة ومجازة في العراق.

8- تأمين صناعة النفط والغاز، في جميع مراحلها، لدى شركات التأمين المسجلة في العراق العامة أو الخاصة منها.

 

ثانياً – تعزيز مؤسسات التأمين

9- العمل على ضمان استقلالية ديوان التأمين العراقي عن وزارة المالية وتكريس مكانته كمؤسسة شبه حكومية.[5]

10- المساواة في التعامل مع شركات التأمين العامة والخاصة.

11- جعل جمعية التأمين العراقية مؤسسة مفتوحة لجميع أعضائها من شركات التأمين والتأكيد على الهوية غير الحكومية للجمعية، والمساواة بين شركات التأمين العامة والخاصة في تشكيل أجهزة الجمعية، وضمان استقلال عملها، واستكمال كادرها من الموظفين.

12- إعادة النظر بالقوانين الضريبية المتعلقة بالنشاط التأميني بما يخفف من أعبائها على شركات التأمين ويساعدها على تعظيم تكوينها للاحتياطيات الفنية والاستثمارية، ويساهم في تعزيز الإقبال لدى الناس على شراء الحماية التأمينية وخاصة تأمينات الحياة.[6]

13- تكثيف التدريب المهني للعاملين والعاملات في قطاع التأمين.

14- دعم مكانة ودور شركة إعادة التأمين العراقية.

 

ثالثاً – تأسيس سوق فيدرالي للتأمين

15- معالجة إرث النظام السابق فيما يخص مصالح الأطراف المتضررة وخاصة أولئك الذين هُجّروا بذريعة التبعية، وحل أية إشكالات قائمة بين شركات التأمين العامة وحكومة إقليم كوردستان بغية التمهيد لرجوع فروع شركات التأمين العامة إلى الإقليم، وسماح حكومة الإقليم بتأسيس فروع للشركات العامة والخاصة في الإقليم.

16- العمل على تأسيس سوق تأميني فيدرالي موحد من خلال نظام رقابي واحد على النشاط التأميني، لتجنب ازدواجية الرقابة وكلفتها الإدارية والمالية على شركات التأمين، وضمان حرية عمل شركات التأمين في جميع أنحاء العراق.

17- اتخاذ خطوات جادة للبدء باستخدام اللغة الكردية في مجال التأمين في إقليم كوردستان.

رابعاً – إضافات للمشروع

ويمكن إضافة عناوين ثانوية أخرى كالتأسيس لثقافة تأمينية، والتأمين الاجتماعي، والتأمين الصحي، وإعادة النظر في إدارة قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات (القانون رقم 52 لسنة 1980 وتعديلاته)، وغيرها من الموضوعات.

 

ملاحظة ختامية

 

المقترحات التي قدمتها ليست نهائية وهي بحاجة إلى نقاش وتفكيك لعناصرها من قبل العاملين في قطاع التأمين قبل اعتمادها، كلاً أو جزءً، ضمن مشروع صياغة سياسة للقطاع.  ذلك ان البعض من هذه المقترحات تثير قضايا إشكالية ذات طبيعة عامة تتعلق بالمسار الاقتصادي للحكومة، والصراع القائم على تحديد النظام الفيدرالي، قيد التشكل، ومدى استعداد المشرّع العراقي، الاتحادي وفي الإقليم، لإعادة النظر في قوانين التأمين وغيرها كقانون الاستثمار الذي يترك حرية التأمين لدى شركات تأمين أجنبية أو عراقية للمستثمر.  يضاف إلى ذلك قضايا عديدة تمس عمل شركات التأمين ذاتها، وكذلك الديوان والجمعية والإعادة العراقية، واستكمال ما ينقصها من كوادر وموارد لغوية وتقنية حديثة وغيرها.

 

 

مصباح كمال

لندن ا آب 2012


[1] لم استطع اقتفاء أي أثر للتأمين لدى الأحزاب السياسية الأخرى.

[2] ما حفّزني على نشر هذه الورقة هو زيارتي الأخيرة أوائل تموز 2012 إلى بغداد واللقاء مع عدد كبير من العاملين في شركات التأمين والإعادة العراقية وكذلك الديوان والجمعية، والانطباع الذي خرجت به عن موقف يكاد أن يكون جامعاً لدى هؤلاء في تأكيدهم على الأضرار المترتبة على المادة 81 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005، وهو ما أركز عليه في هذه الورقة.  ولفائدة القارئ اقتبس نص هذه المادة اللعينة:

“المادة – 81 – أولاً – لأي شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص الحق في الاختيار بشراء منتجات التأمين أو خدماته من أي مؤمن أو معيد تأمين ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.”  وحتى الآن لا ينص القانون على خلاف ما ورد في هذا النص، لا بل أن قانوني الاستثمار الاتحادي وفي إقليم كوردستان يؤكدان على حرية الاختيار في شراء التأمين في العراق أو خارجه.  من المفارقات أن مايك بيكنز، مفوض التأمين في ولاية أركنساس، الذي أعد نص القانون باللغة الإنجليزية، يعرف تماماً القيود المفروضة على حرية شراء التأمين في ولايته وفي الولايات الأخرى للولايات المتحدة.  ومع ذلك أقحم هذه المادة تعبيراً عن العقيدة الليبرالية الجديدة في رفع الضوابط الرقابية.  لمن يرغب في الاطلاع على خلفية صياغة القانون وتحليلنا له الرجوع إلى المقالات المنشورة في مدونة مجلة التأمين العراقي.

 

[3] مصدر هذا البند هو ورقتي، غير المشورة، التي كتبتها في كانون الثاني 2012 تحت عنوان “حاشية حول التأمين في مسودة موضوعات سياسية للمؤتمر الوطني التاسع للحزب الشيوعي العراقي.”  وكذلك ما قدمته للتيار الديمقراطي، استجابة لرسالة دعوة وجهها لي د. كامل العضاض، من اللجنة العلمية الاستشارية للتيار الديمقراطي، بتاريخ 13 آذار 2012 للمساهمة في سد ثغرة في مشروع البرنامج السياسي للتجمع تتعلق بالتأمين.  وجلّ الأفكار السابقة معروض في الورقة الحالية، وقد كتبت ما يماثلها في أوراق سابقة، واعرضه هنا مع بعض التعديل.

 

الجزء الخاص بتعديل قانون تنظيم أعمال التأمين في هذا النص ذو طابع مرحلي فمتى ما تم تغييره بالصيغة المرجوة سوف لن يجد له مكاناً في برنامج أي من الأحزاب والكيانات المعنية بالنشاط التأميني.  وبالطبع فإن أي برنامج يخضع للتعديل مع التغيرات التي تحصل في البنية الاقتصادية السياسية الاجتماعية للعراق.

[4] أُدين بهذه الفقرة للأستاذ عبد الباقي رضا وقد اقترحها بعد قراءة نص سابق لهذه الورقة في آذار 2012.  وأضاف في تقييمه للورقة ان شروط سي اند اف تدفع المستورد إلى إجراء التأمين لدى احدى شركات التأمين المحلية المجازة، أجنبية كانت أو كفروع شركات عراقية.

[5] علق الأستاذ عبد الباقي رضا على النص السابق لهذه الورقة في آذار 2012 كالآتي: “قبل ضمان استقلالية ديوان التأمين تعزيز جهازه الفني بعناصر مؤهلة وتدريبهم لدى سلطات الرقابة في الدول العريقة في اعمالها كمصر والاردن.  ان دور الرقابة على شركات التأمين الخاصة التي كثر عددها دون تعزيز امكانياتها الفنية مهم جدا حمايةً لحقوق المؤمن لهم.”

 

[6] لا يرى الأستاذ عبد الباقي رضا “موجبا لإعادة النظر في قوانين الضرائب ذلك لان جميع وثائق التأمين سواء كانت صادرة من الشركتين العامتين أو الشركات الخاصة تخضع لرسم الطابع الذي يجبى بطريقة سهلة هي التي اقترحتها وقبلت بدلا من لصق الطوابع على كل وثيقة.  أما الضرائب فجميع الانشطة التي يمارسها القطاع الخاص والمختلط تخضع لضريبة دخل بنسبة 15 بالمئة مقطوعة وليست تصاعدية كما كانت سابقا ولا أظن أن هذه النسبة عالية.”

Organisations in Iraq: bureaucratic & intelligent management

المنظمات في العراق بين الإدارة البيروقراطية والإدارة الذكية:

أهمية إدخال تكنولوجيا المعلومات

 

 

مصطفى نوري

مدخل

تمثل الادارة جانبا مهما وفعالا في صلب تطور وبقاء اي منظمة ( منشأة ) عاملة في اي مجال من المجالات.  صحيح ان فحوى المقال سيبتعد عن روحية ما يهدف اليه مرصد التأمين العراقي باعتنائه بكل ما يخص قطاع التأمين العراقي ولكني أطمح بالخروج الى حلقة اكبر. ان بقينا ندور في فلك التأمين دون الانتباه إلى التنظيم والإدارة نكون قد أهملنا جانباً مهماً للنشاط التأميني فمن غير الممكن ان توجد او تستمر اي منظمة تعمل في قطاع التأمين من دون ادارة ناجحة قادرة على فهم التحديات للسير بها الى الامام، بما تمثلها هذه الإدارة من توجيه لجهود الإفراد نحو تحقيق الأهداف المرسومة.  ولذلك وددت أن أوليها مقالا منفردا لشرح مفهوم الإدارة والوقوف عند المدرسة البيروقراطية المتبعة في المنظمات ( المنشآت ) العاملة في العراق بشكل عام خصوصا في هذه المرحلة التي يكثر فيها الحديث عن سوء الإدارة والهدر في الموارد المالية والمادية التي يشهدها العراق في ظل موازنات تعد هائلة من حيث الموارد المادية وفقيرة من حيث اثرها الملموس على واقع الحياة والمواطن.

يتبادر هنا السؤال التالي: هل تمت تسمية الحكومة الأمريكية بالإدارة الأمريكية اعتباطا أم انها جاءت نتيجة وعي وأدراك لأهمية الإدارة، وان مهمة الرئيس الأمريكي وطاقمه مجرد الإدارة والإشراف على تنفيذ خطط وبرامج تم الإعداد لها مسبقا من خلال منظومة ذات رؤى استراتيجية يمتد تخطيطها لسنوات وان نجاح أو فشل الإدارة تحدده نسب الانجاز؟

لا تغطي هذه الورقة إشكاليات المنظمات العراقية بل تكتفي بعرض سريع لمفهوم المنظمة وتركز أساساً على أهمية إدخال التكنولوجيا في إدارة المنظمة.

ماذا نعني بالمنظمة

في البداية لا بد من تعريف القارئ بمعنى المنظمة.  هي تجمع اجتماعي من الافراد، وبشكل منهجي ومنظم من أجل تلبية حاجة أو لتحقيق أهداف جماعية على أساس مستمر.  والمنظمات لها هيكل إدارة هو الذي يحدد العلاقات بين المهام والوظائف، ويقسم الأدوار وتفويض صلاحيات هذه الأدوار، والمسؤوليات، والسلطة. المنظمات هي انظمة مفتوحة وذلك لأنها تؤثر وتتأثر بالبيئة خارج حدودها.

A social unit of people systematically structured and managed to meet a need or to pursue collective goals on a continuing basis. All organizations have a management structure that determines relationships between functions and positions, and subdivides and delegates roles, responsibilities, and authority to carry out defined tasks. Organizations are open systems in that they affect and are affected by the environment beyond their boundaries.[1]

كما تُعرف الإدارة بمفهومها الحديث على أنها علم وفن التعامل مع الموارد المتاحة في المنظمة، فمجتمع اليوم مجتمع منظمات تسعى لتوفير السلع والخدمات للمجتمع من خلال توفير الموارد المادية والمالية والبشرية والمعلوماتية المتاحة.[2]

تعنى الادارة بتحقيق هدفين أساسيين هما:

أولا:- الكفاءة Efficiency: وتمثل الاستخدام الامثل للموارد المتاحة في المنظمة والتي تتضمن الموارد البشرية والمادية والمعلوماتية والمالية بحيث يصار من خلالها الى تحقيق أعلى انجاز مستهدف بأقل الموارد المتاحة Do things rights.

ثانيا:- الفاعلية Effectiveness: ويشير هذا المفهوم الى تحقيق الانجاز المستهدف من خلال Do the right things .

وفقا لهذين المفهومين فهناك اربعة انواع من المنظمات:

1- منظمة كفوءة وفعالة :أي أنها تستطيع تحقيق الاهداف بأقل الموارد المتاحة وهي أفضل المنظمات في المجتمع.

2- منظمة كفوءة وغير فعالة: وتشير الى المنظمات التي تقوم بترشيد الموارد لديها ولكنها غير قادرة على انجاز الاهداف.

3- منظمة غير كفوءة وفعالة: وتشير الى المنظمات التي تستطيع تحقيق الاهداف ولكنها غير رشيدة باستخدام الموارد المتاحة لديها.

4- منظمة غير كفوءة وغير فعالة: وتشير الى المنظمات التي لا تستطيع تحقيق الاهداف ولا تقوم بترشيد الانفاق لديها وفق المتاح من الموارد المتوفرة لديها.

مفهوم الإدارة

لقد ظهرت الإدارة كممارسة فعلية منذ أن خلق الإنسان على وجه البسيطة وما الآثار التي خلفتها الحضارات البابلية والأشورية والفرعونية، في بنائها الحدائق المعلقة وأهرامات مصر وسور الصين العظيم وبرج إيفل وغيرها من المظاهر الحضارية للمجتمعات الإنسانية، إلا دلائل واضحة ومعالم بارزة في انتهاج سبل الإدارة وتوجيه جهود الإفراد نحو تحقيق انجاز هذه الفعاليات.

ان الفكر العلمي للإدارة لم يظهر إلا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من خلال الأعمال التي تجسدت معالمها من خلال الدراسات التي قام بها فريدريك تايلور (FrederickTaylor, 1856-1915) والذي لقب بأبي الإدارة العلمية.

أن ما أحاول الوصول إليه هو لفت الانتباه للأنظمة البيروقراطية المعمول بها وبيان سلبياتها والدعوة إلى تطويرها من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والاستفادة القصوى من المدارس الكلاسيكية في الإدارة والتي تنادي بالرشد والعقلانية وتقسيم العمل والتخصص به من خلال دراسة جدية للوقت والحركة مرورا بالمدرسة السلوكية المنادية بضرورة خلق التوازن بين أولويات الإنتاج وبين الجوانب الإنسانية المختلقة ومن ثم المدارس الإدارية الحديثة وأبرزها المدرسة اليابانية والمدرسة الأمريكية والتي تعتبر أفضل المدارس الإدارية من حيث قدرتها على خلق منظمات قادرة على تحقيق أهدافها بكفاءة وفعالية عالية بأقل مقدار من الوقت والجهد والموارد المادية المستخدمة.

تواجه منظمات اليوم تحديات عديدة فرضت عليها أن يكون لديها أدارة متميزة قادرة على التنبوء بما ينطوي عليه المستقبل من خلال دراسة البيئة الداخلية والخارجية المحيطة بالمنظمة أو التحليل البيئي ( SWOT ) والذي يعرف على أنه التحليل الذي يهدف إلى مقارنة نقاط القوة والضعف في البيئة الداخلية للمنظمة والفرص والتهديدات التي قد تتعرض لها من البيئة الخارجية ثم الاندفاع باتجاه تحقيق أهدافها في البقاء والاستمرار.

فمرحلة التفكير البديهي أو الحسي intuitive thinking في مواجهة المشاكل بأسلوب عفوي مرن قد انتهت منذ فترة ليست بالقصيرة في ظل تنامي العولمة والاتصالات الحديثة والتي جعلت العالم كقرية صغيرة يستطيع فيها الفرد أو المنظمة التواصل من أقصى المعمورة إلى أقصاها بسرعة وفعالية كبيرة.

الفجوة الزمنية بين الإدارة البيروقراطية والإدارة الذكية، والتي تعتبر أحدث انماط الادارة، والتي تمارس في أغلب منظمات اليوم (الصغيرة والمتوسطة والكبيرة ) كبيرة جدا وطبيعية، ناجمة عن تطور الفكر الإنساني والإداري والتكنولوجي ذلك أن احد عيوب الإدارة البيروقراطية، وكما سيتم عرضه، هو عجزها عن استيعاب التكنولوجيا الحديثة.  أما الإدارة الذكية فهي المعتمدة كليا على التكنولوجيا، فمنظمات اليوم على اختلافها تسعى جاهدة لتسخير التكنولوجيا الحديثة في صراعها للبقاء في بيئة الأعمال القائمة على التنافس.

المنظمة البيروقراطية ( المنظمة المثالية ) كمفهوم

تعد البيروقراطية من أقدم الظواهر التنظيمية والتي أثيرت بشأنها العديد من المواقف الداعمة والمتعارضة معها.  وقد ارتبط مفهوم البيروقراطية بعالم الاجتماع الألماني ماكس ﭬيبر Weber, 1864-1920)(Maxحيث نشرت نظريته في ألمانيا العام 1921 وترجمت إلى الانجليزية عام 1947.[3] وقد عرفت البيروقراطية على أنها (حكم المكاتب) وهذا المفهوم يشير الى مظاهر الروتين والسلبية إلا أن البيروقراطية لها مفهوم علمي أوسع.

مميزات البيروقراطية

اعتبر ماكس ﭬيبر المنظمة البيروقراطية من أفضل أشكال التنظيم الإداري، وأكثرها قدرة على تحقيق الأهداف الأساسية للمنظمة.  فالمنظمة البيروقراطية تمتع بصفة العقلانية أو الرشد في معالجة المشكلات الإدارية واعتمادها أساليب التخصص الإداري.  كما افترض ﭬيبر في المنظمة البيروقراطية صفات متعددة هي السرعة والدقة والوضوح والإلمام الكامل بالمتطلبات وانصياع المرؤوسين بشكل تام إلى المسؤول الإداري الأعلى وتقليل الاحتكاك بالمستويات الإدارية المختلفة.

مساوئ البيروقراطية

ان من أهم المآخذ التي أخذت على البيروقراطية ما يأتي:

1- إهمال الفرد ومعاملته كآلة وإغفال الطبيعة الإنسانية للإفراد العاملين وخصوصا قيامها على مبدأ Do not do what you want to do, do what we want you to do because we pay for it .

2- تساهم بعض المبادئ التي تقوم عليها المنظمة البيروقراطية على الإهمال وانخفاض الكفاءة مثل مبدأ الاقدمية في الترقية والترفيع.

3- التركيز على مبدأ الرقابة والإشراف مما يؤدي ذلك إلى حصول بعض الانحرافات غير المتوقعة سيما وان طبيعة الجنس الإنساني لا يمكن إخضاعه للسيطرة.

4- التناقض بين خصائص المنظمة البيروقراطية التي جاء بها ماكس فيبر وبين التدرج الهرمي وسلطة الإدارة وبين الخبرات والتدريب كأساس لاختيار الإفراد.

5- عجز المنظمة البيروقراطية من استيعاب التكنولوجيا الحديثة وعدم قدرتها على امتلاك الوسائل الكفيلة بمعالجة الخلافات بين المستويات الإدارية المختلفة.

الإدارة الذكية

يشير مصطلح الإدارة الذكية للإعمال إلى التطبيقات والتكنولوجيات التي تستخدم لجمع البيانات والمعلومات عن عمليات الشركة وتوفير السبل للوصول إليها وتحليلها واتخاذ القرارات.

تقدم أنظمة الإدارة الذكية طرقا لمساعدة الشركات على معرفة العوائق التي من الممكن أن تواجه الشركة في ممارسة أعمالها وتأثير ذلك على الإنتاج والمبيعات والتسويق وبالتالي قدرة الإدارة على اتخاذ القرارات الصائبة.

ارتأيت ادراج التعاريف التالية لإعطاء فكرة مبسطة عن طريقة عمل الإدارة الذكية:

المعلومات: تشير إلى البيانات في شكل حقائق خام أو توضيحات ذات مغزى في عملية اتخاذ القرارات.

تكنولوجيا المعلومات: الأجهزة والبرمجيات وقواعد البيانات وتكنولوجيا الاتصالات والشبكات وغيرها من تكنولوجيات معالجة المعلومات التي تستخدم نظم المعلومات المعتمدة على الحاسوب.[4]

نظم المعلومات: الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات في جمع وتنظيم وتوزيع البيانات لاستخدامها في اتخاذ القر ار، وبمعنى أكثر دقة المقدرة على الاستفادة من الحواسيب وتكنولوجيا المعلومات في إيجاد واسترجاع وتقييم وتحليل المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار.

أن نظام المعلومات هو نظام محوسب، يعمل على مختلف مستويات المنظمة الإدارية ويحدث تغييرات جوهرية في الأهداف، والعمليات، والإنتاج، والخدمات، أو في العلاقات البيئية للمنظمة ( البيئتين الداخلية والخارجية ).  ومن جانب آخر فإن نظم المعلومات تشمل شرائح إدارية ومهنية أكبر وتعالج موضوعات أعمق ولها بعد أوسع، بحيث تُغيّر بشكل جذري المنظمة نفسها، كما تساعد الشركة على عرض منتجاتها وخدماتها بتكلفة أقل من المنافسين، أو أن هذا النوع من النظم يُمكّن الشركة من تأمين قيمة أكبر وأفضل وبنفس تكاليف المنافسين.

تأثير نظم المعلومات في المنظمات

يتم التأثير في المنظمات على مستويين اقتصادي وسلوكي.

1- النظريات الاقتصاديةEconomic theories : تلعب نظم المعلومات وتكنولوجياتها دورا مهما في العملية الإنتاجية حيث يمكن أن تحل محل رأس المال والعمالة فتكنولوجيا المعلومات تؤدي إلى تقليص عدد الإدارات الوسطى والعاملين في المجالات الكتابية، حيث أن تكنولوجيا المعلومات يمكن ان تعوض عن جهود مثل هذه الإدارات ناهيك عن التقليل أو لنقل انعدام الأخطاء مما يؤدي بالمنظمة إلى تحقيق أهدافها بكفاءة وفعالية.

2- النظريات السلوكية Behavioral theories : بالرغم من أن النظريات الاقتصادية المختلفة  تحاول إيضاح كيف أن عددا كبيرا من الشركات تتصرف في مواقع الأسواق، إلا أن النظريات السلوكية من وجهة نظر علم الاجتماع، وعلم النفس، والعلوم السياسية، هي أكثر فائدة في وصف سلوكية الشركات، كل بمفردها. فالبحث السلوكي وجد أدلة قليلة على أن نظم المعلومات تجري تحولات تلقائية (أوتوماتيكية) في المنظمات. ولكن ربما يمكن لنظم المعلومات من أن تستخدم كأداة في إنجاز هذا الهدف، إذا ما قرر المديرون في الإدارة العليا أن يستثمروا ويتابعوا مثل ذلك. الباحثون السلوكيون تمكنوا من وضع نظريات تشير إلى أن تكنولوجيا المعلومات تستطيع تغيير هرمية وتسلسل صناعة القرار في المنظمة، عن طريق تخفيض كلف المعلومات التي يتم الحصول عليها، وتوسيع دائرة توزيع المعلومات. فتكنولوجيا المعلومات يمكن أن توصل وتجلب المعلومات مباشرة من وحدات التشغيل إلى المديرين في الإدارة العليا، ولذا فإنها تُحدُّ وتقلّص من الإدارات الوسطى، ومن الذين يقومن بمساعدتهم ودعمهم من العاملين في الوظائف الكتابية.

3-  المنظمة الافتراضية Virtual organization: فيما بعد المجتمعات الصناعية بدأت السلطات والإدارات تعتمد بشكل أكثر على المعرفة والمنافسة، وليس فقط على المراكز الرسمية الشكلية. لذا فإن شكل المنظمة ينبغي أن يكون أكثر تسطحاً “flatten” لان العاملين المهنيين أصبح توجههم نحو إدارة أنفسهم بأنفسهم، لذا فإن صناعة القرار ينبغي أن يكون لا مركزيا بشكل أكبر، كلما أصبحت المعرفة والمعلومات أكثر انتشاراً وتوسعاً.  تكنولوجيا المعلومات ربما تشجع قوى العمل من أن تتشابك منظماتها بحيث يستطيع مجموعة من المهنيين أن يتعاونوا وجهاً لوجه، أو بشكل إلكتروني، لمدة محددة من الوقت لغرض إنجاز وظيفة محددة ومتى ما أنجزت المهمة أو الوظيفة، فإن هؤلاء المهنيين يستطيعون الانضمام إلى قوة عمل أخرى ومن هنا أتت فكرة “المنظمة الافتراضية” وتنامت وتوسعت في عدد الشركات التي أصبحت تدار بمناهج المنظمة الافتراضية.

تأثيرات الإنترنت على المنظمة

هنالك عدد من الفوائد والتأثيرات الإيجابية للإنترنت على المنظمات، وعلى إجراءات العمل والإدارة فيها، يمكن أن نحددها بالآتي:

1-      ضاعف الإنترنت من فرص الوصول والحصول على المعلومات والمعرفة وكذلك تخزينها وتوزيعها، لذلك فإن أية معلومة تقريباً، وفي أي مكان وموقع كانت يمكن أن تكون متاحة للمنظمات.

2-      زاد الإنترنت من آفاق، وعمق، ومديات تخزين المعلومات والمعرفة.

3-      قلل الإنترنت من التكاليف، وزاد من جودة النوعية للمعلومات والمعرفة.

4-      باستخدام الإنترنت تستطيع المنظمة تقليص عدد من المستويات الإدارية، وتزيد من سرعة الاتصالات بين الإدارات العليا والإدارات في المستويات الأقل منها.

مقاومة إدخال نظم المعلومات إلى المنظمة

يطرح ميكافيلّي (1469-1527) في كتابة الأمير فكرة أن غالبية البشر لا تحب التغيير وهذا ما ظهر في فترة الثورة الصناعية عندما قامت المعامل في اوروبا بتسريح عشرات العمال والاستغناء عنهم مقابل الماكنة مما أدى إلى قيام حركات مضادة لإدخال المكننة.

سيصبح هناك بالتأكيد مقاومة عند إدخال نظم المعلومات المحوسبة وعدم رغبة البعض في التعامل معها في المنظمة. والسبب في ذلك أن نظم المعلومات تغير العديد من الأبعاد التنظيمية في المنظمات المعنية، والتي هي:

1.    الثقافة culture ، أي ثقافة المنظمة

2.    البنية التنظيمية structure

3.    السياسات politics

4.    العمل work

تقويم المنظمات في العراق

ان البداية الصحية والصحيحة لتقويم المنظمات في العراق يتلخص في الاتي:

1- اعتماد ادارة مالية ناجحة عن طريق الاستعانة بمتخصصين في مجال الادارة المالية، فوظيفة المدير المالي الأساسية هي التمويل أي تمويل المنظمة بأموال بفرعيه (المقترض والمملوك).  فحصول المنظمة على التمويل اللازم لبدء عملها واستمرارها هو الجانب الاهم فلا يمكن لأي منظمة العمل بدون أموال أضافة الى وظائفه الاخرى وهي الاستثمار، سياسات وقسوم الارباح، الاندماج والافلاس.  كما انه المسؤول الاول عن تحديد سياسة المنشأة الاستثمارية سواء كانت متحفظة او معتدلة او مغامرة.

2- تفعيل دور الاسواق المالية( البورصات ) والتركيز على الجانب التكنولوجي للوصول الى أسواق تلبي حاجات المستثمرين والشركات وتصبح على الاقل مقاربة من حيث الاداء لنظيراتها في المنطقة.

3- اعتماد سياسة نقدية ومالية تخدم القطاع الخاص والبدء بالتحول التدريجي الطويل الامد نحو القطاع الخاص وابعاد الدولة عن الانشطة الاقتصادية.

4- التركيز على النظام المصرفي ومحاولة تطويره ليقدم الخدمات الى الزبائن وخصوصا في مجالات الاقراض.  فمع نظام مصرفي فعّال ومهني يخضع لضوابط وتعليمات مشددة من البنك المركزي فمن المؤكد ان تحدث تغييرات إيجابية على النشاط الاقتصادي ودخل الفرد عموما.

5- اعتماد مؤشرات التحليل المالي من خلال توفير بيانات دقيقة بالاعتماد على التكنولوجيا للحصول على مؤشرات سليمة ودقيقة لتشخيص الايجابيات والسلبيات في المنظمة لغرض تعزيز الايجابيات ومعالجة السلبيات من خلال: اما الاعتماد على المصادر الداخلية ( أي مصادر المنظمة نفسها ) او من خلال شركات عالمية متخصصة ومعروفة في مجال التحليل المالي .

ان التحليل المالي ( عملية تجميع وتبويب وتحليل وتفسير البيانات ) السليم سوف يؤدي الى استفادة كل من مدير المالية في المنظمة ليقوم بدوره في التشخيص السليم لحالة المنشأة أضافة الى المستثمرين.  فالمستثمر يفضل أن يتخذ قرار الاستثمار استنادا الى دراسة تقوم جزئيا على مؤشرات التحليل المالي إذ أن الفرص الاقتصادية البديلة تتنافس أمام المستثمر في استقطاب مدخراته. أضافة الى اسواق المال ( البورصات ) لتقوم بإصدار النشرات المالية التي تبين حالة السوق والدولة في الرقابة على الاسعار وجباية الضرائب .

الخلاصة

ان الادارة في العصر الحديث تواجه تحديات جسيمة نتيجة للثورة العلمية والتكنولوجية  في مختلف الميادين ويُعد التوجه نحو مجتمع المعرفة بمثابة حركة جارفة تتمثل بكمية المعلومات الهائلة التي تتدفق بفعل الاتصالات التي تعتمد تكنولوجيات متقدمة ومتعاظمة يصعب على الفكر الإنساني أن يستوعبها ويلم بها والتي يجب على الإدارات العليا التعامل معها خصوصا في أتخاذ قرارات مصيرية تؤثر في عمل المنظمة ربما لعقود.

فعملية أتخاذ القرار تعد جوهر العملية الادارية إذ ان عدم الشروع في اتخاذ القرار أو عدم اتخاذها بالشكل المناسب والصحيح من شأنه أن يخلق تكريسا للإخفاق والتنصل عن أداء المهام والانشطة المطلوبة لتحقيق الاهداف المبتغى انجازها.  فلا يوجد قرار في الشركة مهما كان موقع اتخاذه في الادارات المختلفة الا وله نتائج أو أثار مالية، فالوسائل التقليدية في أتخاذ القرارات كالخبرة الشخصية والفراسة والحدس لم تعد قادرة على إسعاف المنظمة.

ومن هنا برزت أهمية اتخاذ القرار في تحقيق النمو والتحسين المستمر للمنظمة لا سيما وان التسابق المحموم الذي توليه المنظمات المختلفة على الصعيد العالمي والتكنولوجي يتطلب اعتماد الرؤيا والدقة والشفافية والموضوعية في اتخاذ القرارات ويمكن الاشارة بهذا الصدد الى شعار وزارة الدفاع الامريكية ( البنتاغون )

 Do the right things at the first time.  أي أعمل العمل الصحيح صحيحا من أول وهلة، إذ ان هذا من شأنه أن يساهم في تحقيق أهداف المنظمة دون ان يستنزف الجهود والتكاليف غير المثمرة ويحقق في ذات الوقت الاستثمار الفعال للموارد المتاحة بشكل سليم.

بغداد 17 حزيران 2012


[2]د.خضير كاظم حمود، مبادئ الإدارة، ص22

[3]Max Weber, The Theory of Social and Economic Organisation (Free Press, 1947)

H H Gerth and C W Mills(eds), From Max Weber: Essays in Sociology (Routledge & Kegan Paul, 1948)

[4] د. غسان عيسى العمري و د. سلوى أمين السامرائي، نظم المعلومات الاستراتيجية (عمان، 2008)، ص132

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.